أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - دانا زندي - الإسلام والسلطة















المزيد.....



الإسلام والسلطة


دانا زندي

الحوار المتمدن-العدد: 5447 - 2017 / 3 / 1 - 17:44
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الجزء الأول
الديـــن:
قبل أن نغوص في عمق مبتغانا في هذا البحث، أرى من الضروري أن نبدأ بعروضٍ قصيرة لمفرداته، لذا نستهل البحث بتعريف الدين كمصطلح وليس كمفهوم، لأن الدين كالمفهوم، كل فرد يفهمه حسب بيئته الثقافية ومدى وعيه وسعة أطلاعه. وحسب آراء الكثير من الباحثين، إن مفهوم العام للدين يبدأ نسيجه مع أول نسج العقل البشري لحضارته.
إذاً ماهو الدين؟ يُعنى بالدين لغوياً الطاعة والجزاء والإهتداء الى السراط المستقيم (حسب المفهوم الديني). إذاً الدين هو الإيمان والعمل، إيمان بوجود قوى غيبية خارقة ما فوق الطبيعية، أي قوى تخضع لها الطبيعة بكل ما فيها، من النظام الكوني حتى مجرى حياة الإنسان. والعمل في أداء فرائض وشعائر وطقوس معينة تفرضها الأديان السماوية وغير السماوية لإسترضاء الإله أو الآلهة. وهكذا نرى أن العمل يأتي بعد الإيمان، لأن الإيمان هو الدافع والمحرض للقيام بفرائض الدين.

أصول كلمة العرب قبل الإسلام:
بما أن لغة القرآن هي اللغة العربية، وبما أن القرآن هو الكتاب المقدس للدين الإسلامي ولايجوز شرعاً ترجمته الى أي لغة من اللغات، فلابد أن نستعرض نبذة وجيزة عن تأريخ وجذور كلمة عرب أو العربية: عندما نطلق لفظة "عرب" على سكان البلاد العربية، نعني في اللفظة "الجنسية والقومية"، ونطلقها بصورة عامة على البدو وعلى الحضر. صحيح إن هذه اللفظة بهذا المعنى الإصطلاحي يرجع الى ماقبل الإسلام، ولكنه لا يرتقي تأريخياً الى ما قبل الميلاد، بل لا يرتقي عن الإسلام الى عهد بعيد. فإذا رجعنا الى القرآن، والى الحديث النبوي، نجد للفظة "عرب" مدلولاً يختلف عن مدلولها في النصوص الجاهلية، أو في التوراة والإنجيل والتلمود وبقية كتب اليهود والنصارى وما بقي من مؤلفات يونانية ولاتينية تعود الى ما قبل الإسلام.
للباحثين العرب آراء في معنى هذه اللفظة، ولكن لا نجد آراء عربية تعتمد على النصوص القديمة، أقدم من الإسلام، كالنصوص الجاهلية، أو تستند على دراسات عميقة مقارنة. نجد كلها وضعت على الحدس والتخمين، أي كل آرائهم وبحوثهم في تفسير اللفظة وفي محاولة أيجاد أصلها ومعانيها هو إسلامي، مدوّن في الإسلام.
أما المستشرقون وعلماء التوراة المحدثون، فقد تتبعوا تأريخ الكلمة، وتتبعوا معانيها في اللغات السامية، وبحثوا عنها في الكتابات الجاهلية وعند الآشوريين والبابليين واليونان والرومان والعبرانيين وغيرهم، فوجدوا إن أقدم نص وردت فيه لفظة "عرب" هو نص آشوري من أيام الملك "شلمنصر الثالث أو الثانى" ملك آشور ((حوالي قرنين 9 أو 10 ق.م)). وقد تبين لهم إن لفظة "عرب" لم تكن تعني عند الآشوريين ما تعنيه عندنا اليوم من معنى، بل كانوا يقصدون بها البداوة والإمارة (المشيخة). وهذا المعنى، أي أن معنى البداوة والأعرابية والجفاف والقفر، كان مراد البابليين أو الآشوريين أو الفرس من "العربية" أو "بلاد العرب"، الذي كان المقصود به، جغرافياً، البادية التي تقع في غرب نهر الفرات الممتدة الى تخوم بلاد الشام .
ومن هذه الدلالة التأريخية للفظة "عرب" يتضح لنا أن النظام الإداري والإجتماعي السائد في "موطن العرب" قبل الإسلام كان نظام البداوة والمشيخة، و كان حكمها يتوسع ويتقلص في البادية تبعاً للظروف السياسية ولقوة شخصية الأمير أو شيخ العشيرة، وذلك على حساب العشائر المجاورة. أي كانوا جماعات عشائرية منفصلين عن بعضهم البعض. وكان على العموم، عبر التأريخ، صلاتهم سيئة بالحضارات المجاورة لهم.

الأمة العربية قبل الإسلام:
كما معلوم، لكل أمة من الأمم عقلية خاصة تظهر خلال تعامل أفرادها بينهم وتعامل الأمة مع الأمم الأخرى، وهذه العقلية تحدد أو ترسم الملامح الخاصة للأمة وتمتاز بها عن غيرهم من الأمم. وللعرب كغيرهم من الأمم ملامح أمتازوا بها قبل الإسلام، أي قبل اختلاطه بأمم أخرى واندماجه بهم عن طريق نشر الإسلام.
وهنا للتعرف على العقلية العربية ونفسية الفرد العربي أو الأعرابي ومكوّن شخصيته قبل الإسلام، أستند على بعض وثائق ومصادر تأريخية لا غبار عليها، مقتبساً من كتاب ((المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام للدكتور ﺟﻮﺍﺩ ﻋﻠﻲ)): ففي التوراة هكذا توصف العرب: "أنهم متنابذون يغزون بعضهم بعضاً، مقاتلون يقاتلون غيرهم كما يقاتلون بعضهم بعضاً ((يده على الكل، ويد الكل عليه)). يغيرون على القوافل فيسلبونها ويأخذون أصحابها اسرى، يبيعونهم في أسواق النخاسة، أو يسترقونهم فيتخذونهم خدماً ورقيقاً يقومون بما يؤمرون به من أعمال". والعرب في التوراة هم الأعراب، أي سكان البوادي، ولم تكن صلاتهم حسنة بالعبرانيين.
وكما وردت في التوراة، أيضاً نُعِتَ العرب في كتب اليونان والرومان والأناجيل، ويُعتقد بأنهم قصدوا الأعراب الذين كانوا يُغيرون على حدود امبراطوريتي الرومان واليونان: "يسلبون القوافل، ويأخذون الإتاوات من التجار والمسافرين وأصحاب القوافل للسماح لهم بالمرور".
وقد وصف ((ديودورس الصقلي)) العرب: "بأنهم يعشقون الحرية، فيلتحفون السماء. وقد اختاروا الإقامة في أراضي لا أنهار فيها ولا عيون ماء، فلا يستطيع العدو المغامر الذي يريد الإيقاع بهم أن يجد له فيها مأوى. أنهم لا يزرعون حباً، ولا يغرسون شجراً، ولا يشربون خمراً، ولا يبنون بيوتاً. ومن يخالف العرف يقتل. وهم يعتقدون بالإرادة الحرة، وبالحرية".
ولأبن خلدون رأي معروف في العرب، حيث تجده مدوَّنة في مقدمته الشهيرة. أيضاً رأي ((كسرى)) ملك الفرس في شأن العرب، خلال مناظرة بينه وبين ((نعمان بن المنذر)) ملك الحيرة، حول صفات العرب وأخلاقهم وعقولهم .

الإسلام ونظام الدولة:
من المسَّلم به بين الباحثين والدارسين المختصين في تأريخ الإسلام كدين وكدولة، أي كنظام سياسي لتأسيس المجتمع السياسي، إن تأريخ الدولة الإسلامية يبدأ عقب هجرة المسلمين من المكة الى المدينة (اليثرب)، حيث أسس رسول الله عند المسلمين الدولة الإسلامية الأولى. وبما أن هذه الدولة كأية دولة من الدول، لم تقم عن طريق المصادفة من دون أهداف مرجوّة مسبقاً (سياسياً واجتماعياً) من هذه الدولة أو من هذا النضام السياسي ولم تكن غير مسبوقة بأحداث تمهد لها وتهيئ لظهورها، لذا من الضروري دراسة السوابق التأريخية وأصول هذه الدولة اجتماعياً وسياسياً وأقتصادياً، أي دراسة شاملة لحالة العرب عند ظهور الإسلام.
كما أسلفنا إن أكثرية سكان الجزيرة العربية، الموطن الأصلي للأمة العربية، كانوا من البدوا (الأعراب). وحتى الحضر منهم، أي سكان المدن (المكة والمدينة والطائف) لم يرتقوا الى مستوا التنضيم الاجتماعي والسياسي المقبول لتسميتهم بالحضر أسوة بالحضارات الموجودة آنذاك . هذا الواقع الاجتماعي والسياسي الهش للعرب قبل الإسلام وأبان ظهور الإسلام كان السبب الرئيسي لظهور دولة إسلامية بهذا النظام الفريد من نوعه عبر تأريخ الحضارات المتعاقبة.
لاشك فيه إن صعوبة طبيعة حياة البداوة و قساوة العيش في بيئة صحراوية جرداء لها أثر كبير في الحياة الفردية كما الجماعية للسكان القاطنين فيها، وهذه الحياة البرية غير المستقرة نتيجة للسعي المستمر وراء مناطق أكثر خصوبة نسبة لبيئتهم القفراء تؤدي الى أن تكون قرابة الدم هي عماد نظامهم الاجتماعي، أي كنتيجة لهذا الأسلوب في حياة البدو يتجمع أفرادهم في وحدات قائمة على أساس صلة الدم والنسب، وسُميت هذه الوحدات بأسماء مختلفة نسبتاً الى حجم الوحدة، وأكثر هذه التجمعات شيوعاً كانت ولاتزال تسمى بـ((العشيرة، الرهط، القبيلة،أو القوم)). ولهذه التجمعات النسلية رئيس يسمى بالشيخ أو أمير أو رئيس، وكانت سلطة هذا الرئيس في عشيرته محدودة.
وهذا رأي أبن خلدون في هذا الصدد، أي "ما السبب في أن العرب أبعد الأمم عن سياسة المُلكِ؟ السبب في ذلك: أنهم أكثر بداوةً من سائر الأمم، أبعد مجالاً في القفر، وأغنى عن حاجات التلول وحبوبها، لاعتيادهم الشظف وخشونة العيش، فاستغنوا عن غيرهم فصعُبَ أنقياد بعضهم لبعضٍ، لإيلافهم ذلك، وللتوحُشِ. ورئيسهم مُحتاجٌ إليهم غالباً للعصبيَّةِ التي بها المُدافعة، فكان مضطراً الى إحسان ملكتهم وتركِ مراغمتهم لئلاَّ يختلَّ عليه شأنُ عصبيتهِ فيكون فيها هلاكهُ وهلاكهم. وسياسة الملكِ والسلطانِ تقتضي أن يكون السائس وازعاً بالقهرِ وإلا لا تستقيم سياستهُ.
وأيضاً: فإن طبيعتهم أخذ ما في أيدي الناس خاصّةً، والتجافي عمّا سوى ذلك من الأحكام بينهم، ودفاع بعضهم عن بعضٍ، فإذا ملكوا أمّةً من الأمم جعلوا غاية ملكهم الأنتفاع بأخذ ما في أيديهم، وتركوا ما سوى ذلك من الأحكام بينهم. فتبقى تلك الأمة كأنها فوضى، مستطيلةَ أيدي بعضها على بعضٍ، فلا يستقيم لها عمرانٌ، وتخرب سريعاً، شأن الفوضى.
فبعدت طباعُ العربِ لذلك كُلِهِ عن سياسةِ المُلكِ. وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طِباعهم، وتَبَدُّلِها بصيغةٍ دينيَّةٍ تمحو ذلك منهم، وتجعل الوازعَ لهم من أنفسهم، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعضٍ، واعتبر ذلك بدولتهم في الملةِ لما شَيَّدَ لهم الدينُ أمرُ السياسةِ بالشريعةِ وأحكامها المُراعيَةِ لمصالح العمرانِ ظاهراً وباطناً، وتتابع فيها الخُلفاءُ، عظم حينئذٍ مُلكهم وقوى سُلطانهِم.." .
ما عرضناه أعلاه، يؤكد على عدم وجود أي سلطة سياسية في موطن العرب قبل الإسلام، وهذا يدل على عدم وجود بيئة اجتماعية وسياسية مناسبة للإعلان عن أي دين توحيدي أو بناء أي نظام إداري يؤدي الى قيام مجتمع سياسي في الموقع الجغرافي الذي ظهر فيه الدين الجديد حيث أعلن عنه الرسول محمد. والقصة الشائعة حول تنازع قبائل مكة، عند إعادة بناء الكعبة، حول إعادة وضع الحجر الأسود في مكان من الكعبة، تعدّ دليلاً واضحاً على أن السلطة الدينية المتعلقة بالكعبة ذاتها لم تكن سلطة يقبلها الجميع و يخضعوا لها. وهذا إن دل إنما يدل على سلطة القبلية وهيمنة الروح القبلي على عقولهم ومواقفهم.
وبما أن الدولة صورة عن المجتمع السياسي، لقيامها يشترط وجود العناصر المادية الثلاثة مجتمعاً ((الشعب، الأرض، السلطة))، ولإعداد هذا المجتمع السياسي يجب أيضاً توافر عنصر معنوي ألا وهو أن تكون السيادة للقانون في هذا المجتمع. وذلك بمعنى إخضاع مؤسسات الحكم والإدارة لهذه السيادة كما خضوع الأفراد للقوانين، والكل يتحمل تبعة الإخلال بها سواسية. وبغظ النظر عن اختلاف صورة المُساءلة التي تترتب على الإخلال بالقواعد القانونية المقررة من مجتمع لآخر، فإن الأحترام والإلتزام بالقانون واجب على الحكومة والأفراد جميعاً.
لذا أن نظام الدولة الاسلامية، هو الوحيد الذي تفرد باجتماع ((حاكمية الشريعة الإلهية)) و((سلطة الأمة)) و((سلطان الدولة)) جميعا.. ذلك لأن الأمة ـ في الرؤية الإسلامية ـ مستخلفة لله، سبحانه وتعالى، وملتزمة بالشريعة الإلهية، التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف، وهذه الامة هي مصدر السلطات، في اطار سيادة الشريعة، وهي تختار الدولة وتفوضها وتراقبها وتحاسبها، وفق الشريعة، أي وفق بنود عقد وعهد الاستخلاف، الملزم للأمة والدولة جميعا. فنظام هذه الدولة هو الوحيد الجامع بين ((السماء وشريعتها)) و((الأمة وسلطتها)) و((الدولة وسلطانها)) .
وكما صاغ الشيخ محمد عبده نظرية الإسلام فى هذه العلاقة عندما قال: "إن الإسلام دين وشرع، لم يدع ما لقيصيرلقيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله، ويأخذ على يديه في عمله، لأن الإسلام كما هو كمال للشخص، هو ألفة فى البيت ونظام للملك.. والإسلام لم يعرف تلك السلطة الدينية التى عرفتها أوروبا، والتى يسميها الإفرنج "ثيوكرتيك" - أى سلطان إلهى- لأن الحكم فى الإسلام مدني من جميع الوجوه، ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط سلطة الخليفة عند المسلمين بالثيوقراطية الأروبية وسلطانها الإلهي، وإن هذا النموذج امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه" .
وهكذا الإسلام أوجد من شتات قاطني جزيرة العرب أمةً، ومن العصبية القبلية سلطة ذات سيادة موحدة و مجتمع سياسي منظم، ثم وحد بين أقوام عديدين الذين فُرض عليهم الإسلام (ديناً وشرعاً) وجمعهم على صعيد الدين الجديد في الأمة الإسلامية. وبهذا الشكل أقام النبي محمد اول دولة للعرب تحت لواء الإسلام في الجزيرة العربية ونصب نفسه رئيساً لهذه الدولة كأول سلطة تجمع تحت خيمتها سكان الجزيرة العربية أفراداً وقبائلاً. وبعد وفاة الرسول، على نفس الشاكلة الفريدة من نوعها كما ذكرناها سابقاً، أتُبعَ نظام الخلاف لرئاسة هذه الدولة التي أتسعت حدودها بسرعة عجيبة، فقضى على إحدى الإمبراطوريتين العظيمتين في العالم آنذاك، واستأصل أقسام عديدة من الامبراطورية الأخرى.

الجزء الثاني
الخلافة عند الإسلام:
الخلافة في الإسلام، بالاصطلاح الشرعي، هي الرئاسة العامة للمجتمع السياسي (الدولة) في أمور الدنيا والدين نيابة عن الرسول. لذا الخلافة هي العنصر الأساس في تكوين المجتمع الإسلامي ومن ضروريات الحياة الإسلامية التي لايمكن الاستغناء عنها بحال من الأحوال، لأن كما أسلفنا ((الإسلام دين وشرع، لم يدع ما لقيصيرلقيصر)).
أبن خلدون هكذا يصف هذا المنصب: "وإذا قد بينا حقيقة هذا المنصب وأنه نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمى خلافة و إمامة و القائم به خليفة و إماماً فأما تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في أتباعه و الإقتداء به و لهذا يقال الإمامة الكبرى و أما تسميته خليفة فلكونه يخلف النبي في أمته فيقال خليفة بإطلاق و خليفة رسول الله واختلف في تسميته خليفة الله فأجازه بعضهم أقتباساً من الخلافة العامة التي للآدمين في قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة وقوله جعلكم خلائف الأرض. ومنع الجمهور منه لأن معنى الآية ليس عليه وقد نهى أبوبكر عنه لما دعي به وقال: لست خليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم" .
ويطلق لفظ الخلافة ويراد به الإمامة، وعليه درج استعمال الكلمتين لمعنى واحد. فالإمامة لغوياً: مصدر من أمّ والإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والجمع أئمة، وإمام كل شيء قيّمه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين. أما معناها اصطلاحاً: يقول أبو الحسن الماوردي: "الإمامة: موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". وقال التهانوي في كشافه – كشاف اصطلاحات الفنون – "الإمامة عند المتكلمين: هي خلافة الرسول عليه السلام في إقامة الدين وحفظ حوزة الإسلام بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة والذي هو خليفته يسمى إماماً" .
ومن الثوابت التأريخية عند الطائفة السنية، أن رسول الله عند المسلمين لم يعين أحداً للمسلمين ليقود الدولة الإسلامية بعد وفاته. بل لم يحدد طريقة لإتباعه في أختيار الحاكم بعده. فقط أوضح القواعد العامة التي يجب أن يراعيها الحاكم في سيرته في المسلمين، وكما أن النصوص القرآنية لم تتضمن تفصيلاً لنظام الحكم الذي يجب أن يطبق في الدولة الإسلامية. إذ في هذا الصدد اكتفى بالقواعد العامة فحسب. وبعض من الباحثين يفسرون هذا الموضوع، أي عدم تعيين من يقوم بأمر الدولة الإسلامية من قِبَل الرسول بعد وفاته، أو تحديد طريقة لأختيار خليفة له، كان ذلك لمجاراة التقاليد العربية القبلية المتبعة آنذاك. وأما الطائفة الشيعية، في رواياتهم التأريخية حول هذا الموضوع، يستندون على ((خطبة الغدير)) التي أوصى فيها رسول الله عند المسلمين بتعيين علي بن أبي طالب خليفةً له بعد وفاته، وهذا الموضوع عليها الخلاف بين السنة والشيعة ليومنا هذا.
لذا عقب وفاة الرسول، الذي هو كان القائم بأمر السلطة السياسية في الدولة الإسلامية، واجه المسلمون حالة من الخوف لنشوب فوضى في صفوف المسلمين من وجود الفراغ السياسي. لذا سارع المسلمون لحل هذه المشكلة، وذلك بعقد الاجتماع الذي عرف بـ((اجتماع السقيفة)). فقد بادر الأنصار فور وفاة الرسول الى الاجتماع في ((سقيفة بني ساعدة))، حيث أخبروا المهاجرون للمشاركة لاتخاذ قرار في شأن تنصيب من يخلف الرسول لإدارة الدولة. وقد شبه بعض الباحثين هذا الاجتماع بجمعية تأسيسية وضعت أساس مستقبل الأمة السياسية . وقد ذهب المستشرق ((ماكدونالد)) الى أن اجتماع السقيفة كان بداية كل الاضطرابات والمنافسات التي كان مقدرا لها أن تستمر في التأريخ الإسلامي. وكما يقول: قد ظهرت في هذا الاجتماع أحزاب أربعة وهي ((المهاجرون، الأنصار، الشيعة، و حزب الأرستقراطيين المكيين)) . طبعاً ليس المقصود هنا من هذه الأحزاب الأربع أربع آيديولوجيات أو أربع مذاهب مختلفة متصارعة آنذاك، كما موجود حاليا كالخلاف المذهبي بين ((السنة والشيعة))، بل حسب ضني أن المستشرق الآنف الذكر يقصد من وجود نواة أربع جماعات في هذا الإجتماع ذات أربع اتجاهات ومصالح خاصة لكل واحدة منها، والتي طفت للعلن بتواريخ متفاوتة من بعد وفات رسولهم، أي منذ عهد خلافة الراشدين واستمرت عبر تأريخ دول الإسلامية أو الأمة الإسلامية ولحد الآن. كما أظن إن هذا التأريخ المليئ بالصراعات الدموية من أجل السلطة واضحٌ لكل قارئ مسلم أو غير مسلم.
و يرى بعض المحللين إن الخلافة في الإسلام هي اللإسلام السياسي الذي ابتدأ مع عصر بني أمية منذ قال معاوية بن أبي سفيان (يسميه السلفيون والإخوان سيدنا معاوية): "نحن الزمان، مَن رفعناه ارتفع ومَن وضعناه اتَّضع". ومنذ قال أيضاً: "إن تعيين الإمام راجع بالأساس الى الله". ولاتسأل كيف يعين الله إماماً.. من وقتها والدين السياسي يحتل كل المساحة .

الإسلام السياسي:
كما أشرنا اليه سابقاً، بالإستناد على الدلالات والحقائق التأريخية، ان الخلافة هي العنصر الأساس في تكوين المجتمع السياسي الإسلامي، وهي الدعامة الأساسية لرسخ النظام الإسلامي في الدولة الإسلامية وغرس مفاهيم الشريعة في المجتمعات الإسلامية، وذلك لأسباب بيئية وأجتماعية تأريخية للمجتمع التى أستنبط منها هذا النظام الفريد للدولة، كما أشرنا في البداية.
وهذه هي الدلالة التي تشير الى السبب الرئيسي والأساسي لظهور الإسلام السياسي بعد إنحلال دولة الخلافة الإسلامية عقب الحرب العالمية الأولى، أي بعد سقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة نهائياً في عام 1924.
بعد انحلال نظام الخلافة في العالم الإسلامي، حصل الفراغ الإداري أو السلطوي (سياسياً، اجتماعياً واقتصادياً) في الكيان الإسلامي، وبعبارة أخرى فقدان الخيط الأساسي لحياكة نظام الدولة الإسلامية أدى الى انهيار البنية التحتية للإسلام. وهذا استناداً على ما قدمناه آنفاً، إن الإسلام "دين وشرع" أي "دين ودولة"، وأن نظام الدولة الاسلامية هو الوحيد الذي تفرد باجتماع ((حاكمية الشريعة الإلهية)) و((سلطة الأمة)) و((سلطان الدولة)) جميعا... وبهذا النحو (بفقدان سلطة الشرع) لم يبقى الإسلام الحقيقي، لأن الإسلام بدون شرع (السلطة الشمولية)، لم يكون الإسلام الذي أتى به محمد، فهو قد يكون أي شيئ ما عدى الإسلام المحمدي.
فمن رحم هذا الواقع الإنتكاسي ولد الإسلام السياسي، ومن هذا الفراغ استنبط الإسلام الأصولي كطريقة جهادية عصرية لإسترجاع نظام الخلافة، أو لإنعاش الجزء المهم المحتضر من الإسلام الذي هو ((الشرع الإسلامي)).
أختلف الباحثون حول بداية ظهور الإسلام السياسي. هناك من يقول بدايته كانت من نشأت حركة ((ديوباندي)) في الهند في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أو حركة ((الشيخ أبو الأعلى المودودي)) في باكستان في نهاية النصف الثانى من القرن المنصرم...
فبغض النظر عن بداية ظهور الإسلام السياسي، إن حركة الإسلام السياسي بمفهومها الحديث بدأت بعد قيام مصطفى كمال أتاتورك بتأسيس جمهورية علمانية في تركيا وإلغائه لنظام الخلافة الإسلامية ومحاولة محوه لهذا المفهوم في المجتمع الإسلامي عموماً والمجتمع التركي خصوصاً. ولكن بداية استخدام هذا المصطلح (الإسلام السياسي) أحدث من بداية ظهوره كحركة.
ورغم اختلاف الباحثين حول بداية ظهور أو استخدام مصطلح ((الإسلام السياسي))، فإن أغلبهم يعتبرون مصطلح ((الإسلام الأصولي)) (Islamic Fundamentalism) هو أول المصطلحات التي تم استعمالها من قبل الغرب لتسمية الجماعات التي نسميهم اليوم بـ((الإسلام السياسي))، وبعد ذلك في التسعينيات من القرن الماضي بجانب التسمية القديمة تم تسميتهم بـ((الإسلاميون المتطرفون))، ومن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أستقرت تسميتهم على ((الإسلام السياسي)).
ولكن رغم شيوع استخدام هذا المصطلح، هناك العديد من المفكرين الإسلاميين وغير الإسلاميين المهتمين بأمور السياسة يرفضون استخدام مصطلح ((الإسلام السياسي))، مؤكدين عدم الفصل بين الإسلام السياسي والإسلام ككل. وهذا ما أكده حسن البنا بقوله: "ليس هناك شيء اسمه دين وشيء اسمه سياسة وهي بدعة أوروبية". وكتب عن ذلك ((الدكتور محمد عمارة)) في كتابه ((الإسلام السياسي من منظور إسلامي)) "إنني لا أستريح كثيراً لمصطلح الإسلام السياسي رغم شيوع هذا المصطلح، وصدور الكثير من الكتابات حول هذا الموضوع وتحت هذا العنوان"، ويضيف "في الإسلام السياسي شبهة اختزال الإسلامي في السياسة، لأنه هناك إسلام بدون سياسة". وفي نفس السياق قال الأستاذ ((علي صدرالدين البيانو)) المراقب العام للإخوان في سوريا "بالنسبة لمصطلح الإسلام السياسي، انه مصطلح ناشئ أصلاً عن الجهل بالإسلام الذي جاء بالعقيدة والشريعة، خلافاً للمسيحية التي جاءت بالعقيدة فقط، ونادت بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر. انك حين تجرد الإسلام من بعده التشريعي لا يبقى إسلاماً، إنما يتحول إلى شيء آخر. إن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. فليس هناك إسلام سياسي وإسلام اقتصادي وإسلام اجتماعي، بل هو إسلام واحد شامل لكل جوانب الحياة، ولذلك نرفض مقولة ((الإسلام السياسي))".
وفي نفس السياق يرى المحلل الأمريكي في شؤون الإسلام ((روبرت سبنسر)) إن لا فرق بين الإسلام والإسلام السياسي وانه من غير المنطقي الفصل بينهما فالإسلام بنظره يحمل في مبادئه أهدافاً سياسية. ويقول "إن الإسلام ليس مجرد دين للمسلمين وإنما هو طريقة وأسلوب للحياة وفيه تعليمات وأوامر من أبسط الأفعال كالأكل والشرب وإلى الأمور الروحية الأكثر تعقيداً" .
وهذا يستوضح لنا إن استخدام مصطلح ((الإسلام السياسي)) كتسمية للحركات الإسلاموية لاينال إعجاب الكثير من الدارسين والمهتمين بأمور الإسلام (من الإسلاميين وغير الإسلاميين)، وذلك لأن الإسلام ليس فقط دينٌ كالمسيحية، بل هو دينٌ وشريعة. أي إن الحركات الإسلامية المسمى بالإسلام السياسي هي التعبير الصادق للإسلام ككل (الدين والدولة)، لأن الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط، وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات الدولة. واستناداً على هذا المبدأ، إن الإسلام السياسي هي تلك الحركات التي تصرح علناً عن هدفه المنشود ألا وهو إقامة الدولة الإسلامية على غرار دولة الخلافة الإسلامية، ولتنفيذ مشروعه هذا مرتكزاً على بنية تنظيمية علنية أو سرية معتمداً على قاعدة جماهيرية واسعة النطاق، مستغلةً في هذا نقاط الضعف الروحانية لعامة الشعب في الجتمعات المسلمة وعدم التكافؤ الإجتماعي داخل منظومة الدول المسلمة، ويعمل هذا التنظيم مستنداً على مبدأ "الضرورات تبيح المحظورات" للوصول إلى أهدافه القريبة والبعيدة، وهذا يعني إباحة كافة الوسائل لتحقيق الهدف المطلوب، وما معناه إباحة استخدام العنف على كافة المستويات حسب ضرورة الموقف.

الجزء الثالث والأخير
إخوان المسلمين:
حسب قراءتنا وتفسيرنا لهذا الموضوع، كما عرضناه آنفاً، فقط بعد أربعة أعوام من الإنحلال التام لدولة الخلافة الإسلامية سنة 1924، ولد الإخوان المسلمين كجماعة أو تنظيم لإنقاذ الإسلام ككل من الإنحلال بعد نسف دعامته وركيزته الأساسية التي هي الخلافة، أي سلطة الشريعة، وبعبارة أخرى سلطته الشاملة في المجتمع السياسي، أي دولة الإسلام.
إخوان المسلمون كجماعة أو الحركة الإسلامية التي تصف نفسها بأنها "إصلاحية شاملة" أسسها "حسن البنا" في مصر في مارس عام 1928 تحت شعار "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا". وتأسس الإخوان على مبدأ "أن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف"، حسب ما ذكره البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان "إسلام الإخوان المسلمين".
كما هو معلوم، بعد الحربين العلميتين (الأولى والثانية)، حصلت تغييرات عالمية عظيمة في مجالات جيوسياسية وسوسيواقتصادية و سوسيوثقافية... فبإعادة رسم الخريطة السياسية للدول أو المناطق التي كانت ضمن الامبراطورية العثمانية، من قِبل دول التحالف الغربية المنتصرة في الحرب، أصبحت حصة دول العربية ودول المسلمة من هذه التغييرات كبيرة.
بعد مرحلة الإنتداب أو الإستعمار، إي بعد الإستقلال، وصل القوميون الى سدة الحكم في الدول العربية الناشئة جديداً. في هذه المرحلة، أي من بدايات النصف الثاني من القرن المنصرم، شيئاً فشيئاً بدأ تحول سوسيوإقتصادي، وهذا التحول الذي كان مرتجلاً، وناتجاً عن الثروة النفطية السريعة، توغل جذوره الى عمق النظام الإداري والهيكل الاجتماعي، حيث عجل أو أختصر مراحل التمدن في المراكز الحضرية، وهذا أثر سلباً على توازن الكثافة السكانية بين القرى والمدن، أي أدى الى جزالة الهجرة من القرى والمناطق النائية الى المدن المكتظة السريعة التطور، بحثاً عن العمل وكسب المال لتأمين حياة أفضل. وناهيك عن القادمين من مختلف بقاع العالم للعمل وجني الأموال.
وكان الوافدون الجدد الى المدن الكبيرة، الذين هم من أصول قبلية وبدوية، يريدون المشاركة في الحياة الاقتصادية، في حالةٍ ان الثروة الحاصلة من الإنفتاح المفاجئ لم تقسم بشكل منصف، لذا كانت أعداد المواطنين الذين يتعرضون للإقصاء أو للإبعاد في بلدهم تتزايد بنفس السرعة التي تتزايد بها الثروات الوطنية، وبالأخص النفطية منها. وهذه المشاركة الضيقة في الحياة السوسيواقتصادية التي كانت بسبب ضعف الخبرات وقلة المؤهلات وتدني الشهادات الدراسية والتدريبية من جهة، وعجز سياسة الإنفتاح أو انعدام المشاركة السياسية في ظل الانظمة الدكتاتورية القومية أو الثيوقراطية القمعية من جهة أخرى، أثار الإحساس بالغبن عند الأغلبية من المواطنين، وأكثرهم من الشباب المتحمسين لبناء مستقبل أفضل.
وكنتيجة طبيعية، في ظل هذا الإختلال في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية نشطت التيارات الإسلامية بالأخص في المناطق المنكوبة والنائية البعيدة عن يد السلطة، حيث وصل هذا اللاتوازن الى مرحلة حرجة أبان نشوء حركة الإخوان المسلمين في مصر، وثم بدء تكوين التيارات التكفيرية في بعض مناطق السعودية والعالم العربي. وهذه النتيجة أدت الى تشكيل جماعات مسلحة من الفقراء والبائسين المهمشين، حيث أفرزت عمليات مسلحة ضد أنظمة الحكم، بذريعة الحفاظ على الدين والشريعة الإسلامية، وبأمل استرجاع "الجنة المفقودة" للمسلمين ألا وهي التجربة الأولى للدولة الإسلامية التي أنشأها محمد وخلفاؤه الراشدون في المدينة، والتى لم تستمر سوى أربعون عاماً (من 622 الى 661 الميلادية). وأبرز نشاطات هذه التيارات التكفيرية هي عملية الإستيلاء على الحرم المكي في نوفمبر سنة 1979 من قبل مجموعة من المسلمين المتعصبين الذي كان يتزعمهم شاب سعودي وهو ((جهيمان العتيبي))، بإعتبار أن هذه العملية محاولة لتصحيح ما أفسده حكام السعودية الفاقدين للشريعة والنهج الإسلامي، حسب ادعائهم، ودعوة لمبايعة "محمد عبدالله القحطاني" كخليفة للمسلمين.
وكما أشرنا اليه سابقاً، إن الإسلام من حيث مبادئه و سننه يعد دين الدنيا كما هو دين الآخرة، فهذا الدين يَعِد المؤمنين بتعاليمه النصية والروحية بحياة مجيدة في دنياهم، كما الحصول على اجر أعمالهم في الآخرة. ومن هنا يتبلور نداء القتال عند الإسلاميون الراديكاليون على أساس ((الإسلام هو الحل)). فيزعمون إن الإسلام، في زمن النبي والخلفاء الراشدين، فضل المسلمين على العلمين، ولما انحرفوا (المسلمون) عن الصراط المستقيم الذي نادى به الإسلام، تقهقروا وضعفوا وأصبحوا فقراء، أي فقدوا الجنة على الأرض. وأما المسببون في هذا، هم الحكام الذين زاغوا عن طريق الأسلام الصحيح، فهم مذنبون كافرون. ولإستعادة هذه "الجنة المفقودة"، القتال من أجل إعادة نظام الخلافة الإسلامية الصحيحة، واجبٌ دينيٌ ودنيوي على كل مسلم حقيقي، التي هي الحل الأمثل لبؤسهم وشقائهم، حسب اعتقادهم.
وعلاوةً على هذا التفسير والتحليل لكيفية ظهور أو نشوء الحركات أو التيارات الأصولية الإسلامية، وتعريف مسببات بلورة أهدافها، لابد أن نستفسر عن الرحم التي ولدت هذه الحركات في العصر الحديث.
كما عرضناه سابقاً، تعتبر تنظيم الإخوان المسلمين أول حركة إسلامية أصولية من بعد إنحلال الامبراطورية العثمانية، وهي آخر دولة إسلامية على نهج وطراز الخلافة. وكما ذكرنا، تهدف هذه الحركة لتأسيس دولة مبنية على الشريعة الإسلامية ونظام الخلافة. ولهذا من المسلم به بين الباحثين، إن حركة الإخوان المسلمين هي أم الحركات الإسلامية في العصر الحديث. أي اتساع رقعة الفكر الإخواني شملت جميع الدول العربية والى حدٍ ما دول العالم الإسلامي وساحة الجاليات الإسلامية في العالم بغربه وشرقه.

الإخوان والتنظيمات الإرهابية الإسلامية:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سادت الفوضى في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر كما في الدول العربية الأخرى، في هذه الظروف كان تنظيم الإخوان المسلمين أوضح الجماعات حركةً وانتشاراً، وفي هذه المرحلة الحرجة سياسياً ومعيشياً، كثفت حركة الإخوان نشاطاتها للإصلاح والتوعية حيث برز دورهم في الأوساط الثقافية واستقطبت المثقفين. وفي هذه الفترة، المفكر والمنظر الإسلامي "سيد قطب" الذي كان صاحب مشروع إسلامي مفاده ((لا بد وأن توجد طليعة إسلامية تقود البشرية إلى الخلاص)) أنظم الى حركة الإخوان المسلمين، بعد اختلافه مع مجلس الثورة التي قام بها الضباط الأحرار.
تجدر الإشارة هنا الى التنظيم الخاص أو التنظيم السري الذي أنشأه حسن البنا والذي يعتبر تنظيماً عسكريا هرمياً سرياً كذراع مسلح يستخدمه البنا لضرب خصومه خارج التنظيم، وحتى ضرب الخارجين عن طاعته من داخل الجماعة. هذا التنظيم قام بعدد من الاغتيالات والتفجيرات في مصر بدءاً من أغتيال رئيس الوزراء ))أحمد ماهر(( وحتى تصفية العضو البارز في التنظيم الخاص المهندس ((سيد فايز)) الذي صفّاه عبد الرحمن السندي قائد التنظيم الخاص... هذا فضلاً عن التفجيرات التي قتل فيها الكثير من الأبرياء... وبعدها حاول التنظيم اغتيال جمال عبدالناصر في حادثة المنشية المشهورة. وفي منتصف الستينات وافق حسن الهضيبي (المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمون) على عمليات التنظيم الخاص وأعاد احياءه في منتصف السبعينات. وكما قدّم سيد قطب من التنظيرات الشمولية والعنيفة ما يعد مرجعا أساسيا لكل جماعات الإرهاب الحالية، وقام بمحاولة لإنشاء تنظيمٍ خاصٍ سري جديد، وهو التنظيم الذي أدى اكتشافه للحكم عليه بالإعدام الذي نفّذ في 1969.
وإن تنظيمات العنف الديني في السبعينات، كتنظيم التكفير والهجرة وتنظيم الجهاد وتنظيم الفنية العسكرية كلها خرجت من تحت عباءة حسن البنا وسيد قطب. وقد قام تلاميذ خطاب الجماعة باغتيال وقتل كلٍ من: الرئيس المصري أنور السادات والشيخ محمد الذهبي والمفكر فرج فودة وحاولوا اغتيال الأديب العالمي نجيب محفوظ والرئيس المصري حسني مبارك في إثيوبيا، وقاموا بقتل الكثير من الأقباط والسيّاح والمصريين الأبرياء في تفجيراتٍ متعددة .
وتنظيم القاعدة التي هي منظمة إسلامية أصولية متعددة الجنسيات تم إنشائها من بقايا المتطرفين الإخوانيين وإضافة الى جماعات الإسلامية الجهادية الذين تم إفراجهم من سجون مصر والجزائر وبعض دول العربية وإرسالهم الى السعودية ومنه الى باكستان، وبعد تنظيمهم سوقوا الى أفغانستان.
ومن أبرز الأصوليين المتدفقين للجهاد في أفغانستان، طبعاً على أثر فتاوى شيوخ العرب، كان ((عبدالله عزام)) العضو في جماعة الإخوان المسلمين. في عام 1984 قام عزام بتأسيس "مكتب الخدمات" في بيشاور على الحدود الأفغانية وفي هذا المكتب كان ينظم دخول المجاهدين العرب الى أفغانستان. وفي هذه الفترة أصبح عزام يلقب بأمير المجاهدين العرب.
وفي هذه المرحلة، على مبدأ الفكر الإخواني، كانت الفكرة الأساسية في العمليات الجهادية ضد السوفييت في أفغانستان مجرد ذريعة أو خطوة أولية للوصول الى الهدف الأساسي التي هي إشعال فتيلة الثورة الكبرى للقضاء على الحكومات العربية. وكان أسامة بن لادن السعودي الثري من أقرب مساعدي عزام حيث كان يموله وينفق على أتباعه.
وفي عام 1985 ضمن مشروع تهجير الإخوانيين الشرسين و الإسلاميين المتشددين والمجرمين القابعين في السجون المصرية وبعض الدول العربية الى محرقة أفغانستان بلاعودة، كان ((أيمن الظواهري)) من ضمن الوافدين. أيمن الظواهري الذي كان من أعنف المتطرفين في مصر، وهو قائد جماعة "الجهاد الإسلامي" الذين كانوا يعتقدون أنهم هم فقط يمثلون الإسلام من دون غيرهم.
كان الظواهري من أتباع سيد قطب صاحب نظرية "الليبرالية الغربية أفسدت عقول المسلمين" إلا أن الظواهري طور هذه النظرية بالقول "هذا الفساد يشمل النظام الديمقراطي الغربي" إذ يعتقد الظواهري أن الديموقراطية أتاحت للسياسيين أن يعتبروا أنفسهم مصدر جميع السلطات وهذا يتنافى مع القرآن وبالتالي أجاز الظواهري قتلهم وقتل من يساندهم. وقال أن كل من يشارك في برلمان أو حزب سياسي أو انتخابات أو يدعوا الى الانتخابات فإنه منكر للقرآن ويجب أن يقتل.
وبعد انتصار الأفغان على السوفييت توهم المجاهدون العرب أنهم هم من حقق الإنتصار، متناسين الدعم الأمريكي، لذا ظنوا سيكون هذا النصر مولد الثورات في كل البلاد العربية للإطاحة بالحكومات الفاسدة الكافرة، حسب اعتقادهم. وكما قال ((جيلو كيبل)) (المؤرخ للحركات الإسلامية) "للأسف أصبحت هذه الكذبة بمثابة قوة محركة للإسلاميين في جيع أنحاء العالم".
وبهذا الشكل إن النشاطات للحركات الإسلامية الأصولية أو الأفكار الراديكالية الإسلامية أصبحت وسيلة سهلة وسريعة التأثير وذات نتيجة مضمونة الى حدٍ ما للكثير من اللعبات السياسية والاقتصادية والعسكرية على المستويين المحلي و الأقليمي للدول العربية والإسلامية وأيضاَ على الساحة العالمية للدول الكبرى ذات المصالح الاقتصادية العالمية والتحالفات الدولية.
وحسب ما يرى الخبراء، في العشرية الأخيرة من الألفية الثانية، فضل الرئيس العراقي صدام حسين استغلال قدرة الخطاب الديني للتعبئة العامة على المحركات الدنيوية، حتى لو كان الحزب الذي يتزعمه (حزب البعث) علمانياً. واستناداَ على هذا المبدأ أختار صدام الاحتماء بالإسلام من موجات التطرف التي اجتاحت العديد من المجتمعات العربية، وذلك لتجنب هزات أخرى، لأن العراق كان منهكاً جراء حربه ضد التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1991 المسمى بـ((عاصفة الصحراء أو حرب الخليج الثانية)). لذا لقب صدام نفسه بقائد الحملة الإسلامية أو الإيمانية.
ورغم مواجهة هذا المسار الجديد بالتحفظ من قبل حزب البعث في بادئ الأمر، عادت كوادر حزب البعث الى المحاضرات لتلقي دورات في الفقه الإسلامي، كما افتتحت جامعات ومدارس للعلوم الإسلامية في العاصمة والمحافضات العراقية، وأفتتحت أيضاً محطة إذاعية مخصصة لتلاوة القرآن. وفي نفس الفترة اغلقت الحانات التي كانت تقدم المشروبات الكحولية ابوابها ومنع تقديم هذه المشروبات في المطاعم. ومن على منصات المساجد في العراق كان الأئمة يبجلون الرئيس العراقي ويقدمونه كصلاح الدين الأيوبي المعاصر. وفي الوقت ذاته قال ((عبداللطيف هميم)) أمين عام المؤتمر الإسلامي الشعبي الذي يضم شخصيات إسلامية عالمية: "الرئيس صدام حسين انحاز الى الدين كعنصر من عناصر الهوية وهو ما اجهض التطرف"، وحسب قول الهميم "((الحملة الإيمانية)) هو الأسم المعتمد رسمياً لهذا التوجه الذي أعاد للإسلام مكانته السابقة" .
وكما رأينا، هذه "الحنكة" لـ صدام حسين لم تفده، ولم تفيد حزبه للإفلات من مصيره المحتوم، ولكن هذا الإتجاه أصبح ملاذاَ، لقادة حزبه و قادة أجهزته العسكرية والإستخباراتية الفارين من العدالة، داخل المجتمع الإسلاموي الضالين في البحث عن ((الجنة المفقودة)). ومن هنا تبلورت نواة فكرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وثم في العراق والشام (الداعش).
بعد الإطاحة بحكم حزب البعث العربي الاشتراكي و احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية بمساندة التحالف الغربي التي أتت بعزمها الى المنطقة بعد هزيمة الطالبان وتفكيك تنظيم القاعدة الإرهابي في أفغانستان، وبعد لجوء بعض الشتات المتبقي من التنظيم الى العراق وبعض دول المنطقة لمحاربة الإحتلال الأمريكي، من هنا بدأت المرحلة الجديدة من الرهانات واللعبات السياسية والأقتصادية من قبل الأطراف والقوى المتنازعة للهيمنة على منطقة الشرق الأوسط. وهكذا بدأت عملية تعبئة بقايا التنظيمات الإسلامية الأصولية النشطة وتوجيهها نحو الأهداف المرجوة لكل من يسوقها. وبهذا السياق أنصهرت بقايا التنظيمات الإرهابية المهزومة في أفغانستان وبقاية حزب البعث المهزوم في العراق بعضهم ببعض وتكوين الكتلة السنية الطائفية المتشددة ضد الطائفة الشيعية الأكثرية في العراق التي انتزعت السلطة من يد الأقلية السنية التي دامت تسلطهم على الحكم في العراق قرابة قرن من الزمان، أي منذ تكوين العراق من بعد الحرب العالمية الأولى.
وفي هذه الفترة بدأت ظاهرة الإنتفاضات الشعبية في الدول العربية المسمى بـ ((الربيع العربي)) التي في البدء كانت ضد الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة، ولكن بعدها أستغلت من قبل التنظيمات الإخوانجية والجماعات الإسلامية الأصولية للوصول الى سدة الحكم، أي تأسيس دولة الخلافة الإسلامية التي أكملت اللوحة التراجيدية في المنطقة. اللاعبون الأساسيون في هذه البانوراما المأساوية هم الدول الكبرى ذات جذور سلطوية إسلامية في المنطقة كتركية وإيران والسعودية المنقسمون على المعسكرين الرئيسيين الغربي والشرقي (الناتو والوارشو قديماً) بقيادة أمريكا وروسيا. وهنا أيضاً توجد دولة اسرائيل ذات عمق ديني وعرقي بصبغة العداوة التأريخية مع العرب والإسلام، والمتمتعة بالحصانة الدولية من قبل الجميع.
هنا، على ضوء الأستدلالات التأريخية، كما عرضناها خلال هذا البحث، منذو أول بلاغ عن دين الإسلام وحتى يومنا هذا، يجدر التساؤل عن ماهية الإسلام: هل الحاجة الروحانية البشرية ولدت هذا الدين؟ أم الحاجة الدنيوية هي الأساس لهذا الدين؟ هل الإسلام هو السياسة بعينه؟ أم عبارة عن ذريعة روحانية للوصول الى الأهداف السياسية الدنيوية؟. أيهما أصح، الإسلام السياسي، أم السياسة الإسلامية؟!.
وأخيراً أترك هذه التساؤلات للقارئ النبيه، ليشترك بخبرته في إعطاء نتيجة مرضية له، حسب بيئته الفكرية والثقافية والدينية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,602,491,338
- -علي الوردي- والكتاب العرب


المزيد.....




- الأسد: -مقتل- البغدادي وبن لادن وإبشتاين ولو ميسورييه -أعمال ...
- الأسد: لو بقي البغدادي وبن لادن أحياء لقالوا الحقيقة في ظرف ...
- شاهد.. ماهية شعار مؤتمر الوحدة الإسلامية ودلالاته؟
- موراليس يطلب من المنظمات الدولية والكنيسة التدخل لحل الأزمة ...
- الاحتلال يعلن اغتياله لأحد قادة الجهاد الاسلامي الليلة الماض ...
- ابراهيم الديلمي: الشعب اليمني لن يتخلى عن قضية الامة الاسلام ...
- ابراهيم الديلمي: تمسك الشعب اليمني بالاسلام المحمدي الاصيل ه ...
- معرض في نيويورك يجسد مراحل ملاحقة أسامة بن لادن
- الشيخ عيسى قاسم: الامة الاسلامية أمام إمتحان من خلال موقفها ...
- وزير الاوقاف السوري: قضية القدس قضية عقيدة إسلامية نؤمن بها ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - دانا زندي - الإسلام والسلطة