أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - آلان وودز - إضراب أكتوبر والسوفييتات - البلشفية طريق الثورة















المزيد.....


إضراب أكتوبر والسوفييتات - البلشفية طريق الثورة


آلان وودز
الحوار المتمدن-العدد: 5395 - 2017 / 1 / 7 - 00:38
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



الفصل الثاني: الثورة الروسية الأولى



آلان وودز
ترجمة: هيئة تحرير موقع ماركسي

مع حلول أواخر الصيف بدا وكأن موجة الإضرابات قد هدأت. بدا وكأن إبرام اتفاق السلام مع اليابان ودوما بوليغين إضافة إلى سلسلة من التنازلات الأخرى قد دفعت الإضرابات إلى نهايتها. لكن هذه المظاهر كانت خادعة. كانت الحركة ما زالت لم تستنزف بعد، وقد اندلعت حركة إضرابات شتنبر وأكتوبر، ليس على يد الفئات الأكثر خبرة وتقدما بين العمال، بل على يد الفئات الأكثر تخلفا. شهدت أشهر الصيف انخفاض الإضرابات في المصانع الكبيرة، لكنها شهدت زيادة في إضرابات فئات العمال الأكثر انسحاقا واضطهادا: عمال مصانع الآجر وعمال معامل نشر الخشب وعمال المجازر وعمال الغزل والصيادلة وسعاة البريد والنوادل والخبازين، بل وحتى خدم المنازل. كان الجيش البروليتاري يستدعي قواته الاحتياطية. انضمت القطاعات موجة بعد موجة إلى النضال. وجاءت دفعة جديدة من إضراب عمال المطابع بموسكو والذي أدى إلى إضراب عام في موسكو، يوم 27 شتنبر. بدأ الإضراب على خلفية نزاع صغير في مطبعة سيتين في موسكو، وانتشر إلى 50 مطبعة في غضون بضعة أيام وبعد ذلك أصبح بسرعة عاما في جميع أنحاء المدينة.

وبالضبط عندما بدا وكأن الحركة في موسكو قد بدأت تخبو، كانت هناك طفرة جديدة في سان بيترسبورغ. يوم 02 أكتوبر، أعقب إضرابا تضامنيا لعمال المطابع إضراب لعمال السكك الحديدية في موسكو، يوم 06 أكتوبر. أضرب عمال السكك الحديدية وانتخبوا ممثلين لهم. وبحلول يوم 10 أكتوبر كان هناك إضراب شامل في قطاع السكك الحديدية. وبحلول منتصف أكتوبر، كان ثلاثة أرباع مليون عامل سككي منخرطون في الإضراب. أصبحت الإضرابات عامة، وقد شملت موسكو وخاركوف ورفيل وسمولينسك ولودز ومينسك وبيترسبورغ وفيلنا وأوديسا وكازان وتفليس، وغيرها من المراكز الرئيسية الأخرى. في 16 أكتوبر انضمت فنلندا. وأصبح إضراب السكك الحديدية 100%، من تم انتشرت الحركة بسرعة لعمال وموظفي قطاع البريد والهاتف والبرقيات. وسرعان ما اتخذ الإضراب الطابع السياسي، وهذا ما أجبر القيصر يوم 17 أكتوبر على إصدار بيان بمبادرة من الكونت وايت. وبعد ذلك بيومين توقف الإضراب العام.

إن دور الإضراب بشكل عام هو جعل الطبقة العاملة تدرك ذاتها باعتبارها قوة اجتماعية حية، والإضراب العام هو أسمى تعبير عن هذا. كان لينين مولعا بنقل كلمات أغنية ألمانية تقول: «جميع العجلات تتوقف عن الدوران، عندما تقرر ذراعاك القويتان ذلك». من خلال مشاركتهم في حركة الإضراب، وخاصة عندما تكتسي طابعا نشيطا مع المشاركة الجماهيرية، يكتسب العمال الاحساس بقوتهم من خلال الوحدة. الإضراب ظاهرة موازنة، تفيد في توحيد العمال الأكثر تقدما والأكثر وعيا سياسيا مع أوسع فئات الطبقة العاملة الذين نهضوا إلى النضال من جمود الأوقات "العادية". في خريف عام 1905، حققت الثورة نهوضا لم يسبق له مثيل. على رأس الحركة وقفت البروليتاريا، شاهرة سلاحها الكلاسيكي: الإضراب العام. وكما أشار لينين في وقت لاحق «لم يكن للنضال الإضرابي مثيل في أي مكان في العالم من حيث مداه وحدته. تطور الإضراب الاقتصادي إلى إضراب سياسي، وتطور هذا الأخير إلى انتفاضة».[1]

تمكنت الطبقة العاملة، التي أبانت عن قوتها، من أن تجر وراءها قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى. انضمت الانتلجينسيا إلى الإضراب. «في كثير من الأماكن رفضت هيئة المحلفين الجلوس ورفض المحامون المرافعة ورفض الأطباء استقبال المرضى. وأغلق قضاة الصلح محاكمهم».[2]

وقد رافقت الإضراب لقاءات جماهيرية حيث وضع العمال التكتيكات وناقشوا الاستراتيجية والسياسة. وعلى نحو متزايد بدأ الجنود في المشاركة في هذه الاجتماعات، معربين عن التضامن مع الشعب. كان العمال قد بدأوا في تنظيم ميليشيات للدفاع عن النفس ولمكافحة المذابح والحفاظ على النظام. في بعض الأماكن تحولت فرق القتال العمالية إلى الهجوم. ووقعت اشتباكات مع القوزاق في يكاتيرينوسلاف وعلى المتاريس في أوديسا.

يمكن للإضراب العام، في ظل ظروف معينة، أن يؤدي إلى فرض تنازلات جدية على الطبقة الحاكمة. لكن في السياق الخاص لروسيا عام 1905 كان على الإضراب العام أن يؤدي بالضرورة إلى الاستيلاء على السلطة أو أنه سيتعرض للهزيمة. لقد طرح الإضراب العام مسألة السلطة، لكن لم يكن قادرا، في حد ذاته، على حلها. لذلك كان من الضروري أن تتوفر الحركة على حزب ثوري مستعد ليضع على كاهله المهام الأكثر تقدما. لا يمكن فهم التطور السريع الذي حققته القوى الماركسية في روسيا، والسهولة التي وضعت بها نفسها على رأس الحركة العمالية الجماهيرية، في عام 1905، إلا في سياق بروليتاريا بكر من الناحية السياسية وليس لديها تاريخ طويل مع النقابات الإصلاحية والأحزاب الإصلاحية. بسرعة كبيرة تمكن الماركسيون الروس من كسب أفضل المناضلين الطبقيين في المصانع والذين بدورهم مكنوهم من لعب دور مهيمن في الحركة الجماهيرية. يبدو أنه من المفارقة أن تتمكن الماركسية الثورية من تحقيق نجاح كبير في بلد متخلف مثل روسيا، لكن المفارقة ظاهرية فقط وليست حقيقية. إن تخلف روسيا الشديد، أي تأخر تطورها الاقتصادي والاجتماعي، لم يكن يعني فقط أن التناقضات الاجتماعية كانت أكثر وضوحا وأكثر حدة، بل أيضا أن الطبقة العاملة كانت شابة تماما وغير مشوهة بالأحكام المسبقة والروتين وذلك النوع من التقاليد المحافظة التي تتدفق من بيروقراطية النقابات الإصلاحية والأحزاب الإصلاحية في البلدان الرأسمالية "المتقدمة".

هذا الواقع يفسر إلى حد كبير السرعة التي مر بها الاشتراكيون الديمقراطيون من حلقات دعاية صغيرة إلى قوة جماهيرية تضم مئات الآلاف في غضون بضعة أشهر. كانت الطبقة العاملة الروسية بكرا من الناحية السياسية وليس لها تاريخ مع المنظمات البرجوازية أو الإصلاحية. ومثلما لم يكن على الصناعة الروسية أن تمر عبر سيرورة التطور العضوي الطويلة والمؤلمة عبر المانيفاكتورات والصناعات اليدوية إلى الصناعة الكبيرة، فإن الطبقة العاملة الروسية لم يكن عليها المرور من نفس التطور البطيء والمؤلم الذي مر منه العمال البريطانيون والفرنسيون والألمان، عبر مرحلة العمل النقابي والإصلاحية، بل كانت قادرة على الانتقال مباشرة إلى موقف الماركسية الثورية. وبشكل ديالكتيكي حولت نفسها من الطبقة الأكثر تخلفا إلى الطبقة الأكثر تقدما في أوروبا. ومع ذلك فإن كسب الجماهير لم يكن عملية تلقائية، لقد تطلب ليس فقط الأفكار والمنظورات الصحيحة، بل كذلك تكتيكات مرنة والقدرة على التواصل مع الحركة الحية للطبقة العاملة كما كانت في الواقع وليس كما هي في خيال العصبويين.

نظر الكثير من المناضلين البلاشفة إلى مسألة الانتفاضة من الناحية التقنية المحضة، باعتبارها مسألة تنظيمية، وهي وجهة النظر التي كانت مرتبطة بالمبالغة في تقدير الأهمية المستقلة "للجهاز"، والتقليل من أهمية الجانب السياسي والحاجة إلى كسب الجماهير من خلال العمل بصبر على الدعاية والتحريض. إلا أن هذه، مع ذلك، هي بالضبط المهمة الرئيسية. كان لكل حزب كتائب أو ميليشيات مسلحة خاصة به، ليس فقط الاشتراكيون الديمقراطيون بل أيضا الاشتراكيون الثوريون. كانت الحاجة إلى تشكيل كتائب مسلحة، في تلك الظروف المحددة، مسألة بديهية. لكن كان لا بد من ربطها بالحركة الجماهيرية عبر السوفييتات. بدون كتائب مسلحة كانت السوفييتات في الواقع ستكون بلا أسنان و"نمورا من ورق"، لكن بدون الحركة الجماهيرية، التي أعربت عن نفسها من خلال السوفييتات المنتخبة، لم يكن يمكن للكتائب المسلحة أن تكون لها أي أهمية. كان من الضروري كسب الجماهير للنضال عن طريق الشعارات المناسبة والتكتيكات الصحيحة، وإعطاء الدليل في الممارسة على تفوق الماركسية على أساس نضال الجماهير وخبرتها الملموسة. وبعبارة أخرى، فإن المسألة التي طرحت أمام الحزب هي كسب الحركة الجماهيرية وليس وضع نفسه في بديلا عنها.

يمكن أن نُرجع، في آخر المطاف، كامل مسألة العلاقة بين الحزب والحركة الجماهيرية، إلى الفرق بين البرنامج العلمي المكتمل للماركسية وبين الحركة الجماهيرية التي هي بالضرورة غير ناضجة وناقصة ومتناقضة. وكل من يعجز عن إيجاد الجسر بين هذين الجانبين سيبقى إلى الأبد عاجزا عن بناء حركة جماهيرية. أوضح لينين أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي سيكافح، بطبيعة الحال، من أجل كسب النفوذ داخل السوفييتات ومحاولة كسبها. لكن القاعدة العريضة للسوفييتات، التي تمثل الغالبية العظمى للعمال، ليس فقط الفئات المتقدمة، بل حتى الفئات الأكثر تخلفا في المصانع، الاشتراكيون الديمقراطيون واللاحزبيون، الملحدون والمتدينون، المتعلمون والأميون، المهرة وغير المهرة، كانوا إضافة كبيرة في النضال الثوري ضد النظام القيصري. كان لينين على ثقة أنه من خلال تجربة النضال نفسها، ستتمكن الجماهير، في الوقت المناسب، من أن تستخلص النتائج اللازمة وتتوصل إلى فهم صحة البرنامج الماركسي. كان واجب الطليعة الثورية هو أن "تشرح بصبر"، وليس توجيه الإنذارات للجماهير. تذكرنا طريقة لينين بواقعية ماركس الثورية الذي أشار إلى أن «خطوة حقيقية واحدة تخطوها الحركة إلى الأمام أفضل من مائة برنامج صحيح».






أعضاء سوفييت إيفانوفو- فوزنيسينسك الذي حافظ على النظام في البلدة وأصدر تصريحات وأنشأ ميليشيات وسيطر على الصحافة، وبالتالي قام عمليا بفرض حرية الصحافة والتعبير والتجمع.
الصورة من موقع ويكيميديا

في ظل الظروف التي كانت سائدة في روسيا، لم تكن هناك فرصة لبروز حركة عمالية إصلاحية جماهيرية بأرستقراطية عمالية متميزة وبيروقراطية متحجرة في قيادتها. لم تسفر محاولة زوباتوف تأسيس نقابات مروضة تحت سيطرة الحكومة عن أي نتيجة. بعد 09 يناير، تحولت بسرعة العديد من هذه النقابات على يد الجماهير إلى أجهزة حقيقية للنضال. لعبت السوفييتات دورا رئيسيا في كل تلك الأحداث. لقد ظهرت هذه الأجهزة الجنينية لسلطة العمال إلى الوجود لأول مرة كلجان إضراب موسعة. السوفييتات نفسها نشأت أولا في خضم إضراب أكتوبر العام في عموم روسيا. أمام عدم وجود نقابات عمالية جماهيرية، قام العمال المضربون بانتخاب المندوبين الذين بدأوا يجتمعون معا في لجان إضراب مرتجلة، والتي تم تعميمها لتشمل جميع قطاعات الطبقة العاملة. إن إنشاء السوفييتات في عام 1905 هو مثال رائع للعبقرية الخلاقة للعمال العاديين عندما يدخلون ساحة النضال. لا توجد فكرة السوفييتات في أي من كتابات المفكرين الماركسيين الكبار قبل عام 1905. لم يتم توقعها في صفحات البيان الشيوعي، ولم تكن من إبداع أي حزب سياسي، بل كانت إبداعات عفويا للعمال في خضم النضال ونتاجا للمبادرة والعبقرية الخلاقة للطبقة العاملة. إنها في المقام الأول تمثل لجان النضال وجمعيات للمندوبين المنتخبين في المصانع.[3]

وهناك العديد من الأمثلة الأخرى.

كانت فكرة انتخاب مندوبين في المصانع قد أثيرت بالفعل من قبل لجنة شيدلوفسكي، وذلك قدم للعمال تجربة أولية. وهكذا ففي 11 أكتوبر، عندما وصل الإضراب سان بيترسبورغ، قاموا من تلقاء أنفسهم بانتخاب مندوبين، بمن فيهم مندوبون من مصنعي بوتيلوف وأوبوخوف. كان نظام الانتخابات إلى السوفييتات على النحو التالي: مندوب واحد منتخب لكل 500 عامل (كانت هذه نفس الصيغة عند لجنة شيدلوفسكي). اجتمعت الورشات الصغيرة فيما بينها لإرسال مندوبيها. في 13 أكتوبر عقد السوفييت اجتماعه الأول في المعهد التقني بحضور 40 شخصا، بعض هؤلاء كانوا مندوبين سابقين في لجنة شيدلوفسكي. ترأس أحد المناشفة (زبورودسكي) الجلسة الأولى. بعد ذلك زاد عدد المندوبين بشكل مستمر، في الاجتماع الثاني كان هناك ما بين 80 و90 مندوبا من 40 مصنعا كبيرا. في الاجتماع الثالث حضر 226 مندوبا من 96 مصنعا وخمس نقابات. كما حضر الجلسات أيضا ثلاثة مندوبين واحد من المناشفة وآخر من البلاشفة وثالث من الاشتراكيين الثوريين. وبعبارة أخرى كان السوفييت يتشكل من مندوبين من أماكن العمل والنقابات والأحزاب الاشتراكية. شرع السوفييت في انتخاب لجنة تنفيذية من 22 عضوا، اثنان من كل حي من أحياء المدينة السبعة واثنان من كل من النقابات الأربع الكبرى.

كان سوفييت بيترسبورغ أكثر السوفييتات نفوذا وتأثيرا في روسيا. وسرعان ما ضم السوفييت عمليا كل بروليتاريا بيترسبورغ، وأعطى المثال لبقية البلاد. في ذروته جمع سوفييت بيترسبروغ معا 562 نائبا مما مجموعه 147 مصنعا و34 جمعية حرفية، و16 نقابة عمالية. كان 351 من مندوبيه عمالا في قطاع الصلب، العمود الفقري للبروليتاريا الروسية. كان البلاشفة ممثلين في اللجنة التنفيذية من خلال خوستولوفسكي وبوغدانوف. لكن الشخصية السياسية القيادية في السوفييت كانت بدون شك ليون تروتسكي. طوال فترة إضراب أكتوبر العام وإغلاقات نوفمبر كانت كل العيون مركزة على سوفييت سان بيترسبورغ. كان جهازا للنضال واسعا وديمقراطيا ومرنا للغاية. وفي سياق النضال وسعت السوفييتات تدريجيا وظائفها ونطاق تمثيليتها. من خلال السوفييتات مارس العمال حرية الصحافة التي حققوها أخيرا بوسيلة بسيطة هي الاستيلاء على المطابع. فرضوا يوم عمل من ثماني ساعات، بل وحتى أقاموا الرقابة العمالية على الإنتاج في بعض المصانع. شكلوا ميليشيا عمالية، بل وألقوا القبض على ضباط الشرطة الممقوتين. وبالإضافة إلى العديد من المهام الأخرى نشر السوفييت الصحيفة الشرعية "إزفستيا سوفييتا رابوشيخ ديبوتاتوف".

واقتداء بمثال سوفييت سان بيترسبورغ، أخذ العمال المبادرة لتشكيل السوفييتات في أجزاء أخرى من روسيا. وبحلول الخريف كان قد تم تشكيل السوفييتات في أكثر من 50 بلدة ومدينة بما في ذلك تفير وكوستروما وخاركوف وكييف ويكاتيرينوسلاف وأوديسا وروستوف على الدون ونوفوروسيسك وباكو. لم يتأسس سوفييت موسكو إلا يوم 21 نوفمبر. وفي اجتماعه الأول كان هناك 180 مندوبا يمثلون حوالي 80.000 عامل. وكان موجودا في الأصل جنبا إلى جنب مع ما سمي "لجنة إضراب" التي كانت تتكون أساسا من عناصر برجوازية صغيرة يسيطر عليها الاشتراكيون الثوريون ومختلف أبناء الطبقة الوسطى "الديمقراطيين". ومع ذلك ففي نوفمبر انصهرت هذه اللجنة مع السوفييت. في الغالبية العظمى من الحالات ساد الاشتراكيون الديمقراطيون، لكن الديمقراطيين البرجوازيين الصغار كانوا ممثلين أيضا من قبل الحزب الاشتراكي الثوري الذي، كما سبق لنا أن رأينا، كان موجودا في اللجنة التنفيذية لسوفييت بيترسبورغ.

بشكل عام يتطور وعي الجماهير ببطء وبشكل غير متساو. وعلى الرغم من أنه في خضم الثورة يتطور الوعي بشكل سريع جدا، فإن سيرورة صحوة الجماهير تبقى متناقضة. تتوصل فئات مختلفة لاستنتاجات مختلفة في أوقات مختلفة. وهكذا فإلى حدود أواخر نوفمبر كان القيصر ما يزال يتلقى ملتمسات من العمال المضربين في المحافظات تطلب منه التدخل للدفاع عنهم. وهذا يدل ليس فقط على التطور غير المتكافئ للوعي، بل أيضا الفرق الهائل بين موسكو وبيترسبورغ وبين المحافظات. ويبدو التناقض أكثر وضوحا بين وعي عمال المدن وبين الفلاحين. إن الحركة التي بدأت في المدن كانت قد بدأ تنتشر في القرى. وبحلول نهاية عام 1905 اندلعت اضطرابات الفلاحين في 37% من روسيا الأوروبية، وخاصة في منطقة الأرض السوداء الوسطى ولاتفيا واستونيا الجنوبية وجورجيا وأوكرانيا. في فصل الصيف جرت محاولة لبناء نقابة للفلاحين. وأرسل الفلاحون تحاياهم لـ "أشقاءنا عمال المصانع". لكن من حيث وعيهم كان الفلاحون متخلفين بفارق كبير عن العمال. كانت القرى ما زالت متأثرة إلى حد كبير بالأوهام الليبرالية، مما يشير إلى حالة نصف اليقظة التي حققها عقل الجماهير الريفية. في ظل هذه الظروف سقطت قيادة نقابة الفلاحين في أيدي الاشتراكيين الثوريين والليبراليين، وهي الظاهرة التي تكررت في وقت لاحق في فبراير 1917.

في موسكو تم تشكيل مجلس لممثلي الجنود وفي محافظة تفير تم تشكيل سوفييت للفلاحين. في سيفاستوبول، كان هناك أيضا حضور للبحارة والجنود في سوفييت العمال المحلي. لكن هذه كانت استثناءات نادرة. كان الجيش هو المكان الذي بدأت فيه الثورة تجد طريقها لاختراق عقول الفلاحين. كانت القوات المسلحة في حالة غليان تحت ضربات مطرقة الهزائم العسكرية وتأثير الحركة الثورية العامة. وكان التأثير الاشتراكي الديمقراطي قويا بين أقسام من قوات البحرية، والتي هي تقليديا الفئة الأكثر قربا من الطبقة العاملة بين صفوف القوات المسلحة. تعرض التمرد الذي حدث في سيفاستوبول، في شهر نوفمبر بقيادة الملازم ب. شميت، لقمع وحشي من قبل السلطات القيصرية. ومع ذلك فإن سلسلة كاملة من التمردات داخل الجيش طرحت الموقف من الجيش بشكل حاد. كانت لهذه المسألة أهمية كبيرة جدا، لأن الجيش كان يتكون في أغلبيته الساحقة من الفلاحين. أحد نقاط الضعف الرئيسية لثورة 1905 كانت عدم وجود قاعدة ثابتة بين الفلاحين. كانت الجماهير الريفية متخلفة عن المدن وأظهرت هذه الحقيقة نقطة ضعف قاتلة في انتفاضة دجنبر. كانت هناك عناصر لتمرد فلاحي- عسكري، لكن ليس على نطاق كاف لإحداث تغيير أساسي في النتيجة. وبحلول الوقت الذي انتشر فيه الحريق إلى القرى كانت الحركة في المدن قد بدأت في التراجع بالفعل.

من منفاه البعيد، استقبل لينين بحفاوة أخبار تشكيل السوفييتات، التي توقع بشكل بارع أنها الأجهزة الجنينية لسلطة العمال. وكتب: «قد أكون مخطئا، لكنني أعتقد (بالاعتماد فقط على معلومات "الجرائد" الناقصة التي أتوفر عليها) أنه من الناحية السياسية يجب النظر إلى سوفييت نواب العمال باعتباره جنين حكومة ثورية مؤقتة. أعتقد أنه على السوفييت أن يعلن نفسه الحكومة الثورية المؤقتة لعموم روسيا في أقرب وقت ممكن، أو أن يشكل حكومة ثورية مؤقتة (وهو الشيء نفسه، لكن بشكل مختلف)»[4]. وقد كان ذلك، في الجوهر، هو ما حدث فعلا في أكتوبر 1917.

هوامش:


[1] LCW, ‘Left-Wing’ Communism—an Infantile disorder, vol. 31, p. 27.

[2] Trotsky, 1905, p. 111.

[3] لا تقتصر هذه الملاحظة على مسألة السوفييتات، إذ استمد ماركس فكرته عما ستكون عليه الدولة العمالية من كومونة باريس عام 1871، عندما أخذ عمال باريس السلطة. وفي كتابه "الحرب الأهلية في فرنسا" لخص ماركس دروس برنامج الكومونة الذي قدم فيما بعد الأساس لكتاب لينين "الدولة والثورة".

[4] LCW, Our Tasks and the Soviet of Workers’ Deputies, vol. 10, p. 21.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- دوما بوليغين - البلشفية طريق الثورة
- المد الثوري - البلشفية طريق الثورة
- كيف كان الحزب يمول نفسه - البلشفية طريق الثورة
- الثورة الروسية الأولى - البلشفية طريق الثورة
- لينين و-أعضاء اللجنة- - البلشفية طريق الثورة
- البلشفية طريق الثورة - لجنة شيدلوفسكي
- البلشفية طريق الثورة - الثورة بدأت
- الأحد الدامي - البلشفية طريق الثورة
- إضراب بوتيلوف - البلشفية طريق الثورة
- البلشفية طريق الثورة - الأب غابون
- الثورة الروسية الأولى -الزوباتوفية-
- التاسع من يناير 1905 - البلشفية طريق الثورة
- وضع النساء بعد ثورة أكتوبر
- قطيعة تروتسكي مع المناشفة والانشقاقات في صفوف الأغلبية - الب ...
- الحرب مع اليابان - الفصل الأول: ميلاد الحركة الماركسية الروس ...
- روزا لوكسمبورغ- البلشفية طريق الثورة
- ارتباك في صفوف القواعد - البلشفية طريق الثورة
- المعنى الحقيقي لانقسام 1903 - البلشفية طريق الثورة
- خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي يخلق صدمة في كل أوربا
- كتيّب «مدخل للماركسية»


المزيد.....




- النقابة الوطنية للتعليم كدش: المكتب الإقليمي زاكورة يدعو لإن ...
- مجموعة من المعتقلين بعكاشة يعلقون الإضراب عن الطعام
- اليسار المغربي اليوم .. إلى أين؟
- حزب اليمين المتطرف بألمانيا يواجه طريقا وعرا
- تعيين أول جلسة لمحاكمة مجموعة الزفزافي ومن معه باستنافية الب ...
- حزب الشعب الفلسطيني: اقتحام وإغلاق المكاتب إعلامية إرهاب دول ...
- الذكرى العشرون لاغتيال الشهيد عبد الله موناصير: حياة نضال وث ...
- مؤسسة الدعارة كجزء من بنية النظام السياسي المغربي
- حزب التجمع وقياداته يرسلون برقيات تهنئة لإنعقاد المؤتمر ...
- «الديمقراطية» تدين إقتحام سلطات الإحتلال للمراكز الإعلامية ف ...


المزيد.....

- هوامش الأيديولوجية الألمانية - القسم الثالث / نايف سلوم
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- - القسم الثاني / نايف سلوم
- اليسار و«الاستفتاء» في إقليم كردستان.. ما العمل والمهمات؟ / رزكار عقراوي
- توسيع القاعدة الحزبية / الإشعاع الحزبي / التكوين الحزبي : أي ... / محمد الحنفي
- هل يشكل المثقفون طبقة؟ / محمد الحنفي
- عندما يحيا الشخص ليدخر يموت فيه الإنسان وعندما يعيش ليحيا يص ... / محمد الحنفي
- هوامش -الأيديولوجية الألمانية- / نايف سلوم
- الاشتراكية الماركسية والمهمات الديمقراطية / نايف سلوم
- الازمة الاقتصادية في المجتمعات العربية / غازي الصوراني
- أسطورة الأسواق الحرّة فى مقابل الإشتراكية الحقيقية – من الجز ... / شادي الشماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - آلان وودز - إضراب أكتوبر والسوفييتات - البلشفية طريق الثورة