أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عيسى مسعود بغني - صناعة الخوف















المزيد.....

صناعة الخوف


عيسى مسعود بغني
الحوار المتمدن-العدد: 5309 - 2016 / 10 / 9 - 12:52
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


زرع الخوف سياسة أصيلة متوارثة عند كل الدكتاتوريات قديما وحديثاً، بداية من ملوك الفراعنة إلى يومنا الحالي. زرع الخوف يهدف إلى فرض الطاعة العمياء للسلطة، وقد يكون ذلك ضمن إتفاق ضمني غير معلن كما في دول الخليج، بحيث تقوم السلطة بإمتلاك وسائل القوة والتحكم، مقابل توفير حياة مادية مناسبة للرعية، أي تنازل الرعية عن حقوقها المدنية مقابل إحتياجاتها المادية، وقد يكون دون مقابل مجزي سوى تحقيق الامن الذي هو جزء من منظومة المحافظة على النظام، وليس له علاقة بالمواطن، كما في الحكومات الشمولية العربية.
التعامل مع الجريمة والإرهاب وتحقيق الأمن في ظل الحكم الشمولي عملية بسيطة وسهلة، وذلك أن السلطة العسكرية تقوم برص صفوفها وكوادرها وأموالها المنهوبة وإذاعاتها لتصفية الخصم دون الإعتراف بحقوق أو بإختلافات عقائدية أو فئوية؛ فمثلا القيام بعملية زج العشرات أو المئات من المواطنين المتهمين في السجون دون محاكمة، ورمي بعضا من جتثهم في المكبات يجعل عشرات الالآف من المجرمين والقتلة يحجمون عن أفعالهم. أما محاربة الجريمة في ظل المجتمع الديموقراطي فيتطلب إلى معايير كثيرة منها إحترام مواثيق حقوق الإنسان وإحترام الحريات الخاصة، وفي النهاية المتهم برئ حتى تثبت إدانته.
إستمرار سياسة الخوف لعقود طويلة تنتج ثقافة الخوف، وتنتهي معه مبادئ الإحترام، وتفقد الوطنية معناها، فلا إحترام لقوانين الدولة ولا القيام بالواجبات نحوها ما دامت سياط السلطة غائبة، ويرافق ذلك مطالب لا تنتهي، مع ترسيخ لثقافة الغنيمة وكل في مجاله وتبعا لإمكانياته، فعضو مجلس النواب يُسبح ليل مساء لإدامة الفوضى العارمة في البلاد حتى لا تنتهي مدة عمله (صوريا)، وينتهي معه بناء العمارات والسيارات الفارهة والإقامة المستديمة في شرم الشيخ أو أغادير، أما ( أصحاب جنح غير مشرعنة) فما عليه إلا تهريب الوقود وخلع أسلاك الكهرباء من أعمدتها وسرقة السيارات وتوريد الحاويات الفارغة، قد نحتاج إلى عقود طويلة لتصحيح العلل النفسية التي علقت بالجميع.
في فترة الإتحاد السوفيتي السابق، كان هناك متاجر صغيرة مملوكة للأفراد، وكان أصحابها في خوف مريع من السلطة بسبب النقذ لفكرة الملكية، فكانوا يلصقون على متاجرهم مقولات الشيوعية مثل " يا عمال العالم إتحدوا" هذا الرجل لا يهمه عمال العالم ولا إتحادهم بل كل أمله أن لا يقترب أحد من الساسة إلى متجره، بالمثل وضع الليبيون النسور والصقور على محلاتهم ، وزينوا بيوتهم بصور القذافي ومقولاته لعقود طويلة، والأعلام الخضراء ترفرف عاليا حتى بعد سقوط طرابلس في يد الثوار ليس حباً للقذافي بل إتقاً لشرة وتقربا لزبانيته.
عودة الأجهزة الأمنية السابقة في بعض مدن ليبيا دون إعادة هيكلتها وتأهيلها تبعا للمواثيق والأعراف الدولية المتعارف عليها، ينبئ إلا بإستمرار ثقافة الخوف، وغياب الأمل في بناء ثقافة المواطنة، نسمع كثيرا عن إختطاف الشرفاء والنشطاء، والقليل عن كشف وإعتقال عصابات الجريمة المسلحة والعابثين من الإستخبارت الجنبية.
فعلى مستوى المواطن العادي الخوف هاجس يومي تغذيه الإشاعات من الإذاعات المأجورة؛ فمثلا الخوف من إنقطاع الكهرباء إلى الخوف من نضوب البنزين وغاز الطهي إلى الخوف من نقص السيولة أو غلاء أسعار البيض، وجميع ذلك يجد له مبرر للوقوف من أجله في طوابير طويلة والتكديس منه ما أمكن ذلك، فبعد الوقوف في طابور طويل، من يفكر أن حاجات أسرته لا تتعدى أربعة أرغفة؟. مشاكل المواطن الليبي تافهة خلقت من رجال تافهين مثل جضران الذي إنتهى في لمح البصر، بعد أن أدى دوره وأصبح لا قيمة له، وبعض القرارت القبلية، وثلة من مجلس النواب الذين فقدوا الإحساس وإنقطعوا عن الواقع بعد أن أوصلهم الشعب إلى أنهار اللبن والعسل، تلك العاهات لن تنتهي بسهولة ولن يحتفل الشعب بنفوقها، فالثقافة لا يتم تغييرها في بضع سنين، ولذا هناك من سئم الحياة وأصبح نادلا يصدح بالعودة لحكم العسكر بسم مطالب النخبة.
أما الخوف الأكثر أهمية فهو خوف النخبة (التي تعتقد أنها كذلك)، وهو الخوف الممزوج بالنفاق، هذا الخوف يداهن ويلفق ويدلس على نفسه قبل غيره، وإن إستطاع أن يجد له مريدون فلا غرابة في ذلك، فالتسعة رهط إتفقوا على عقر ناقة صالح، ونوح لم يؤمن معه إلا قليل، وإبراهيم لم يختلف قومه على القذف به في النار. في العصر الحديث وصل موسيليني وهتلر إلى سدة الحكم بالإنتخاب، أي أن صندوق الإنتخاب السوي يحتاج إلى شعب على درجة من الوعي، وإلا أنتج قيادات تؤدي بالأمة إلى الهاوية، والشرعية الإنتخابية غير المسئولة لا شرعية لها.
البطانة السيئة على مر التاريخ هي أس البلاء، (وبطانة مجلس النواب الليبي دروة سنامها)، ولذلك عرف الغرب كيف يكبح جماحها، وذلك بترسيخ قواعد مؤسسات الدولة، وإعتماد الشفافية والحكم الرشيد. هذه النخبة النفعية الجهوية هي التي أفشلت عمل المؤتمر، وتزعمت مقولة لا للتمديد، وقامت بتهريب مجلس النواب إلى طبرق، وأصدرت أكثر من خمسين قرار بلا إجماع، ودعمت الجضران في قفل الحقول، وجلبت القوات العربية والأجنبية إلى أرض الوطن للإستقواء بها، ووقفت أمام إتفاق الصخيرات والرئاسي دون بديل سياسي لذلك، وبذلك أنهت دور مجلس النواب فعليا لتقوم بتسليم ليبيا للحكم العسكري من جديد، ولم تتورع أن تصدح بذلك على المنابر الإعلامية، فهل الليبيون والجامعة العربية والأمم المتحدة ودول الغرب جميعاً تدخلت في ليبيا لإستبدال حكم إنقلابي شمولي مستبد بحكم شمولي مقنع؟.
من أدبيات التاريخ الليبي قصة بن دلفوا الذي كان حاكما جباراً لإحدى قرى الجنوب، هذا الرجل له ناقة سائبة تعتدي كل يوم على مزارع الأهالي، ولا أحد يستطيع أن يعترض، وبعد فترة إتفق أهل القرية أن يجتمعوا مع بن دلفوا لإيقاف الناقة عند حدها، وفي لحظة وصولهم سألهم عن سبب قدومهم إليه، فقال أحدهم "الناقة" فرد بن دلفوا بقوة وعنجهية وماذا تريدون من الناقة، فرد الخائف الرعديد " نرى أن الناقة تحتاج إلى جمل معها" وتفرق القوم، وبذلك أصبح للقرية جمل وناقة سائبة يعتدون على أملاكهم بعد أن كانت ناقة فقط. هاكذا مجلس النواب هرب من مسؤلياته لتضمين الإتفاق في الدستور وإعطاء الشرعية للحكومة ومناقشة بنود الدستور إلى تسليم بنغازي والشرق الليبي والمواني النفطية للأحكام العرفية العسكرية، وبيع النفط الليبي بالجنيه المصري، والبدء في زعزعة الأمن بمدن الغرب الليبي وجنوبه، من أجل صناعة سيسى جديد بين سيسى وسبسي.
رجعت هذه النخبة المطبلة إلى بيوتها في أمن وأمان قريرة العين مما دخل في جيوبها، ولكن مقابل ذلك إجهاض المخاض العسير لبناء الدولة المدنية وهو ما سيسجله التاريخ نكسة ويلعنهم اللأعنون إن نجح مشروع توريث الإستبداد.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- إجتماع المصالحة بنالوت وأهمية الميثاق الوطني
- بوادر الإنفراج لأزمة الليبية وأهمية المصالحة
- طوبى للجنود الفرنسيين ومن حارب معهم
- المفتي ودار الإفتاء الليبية
- الطريق إلى سرت
- البرلمان الليبي في إنتظار رصاصة الرحمة
- الهجرة: من قوافل إلى قوارب الموت
- للوطن ربا يحميه
- الفيدرالية وأزمة نظام الحكم في ليبيا
- إتفاق الصخيرات تحت الإنعاش
- ظاهرة التكفير والتفجير
- داعش والحكومة الثالثة
- المحاصصة الجهوية والفساد
- الدستور الليبي وتعدد العواصم
- ليبيا- صراع الحواضر والتخوم
- العنف وإشكالية نظام الحُكم في الإسلام
- أبولهب وحمالة الحطب
- شاهد على الجيش الليبي
- حوار صنوان الشرعية
- نهم النواب وفساد الرعية


المزيد.....




- مختارات من -بعدنا طيبين.. قول الله- ونقاش الخميس لنادي الروّ ...
- البوعزيزي
- عن «حرية التعبير»، ولبنان
- مؤسسة «أديان»: الصهيونية وجهة نظر!
- «كيف نُنقذ شاطئ بيروت؟» «المقاومة» ضد محتلي الملك العام!
- منظمة الحزب الشيوعي اللبناني تشارك في تظاهرة حاشدة في مونتري ...
- تظاهرة حاشدة في باريس تنديداً بالقرار الأميركي وتضامناً مع ف ...
- نشيد الانتفاضة
- توصيف بنية الاستبداد: ركائزه ومقوماته
- أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية تدعو لـ«نهاية» الاتحاد الأورو ...


المزيد.....

- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر
- حوار مع نزار بوجلال الناطق الرسمي باسم النقابيون الراديكاليو ... / النقابيون الراديكاليون
- حول مقولة الثورة / النقابيون الراديكاليون
- كتاب الربيع العربي بين نقد الفكرة ونقد المفردة / محمد علي مقلد
- الربيع العربي المزعوم / الحزب الشيوعي الثوري - مصر
- قلب العالم العربى والثورات ومواجهة الإمبريالية / محمد حسن خليل
- أزمة السلطة للأناركي النقابي الروسي الكسندر شابيرو - 1917 / مازن كم الماز
- تقريرعن الأوضاع الحالية لفلاحى الإصلاح الزراعى بمركزى الرحما ... / بشير صقر
- ثورات الشرق الاوسط - الاسباب والنتائج والدروس / رياض السندي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - عيسى مسعود بغني - صناعة الخوف