أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الكبير الداديسي - جدلية القراءة / الكتابة















المزيد.....

جدلية القراءة / الكتابة


الكبير الداديسي
الحوار المتمدن-العدد: 5510 - 2017 / 5 / 3 - 19:12
المحور: الادب والفن
    


(- ألقيت هذه الكلمة بمناسبة الاحتفال بيوم الكتاب وقد رعي فيها طبيعة الفئة المستهدفة فكثر فيها الاقتباس وتوجيه لرسائل للناشئة )

عندما يطلب من قارئ نهم ، وكاتب متواضع نيف على الخمسين سنة، أن يحكي عن تجربته مع القراءة والكتابة ، فذلك أشبه بأن تطلبوا من رجل تلخيص نوعية وكمية وأذواق .. كل المأكولات والمشروبات التي تناولها في حياته... وإن كان الكتاب إكسير حياة، بلسم نذوب الزمن، أجل طعام وأنفع غذاء للفكر الإنساني...
لا أخفيكم سرا إذا قلت لكم أنه لولا الكاتبة والقراءة لكنت وقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس والقنوط ، لأنهما من أهم المتع التي لا زيف فيها ، المتعة التي تبقى بعد أن تتلاشى كل المتع الأخرى، متعة الكتاب الصديق الوحيد الذي ما خلف يوما موعدا، يظل دائما كلما حملته مصدر نور يتلألأ بين يدي، إنه بالنسبة لي العبد المعبود والمعبد مَن غيره ينبر ولا يستنير، يعلم يصنع العقول ، ويربي الأذواق بصمت الحكماء دون أن يرفع صوتا أو سوطا ...
الكتاب يصنع إنسانا قارئا... والإنسان القارئ إنسان مفعم بالحياة ، تجعله القراءة خفيف الظل، مرهف الحواس فما من شيء كبر حجمه و زادت كثلته إلا زاد ثقله إلا العلم والقراءة فكلما زدت قراءة زدت تواضعا وزدت احتقارا لنفسك. وكلما أخذت علما أكثر كلما خف حمله.. واعلموا أن كل كتاب تقرأونه قد نقش بدماء كاتبه، لخص فيه تجاربه ، وعصر عقله وقلبه ليقدم حياة ... فأقرءوا تعشوا حياتكم، واكتبوا تخلدوا فالذي يكتب لا يموت.... أين الملوك والقياصرة والفراعنة .... ومن خلد اسمه في التاريخ منهم فبفضل كاتب....

الكتاب صديق ، أب و معلم صامت لا ينفعل مهما كانت ردود فعلنا تجاهه لذلك لا شيء يجدد روحي .. ويوقظ مشاعري .. ويجعل لحياتي معنىً إلا الــ ( قراءة ) ... والكتابة تعطني حق المواطنة في ديمقراطية النصوص الخالدة ، القراءة تحقق لذة، لا يتذوقها كل البشر لأن الكتابة تجعلك من الخاصة وتبعدك عن العامة الغوغاء التي لا تعرف سوى الاستهلاك والنوم... إن الكتابة طريقة في أن يكون الإنسان فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا إيجابيا في ذات الآن... وتجعله حاضرا في الغياب....
الكتابة تجعل لصوتك ذبذبات غير قالبة للتلاشي، بل تمنح ذبذبات صوتك رنينا يزداد كلما اتسع المدى ، ترمي بك في طموحات روحية ، حيث المثل اليوتوبية ... تلوي أعناق الحاضر بالنوسالجيا ... إنها العزاء الوحيد في عالم يشعر فيه الإنسان بالوحدة وسط الحشود الغفيرة...
في هذا الزمن المادي تصبح الكتابة بعثا للحياة داخل الموت ويصبح أقصى ما يطمع فيه الكاتب هو موت ممتع، بعد أن غدت تحاصره المادة والعلوم وأصبح الأدب في نظر الأغلبية مرادفا للامعنى واللاشيء... والأديب - ليس من الأغلبية وإن تكلم بلسانها - يجد متعته في أن يرى كل المعاني في اللامعنى لذلك تصبح سعادة الكاتب هي أن يجد أدبا مستحيلا عصيا على الآخرين ، كتابة تخيف وترعب التقليدين الخائفين من هذا المستحيل، وقد تصبح هذه الكتابة أكثر استحالة عندما تتحلل من الأشكال ومن النمطية لتأخذ شكلا هلاميا يتسلل عبر المسام يخدر ويؤثر دون ألم ، يفعل مفعوله بالشكل والحجم الذي يريده الكاتب ولكل كتابة تأثيرها اليوم أو غدا فلا كتابة بيضاء...
وإذا كانت اللغة للجميع فإن الكاتب يكسبها شحنة موجبة فتحوله من قارئ إلى كاتب، و الكاتب ليس سوى قارئ يكتب مولد للمعاني ومانح التعدد للمفرد، يعطي عدة معاني للنص الواحد بل يناسل المعاني من الكلمة الواحدة....

عندما أقرأ كتاب أشعرني عريسا يدخل قفصا ذهبيا اختاره بنفسه، متعبدا داخل خلوة صوفية التكتاب فيها معبود ومعبد.. وعندما أكتب تصبح الكتابة حرية تخلصني من الزمن، وتحطم أمام عيني حدود المكان، لأقف ساخرا: يا زمن يا لعين خذا أبائي خذ أولادي خذ ما بنيت واشتريت... خدني لكن اعلم أنني بهذه اللطخة السوداء وهذه الحروف المزروعة في عبث ترسخ سرمديتي ... أتحداك وإن سجتني في المكان ، أن تنهي زنين حروفي في الزمان...
بالكتابة أطير عبر كل الأقطار وأسافر عبر كل الأزمان... ومَن غير الكتابة يعطيك قوة التحليق يطالعك العرب بين الألمان والأمريكان والمنسيين في غرب أو شرقستان ...

الكتابة إذن خلود لأن ما يُكتب يحفظ و يبقَى... و ما يقال تذرهُ الرياح والنسيان، أقرءوا كثيرا واكتبوا ما استطعتم لذلك سبيلا...فعندما تقرءون تستقبلون المعاني بقلبكم، وعندما يصبح قلبكم مجمع كل الحواس وتصابون بعدوى القراءة، تصبح قراءة أخر صفحة في كل كتاب تشعركم بفقدان صديق... وعندما تجلسون للكتابة لن تتذكرون من إلا الأصدقاء الأعزاء، ولن تكتبوا إلا حول أحسن ما قرأتم...
فصاحبوا الكتاب تسلموا واعلموا إن كُل مصحوبٍ ذو هفوات، قد تأتيك منه نكبات، إلا الكتاب فهو مأمون العثرات... ومهما كانت تفاهة كتاب لا بد أن يكون له تأثير و إخصاب للذهن ... لأن الكتب عصارة الفكر ونتاج العلم وخلاصة الفهم ودوحة التجارب وعطية القرائح وثمرة العبقريات.... إنها النوافذ التي تطلون منها على عالم الخيال وعلى الماضي والمستقبل... والإنسان الذي ما طالع في حياته كتابا بيت بلا نوافذ، وسرداب بدون منافذ...
اقرئوا وأطلوا على أعماقكم وعلى العوالم الممكنة والمستحيلة... وافتحوا النوافذ لأشعة شمس المعرفة، فالقراءة والكتابة وحدهما سعادة الحضارة وربيع الحياة .... بالكتابة بدأ التاريخ... بدونها يخرس الإبداع ، يتحجر الفكر وينتهي التاريخ.... لذلك انظروا إلى الكتاب كخير سلاح لقتل الضجر ، وملء الفراغ وتحقيق مجد لا يورث ، ووحظ لا يقسم بالأزلام و وواقع لا يُرى في المنام...

‏ واعلموا أن من لم تكن نفقته على الكتب ألذ عنده من إنفاق الندامى على الخمر ونفقة العشاق على القيان لن يكون قارئا عاشقا... والقارئ العاشق لا توحشه خلوة وما شعر يوما بغربة، ولا فاتته سلوى ، لأن القراءة عنده عبادة والكتابة خلود والجمع بينهما تكريم للإنسان ، امتلاك البصيرة ، تهذيب للنفس وتنمية العقل وتوسيع المدارك...
في الأخير أقول لكم أبنائي أن الكتاب مصدر فرحتي وسعادتي ، وفرحتي بكتاب وجدته بعد بحث طويل قد تكون أعظم من فرحة من وقع على كنز... إن البحث والتنقيب والقراءة والكتابة يحيلان ‎القراءة رياضة عقلية ونفسية، إحساسا بالأنس، تلذذا بالمتعة، إراحة للأعصاب وتنمية لقدرات التواصل الفعال، وحدها القراءة تصنع رجلاً كاملاً عميقاً ومترفعا... والقراءة مع الكتابة و الدربة تجعل القارئ ناقدا قاردا على مساءلة الكتب المنصوبة منارات في عتمات هذا الزمن المظلم، وتخلصه من التبعية لأنها تمنحه حرية أن يقرأ ما يختار، ولن يختار إلا ما يعجبه، وما يعجبه أكيد يسعده ولا هدف في هذه الدنيا غير العيش السعادة

هذه بإيجاز تجربتي مع الكتابة ، الكتابة تجعل الفردي النفسي المخبأ في الأعماق سوسيولوجيا عاما، من خلال البوح واللارتماء على أديم الأوراق البيضاء وتجعل الذات منشورة تتناسل عبر الكلمات والمفاهيم فلا يعدو الكاتب مهتما لردود فعل الآخرين... أنا كتبت وليعلم من أعجبه ما أكتب أني في كثير من المرات لا يعجبني ما كتبت... ولا يمكن لأي كاتب أن يعجب كل الناس وتلك لذة الكتابة...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,927,287,268
- البوح الايروسي .... في كتاب ازمة الجنس في الرواية العربية بن ...
- الرواية وجنسنة ثورات الربيع العربي
- دراسة : غزو الكويت في الرواية النسائية الكويتيتة
- دلالات الجبل في رواية جبل موسى للروائي المغربي عبد الرحيم به ...
- دوري كبير في كرة القدم بدوار صغير في المغرب العميق لفائدة ال ...
- حرب الخليج الثانية في الرواية النسائية بالكويت ج1
- أي مستقبل للجرائد الإلكترونية في ظل قانون الصحافة والنشر الج ...
- نادي القلم المغربي يطلق سلسلة حفلات لتوقيع كتب حديثة النشر
- ما الذي تحتاجه اللغة العربية اليوم ؟؟
- لماذا ألقى العاهل المغربي خطاب العودة إلى الاتحاد الإفريقي ب ...
- الاختفاء الغامض لأستاذ يحير ساكنة مدينة ابزو بالمغرب
- نادي الصحافة والإعلام يكرم الروائي العربي زكريا أبو مارية
- إدماج التلاميذ في مقاربة آفة المخدرات في الوسط المدرسي
- حب القروية بين عنف الزوج وجبروت الحماة
- انسخاب المغرب ، السعودية، الإمارات، البحرين وعمان يهدد القمة ...
- تمويه البياض في -شامة بيضاء- للشاعرة الفلسطينية إيمان زياد
- البوعزيزي/ محسن فكري... 20 فبراير / 30 أكتوبر : التشابه، وال ...
- أي لقب لبيل كلينتون في حال فوز هيلاري؟
- إصدار جديد حول أزمة الجنس في الرواية العربية بنون النسوة
- فسيفساء الهوية في الغناء والرقصات الشعبية بالمغرب


المزيد.....




- شاهد.. لاعب يتفوق على مهارات نيمار في التمثيل
- لأول مرة معرض الكتب الشهير «بيج باد وولف» في دبي
- انطلاق معرض العين للكتاب 2018، في أبو ظبى
- الإمارات: بمشاركة 34 دولة انطلاق -ملتقى الشارقة للراوي- غداً ...
- سعد لمجرد .. قضية ما تزال بين يدي القضاء
- عن حياة سحاقيتين... عرض فيلم مثير للجدل في كينيا
- الكاتب السوري علي وجيه: السينما السورية أصابها الاستقطاب
- 7 أفلام تمثل العرب في الأوسكار.. فما هي شروط قبولها؟
- عجوز أسكودار.. فوضى الأنا في محراب -مهرما سلطان-
- الممثل مارشيلو فينتي لـ-سبوتنيك-: أتمنى تعاونا بين السنيما ا ...


المزيد.....

- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الكبير الداديسي - جدلية القراءة / الكتابة