أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إياد دروازة - السنكسار المقدس بين الخرافة ودواعش الوثنيين















المزيد.....



السنكسار المقدس بين الخرافة ودواعش الوثنيين


إياد دروازة

الحوار المتمدن-العدد: 5469 - 2017 / 3 / 23 - 12:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



كتاب السنكسار القبطي
السنكسار cuna[arion هو كتاب يحوي سير الآباء القديسين و الشهداء (السنكسارات)، وتذكارات الأعياد، وأيام الصوم، مرتبة حسب أيام السنة، ويُقرأ منه في الصلوات اليومية.. وهو يستخدم التقويم القبطي والشهور القبطية (ثلاثة عشر شهرًا)، وكل شهر فيها 30 يوم، والشهر الأخير المكمل هو شهر نسيء يُطلق عليه الشهر الصغير. والتقويم القبطي هو تقويم نجمي يتبع دورة نجم الشعري اليمانية.
ومن الجدير بالذكر أن السنكسار مثله مثل الكتاب المقدس لا يخفي عيوب البعض، ويذكر ضعفات أو خطايا البعض الآخر، وذلك بهدف معرفة حروب الشيطان، وكيفية الانتصار عليها، وأن نأخذ عبرة ومثالًا من الحوادث السابقة على مدى التاريخ.. فالعصمة لله وحده، ولا يوجد بشر على وجه الأرض معصومًا من الخطأ بداية من الأنبياء وحتى الطفل الوليد.

Synaxarium الكتاب الذي يحوى سير القديسين والشهداء مرتبة حسب العيد اليومي يُتلى الفصل المناسب منه بعد الإبركسيس``Pra[ic . ويستخدم في القداس الإلهي – يقصد به إعلان سير القديسين.
( وقد سمى المصريون القدماء شهورهم بأسماء آلهتهم التي كانوا يعبدونها في الزمن الغابر. وهذه الأسماء تتفق مع فصول السنة ومواسم الزراعة وحالة الطقس، وعلى ذلك بنوا الهياكل وكرّسوها لعبادة تلك الآلهة.. فكانوا يقيمون الاحتفالات لعبادة كل إله في الشهر المُسمى باسمه.. ) .


والآن سنرى مجموعة من النماذج والتي تم قطع رؤوسها من قبل الدواعش الوثنيين وكيف هي معجزاتها ( خرافاتها ) .

النموذج الأول
القديس الشهيد مار مينا العجائبي
أشهر الشهداء المصريين، نال شهرة لم ينلها أي شهيد مصري سواء في القطر المصري أو خارجه. ولعل السبب في ذلك العجائب الكثيرة التي يجريها الرب بصلواته إلى يومنا هذا لذا يطلق عليه الشهيد مارمينا العجايبي.
وُلد حوالي سنة 285 م. ببلدة نقيوس Niceous مركز منوف محافظة المنوفية. كان والده أودكسيوس Eudouxious حاكمًا للمدينة، وكان جده Plondionus أيضًا حاكمًا. وقد نال أودكسيوس شهرة عظيمة بسبب فضائله وتقواه. حسده أخوه أناطوليوس لأن الجموع كانت تحبه أكثر منه، فوشى به لدى الملك كارينوس. لكن الملك أراد أن يكسب الاثنين، فأرسل قائده هيباتوس Hypatos ومعه أمر تعيين أودكسيوس حاكمًا على مدينة أفريقيا القديمة (الجزائر) عوضًا عن حاكمها الذي كان قد مات. وطلب من القائد أن يرافقه ويطمئن عليه وعلى أسرته، ويُسهل له الطريق في مقره الجديد.
حزن شعب نقيوس جدًا عليه، بل وندم أخوه أناطوليوس على ما فعله.
ابن الموعد:
اشتاقت أوفيميه زوجة أدوكسيوس العاقر أن يهبها الرب نسلًا طاهرًا. وكانت تصوم حتى المساء وتقدم صدقات كثيرة للفقراء والغرباء. وفي أحد أعياد السيدة العذراء في 21 طوبة في كنيسة العذراء بأتريب رفعت قلبها المنكسر نحو الرب يسوع وطلبت شفاعة القديسة مريم. وإذا بها تسمع صوتًا من أيقونة الطفل يسوع المسيح وقد حملته والدته يقول لها "آمين". حملت وأنجبت ابن صلواتها الذي قدمه لها السيد المسيح كوعدٍ منه، فدعته مينا أي آمين. ابتهجت المدينة كلها بميلاده وأطلق أودكسيوس كثير من المسجونين، وقدم صدقات كثيرة.
نشأته:
اهتم به والده، فهذبه بتعاليم الكنيسة بروح إنجيلية، وغرس فيه محبة الكتاب المقدس والعبادة والسلوك بروح التقوى. مارس حب المعرفة الحقيقية بفكرٍ كنسي تعبدي بورع وتقوى. مات والده وهو في الحادية عشر من عمره، ثم والدته وهو في الرابعة عشر. ورث عنهما خيرات كثيرة وبركات روحية مع كرامة.
بعد سنة من نياحة والدته عُيّن وهو في الخامسة عشر من عمره ضابطًا في الجيش في فرقة أفريقيا القديمة (الجزائر)، ونال مركزًا مرموقًا لمكانة والده.

رهبنته:
التهب قلب مينا الضابط بالجيش بمحبة الله الفائقة، فقام بتوزيع أمواله على أخوة يسوع الأصاغر. وإذ اشتهى تكريس كل وقته وطاقاته لحساب مملكة الله ترك خدمة الجيش بعد ثلاث سنوات (سنة 303 م) وتوجه إلى البرية ليتعبد فيها.
صدر منشور من قِبل الإمبراطورين الجاحدين دقلديانوس ومكسيميانوس يأمران فيه بالسجود للأوثان وتقديم قرابين لها.
بعد خمسة أعوام من رهبنته رأى وهو يصلي الشهداء يُكللون بواسطة الملائكة، ويحملونهم إلى الفردوس، وقد صاروا في بهاء أعظم من الشمس. اشتهى القديس مينا أن يصير شهيدًا، فسمع صوتًا من السماء يقول: "مبارك أنت يا آبا مينا لأنك دُعيت للتقوى منذ حداثتك. فستنال ثلاثة أكاليل لا تفنى ولا تزول... واحد من أجل بتوليتك، والآخر من أجل حياتك النسكية، والثالث من أجل استشهادك هذا. سيصير اسمك مشهورًا بين الشهداء. لأني أجعل الناس من كل قبيلة ولسان يأتون ويعبدونني في كنيستك التي ستُبنى على اسمك، وفوق ذلك كله ستحصل على مجدٍ لا يُنطق به ومجيد في ملكوتي الأبدي".
في ساحة الاحتفال:
ترك القديس مينا البرية وانطلق إلى المدينة في ثياب النسك، وكان ذلك اليوم يوافق احتفال ديني عظيم. تمرّرت نفسه وهو يرى الجماهير الكثيرة في هذا الضياع. تقدم إلى ساحة الاحتفال، وصرخ نحو الجماهير معلنًا اشتياق الله أن يعرف الكل محبته وخلاصه فقال بصوتٍ عالٍ: "وُجدتُ من الذين لم يطلبونني وصرتُ ظاهرًا للذين لم يسألوا عني" (راجع إش 65: 21؛ رو 10: 20).
ذُهلت الجماهير لهذا المنظر، وحدث صمت رهيب. حينئذ تساءل الوالي عمّا حدث، وكيف تجاسر هذا الإنسان ليُعطل الاحتفال بعيد الإمبراطور مزدريًا بالأمر الإمبراطوري. أعلن الراهب إيمانه بشجاعة. تعرف عليه بعض العسكريين وأخبروه عن مركزه القديم. اندهش الوالي لساعته وقال له: "لماذا تركت جنديتك؟ وكيف تعترف أنك مسيحي؟" أجابه القديس" "إني جندي حقًا، لكنني آثرت أن أكون جنديًا لربي يسوع المسيح لأجل مرضاة اسمه القدوس".

وضعوه في الهنبازين Hemetarim وكشطوا جسمه حتى ظهرت عظامه. وفي سخرية كان القائد يسأله إن كان قد شعر بالعذاب أم لا. أما هو فأجابه: "عذاباتكم هي رأسمالي، فهي تُعد لي الأكاليل أمام المسيح ملكي وإلهي".
سحبوه على أوتاد حديدية حادة مدببة حتى تمزق جسمه، وأخذوا يدلّكون جراحاته بأقمشة خشنة. سلّطوا مشاعل متقدة على جنبيه لمدة ساعتين كاملتين، وقد رفع عنه الرب الألم فلم يتأوه.
ضرب على فمه حتى تكسرت أسنانه، فكان يلهج قلبه بالشكر، حاسبًا أنه غير مستحق أن يُهان من أجل اسمه القدوس.
إذ فشل القائد في إقناعه أرسله إلى الوالي مع رسالة شرح فيها ما حدث وركب الجند السفينة مع القديس مينا. سمع صوتًا من السماء يناجيه: "لا تخف يا حبيبي مينا لأني سأكون معك أينما تحل".
ألقاه الوالي في السجن مع كثيرين فكان يُعزّيهم ويشجعهم. هناك ظهر له السيد المسيح نفسه وعزّاه ثم صعد إلى السماء.
في اليوم التالي استدعاه الوالي إلى مجلس القضاء وأخذ يلاطفه ويتملّقه، وإذ لم يجد حيلة توعده بالموت. أمر بجلده بسيور جلد الثور، وحاول نشره بمنشار حديدي صلب، وإذا بالمنشار يذوب كالشمع. أخيرًا أمر الوالي بقطع رأسه بالسيف. وفي مكان الاستشهاد ركع القديس وصلي رافعًا يديه إلى السماء فضربه السيّاف وتمت شهادته في اليوم الخامس عشر من شهر هاتور حوالي سنة 309 م.، وكان عمره 24 عامًا.
أوقد الجند نارًا لحرق جسده، لكن بقي الجسد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ داخل اللهيب ولم يحترق.
حمله بعض المؤمنين وكفّنوه بأكفان ثمينة ودفنوه بكل وقارٍ.
جسد مارمينا:
خرج القائد أثناسيوس ليُحارب البربر الذين كانوا يهاجمون مدينة مريوط، وأصر أن يأخذ معه جسد القديس. وإذ كشف الجنود القبر ظهر نور عظيم فسقطوا على الأرض وسجدوا لإله مارمينا . أخذوا الجسد وأخفوه ووضعوه في مركب قاصدين الإسكندرية ومنها إلى مريوط. وفي البحر هاجمتهم حيوانات مفترسة فخرجت نار من الجسد وانطلقت كالسهام نحوها، فهربت للحال.
إذ وصلوا إلى الإسكندرية، وحملوا الجسد على جمل إلى مريوط هزموا البربر، وعند رجوعهم رفض الجمل القيام والسير معهم بالرغم من الضرب الشديد. نقلوا الجسد على جملٍ آخر أقوى منه فلم يتحرك، وهكذا تكرر الأمر فأدرك القائد أثناسيوس أن هذه إرادة الله أن يبقى جسد القديس في مريوط.
كسيح يكشف عن مكان الجسد (320-325 م):
يذكر لنا البابا يوحنا الرابع أن كسيحًا يسكن في قرية قريبة من مكان الجسد زحف حتى خرج من قريته ورأى مصباحًا منيرًا فأسرع وهو يزحف فبلغ إلى القبر. هناك رقد ونعس، وإذ كان والداه يبحثان عنه وجداه نائمًا. وبينما هما يصرخان في وجهه قام يقفز ويجري يخبر أهل القرية بما رآه. جاءوا إلى القبر فرأوا نورًا يخرج منه. توافدت الجماهير إلى القبر، وكان الله يصنع عجائب كثيرة بصلوات القديس مينا.

شفاء ابنة الإمبراطور:
بعد زمن كان أحد الرعاة يرعى غنمه خارج المدينة، وإذا بخروف أجرب ينزل في بركة ثم خرج ليتمرغ في التراب فبرئ للحال. بُهت الراعي جدًا فكان يحضر الخراف المريضة يبلها بالماء ثم يُمرّغها في تراب هذه البقعة فتُشفى.
ذاع الخبر وسمع إمبراطور القسطنطينية بذلك. وإذ كانت له ابنة وحيدة مصابة بمرض الجُزام أرسلها مع حاشيتها إلى مصر لتنال الشفاء من هذا المكان العجيب. في الليل ظهر لها القديس وأخبرها بأن تحفر في ذلك المكان على عمق بعض الأمتار حتى تجد رفاته المقدسة. ففعلت ذلك وبنى والدها كنيسة على اسم القديس وكُرّست في 15 بؤونة.
قام القديس أثناسيوس الرسولي (363-373 م) ببناء كنيسة في ذلك الموضع ووضع فيها رفات القديس. كتب البابا ثاوفيلس (395-477 م) إلى أركاديوس بن ثيؤدوسيوس الكبير يشكوا له من ضيق المكان بسبب كثرة الزائرين فسمع له الملك، وبُنيت كنيسة عظيمة جميلة ملتصقة بكنيسة البابا أثناسيوس السابقة.
في أيام المُعزّ (1320-1330 م) تزايدت غارات البربر على مدينة الإسكندرية وأعمالها فنُقل الجسد إلى كنيسة مارمينا بفم الخليج بظاهر مصر. وفي عهد البابا كيرلس السادس نُقل جزء من رفاته إلى موضعه الأصلي، دير مارمينا بمريوط.
العمل الروحي:
استشهد القديس مينا وهو في الرابعة وعشرين من عمره، لكن سيرته العطرة وصلواته كانت ولا تزال لها فاعليتها على الكثيرين. ففي بداية القرن الخامس التهبت قلوب كثير من الشبان وباعوا كل شيء وانطلقوا إلى ذلك الموضع المقدس ليمارسوا الحياة الرهبانية.
يشهد التاريخ أن سبعة رهبان من دير مارمينا كرزوا بالإنجيل في أيرلندا وبنوا أول كنيسة هناك باسم مار مينا. لا تزال الكنيسة الأيرلندية تحتفظ في صلواتها إلى يومنا هذا بصلاة خاصة للآباء الأقباط الذين حملوا إليهم شعلة الإيمان.
بعدما تخرّبت المدينة العظيمة في عصر الدولة العباسية في أواخر القرن التاسع وأوائل العاشر بدأ الدير يزدهر من جديد، وذلك في عصر البابا شنودة الأول.
وفي عصر البابا كيرلس السادس تم بناء دير مارمينا الحالي وظهرت حركة الرهبنة فيه من جديد.

آثار مارمينا:
يوجد متحف كامل لمارمينا في مدينة فرانكفورت بألمانيا الغربية حيث حمل العلامة الألماني الأسقف كارل ماريا كوفمان الذي اكتشف آثار منطقة مريوط سنة 1906/1907 م. ونقل 100 صندوقًا من الحجم الكبير مملوءة تحفًا بديعة وتيجان الأعمدة الرخامية وغيرها.
تحركت متاحف العالم للاستيلاء على هذه الآثار، لكن كوفمان استولى على أغلبها. ولا يزال بعض الباحثين الألمان بتكليف من المعهد الألماني للآثار بالتعاون مع المتحف القبطي يقومون بعمل حفريات جديدة ودقيقة.
نقل المرحوم بانوب حبشي الكثير من آثار مارمينا إلى المتحف الروماني اليوناني بالإسكندرية ودعاه المتحف القبطي في عصر مارمينا.
حب مسكوني:
قلب مارمينا المتسع لمحبة الله يعمل حتى بعد استشهاده. فقد جاء المرضى من كل المسكونة لنوال بركة صلواته ويتمتعون بالشفاء، وكانوا يحملون معهم قنِّينات من الفخّار عليها صورة مارمينا واسمه، وقد وُجدت في بلاد عديدة متباعدة مثل كولونيا وهيدلبرج بألمانيا ومرسيليا بفرنسا ودلماتا بيوغسلافيا وميلان بإيطاليا ودنجلة بالسودان وأورشليم وفي إنجلترا.
أيقونة مارمينا:
يحتفظ متحف اللوفر بباريس بأيقونة قبطية من القرن الخامس فيها نرى السيد المسيح يضع يده على كتف القديس مارمينا في مودة فائقة. تكشف هذه الأيقونة عن نظرة الكنيسة للقديسين، وهي التعرف من خلالهم على حنو الله الفائق واشتياقه نحو المؤمن ليُقيم معه عهد حب وصداقة على مستوى أبدي.
عمل لا يتوقف:
روى أحد الأحباء (ح. ي.) للقمص تادرس يعقوب هذا، وهو صديق شخصي لقداسة البابا كيرلس منذ كان راهبًا في مصر القديمة. لاحظ في إحدى العشيات في دير مارمينا ولم يكن بها سوى قداسة البابا وهذا الشخص وشخص أو اثنين، أن قداسة البابا وحده في الهيكل يضحك.
بعد الانتهاء من الصلاة انطلق هذا الأخ إلى قداسة البابا وقال له:
"إنني منذ عرفتك لم أرك ضاحكًا قط في الهيكل فماذا رأيت؟" بعد إلحاح شديد قال له: "أنت تعلم الضيقة التي نعيش فيها (في بداية حكم جمال عبد الناصر)".
كنت أشكو لله أنني عاجز عن حلّ مشاكل أولاده بسبب مرارة الضيق.
ظهر لي مارمينا ونخسني في بطني وهو يقول: هل أنت وحدك؟ كلنا نعمل معك! لا تحزن! فضحكت!"
بعد أكثر من 16 قرنًا من استشهاده ورحيله من هذا العالم يبقى هذا القلب المتسع بالحب عاملًا لحساب ملكوت الله! يسند الكثيرين من بطاركة وأساقفة وكهنة وشعب! حقًا المحبة لا تسقط أبدًا!

النموذج الثاني
الشهيد بنداليمون
كلمة "بنداليمون" أو "بنداليون" Pantelemion و Pantaleon مأخوذة عن اليونانية، تعني "كلية العطف".
وُلد بنقوميدية بإقليم بيثينية من أب وثني يدعى أوستورجيوس Eustrogius ووالدة مسيحية تقية تدعى أوبُلا Eubula التي ربت ابنها بفكر مسيحي وحياة تقوية منذ نعومة أظافره، لكنها ماتت وهو صغير السن، فكان كل اهتمام والده الوثني منصبًا على تثقيفه.
نجح في دراسته ونبغ في الطب، فنال شهرة فائقة فجعله الملك غاليريوس مكسيميانوس طبيبه الخاص، وكان يحبه جدًا من أجل نجاحه في العمل ولطف أخلاقه مع ذكائه.
مع القديس هرمولاوس St. Hermolaos:
إذ نجح الطبيب في عمله وعلاقاته الاجتماعية على أعلى مستوى لم يكن يهتم بالجانب الديني ولا بحياته التعبدية، وقد نسى ما لقنته إياه والدته في طفولته، لكن بقيت البذار تعمل في أعماقه حين التقى بشيخ مبارك يدعى هرمولاوس. رأى الأخير فيه نفسًا طيبة ففاتحه في الإيمان الحي والحاجة إلى الله كمخلص يسند النفس مع الجسد، عندئذ تجاوب معه بنداليمون معلنًا له أن والدته كانت مسيحية، لكنه لا يذكر شيئًا من تعليمها له، إذ صبّ كل اهتمامه في دراساته خاصة الطب. بدأ الشيخ يحدثه عن السيد المسيح كطبيبٍ قادر على شفاء النفس والجسد، وأن باسمه يُشفي البشر من الأمراض المستعصية.
بدأ بنداليمون يفكر في الأمر بجدية، وإذ كان منطلقًا إلى بيته رأى في الطريق غلامًا لدغته أفعى فمات، عندئذ توقف أمام الغلام، متذكرًا عبارات الشيخ عن المسيح المخلص. صرخ بإيمان طالبًا من السيد المسيح أن يعلن له ذاته بإقامة هذا الغلام وقتل الأفعى، وإذ نادى بالاسم القدوس تحقق له الأمر، فرجع فورًا إلى القديس هرمولاوس طالبًا منه نوال المعمودية. ذهب بنداليمون إلى أبيه الوثني يبشره بما حدث معه، فتضايق الأب جدًا، لكن الابن بلطفٍ معه ليجتذبه للإيمان الحق.
آلامه:
جاءه رجل ومعه ابنه الذي قدمه لأحد الأطباء لعلاج عينيه، وعوض العلاج فقد الابن بصيرته تمامًا، وإذ سمع الطبيب بنداليمون الأمر طلب من السيد المسيح أن يشفي الولد وبالفعل انفتحت عيناه، وصار يشهد لعمل السيد المسيح في حياته.
سمع الأطباء بذلك، فوجدوا في ذلك فرصتهم للشكوى ضد الطبيب بنداليمون، إذ كانوا يحسدونه على نجاحه، ومحبة الملك له. استدعى مكسيميانوس الغلام الذي انفتحت عيناه، وسأله عما حدث معه، فروى له كيف فتح بنداليمون عينيه باسم السيد المسيح. عندئذ قال له: "لقد نلت هذا الإحسان بقوة آلهتنا"، أما الأعمى فأكد له أنه نال البصيرة بقوة السيد المسيح، فاغتاظ الملك وأمر بقطع رأسه.
استدعى الملك القديس بنداليمون وأخذ يعاتبه بلطف كيف يقبل إيمانًا غير إيمان الملك وقد قربه الملك إليه وأعطاه غنى وكرامات كثيرة. أجابه بنداليمون بأدب وشجاعة أنه لا يستطيع أن يجحد مسيحه واهب الشفاء للنفس والجسد، ثم طلب منه أن يأتي بمريضٍ مصاب بداء يصعب شفائه ويقوم كهنته بالصلاة عنه لتقديم عونٍ له، وإنه سيطلب باسم السيد المسيح فيشفيه. وبالفعل وافق الحاضرون على ذلك. وجاءوا برجلٍ مفلوج أمام الملك وصار الكهنة الوثنيون يصلون بلا نفع، وإذ صلى القديس بنداليمون للحال شُفيّ الرجل، فصرخ الحاضرون ممجدين ربنا يسوع المسيح، الأمر الذي أثار الملك.نسب الملك الشفاء لقوة السحر وعمل الشياطين، وكانت هذه هي عادة المقاومين للحق، كما سبق ففعل اليهود مع السيد المسيح حتى دعوه ببعلزبول رئيس الشياطين يُخرج الشياطين. وإذ خشي الملك من انتشار الإيمان في نيقوميدية بسبب شفاء المفلوج جاء بالقديس بنداليمون وسط المدينة وأمر بتعذيبه، تارة كان الجلادون يعلقونه على خشبة ليمزقوا جسده بمخالب حديدية، ويأتون بمشاعل نار يحرقونه بها عند جراحاته، وأخرى ألقوه في قزان مملوء رصاصًا مذابًا. وكانت يد الله العجيبة تسنده، إذ رفعه فوق الآلام، فارتبك الملك جدًا. أمر بسرعة الخلاص منه حتى لا ينجذب الشعب للإيمان بإلهه، فربطوه بحجرٍ وألقوه في البحر فلم يغرق، وحاولوا عصره بالهنبازين فانكسر الهنبازين.وجه الملك غضبه على هرمولاوس ورفيقيه أرميبوس وأرموكراثوس، إذ استدعاهم ليرعبهم بآلات العذاب لعلهم ينهاروا فينهار معهم بنداليمون، أما هم فسخروا من الآلات، وصلوا إلى الله أمام الملك فحدث زلزال أرعب الملك، لكنه عاد يعلن أن ما حدث هو من غضب الآلهة بسبب المسيحيين. أما هم فسألوه ألا يتسرع في الحكم، إذ جاءه الخبر أن الكثير من الأصنام سقطت بسبب الزلزال وتحطمت. لم يتعظ الملك بل طلب قطع رؤوس هرمولاوس وزميليه، ثم طلب أيضًا قطع رأس القديس بنداليمون، وكان ذلك في 27 يوليو (حوالي سنة 305 م).
دعيّ "بالشهيد العظيم" و"صانع العجائب"، وكانت له شهرة عظيمة في الشرق والغرب.
تعيد له الكنيسة القبطية في 15 بابه.

النموذج الثالث
الشهيد إيسيذورس الإنطاكي
عائلة ملوكية:
في عهد الإمبراطور دقلديانوس كان بندلاؤن أحد أقرباء رومانيوس الملك حاكمًا على إنطاكية، إذ رأى أن دقلديانوس جحد المسيح، وبدأ يضطهد المسيحيين، أخذ زوجته صوفيا وابنه إيسيذورس وابنته أفوميا وانطلق الكل إلى أحد الجبال القريبة من إنطاكية يعيشون بعيدًا عن هذا الجو المّر. أرسل إليه الإمبراطور واستدعاه هو وابنه ليسألهما عن سبب اختفائهما، فقال بندلاؤن في شجاعة: "لما كنت تعبد الله الحي كنا نحبك ونكرمك ونخدمك، فلما تباعدت عن عبادة الله وتعبدت للأوثان والشياطين ابتعدنا نحن أيضًا عنك". وإذ كان دقلديانوس يعرف مكانة الرجل لاطفه جدًا مذكرًا إياه بأصله الملوكي ومركزه العظيم، لكن بندلاؤن في شجاعة أعلن عدم جحده للسيد المسيح، فأمر الإمبراطور بقطع رقبته وسجن الصبي إيسيذورس وتعذيبه.
استشهاد صوفيا وأفوميه:
سمعت الأم أن ابنها يتعذب، فأخذت ابنتها وانطلقت إلى حيث يُعذب ابنها، وكانت تعزيه وتشجعه، ثم نظرت إلى الملك وأخذت توبخه على قساوته وتجاسره على الأمراء وأصحاب المملكة الأصليين، وكانت ابنتها أيضًا توبخه، فأمر الإمبراطور بقطع رأسيهما.
تعذيب إيسيذورس:
إذ استشهد الكل بقي الصبي الصغير وحده، لكن الله أراد أن يتمجد فيه بقوة، فقد أظهر شجاعة فائقة بالرغم من صبوته وتعرضه لعذابات كثيرة وحشية مثل الهنبازين وإشعال النار تحته والإلقاء في جب الأسود، وبقدر ما احتمل من آلامات كان الرب بنفسه يسنده، إذ كثيرًا ما كان يظهر له ويقيمه ويشفي جراحاته، كما كان يرسل له رئيس الملائكة عونًا له.
كان الرب في محبته له يحول الوحوش الجائعة إلى حملان وديعة تستأنس به وهو بها، الأمر الذي كان يثير دقلديانوس بالأكثر عوض توبته ورجوعه. قيل إنه وسط عذاباته سمع صوت ربنا يسوع المسيح يقول له: "قم يا حبيبي إيسيذورس الذي امتلأ العالم شهادة بسببه"، فقام ليري السيد المسيح ببهائه، ويسجد له متهللًا أخيرًا إذ شعر الإمبراطور بالضيق الشديد أرسل الصبي إلى سلوكية منفيًا، وهي ميناء سوري على البحر الأبيض يسمى حاليًا "السويدية".
استشهاده:
في سلوكية تمجد الله في الصبي فآمن على يديه الوالي أندونيكوس وكل عائلته، وإذ سمع الإمبراطور استدعى الكل ليضرب بالسيف أعناق أندونيكوس وعائلته، ويلقي الصبي في سجن مملوء نتانة بلا طعام أو شراب حتى يموت، لكن الرب أرسل ملاكه يقدم له طعامًا.
استدعى الإمبراطور الصبي ورجاه أن يسمع مشورته، فارتجت المدينة كلها وخرجت الجموع تري هذا الصبي العجيب الذي هزّ الإمبراطور يخضع في النهاية، وتقدم العظماء لكي يحيوه، ووقف الصبي في الهيكل يبسط يديه ويصلي وإذ بالأرض تنشق لتبتلع الأوثان، فكانت الضربة قاضية. غضب الملك جدًا وأمر بتسميره على صليب خشبي حتى أسلم الروح، وكان ذلك في 19 من بشنس.

النموذج الرابع
الشهيد آمون الطوخي
وهو الشهيد أبامون الطوخي، وقد قيل إن هذا الشهيد كان من طوخ (التابعة لكرسي بنها)، يعيش حياة تقوية بفكر إنجيلي حيّ، مات عن محبة العالم، والتهب قلبه بالسماويات.
جاءته الدعوة للاستشهاد خلال رؤيا شاهد فيها رئيس الملائكة ميخائيل يدعوه للذهاب إلى أنصنا، ليشهد للسيد المسيح أمام واليها، فيقبل إكليل الشهادة ويؤمن كثير من الوثنيين بالمسيح.
في أنصنا:
انطلق آمون إلى أنصنا بفرح كمن يركض نحو العرس، وهناك التقى بالوالي الذي أمر بتعذيبه، تارة بالجلد، وأخرى بحرق جسده بأسياخ حديدية محماة، وعصره في الهمبازين (دولاب يتحرَّك نصفه الأعلى في اتجاه آخر بينهما مجموعة من السكاكين الحادة) فيتهرأ جسمه تمامًا.
قيل إنه إذ بلغ هذه الحال من الألم لم يتركه السيد المسيح بل ظهر له علانية وحوله جوقة من الملائكة، لمس قديسه فبرأ في الحال، وآمن عدد كبير من الوثنيين بالسيد المسيح.
أمر الوالي بقطع رأسه، فنال القديس آمون إكليل الشهادة.
كان يوليوس الأقفهصي كاتب سير الشهداء حاضرًا، فأخذ الجسد وكفنه بلفائف فاخرة وأرسله إلى بلده.

النموذج الخامس
الشهيد شورة الصبي
راعي للغنم:
كان هذا الصبي من قرية تدعى طناي وكان مقيمًا ببلدة شنشيف تبع مدينة إخميم، وكان راعيًا للغنم.
لما وصل إريانوس الوالي إلى إخميم، أرسل جنوده إلى كل مجاوراتها ليحضروا إليه المسيحيين لتنفيذ مراسيم دقلديانوس. توجّه خمسة منهم إلى شنشيف فالتقوا بالفتى شورة وهو يرعى غنمه، فسألوه: "من أنت؟" أجابهم: "أنا مسيحي". فأسرعوا خلفه ليقبضوا عليه لكنه تمكّن من الهروب، فاغتصبوا خروفين من الغنم وحملوها على خيولهم، أما هو فرجع إليهم بعصاه واسترد الخروفين.
استدعاؤه أمام إريانا:
ولما عادوا إلى إخميم أخبروا الوالي بهذه القصة، فأرسل الوالي وأحضر حاكم شنشيف وهدّده بالموت إن لم يُحضر هذا الصبي الراعي.
خرج الحاكم وجمع رؤساء البلدة وعرّفهم بما جرى، فخافوا لئلا يخرب إريانوس بلدتهم، فأمسكوا شورة وأوثقوه وأتوا به إلى إخميم، فطرحه الوالي في السجن حتى الصباح. وفي السجن وجد جماعة من المسيحيين مقبوضًا عليهم فشجّعوه.
في الغد قُدّم الصبي ليُمثل أمام الوالي، فسأله: "ما اسمك؟" أجابه: "أنا راعي مسيحي من أهل طناي وساكن بشنشيف واسمي شورة". وبعد حوار لم يطل طلب إليه أن يرفع بخورًا للآلهة، أما هو فكان ردّه: "سوف لا أسمع لك، ومهما أردت اصنع بي عاجلًا".
تعذيبه:
إزاء هذه الجسارة أمر الوالي بتعذيبه، فرفعوه على الهنبازين وعصروه، وأوقدوا نارًا تحت قدميه وسلّطوا مشاعل نحو جنبيه، ووجّهوا نارًا إلى رأسه.
وكان الوالي يظن أنه قد مات، فلما علم أنه حيّ أمر أن يُصب خلّ وملح على جراحاته، أما هو فكان يحتمل بشكر وشجاعة. ثم أعادوه إلى السجن، ووقف يصلي، فظهر له ملاك الرب وعزّاه وشجّعه وأنبأه أنه سيتوجّه في اليوم التالي بإكليل المجد.
عجز الساحر أمامه:
في اليوم التالي أحضر الوالي ساحرًا وطلب إليه أن يفسد سحر شورة المسيحي. فأجاب بجسارة: "أنا أحل سحره وأفضحه". ثم أعدّ الساحر كأس السمّ، وناولها للصبي ليشربها، فسقط الكأس من يده وانسكب ما فيه على الأرض، فخرجت من الكأس أفاعي وسعت نحو الصبي، أما هو فوطأها بقدميه. تعجب الساحر مما رآه وقال للوالي: "ليس لي مع هذا الإنسان شأن لأنه قوي بإلهه".
استشهاده:
لما رأى الوالي ثبات الصبي شورة، أمر أن يُذبح كشاة ويعلّق على سور قريته لتنهش لحمه طيور السماء. فنفّذ فيه الجند هذا الحكم، ونال إكليل المجد في العاشر من شهر كيهك.

المصادر /
كتاب السنكسار
كتاب "قاموس آباء الكنيسة وقديسيها مع بعض شخصيات كنسية" للقمص تادرس يعقوب ملطي):
كتب قبطية
سنكسار الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,062,531
- صلى عليه بين المسلمين والمسيحيين !!
- الدِّينُ والتَقْديسُ والخُرَافَةُ ( 2 )
- الدِّينُ والتَقْديسُ والخُرَافَةُ ( 1 )
- حماس بين أفنان القاسم وناس حدهوم أحمد
- البابا كيرلس الرابع بين الإصلاح والاغتيال
- عبدالله القصيمي بنسخته الأرثوذكسية


المزيد.....




- الفاتيكان يقترب من -حافة الإفلاس-
- الجالية اليهودية المفقودة في السودان
- تواصل المنتدى المسيحي الدولي بموسكو
- رئيس الوزراء الفلسطيني: ممارسات إسرائيل بحق المسجد الأقصى ته ...
- ريبورتاج: طلاب الجامعات يشاركون في الإضراب العام بلبنان ويطا ...
- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...
- احتجاجات في بنغلادش بسبب منشور "مُسيء للنبي محمد" ...
- بطريرك موسكو وسائر روسيا يدين الانشقاق في صفوف الدين المسيحي ...
- في مقابلة مع الجزيرة نت.. الشيخ عبد الحي يتحدث عن أموال البش ...
- حركة النهضة الإسلامية تؤكد أن رئيس الحكومة التونسية المقبل ي ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - إياد دروازة - السنكسار المقدس بين الخرافة ودواعش الوثنيين