أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مهدي كاكه يي - الكونفيدرالية تفرض نفسها على الواقع العراقي















المزيد.....


الكونفيدرالية تفرض نفسها على الواقع العراقي


مهدي كاكه يي

الحوار المتمدن-العدد: 1440 - 2006 / 1 / 24 - 05:39
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


من الملاحظ أن الكثير من الكُتّاب و السياسيين العراقيين، ربما نتيجة لرغبات شخصية أو رؤية ايديولوجية أو فكرة طائفية أو عنصرية أو تماشياً مع إرادة الحكومات الإقليمية و الدولية أو بسبب الظروف المعقدة التي يمر بها الشعب العراقي، يدعون الى الوحدة القسرية بين أطياف الشعب العراقي، متجاهلين الخصائص التأريخية و الثقافية و الجغرافية لكل طيف من هذه الأطياف و لذلك يطرحون أفكاراً و مشاريع عاطفية غير عملية و التي هي بعيدة عن الواقع العراقي حيث دفع الشعب العراقي ثمناً باهظاً لهذه الوحدة القسرية المفروضة عليه منذ تأسيس الدولة العراقية. إن وضع مشروع ناجح لتنظيم نظام سياسي لمجتمع ما، يجب أن يأخذ بنظر الإعتبار الظروف الذاتية و الموضوعية لذلك المجتمع وأن يتصف بالموضوعية و العلمية بعيداً عن التأثيرات العاطفية و الذاتية و الايديولوجية و الطائفية و القومية. إن الكثير من الكُتّاب و الباحثين يحاولون إنكار وجود الأطياف العراقية أو دمجها في وحدة قسرية بالرغم من خصوصية كل طيف عراقي من شيعة و سنة و مسلمين و مسيحيين و عرب و كورد و تركمان و كلدان و آشوريين و أرمن و تنوع ثقافات و تأريخ و مصالح و اهتمامات هذه الأطياف. إن الإعتقاد بجدوى امكانية إلغاء الأطياف العراقية أو إختزالها في طيف واحد أو محاولة تركيبها منتجة مكوناً واحدا،ً هو محاولة عقيمة بائسة لنفي هذا التنوع الرائع للمجتمع العراقي و الذي يجعله أكثر غناء و روعة بثقافاته و لغاته و طقوسه و معتقداته المتعددة . يجب أن نعرف أنه من المستحيل إلغاء المكونات العراقية و خصوصياتها و خلق مكون مركب واحد منها قسراً كما حاول الفرنسيون مع الجزائريين وجرب الأتراك و العرب حظهم العاثر مع الأكراد و فشلوا فشلاً ذريعاً في مسعاهم. إذن، حباً بالعراقيين و حرصاً على مصالحهم و مستقبلهم، يجب أن نشجع و نعمل على اغناء خصوصيات الأطياف العراقية و نفسح المجال لها للتمتع بحق تقرير مصيرها بنفسها بدلاً من المحاولة في انكار أو تذويب هذه الأطياف الجميلة والتي هي موجودة على أرض الواقع إن شئنا أو أبينا وفشل في إلغائها كل الأنظمة العروبية العنصرية و الطائفية التي اغتصبت السلطة في العراق منذ تأسيسه. لماذا نذهب بعيداً، لننظر الى نتائج الإنتخابات التشريعية الأخيرة، حيث صوّت الشيعة للأحزاب الشيعية و الُسنّة للأحزاب السنية و الأكراد للأحزاب الكوردية و لو أُعيدت الإنتخابات بصورة نزيهة لعشرات المرات، سنحصل على نتائج مماثلة لأن هذه النتائج تعكس التوزيع السكاني للأطياف العراقية الرئيسة و تؤكد على تمسك الغالبية العظمى من المواطنين العراقيين بإنتماءاتهم المذهبية و القومية، كما أنّ فشل الأحزاب الليبرالية في الإنتخابات الأخيرة دليل آخر على صحة قولي هذا. أما صرخات و عويل بعض الكيانات السياسية و ادعاءاتها بحصول تزوير في الإنتخابات، ماهي الا ابتزاز سياسي للحصول على مقاعد أكثر في مجلس النواب العراقي القادم و تسنم بعض الوزارات، خاصة وزارتي الداخلية و الدفاع للتمكن من التسلل الى مؤسساتها لإعادة الهيمنة السنية على البلاد من جديد. لا زال المواطن العراقي يتم قتله على الهوية المذهبية و القومية كما يحصل للمواطنين الشيعة و الأكراد نتيجة تصدع العلاقات التأريخية بين هذه الأطياف بسبب التراكمات التأريخية و الثقافية التي عمرها ألف و أربعمائة سنة، لذلك نكون غير واقعيين أن نفرض على الأكراد و الشيعة و السنة العرب العيش معاً في ظل نظام حكم مركزي مماثل للأنظمة الدكتاتورية السابقة و بهذا العمل نكون قد تجاوزنا التأريخ و الواقع و نطلب تحقيق المستحيل لإنعدام الثقة بين هذه الأطياف و إختلافها مع بعضها في الثقافة و المصالح و الجغرافيا نتيجة عوامل تأريخية و قومية و طائفية و سياسية و ثقافية و اقتصادية و اجتماعية و نفسية حصلت خلال حقبة طويلة جداً من الزمن و إن خفض الهوة في الخلافات و الإختلافات بين الفرقاء يحتاج الى فترة أجيال عديدة مع توفر شروط مناسبة لإعادة الثقة بين الأطياف العراقية ومعالجة مشاكلها بشفافية و حكمة لبناء علاقة متكافئة بينها. عليه اذا نريد الإستقرار و السلام و التقدم للعراقيين، فأن نظاماً كونفيدرالياً في العراق مؤلفاً من ثلاث أقاليم، اقليم الوسط و الجنوب الشيعي و اقليم الغرب السني و اقليم كوردستان يكون هو الحل الواقعي و العملي لعيش العراقيين في وئام و سلام و المشاركة البناءة في بناء و ازدهار البلاد و أن الأجيال القادمة من العراقيين سيقومون بتحديد كيفية و نوعية العلاقة المستقبلية بين هذه الشعوب العراقية. أما اذا نصر على الضم و الإلحاق و الإلغاء و الوحدة القسرية كما فعلتها الأنظمة العراقية السابقة، فأن مأساة العراقيين ستستمر و نزيفهم سوف لا يتوقف.

أقترح نظاماً كونفيدرالياً للعراق لا فيدرالياً لأن النظام الفيدرالي غير قادر على توفير مستلزمات العيش المشترك للأطياف العراقية لأسباب و اقعية عديدة. كل من الشيعة و السنة و الكورد يحتاج الى امتلاكه لقواته المسلحة المستقلة ليكون قادراً على الدفاع عن نفسه و منع أي طيف آخر من إخضاعه لسيطرته و ذلك من خلال إنقلاب عسكري أو قيام مجموعة مسلحة تعود لإحدى الأطياف بالإستيلاء على الحكم و قيامها بتعطيل الدستور و اعلان حالة الطوارئ في البلاد و من ثم الزحف على الأقاليم الأخرى و السيطرة عليها. سبب وجيه آخر هو أن الخلاف والإختلاف بين المكونات العراقية الرئيسة عميقان الى درجة يستحيل على العراقيين من تشكيل جيش موحد يجمع أفراد هذه المكونات. ربما يخالفني البعض في هذا الرأي و يقولون بأن الجيش العراقي موحد في الوقت الحاضر و لا نلاحظ حدوث مشاكل بين أفراده. للرد على مثل هذه الأقوال، أقول بأن أفراد القوات المسلحة العراقية بمختلف صنوفها مقسمة عملياً في الوقت الحاضر حسب إنتماءاتهم الطائفية و القومية، ففي كوردستان هناك قوات البيشمركة و الشرطة مستقلة عن القوات العراقية الأخرى و نفس الشيئ ينطبق على أفراد القوات المسلحة المؤلفة من الشيعة في الوسط و الجنوب و ها نسمع هذه الأيام ببدأ تشكيل قوات مسلحة للعرب السنة في غرب العراق. التهدئة الموجودة حالياً بين مكونات القوات المسلحة هي مجرد هدنة وقتية بسبب تواجد القوات الأمريكية في البلاد و تحكّمها بها و هي أصبحت كصمام أمان لمنع أي نزاع قومي أو مذهبي بين أفراد الجيش العراقي لأن الثقة معدومة أو قليلة جداً بين المكونات العراقية و أن كل مواطن عراقي يرى مصلحته و مستقبله و أمنه في الإلتفاف حول طائفته كما هو الحال مع المواطن السني و الشيعي أو الإلتفاف حول قوميته كما في حالة المواطن الكوردي حيث الشعور بالإنتماء الى الوطن مفقود أو ضعيف عند المواطن العراقي. ارى من الصعب جداً رؤية حضور للوجود العربي من جنود و أفراد شرطة و حتى موظفين في كوردستان لأن شعب كوردستان سوف لايتقبلون وجودهم و أنّ أفراد الشرطة و الجيش و الموظفين العرب سيجدون أنفسهم غرباء في كوردستان ويكتشفون أنهم غير مرحب بهم من قبل شعب كوردستان و تنطبق هذه الحالة على إبن الجنوب و الوسط الشيعي عندما يخدم في مدن الفلوجة و الرمادي و تكريت السنية أو عندما يخدم المواطن العراقي السني في مدن النجف و الناصرية و الديوانية الشيعية. هذا هو الواقع العراقي و من يقول عكس ذلك فهو ينم عن مجاملات أو حسن نية أو وهم وتمنيات. هؤلاء يجب أن يعرفوا أن الشعب العراقي لم يستطع أن يصبح شعباً متجانساً ذا مصالح مشتركة خلال عيشهم المشترك لمدة أكثر من ثمانين عاماً، أي منذ تأسيس الدولة العراقية و التي حافظت الحكومات العراقية المتعاقبة على الوحدة الهشة للبلاد خلال هذه الفترة بإستعمال القوة و البطش. إن البرلمان الكوردستاني إرتكب خطأً تأريخياً في تبنّيه النظام الفيدرالي في العراق ليكون مظلة للمكونات العراقية و كان عليه أن يأخذ الواقع الكوردستاني والعراقي بنظر الإعتبار والذي بحاجة ماسة لنظام كونفيدرالي الذي هو النظام الوحيد القادر على الحفاظ على الدولة العراقية الموحدة. رغم نص الدستور العراقي على النظام الفيدرالي، الا أن علاقة الأقاليم الثلاث مع بعضها و مع الحكومة المركزية بدأت تتوضح معالمها لتصبح عملياً علاقة كونفيدرالية حيث يحتفظ كل إقليم بجيشه الخاص و يستثمر ثرواته الطبيعية و يُشرف على علاقاته الخارجية و بمرور الوقت ستتبلور معالم هذا النظام الكونفيدرالي بشكل أوضح.

كما ذكرت، أنّ االمجتمع العراقي لا زالت مكوناته في تنافر و تباعد بالرغم من العيش المشترك معاً لأكثر من ثمانين عاماً أي منذ تأسيس الدولة العراقية، لإختلاف الأطياف العراقية فيما بينها تأريخياً و جغرافياً و ثقافياً. إن الشيعة عانوا كثيراً تحت الحكم السني السلفي لمدة اكثر من الف و اربعمائة سنة و تعرضوا للمجازر و الإبادة و النهب في ظل هذا الحكم. إن تأريخ العلاقات بين السنة و الشيعة مخضب بالدماء بدءاً من الخلاف بين الإمام علي بن أبي طالب و الآخرين على تولي الحكم بعد وفاة الرسول و من ثم مقتل الخليفتين الإسلاميتين عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب مروراً بتسميم الإمام حسن بن علي بن أبي طالب و إستشهاد أخيه الحسين و الحروب الدامية بين الإمبراطورية العثمانية و الصفوية و إنتهاء بالحرب العراقية الإيرانية التي كانت حرباً طائفية خالصة بين الأنظمة العربية السنية من جهة و النظامين الإيراني الشيعي والسوري العلوي من جهة ثانية، وإستشهاد السادة محمد باقر الصدر و محمد صادق الصدر و محمد باقر الحكيم و قتل الشيعة على الهوية من قبل الزرقاويين في أيامنا هذه. لو نظرنا الى الخارطة الجغرافية الشيعية، لنرى أنها تشكل منطقة جغرافية موحدة تمتد من شمال السعودية مروراً بأجزاء من سورية و لبنان و من ثم ايران و اجزاء من باكستان و افغانستان و الهند. ثقافياً، تختلف الطائفتان الشيعية و السنية عن بعضهما البعض في نص الأذان و أداء الصلاة و مواعيد الأعياد الدينية و المواكب الحسينية و الإيمان بظهور الإمام مهدي المنتظرعند الشيعة و اساليب الحكم و المعتقدات و حتى في قول عبارة (صدق الله العظيم)، حيث يقول الشيعة (صدق الله العلي العظيم). أما الأكراد، لقد تعرضوا للتفرقة العنصرية والإضطهاد و التعريب و حملات الأنفال و الأسلحة الكيمياوية و الدمار و محاولة محو هويتهم و لغتهم و تغيير ديموغرافيتهم السكانية من قبل حكام العراق المتعاقبين في الحكم و من قبلها من قبل العثمانيين و أنهم أمة موزعة بين أربع دول و بلادهم مقسمة و لهم منطقة جغرافية واحدة و ثقافتهم الخاصة بهم و أن أصلهم يختلف عن العرب بكونهم ينتمون الى الأقوام الآرية و أن اللغة الكوردية هي من احدى اللغات الهندوأوروبية. أما السُنّة، فأنهم كانوا يحكمون الشيعة و الأكراد و يحتكرون السلطة منذ نهاية حكم الخلفاء الراشدين الى يوم انهيار الحكم البعثي في العراق و لا يقبلون بالتنازل عن سلطتهم المطلقة في الحكم ولا يودون اشراك الشيعة و الاكراد في الحكم و ها نراهم يقومون بالاعمال الارهابية و مساندتها و تشجيعها و العمل على افشال العملية السياسية الديمقراطية في العراق و التشكيك بنتائج الإنتخابات التشريعية التي جرت في العراق. من هنا ندرك عمق و ضخامة الإختلافات الثقافية و الخلافات التأريخية بين السنة العرب و الشيعة و الكورد و التي لها جذور عميقة في التأريخ و لا يمكن حلها بكلمات عاطفية أو طبقاً لأفكار عنصرية أو طائفية أو ايديولوجية أو ذاتية. رب سائل يتساءل بأن هناك الكثير من المكونات القومية و المذهبية في العالم التي يجمعها كيان واحد كما في أمريكا و سويسرة و ايرلندا وغيرها والتي أصبحت شعوباً متجانسة فلماذا لا تستطيع المكونات العراقية الإهتداء بهذه الشعوب لتعيش معاً في علاقات شفافة متكافئة؟ للجواب على هذا السؤال يجب ان ندرك بأن الشعوب المذكورة التي تتألف من أطياف دينية و مذهبية و قومية و تشترك في العيش معاً في سلام و وئام و شفافية، هي شعوب متحضرة و متقدمة، خلال مسيرتها التأريخية الطويلة، عانت كثيراً من الحروب الأثنية و الدينية و المذهبية و قدمت ضحايا كبيرة الى أن إستطاعت أن تصبح شعوباً ناضجة ترتبط مكوناتها المختلفة بمصالح اقتصادية و امنية و سياسية متكافئة تجعل هذه الشعوب تختار بمحض ارادتها العيش المشترك معاً. بينما العراقيون مواطنون عانوا من الإضطهاد و الدكتاتورية و التفرقة الطائفية و العنصرية و الكبت الفكري و الثقافي لقرون عديدة و يحتاجون الى أجيال عديدة للوصول الى مستواً من الوعي يستطيعون خلالها من الوصول الى مرحلة النضج السياسي و الفكري و الديمقراطي و بالتالي اختيار العيش المشترك معاً. الى ان يحين ذلك الوقت، يستطيع الشعب العراقي العيش ضمن نظام كونفيدرالي متكون من السنة العرب و الشيعة و الاكراد و إلا فأن تجاهل الواقع العراقي و فرض حلول قسرية عليه سيؤدي الى نشوب حروب اهلية مدمرة و استمرارية مأساة العراقيين و دمار بلادهم.

الشرخ الموجود في العلاقة بين الأطياف العراقية، لابد أن تكون له مبرراته و لابد أن هناك عوامل كثيرة ساهمت في ظهوره وأنّ فهم هذه العوامل بشكل جيد و واعٍ، يؤدي بنا الى الوصول الى معرفة واقع هذا الشعب ليتسنى لنا إيجاد مقترحات و حلول واقعية للمشكلة العراقية. إن مجتمعاتنا لازالت عبارة عن مجتمعات زراعية قبلية بدوية متخلفة تتفشى فيها الأمراض و الجهل و المشاكل الإجتماعية و النفسية وتتحكم في علاقات مكوناتها عوامل عديدة. لو كان المذهب هو العامل الوحيد في بناء الثقافة العراقية، لتحالف العرب السنة مع الأكراد الذين يشاركونهم المذهب و لإمتنعوا عن استعمال الأسلحة الكيمياوية ضدهم، لذلك يسود العامل القومي في هذه الحالة. من جهة أخرى نرى تغلّب العامل الطائفي على العلاقة بين الشيعة و السنة و إلا لو كان العامل القومي عاملاً جوهرياً في علاقتهما، لما قام العرب السنة بإستعباد الشيعة العرب طيلة قرون طويلة. نستنتج من ذلك أن هناك عوامل عديدة ساهمت في خلق ثقافات مختلفة للمجتمع العراقي من تأريخية و جغرافية و سياسية و نفسية و المتأتية من وقوع أخطاء تأريخية عديدة (أسمّي الأحداث التأريخية التي أثرت بشكل سلبي على شعوب المنطقة و خلقت ثقافات مختلفة لمكونات الشعب العراقي بأخطاء تأريخية) التي ساهمت في تكوين الثقافات المختلفة للقوميات و الأديان و المذاهب الدينية في العراق. من هذه الأخطاء هو ظهور المذهب السني و الشيعي بعد وفاة الإمام علي بن أبي طالب و إفتراق هذين المذهبين عن بعضهما و تناحرهما منذ ذلك التأريخ الى يومنا هذا. إن هذا العامل الطائفي كان و لازال له تأثير كبير في خلق ثقافتين مختلفتين لهذين المذهبين في مناطق تواجدهما بالرغم من عيش المنتمين لهما ضمن كيان سياسي واحد. هذه المشكلة غير محصورة بالعراق و إنما موجودة في كل الدول التي يعيش السنة و الشيعة فيها في بلدان مثل إيران و باكستان و أفغانستان و دول الخليج. ظهور مذاهب و تيارات إسلامية متزمتة، خاصة المذهب الوهابي الذي يرفض المذاهب الإسلامية الأخرى و يُكفّرها و يستعمل الإرهاب و العنف وسيلة لإقصاء المذاهب الأخرى، ساهمت في تعميق الخلافات الشيعية - السنية بشكل أكبر. مناهج التعليم و وسائل الإعلام أدت و تؤدي دوراً سيئاً في نشر النعرات القومية و الطائفية و روح الكراهية. معاهدة سايكس-بيكو تعتبر من الأخطاء التأريخية الكبرى التي حدثت بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى و التي قسمت المنطقة بموجبها من جديد بشكل عشوائي قسري و أدت الى تشتيت القبيلة الواحدة بل العائلة الواحدة و اصحاب المذهب الواحد و الأمة الواحدة بين كيانات سياسية مختلفة ذات حدود رُسمت من قبل الإنكليز و الفرنسيين بالمسطرة على الورق بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى و اصبحت هذه الحدود المصطنعة مقدسة من قبل العروبيين و الإسلامويين على حد سواء و بذلك تقطعت أوصال أوطان الكورد و الشيعة و العرب السنة و الأذربايجانيين و البلوج و الأرمن و الآشوريين في المنطقة و اصبح كل من هذه الشعوب موزعاً على دول عديدة و منعت الحدود المرسومة لهذه الدول التواصل و الترابط و التزاور بين القبيلة الواحدة او الطائفة الواحدة او الشعب الواحد و التي لا زالت شعوب منطقة الشرق الأوسط تعاني من آثارها المدمرة و بالطبع الشعب العراقي واحد من هذه الشعوب المتضررة بقوة من هذه المعاهدة. اكتشاف البترول في المنطقة الذي كان سبباً محورياً في استعمار شعوب المنطقة من قبل الأوروبيين للحصول على مصادر الطاقة و ساهمت موارد البترول في تكديس الأسلحة و جعل المنطقة مسرحاً للحروب و الدمار و تسلم الحكومات الدكتاتورية زمام الحكم و حكم شعوبها بالحديد و النار، كانت عاملاً آخراً في بقاء الشعب العراقي مزيجاً من الطوائف المتنافرة و المتناحرة. انشاء دولة اسرائيل في المنطقة أثرت كثيراً على شعوب المنطقة و جعلها محرقة لحروب طاحنة و استنزاف موارد المنطقة المالية و النتائج السلبية التي تمخضت عنها بالإضافة الى إستغلال القضية الفلسطينية من قبل الحكومات الدكتاتورية في قمع شعوبها و تجويعها. و أخيراً الحرب الباردة بين الغرب و الشرق ساهمت بشكل كبير في استلام السلطة من قبل حكومات دكتاتورية و إسلاموية و عسكرتارية في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص و في العالم الثالث بشكل عام و شجعت الحكومات الغربية الأفكار الإسلاموية المتطرفة و العروبية العنصرية كوسيلة مهمة لمكافحة الفكر الشيوعي (الملحد) و التي ساعدت على إبقاء الشعب العراقي شعباً غير متجانس الى يومنا هذا. كانت هذه إشارة عابرة الى العوامل التي أثرت سلباً على شعوب الشرق الأوسط و العراق و التي هي و غيرها من العوامل تحتاج الى دراسات و تحليلات و مناقشات و استنتاجات مستفيضة وعميقة من قبل الباحثين المختصين لفهم دورها و آثارها و من ثم وضع برامج عمل لحلها.

نقطة أخرى أحب الإشارة اليها وهي أن الكثير من الكُتاب و المثقفين الذين يحسبون أنفسهم على الليبراليين، يحاولون تفادي التطرق الى القوميات و الطوائف الدينية و كأنما من المواضيع المحرمة. إن انكار وجود الأطياف العراقية أو تجاهلها لا يغير شيئاً من الواقع و لا يحل المشكلة القومية الكوردية و التركمانية و االطائفية السنية و الشيعية الموجودة على أرض الواقع سواء تهربنا من ذكرها او اعترفنا بوجودها. ليس عيباً أو شيئاً سيئاً عندما يقول الإنسان بأنه سني أو شيعي أو مسيحي أو كوردي أو تركماني لأن ثقافة قوميته أو دينه أو مذهبه تسير في عروقه و اذا جُرّد من هذه الثقافة يعني تجرده من هويته و وجوده . وجود المذاهب الإسلامية ليس بالشيئ السيئ حيث هناك البروتستانت و الكاثوليك و الاورثودوكس في البلدان الغربية، بل تظهر مذاهب مسيحية جديدة في العالم الغربي بإستمرار،،لذلك ارى ان الطوائف و القوميات العراقية كحديقة غناء تحوي انواعاً مختلفة من الأشجار و الأوراد ذات الوان زاهية و روائح متميزة تتشابه مع بعضها في صفات معينة و تتخالف معها في صفات اخرى. إذن تعدد الأطياف العراقية هو من الامور الإيجابية الذي يدل على التنوع و التعدد و التكامل و يُشكّل مصدرقوة للشعب، لذلك علينا ان نتصدى بكل جرأة و موضوعية و حيادية لإيجاد آلية صحيحة لعلاقة متكافئة بين هذ الأطياف لتعيش أبناؤنا و أحفادنا في وئام و سلام و سعادة و ذلك بقبول الآخر وإحترام معتقداته و آرائه و خصوصياته.

علينا ان نمنح عقولنا فضاء أوسع من الحرية و التجدد و نُصفّي أفكارنا من ترسبات البيئة العنصرية و الطائفية التي تربينا فيها والتي تنعكس آثارها المدمرة فينا، في أفكارنا و رؤانا و أعمالنا، بالرغم من إدعاءاتنا بالليبرالية و الديقراطية و الموضوعية. عندئذ نكون قادرين على التعاطي مع المفاهيم الجديدة للحياة، فنحن بحاجة الى تغيير الكثير من المفاهيم و المصطلحات و المبادئ التي تجاوزها التقدم الحضاري للإنسان في السنين الأخيرة. أنا متفائل جداً بأن مستقبل شعوب الشرق الأوسط و التي الشعب العراقي جزء منها، سيكون مضيئاً وستتطور هذه الشعوب و تتقدم و يرتفع وعيها الفكري و الثقافي و السياسي بسرعة كبيرة قياساً بالفترة الزمنية التي احتاجت اليها الشعوب الغربية للوصول الى التطور الهائل الذي هم فيه اليوم، لأن النظام العالمي الجديد و الثورة المعلوماتية الكبرى من فضائيات و انترنيت و موبايل و انهيار الحدود الدولية امام انتقال الرأسمال كلها يضمن التقدم السريع في وعي الشعوب من اجل حياة حرة كريمة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,708,203,748





- ما علاقة تسمم الحمل بالإصابة بأمراض القلب بعد الولادة؟
- هل تفكر في اتباع نظام -فيغن- النباتي؟ هذا ما تحتاج لمعرفته أ ...
- فيديو غرافيك: -حرب- إصلاح أنظمة التقاعد في فرنسا
- قيادات فتح تصف خطاب عباس بالتاريخي
- أول طائرة إسرائيلية تحلق فوق السودان
- أول طائرة إسرائيلية تحلق فوق السودان
- نصر الله: المنطقة تقف أمام مواجهة جديدة لا مفر منها
- نحن بحاجة لوسائل دفاعية.. وزير الخارجية السعودي يناشد ألماني ...
- الكرملين: بوتين لم يأمر بإرسال قوات روسية إلى ليبيا
- مؤشرات على عملية عسكرية تركية كبيرة في إدلب


المزيد.....

- شؤون كردية بعيون عراقية / محمد يعقوب الهنداوي
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - مهدي كاكه يي - الكونفيدرالية تفرض نفسها على الواقع العراقي