أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كاريو أنور - وجود الله وصفاته






















المزيد.....

وجود الله وصفاته



كاريو أنور
الحوار المتمدن-العدد: 1359 - 2005 / 10 / 26 - 12:17
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الرأي أن وجود الله من القضايا الأولى التي لا تحتاج إلى برهان

إن هذا البحث الذي تُحاوَل فيه إقامة البرهان على أن الله موجود لربما خُيّل أنه بحث فضولي لا طائل فيه للذين يؤمنون أن كون الله موجوداً هو من البيان في ذاته بحيث لا يمكن لمتصور أن يتصور ضده وعليه فكون الله موجوداً لا يمكن إقامة البرهان عليه. وإنما خُيّل لهم ذلك للأسباب الأنية: للقديس أنسلم): إن القضايا التي يقال إنها بينة بذاتها إنما هي التي إذا عُرفت أطرافها عُرفت هي للحال كما إذا عُرف أن الكل ما هو والجزء ما هو عُرف للحال أن كل كل أعظم من جزئه، وقولنا الله موجود إنما هو كذلك، لأننا نفهم بهذا الاسم الكريم “الله” شيئاً لا يمكن أن تُتصور شيء أعظم منه وهذا المفهوم إنما يحصل في ذهن من يسمع هذا الاسم ويتعقله، حتى صار من الواجب أن يكون الله متحقق الوجود، كأن ما يستدل من الاسم نفسها قد أوضحته.

إن وجود الله هو نفس ذاته ومن ثم فالجواب على السؤال عنه تعالى “أي شيئ هو” وعلى السؤال “هل هو” واحد بعينه. فإذاً إن قيل "الله موجود" فالمحمول يكون إما نفس الموضوع أو لا أقل من أن يكون منطوياً تحت حد الموضوع. وهكذا يكون قولنا “الله موجود” معلوماً بذاته.
أيضاً فإن الأشياء التي تُعرف بالطبع إنما تعرف بذاتها لأنها لا يُتوصل إلى معرفتها بجهد الطلب. وكون الله موجوداً معلوم بالطبع إذ إن شوق الإنسان منصرف من طبعه إلى الله انصرافه إلى غايته القصوى. فإذاً قولنا الله موجود معلوم بذاته.
أيضاً إن ما يُعرف به جميع ما سواه يجب أن يكون معلوماً بذاته. والله كذلك، لأنه كما إن نور الشمس هو مبدأ كل إبصار حسّي فكذلك النور الإلهي هو مبدأ لكل معرفة معقولة، إذ إنه تعالى إنما هو ما يوجد فيه النور الأول المعقول بالوجه الأفضل. فيجب إذاً أن يكنون قولنا “الله موجوداً” معلوماً بذاته.
هذا فبناءً على هذه الأسباب وأشباهها قد ظن البعض أن “كون الله موجوداً” هو من كمال المعلومية بالذات بحيث لا يمكن للذهن أن يتصور خلاف ذلك.

1.2 الرد على هذا الرأي

إن الرأي المذكور إنما ينشأ جزءاً عن العادة التي ألفوها منذ النشؤ في أن يسمعوا اسم الله ويستدعوه فإن العادة وخصوصاً ما كان منها حاصلاً في الصغر تستفيد قوة الطبيعة. فيحصل عن ذلك أن ما أُشربته النفس منذ سن الطفولية تستمسك به استمساكاً وثيقاً كأنه طبيعي لها وبيّن بذاته.

ويصدر جزءاً عن عدم التفرقة بين ما هو معلوم بذاته بمعنى الإطلاق وبين ما هو معلوم بالقياس إلينا. فإن كون الله موجوداً إنما هو معلوم بذاته بمعنى الإطلاق إذ إن هذا نفسه أي “ما هو الله” هو عين وجوده. ولكن لما أن هذا، وهو “ما هو الله”، لا يمكننا أن ندركه بالذهن فإنه يبقى مجهولاً عندنا.

أما جواباً للحجة الأولى فلا يلزم عن معرفة معنى هذا الاسم الكريم، أي الله، معرفة كون الله موجوداً معرفة معيّة وفي الحال. وذلك أولاً لأن هذا أي “كون الله شيئاً لا يمكن أن يتصور أعظم منه” ليس معلوماً عند الجميع حتى عند الذين يسلمون بأن الله موجود فإن كثيراً من الأقدمين قد زعموا أن هذا العالم هو الله. ثم لأنه ولو سلمنا مجاراةً أن هذا الاسم “الله” إنما يراد به عند الكافّة مسمّى لا يمكن لمتصور أن يتصور أعظم منه، فلا يلزم عن ذلك ضرورةً أنه يوجد في طبائع الأشياء شيء لا يمكن أن يتصور أعظم منه، فكون الذهن يتصوره لا يلزم عنه إلاّ أن يكون في الذهن. وكونه في الخارج يلز أن يُبرهن.

أما جواباً للحجة الثانية فكما كون الكل أعظم من جزئه هو بيّن لنا بذاته، فكذلك الذين يشاهدون ذات الله نفسها كونه موجوداً هو عندهم في غاية البيان من أجل أن ذاته عين وجوده ولكن لإنه ليس بإمكاننا أن نرى ذات الله، كنا أننا نتوصل إلى معرفة وجوده لا بذاته بل بمعلولاته.

وجواب الحجة الثالثة فواضح أيضاً. فإن الإنسان إنما يعرف الله بالطبع على النحو الذي يميل إليه بالطبيعته. والإنسان يشتاق إلى الله بالطبع من حيث يشتاق بالطبع إلى سعادته التي هي شبه من أشباه جودة الله وخيريته. ومن ثم كان الواجب على الإنسان أن يتوصل إلى معرفة الله بطريق الاستدلال والبرهان من أشباهه التي يجدها في مخلوقاته.

وأما الحجة الأخيرة فسهل حلها. فإن الله إنما هو ما يُعرف به كل شيء ولكن لا بمعنى أن ما سواه لا يعرف إلاّ إذا عُرف هو كما يحدث ذلك في المبادئ التي هو بيّنة بذاتها، بل لأن كل معرفة فينا إنما هي مسببة عن فعله وفيضه.

1.3 الراي أن وجود الله لا يُعرف إلا بالإيمان، والرد على هذا الرأي

لقد ذهب البعض الآخر مذهباً مضاداً للمذهب المتقدم شأنه أيضاً، بأن جعل دأب الجاهدين في إثبات وجود الله لغواً لا فائدة فيه إذ يقولون إن كون الله موجوداً حقيقة لا يمكن للعقل تحصيلها ولكنه يتلقنها بطريق الإيمان والوحي. وهذا الرأي أكثر مشهور عند فلاسفة الدين في العصر الحديث.

وبعض هؤلاء قد حملهم على هذا القول ضعف الأدلة التي كان يوردها البعض لإثبات وجود الله. وقد حملهم أيضاً على هذا القول الشك العام في امكانية العقل أن يعرف أي شيء باليقين. فينفي الفلاسفة المثاليون قدرة العقل أن يعرف ذات أي شيء أو أن يعرف ارتباط السبب والمسبب. فنفيهم امكانية استدلال وجود الله ليس إلاّ تطبيق واحد لموقفهم العام الذي هو نفي قدرة العقل أن يعرف وجود أي شيء أيما كان أو أن يتبرهن أي شيء على العالم.

ويقول بعضهم أيضاً، إن كانت مبادئ البرهان الإثباتي تستمد مصدر معرفتها من الحواس، فيشبه أن يكون ما يفوق جميع الحواس والمحسوسات غير قابل البرهان. وكون الله موجوداً هو كذلك. فإذاً لا يقبل الإثبات.

والبعض الأخر، موافقون الفلاسفة واللاهوطيين في أننا لا نستطيع أن نعرف ما هو الله ولا نستطيع أن نحدده، يستنتجون أننا لا نستطيع أن نستدل وجوده. وهذا لأن مبدأ كل برهان حد الشيء.

وأما فساد هذا المذهب فإنه يتبيّن لنا أولاً من صناعة البرهان فإنها تعلّمنا استنتاج العلل من المعلولات. فلو لم يكن فوق الجوهر المحسوس جوهر معلوم لما كان يوجد علم فوق العلم الطبيعي. ولكن كان فلاسفة من الزمن العتيق يحاولون إثبات كون الله موجوداً. وكذلك نقرأ: منذ خلق العالم لا يزال ما لا يظهر من صفاته، أي قدرته الأزلية وألوهته، ظاهراً للبصائر في مخلوقاته (إلى أهل رومة 1:20). وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (الفرقان، 25/21-22).

أما المخلوقات فإننا نعرفها وكيف هي علل بعضها لبعض أو معلولات. ولا نستدل وجود الله من ذاته وماهيته التي نجهلها، بل تُتخذ المعلول حداً وسطاً في البرهان. وهكذا نعرفه معرفة صحيحة ولو مكتملة، لأن جميع الأسماء الإلهية الحسنى إنما مأخذ وضعها إما من رفع نقصات المعلولات وسلبها عنه وإما عن نسبة من نسب الله إلى معلولاته.

وإن كان الله يفوق كل المحسوسات وكل حس فمعلولاته التي يستمد منها البرهان لإثبات وجوده تعالى إنما هي مع ذلك واقعة تحت الحواس وعلى هذا النحو تكون معرفتنا من الحس مصدر معرفتنا حتى في الأشياء التي تفوق الحواس.

1.4 استدلالات ناقصة في مسألة وجود الله

حجة القديس أنسلم

حجة القديس أنسلم بأن وجود الله معلوم من نفسه ك الشيء الذي لا يمكن أن تُتصور أعظم منه قد عرضه بعض الفلاسفة من جديد، مثل ديكرت وليبنتز وهيغل، تحت اسم “الحجة ذات العلاقة بالوجودية”. وكفى تفنيده عن القديس توما. أما اليوم فلا يدعم هذه الحجة أي مفكر جاد.

الحجة الأشعرية

وعرض المتكلمون الأشاعرة حجة أخرى، تستند على المقدمة أن العالم يلزم أن يكون له بداية وقتية. وإذا حدث بعد العدم فيجب أن يُحدثه بارئ أزلي على كل شيئ قدير. وحاولوا أن يستدل حدوث العالم من استحالة سلسلة غير متناهية من أدوار الليل والنهار وتولد الإنسان والحيوانات. وبذلك يستنتجون أن العالم حادث.

أما ضعف هذه الحجة هو المقدمة أن سلسلة حركات غير متناهية مستحيلة. فتلك السلسلة ليست لامتناهة بالفعل بل بالقوة فقط. في أي وقت لا يوجد إلاّ عدد متناه من الأشياء. فإننا لا نستطيع أن نبرهن أن العالم حادث أم لا، وإنما نعرف حدوث العالم من الوحي، كما سنبينه في الجزء الثاني من هذا الكتاب، في الحديث عن الخلق.

الحجج من الحركة والسببية الفعالية

يقول القديس توما أن حجة الحركة، التي عرضها أرسطو، هي أوضح الحجج، وهي كما يلي: إن كل ما يتحرك إنما يُحرَّك عن غيره. والحس يشهد لنا أن شيئاً يتحرك كالشمس مثلاً. فإذاً هو محرَّك عن محرِّك آخر. فهذا المحرِّك إذاً إما أنه متحرك أو لا. فإن لم يكن متحركاً، فهذا هو الغرض المقصود، أي أنه لا بدَّ من وضع شيئ محرِّك غير متحرك. وهذا نسميه الله. وإن كان يتحرك فهو إذاً متحرك عن محرِّك آحر. وحينئذ فإما أن يجري التسلسل إلى ما لا ناية، وإما أن يجب الوصول إلى محرِّك غير متحرك. والتسلسل ممتنع. فإذاً لا بدَّ من وضع شيئ أول محرِّك غير متحرك.

وفي هذا الاستدلال قضية أن كل متحرك فإنه محرٌّك من غيره. وحاول أرسطو أن يثبتها مشيراً إلى أنه، إن كان شيء يحرِّك نفسه، مثل الحيوان، إنما يتحرك عن جزئه والجزء الواحد يتحرك عن الآخر، كما يتحرك الحيوان بحركة رجله، وأخيراً بالنفس التي هي الصورة المحيية للحيوان. والحركة الطبيعية تختلف عن الحركة بالقسر التي مصدرها فاعل خارجي. إنما الحركة الطبيعي، كسقوط الثقيل عند رفع العائق، من الصورة الجوهرية للشيء الذي هو مبدأ الحركة الذي حصل للشيء من ولادته. أما فاعل الحركة فهو المولِّد الذي أوجد الشيء بصورته. وبعد الولادة لا يتوقف حركة الشيء عن الفاعل ولكن يتحرك ذاتياً. وأما القضية العامة فهي صحيحة أن الحركة “فعل ما هو موجود بالقوة من حيث هو كذا”. فكل ما يحرَّك إنما هو بالقوة، وكل ما يحرِّك فمن حيث هو محرِّك إنما هو بالفعل. ولذلك كل ما يحرَّك يحرَّك عن غيره.

ولاستدلال أرسطو قضية ثانية وهو أن يمتنع التسلسل في المحرِّكات والمحرَّكات، لأنها جارية على ترتيب ونظام، يعني الواحد منها يتحبك عن اللآخر على ترتيب منتسق. فإذاً إن رُفع المحرِّك الأول أو توفق عن التحريك فلا يعود ولا واحد منها يحرِّك ولا يحرَّك، لأن الأول فيها هو علة لتحرك جميع ما سواه. ولو كانت سلسلة لا متناهية لم يكن فيها محرِّك أول فإذاً يمتنع على كل واحد من الباقين أن يحرِّك أو يحرَّك، فلا يكون شيء متحركاً في العالم.

ويظهر سياق هذا الاستدلال من كتاب أرسطو “السماء والعالم”، حيث يبيّن أن كل أشكال الحياة الموجودة على الأرض تعتمد على الشمس، فحركتها من مواضع مختلفة تسبب الريح والمطر والحرارة، وعن طريق هذه يحصل كل الحركة على الأرض. ولأن أرسطو اعتقد أن العالم أزلي، درّس أيضاً أن الشمس غير فاسدة، فتحرِّر ولكن ليست هي بحارّة أو متوقدة. ودرّس كذلك أن حركة الشمس حول الأرض (تابعاً للبطولمايس) ليست بطبيعية مثل حركة الثقيل، بل تحتاج الشمس إلى تحريك متجدد لتواصل تتحرك. ولم يكن أرسطو يتفكر البتة في قوة دافعة (أو القصور الذاتي) منشأة في القذيفة. فهذه القوة صفة عرضية، مشابهة للثقل الذي هو صفة باقية، والاثنتان مبدآ الحركة، فالثقل صفة باقية، أما القوة الدافعة فهي عرضية تعيقها العوائق. (ويتكلم القديس توما عن القوة الدافعة في شرحه على السماع الطبيعي لأرسطو، ولكن لم يطبقها على أجرام السماوية). فأيقن أرسطو أن لا وجود قوة كافية أن تحرِّك الشمس وسائر الأجرام السماوية إلى الأبد إلاّ إذا كانت لامتناهية. ولكن يستحيل أن تحصر قوة لامتناهية في أي جرم. فإذاً يجب أن تكون المحرِّكات للأجرام السماوية أرواح. وهذه الخدمة للأرض تحملها هذه الأرواح تبعاً لمبدأ العالم، الله.

وعالم أرسطو هو سلسلة محرِّكات متوافقة على روح يأثرها دائماً. أما بإدخال فكرة القوة الدافة، فنفهم أن لا فرق بين حركة الجسم السماوي وبين حركة القذيفة. فإن الأقمار الطبيعية والصناعية لها منتجهان، واحد من دفع القذيفة والآخر من الثقل. فاستواءهما يقضي إلى الحركة الدورية. وليس لها حاجة إلى أي تحريك بعد القذف الأصلي، فإذاً ليس حاجة إلى افتراض محرِّكات روحية تطرد الأجرام السماوية، لأنه بعد تحريكها الأول تتحرك بأنفسها كالكرحة الطبيعية التي لا تحتاج، بحسب تعليم أرسطو وتوما الأكويني، إلى أي علة فاعلة هنا والآن.

والمبدأ “Quidquid movetur ab alio movetur” ليس معناه أن “كل ما يتحرك إنما يحرَّك عن غيره”، ولكن :“كل ما يحرَّك يحرَّك عن غيره.” والعلم الطبيعي العصري يظهر أن الأجرام السماوية قد حُرّكت في الماضي البعيد ولا تحتاج إلى قوة إضافية لتواصل في الحركة. فإذاً استدلال وجود الله من الحركة، كما بناه أرسطو، ليس له قيمة برهانية. وإذا حاولنا أن نتبع سلسلة المحرِّكات تمتد في الماضي، لن نصل إلى شيء يقين.

أما حجة توما الأكويني الثانية لاستدلال وجود الله فهو أنه لا يمكن لسلسلة علل فاعلية أن تمتد إلى ما لا ينتهي، ولكن يجب أن يكون مصدرها العلة الفاعلة الأولى، وهي الله. وهذه الحجة ليست إلاّ عبارة أخرى للحجة من الحركة تستعمل أفكار ما بعد الطبيعة في قول أوسع الامتداد. ولها نفس الضعف كالحجة من الحركة، لأن كل سلاسل العلة التي نعرف في العالم الحسي فيها معلولات معتمدة عرضياَ عن علل ماضية، كما يعتمد الطفل على والديه للكون ولا للوجود المستمر.

والبعض من شارحي توما الأكويني يحاولون أن يفصّلوا حجته الأولى من سياقه الطبيعي ويفسّرونه بمعنى متافيسيقي أوسع، كأنه “التحريك الأولي الإلهي” الذي يسابق ويرافق كل حركة. وإنما عند توما كلام عن هذا النوع من التحريك في غير هذا الموضوع. وأما حجته لاستدلال وجود الله من الحركة فإنما هي نظرية تنيب إلى العلم الطبيعي بحسب ما فهمه في عصره.

1.5 استدلالات برهانية لوجود الله

حجة من الامكانية

أما حجة توما الثالثة لإثبات وجود الله فإنها مبنية على التمييز بين ما هو واجب الوجود وبين ما هو ممكن الوجود. فإننا نجد أشياء تتكون وتفسد، وهذا يدل على أنها ممكنة الوجود وممكنة العدم. ولا يمكن أن تدوم إلى الأبد لأن ما يمكنه أن ينعدم سينعدم يوماً ما. ثم إن كان كل شيء ممكن الانعدام فقد لم يكن شيء يوماً ما. وفي هذه الحالة يُمتنع كون أي شيء، لأن كل ما يتكون يجب أن يصدر من شيء آخر. فإذاً لأنه الحال أن يوجد أشياء، يلزم أنها تتوقف على شيء واجب الوجود. وبعض الأشياء، مثل الملائكة وأنفس البشر، ليس لها مبدأ الفساد لأنها لا هيولانية، ولكن وجودها، لأنه ليس ضروري، يلزم أن يتوقف على ما هو واجب بالإطلاق، وهذا نسمّى الله.

وهذه الحجة تتوقف على قضية التمييز الواقعي بين ذات الشيء ووجوده عموماً إلاّ في الله. وهذه القضية معروفة عند ابن سينا، كما كانت متواجداً أيضاً قبله عند بويثيوس وأرسطو، ولو أقل وضاحة عند هذا الأخير. أما كل الأشياء التي نعرفها فذواتها في القوة إلى فعل الوجود، والوجود قد يكون وقد ينعدم. فإذاً كل هذه ممكنة الوجود، تتوقف دائماً ومباشرة على تأثير الفاعل الذي يتواجد بذاته، يساندها في الوجود. وهذا التوقف المباشر على الواجب الوجود لا ينفي توقفها على على علل طبيعية لكونه، ولكن العلل الطبيعية لا تسبب إلاّ كون الذات الفردية، مثل القطوس فهو يكثّر ذاته في أنساله ولكن لا يعطيها وجودها ولا يساندها في وجود. أما الوجود فإنه أعمّ الصفات فيلزم أن ينتسب إلى أعم العلل وهو الله.

ووجود كل شي يتوقف مباشرة على الله، لا في جوهره فقط بل في جميع صفاته وأعراضه وحركاته وتأثيره في أشياء أخرى. وهكذا الله يعطيه القوة للفعل ويحفظها ويُعمِلها ويدخل العمل نفسه بتأثيره. ولكن تأثير الله لا يحل محل الطبيعة في مستوى تأثيرها الخاص لها، وإنما يستعملها كآلته.

والفرق الأصلي بين الممكنات وبين واجب الوجود هو القوة التي توجد في الممكنات. أما الله فهو فعل تامّ. وينتج من هذا أيضاً، كما حاولت أن تظهر الحجة من الحركة، أن الله غير متغير وغير متحرك على الإطلاق، لأن كل تغير أو حركة تصدر من القوة إلى الفعل.

وحجة الامكانية تفترض إنّية العلية وإمكانيتنا أن نعرفها على مستوى الطبيعة الحسية وعلى مستوى ما بعد الطبيعة، وهذا ضدّ موقف الفيلسف هُوم الذي ينقض كل علية و ينسبها إلى الترتيب الزمني للأشياء.

الحجة من ترتيب الكمالات

مسلك توما الرابع لاستدلال وجود الله مخهوذ من مستويات الوجود. فتختلف الأشياء في الجودة والكرامة وغيرها من الكمالات. أما الأكثر والأقل في أي نوع يدلاّن إلى ما هو أكثر بالإطلاق. فإذاً يجب أن يكون ما هو جيد وحق وكريم بالإطلاق، وهو إذاً الوجود بالإطلاق، لأن الجودة والحق والوجود مترادفة. وإنما ما هو الأكثر في الجنس هو علة ما هو أقل في نفس الجنس. وهكذا يجب أن تكون علة للجودة والحق والوجود التي توجد في كل الأشياء. وهذه العلة نسمى الله.

بينما الحجة الثالة تُبنى على فعل الوجود، هذه الحجة تبنى على الكمالات الذاتية المنتشرة في أنواع الوجود المختلفة. فلكل أنواع الموجودات كمال محدد، وهذا يدل لا إلى إمكانية وجوده فقط ولكن أيضاً إلى توقفه على الذات الكاملة وإلى مشاركة في كمالها، لأن الله تعالى له كل هذه الكمالات بالمستوى الأعلى (ولا مفرقة عن وجوده). ولهذا الله فاطر كل نوع الطبيعة وواضع تصميمه، وإن أفراد كل نوع علل تكثّر أفراد ذلك النوع بالتناسل الطبيعي.

حجة التصميم

ومسلك توما الخامس مخهوذ من التصميم. وقد استعمله القديس يوحنّا الدمشقي وكرره ابن طفيل (في حي بن يقظان) وابن رشد (في تهافت الفلاسفة وفي مناهج الأدلة). فإن الأشياء الطبيعية، بالرغم أنه ليس لها عقل، تعمل لغرض. وتعمل هكذا دائماً أو عادة وفي نمط واحد، وهذا يدل على أنها لا يعمل بالاتفاق بل بالسليقة. ولأنه ليس لها عقل يرشد نيتها، بقي أن يهديها عقل خاجي يوجّه كل شيء إلى غرضه الخاص. وهذا نسمى الله.

وهذه الحجة مبنية على نوعين من التصاميم ليس لنا سهل أن نقول أيهما الأعجب. فالأول هو ترتيب أجزاء الشيء الواحد الطبيعي، فإذا فحصنا جسم الإنسان أو حشرة أو اسطاقساً، نجد ترتيباً معقداً للأجزاء والعناصر والجسيمات، كلها تعمل معاً لسلامة الكل. وأكثر ما يدرس فلان علم الأحياء وعلم الكيمياء فأكثر ما يندهش من التصميم الموجود في الطبيعة.

ونوع التصميم الثاني هو تنظيم اشياء العالم ليخدم بعضها ويكوّن نمط الحياة على الأرض. فإنه من طبيعة الموز مثلاً أن يعطي ثمره، ولكن ليكون هذا الموز طعام القرد والإنسان، هذا غرض ثاني. فتظهر الدراسات العصرية أكثر فأكثر ميزان أشياء العالم، وهو نظام منعقد بين أنواع الكائنات الحية وغير الحية، حتى يتعجب الناظرون. فلاحظ توما الأكويني أن الأشياء المتضادّ والمتعارض لا تستطيع أن تعمل في نظام واحد إلاّ تحت حكومة رئيس يرشد كل واحد إلى هدف معيّن. وهذا ما نجده في هذا العالم. فإذاً يلزم أن يكون الله الذي يحكم العالم بعنايته الحكيمة.

وقد صارع هذه الحجة بعض المفكرين بمعارضتين. والأولى هي نفي وجود الأغراض في الطبيعة ونفي فائدة استعمال الغية في البرهان. فإن تابعي داروين يرفضون وجود العلة الغائية وأي هدف أو غرض في الطبيعة، يشرح كل ما يحدث كبقاء الأقوى في تطور الأنواع الطبيعية ونظام العالم. أما ردّاً على هذه المعارضة، فنظام العالم بيّن أكثر من أن يقدر أن يُنفى. وعمل العلم الطبيعي هو أن يبيّن المحسوسات بأكثر الدقة، لا أن ينفيها.

والمعارضة الثانية من وجود الشر في العالم. فإن الأفراد يقاسون المرض والتشوه والموت، وفي العالم زلازل الأرض وكثير من الكوارثت، حتى كانت الحياة الإنسانية موضع الاتفاق. أما ردّاً على هذه المعارضة فكفانا أن نقول الآن إن اعتراف كل هذه الأشرار يفترض أن السلامة والصحة هما النموذج. وسنناقش مسألة الشر في ما بعد، في مسألة العناية الإلهية.

1.6 صفات الله السلبية

بعد أن بيّنا أنه يوجد الله فيتعين علينا أن نبحث عن أحواله. وهنا علينا أن نتخذ خاصة طريق السلب، لأن جوهر الله تترفع عظمته عن كل ما نعرف. لا نستطيع أن نتقرب من معرفة ما هو في ذاته. ولكن كلما تيسّر لعقلنا الإكثار من السلوب عنه ازددنا تقرباً من معرفته، فهكذا نميزه أكثر فأكثر عن غيره. وهذا طريق السلب يختلف عن معرفتنا للأشياء الدنيوية حيث نبتدأ من جنسها ثم ننقدم إلى معرفة الفصول بأكثر فأكثر الدقة.

وصفة الله السلبية الأصلي هي أنه لا يلحقه تغير البتة. وهذا ما يأيّده السمع: إني أنا الرب لا أتغير (ملاخي 3:6). هو لا تبدل فيه ولا شبه تغير (يعقوب 1:17). كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ (القمر 55-56).

ومن هذا يتضح أيضاً أن الله سرمدي، وهذا لأنه لا يتغير، فلا نحدث وجوده ولا يتبدل ولا ينعدم. ولأنه ينتزه عن الحركة والتغير ينعزل كذلك عن الزمان الذي هو عدد الحركة. فإذأ ليس يجوز أن يُعتبر فيه متقدم ومتأخر. وله وجوده كله معاً بلا أي تعاقب، وهذا إنما هو حقيقة السرمدية. وهكذا نسمع: وأنت يا رب جالس للأبد وذكرك باق إلى جيل فجيل وأنت تبقى.. وسنوك لا تنتهي (مزمور 102). كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ (القصص 88).

كذلك ليس في الله القوة المنفعلة، وهي إمكانية التغير. وإنما الله الأول الواجب الوجود، وكله فعل، وليس بقابل الانفعال والتغير البتة.

ويتضح أيضاً أنه تعالى ليس بمادة، لأن المادة ما هي إنما هو كونها بالقوة وإمكانية التغير. ولذلك يُمتنع أن يكون الله مادة أشياء أخرى أو جوهرها، كما تفتكر كل تيارات وحدة الوجود. واليوم نجد عدداً الحركات الدينية تدرس أن الإله قوة تتخلل العالم، وأنها أكثر تأثيراً حيث يوجد وعي، وخاصة في العقول المطهَّرة من الاضتربات الحسية والتي تنظر إلى داخل أنفسها لتشاهد الإله الذي هو نفس الناظر. وبحسب تعليم هذه الأديان الهدف الحقيقي للإنسان هو أن يعود إلى أصله الإلهي ويفنى فيه. أما ردّاً على هذا الفكر نقول إن الله خلق العالم كعلة فاعلة وغائية فقط، لم يخرج منه أي مادة لتصبح جزء المخلوق.

ويمكن أن يُستخلص مما تقدم أن الله لا تركيب فيه، لأن أجزاء المركَّب إنما هي في القوة لفعل الاتحاد الكلي، وأيضاً إنما الكل هو في القوة أن يحل إلى أجزاءه. وإيضاَ فلو كان الله مركباً لكان له مركِّب إذ لا يمكنه أن يركِّب نفسه إذ ليس يكون شيء علة لنفسه وإلاّ لكان متقدماً على نفسه وهذا محال. ولذلك يجب أن يكون الله في أقصى درجة من البساطة الكاملة، يوجد كل كماله في جوهره غير المتجزأ ولا مبدد في أجزاء ناقصة بالنسبة للكل.

وكذلك ليس في الله شيء قسري ولا ما هو دون الطبيعة، لأنه لو كان كذلك لكان شيء مزيد عليه، لأن ما كان من جوهر الشيء فيستحيل أن يكون قسرياً أو دون الطبيعة، وما من شيء بسيط له في نفسه شيء مزيد عليه إذ يلزمه حينئذ التركب منه. فإذاً لما كان الله بسيطاً كان من المستحيل أن يكون فيه شيء قسري ودون الطبيعة. وأيضاً فإن القسري ما كان مبدأه من الخارج، وهو واجب الوجود غير قابل الحركة البتة.

وهو ليس بجسم، لأن كل جسم مركب وله أجزاء، والله ليس مركباً وهو فعل محض صرف ليس له أي قوة انفعالية. وأيضاً إن كل جسم إنما هو متهاه ومتحرك، والله ليس كذلك. وأيضاً فإن الجسمية أقل الكمال وفوقها الحياة والعقل، ولا يليق أن يكون لله مرتبة الشرف الدنيى. فإننا نسمع: إن الله روح فعلى العباد أن يعبدوه بالروح والحق (يوحنا 4:24). لملك الدهور، الإله الواحد الخالد الذي لا يُرى، الإكرام والمجد أبد الدهور (1 طيموتاوس 1:17). ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى 10-11).

ولا اختلاف بين الله وماهيته، فإنه نفس ذاته ونفس ماهيته. ونحن لسنا كذلك، لأننا لسنا نفس إنسانيتنا ولكن شخصيتنا الفردية زائدة على الإنسانية المشتركة لكل الناس. وفرديتنا تُبنى على مادتنا العديدة. أما الله فليست له مادة وليس له شيء زائد على ذاته لأنه غير مركب. وأيضاً إن ما ليس عين ذاته فنسبته إليه باعتبار شيء منه نسبة القوة إلى الفعل ولكن الله ليس فيه شيء من القوة. فإذاً يجب أن يكون الله عين ذاته.

ولا اختلاف بين وجود الله وذاته، ولو كان كذلك لم يكن واجب الوجود ولتركب من القوة والفعل ولتوقف على فاعل تركيبه، ولكن هو العلة الأولى. فإذاً الله هو نفس وجوده. فنسمع: فقال الله لموسى: أنا هو من هو، وقال كذا تقول لبني إسرائيل: أنا هو أرسلني إليكم (الخروج 3:14). اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ (البقرة 255).

وليس في الله عرض، لأنه نفس وجوده وفعل تامّ، فيستحيل أن يشترك في شيء زائد كعرض. وأيضاً تفترض الأعراض قوة قبولها والتركيب والتغير والتوقف على فاعل خارجي. وأيضاً فكل ما هو في الله فهو على أسمى نوع من الشرف، وما هو نفس الشيء فهو موجود له على أكمل نوع من الوجود. فبقي إذاً أن الله إنما هو كل ما هو له. ثم أجمع على هذه الحقيقة ابن سينا وابن رشد وغيرها من الفلاسفة المسلمين وكذلك المعتزلة من المتكلمين. أما الأشاعرة فإنهم يزعمون أن في الله بعض معان أي صفات زائدة على ذات الله، وإن كانت غير منفصلة عنه.

ولا يمكن أن يزاد على وجود الله شيء يعينه كما يتعين الجنس بالفصول، فالإبارتان: “الله الوجود الأعلى و“الإنسان حيوان، ناطق” ليستا مقارنتين، لأن “ناطق” فصل، ولكن “الأعلى” ليس بفصل. ولو كان وجود الله يتعين بفصل لكان جوهره ناقصاً وبالقوة بالنظر إلى الفصل الذي يعيّن ذاته ويقوّم حقيقته.

والله ليس مندرجاً في جنس ما، مثل الموجود إذا فهمناه كمعنى مشترك على السواء في لله وكل الأشياء الأخرى. فإنما لا يوجد أي جنس بنفسه، مثل الحيوان، ولكن يحتاج إلى فصل يعيّنه لهذا أو ذلك نوع الحيوان. أما الله فليس له فصل. وأيضاً لا يستطيع الموجود أن يكون جنساً لأن الموجود لا يمكن أن يُقصر شموله على النوع إلاّ بالموجود ويمتنع أن يكون الفصل غير داخل في مفهوم حقيقة الموجود. ولا يمكن أن يندرح الله في جنس الجوهر أو الذات، لأنه لا ماهية ولا جوهر له سوى وجوده. فإذاً لا شيء مشترك في ذاته تعالى وذوات الأشياء الأخرى.

ومن هذا يهتج أيضاً أن الله لا يمكن تعريفه، لتركب التعريف من الجنس والفصول. ويتضح أيضاً أنه لا يمكن أن يُقام على الله برهان إثباتي ما لأن مبدأ التبرهن إنما هو تعريف نفس الشيء الذي يُقام عليه البرهان، خلا البرهان من المعلول.

والله ليس الوجود الصوري لجميع الأشياء، كما يقول الذين يزعمون أن كل شيء الله، وبعضهم ثنائيون، يقولون أن الله هو القوة الفعّالة في العالم أما المادة فتخففها ويُضعفها، فيلزم على الناس أن يطهِّروا أنفسهم مما هو مادي لكي يتقوّوا بالقوة الإلهية.

ولو كان الله وجود العالم أو قوته الفعّالية لكان جميع الأشياء واحداً بلا تميز بعضها عن بعض، لأن التميز من الذوات الخاصة. ولا يمكن أن أشياء العالم تكون الوجود نفسه لأنها تحدث من صورها وعن فاعلات من الخارج. وأيضاً لو كان وجود الله صورة الكافّة لكان إذاً إما كون وفساد في الله أو لم يكن كون وفساد البتة لأن الله فعل تامّ. ولكن نسمع: أنت يا رب علي على الأرض كلها، متعال جدّاً على الآلهة جميعهم (مزمور 97:9). فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون 116).

ومما حمل بعض الناس إلى هذا الضلال أوله هو سوء فهم بعض نصوص المقدسة، مثل: فيه حياتنا وحركتنا وكيانتنا (أعمال الرسل 17:28)، ليكون الله كل شيء في كل شيء (1 قورنتس 15:28). أما تفسير هذين النصين هو أن الله العلة الفاعلية والغاية لكل شيء لا تفارق معلولها البتة، وله كل شيء مبين.

وثانياً فإن لبعضهم ارتباك في فهم مبادئ العالم الأساسية. فبعضهم يخلطون بين الوجود الإلهي، الذي هو الفعل التامّ، والوجود المنطقي الذي هو فكر عامّ مشترك للكل، وهذا مفهومنا الأبسط الأولي الأفقر يحتاج إلى زيادة الجنس والفصل ليدل على شيء وجودي. أما البعض الآخر فيطلبون المبدأ الأبسط للطبيعة، ويفهمونه كقوة فاعلية ما، تفترق بحسب المادة التي تقبلها. وهذا الرأي لا يحترم منصب صور الأشياء الخاصة في تعيين ماهية طبيعة الشيء، ولا تميّز قوة الله الفعلية القائمة بنفسها وقوة جسيمات الاسطقسات القابلة للانفلاق والصهر.

أما الله فلو كانت الألوهية هو الوجود الصوري لجميع الأسياء لم تكن فوق جميع الأشياء بل بين جميع الأشياء، أو شيئاً منها. ولكن وجوده إنما يتميز عن جميع ما سواه بهذا نفسه وهو أنه يستحيل أن يزاد عليه شيء.

وكذلك الله ليس بصورة جسم ما، كأنه نفس للعالم، لأنه هو نفس الوجود الذي لا يقبل زيادة من الخارج. وأيضاً فإنما الصورة ليست إلاَ جزءاً للمركب من المادة والصورة.

وكذلك الله ليس برقم، كما يزعم تابعو حركة غريل، قائلين إن جوهر كل شيء هو رقم يشتق من الوحدة والثالوث حيث يكون أصل الإلهية. فهذه النظرية تكرر ضلال أفلاطون والفثاغوريين، الذين يختلطون الوحدة التي ترادف الوجود ووحدة الكم التي هي صفة عرضية للموجودات المادية.

ولكن يسمع: ألعلّك تسبر غور الله، أم تبلغ إلى كمال القدير؟ هو علو السموات فماذا تفعل؟ (أيوب 11/7-8). وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُون وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الروم 26-27).

أما صفات الله السلبية الأخرى، كوحدة الله ولاتناهيه، فستُذكر في قسم الصفات الذاتية (1.8).

1.7 صفات الله الإيجابية

إن الله بوجه الإطلاق الموجود الكامل الذي لا يفوته شرف جنس من الأجناس أياً كان ذلك الجنس. وهذا لأن له من الوجود كل قوة الوجود فلا ينقصه شيء من الشرف الذي يصلح لشيء ما. فإذاً له كل الخير الذي يوجد منتشراً وناقصاً في سائر الأشياء وليس له نقائصها لأنه فعل محض. وأيضاً فإنه علة سائر الموجودات، فيمكن المفعول أن ينقص من كمال الفاعل وأن يكون أقل شرف، وليس العكس، فالمفعول إنما يشترك كمال الفاعل على قدر مخصوص. فإذاً نسمع: قال موسى: أرني مجدك. قال: أمرّ بكل حسني أمامك وأنادي باسم الرب قدّامك (الخروج 33:19). وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (عمران 180). وهذا يشير أن الرب الذي هو نفس الوجود له كل الكمالات.

وفي المخلوقات مشابهة ما لله، لأن كل معلول يشترك في كمال علته. أما المشابهة فتفترق بحسب نوع العلة، فإنما المعلولات الطبيعية لها نفس طبيعة كعلتها، مثل الأولاد لوالديهم. ولكن عمل الصناعة ليس له نفس الطبيعة كالصانع وإنما يشابه صورة ذهنه. فهكذا تختلف المخلوفات عن طبيعة الله وبالرغم من هذا لها مشابهة له ناقصة. فتارة نسمع إثبات الشبه، مثلاً: وقال الله: لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا (التكوين 1:26)، وتارة نسمع نفي الشبه لنقصانه: فبمن تشبّهون الله، وأي شبه تعادلونه به ؟ (أشعيا 40:18). لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (الشورى 11). وباعتبار هذا النحو من الشبه يكون القول بأن الخليقة شبيهة بالله أولى من عكسه، لأن الله هو المثال الكامل وتعكس المخلوقات كماله عكساً ناقصاً.

فكيف نسمى الله؟ في تكلمنا عن الله يستعمل عبارات مأخوذة من معرفتنا للمخلوقات. ولأنه لما كان كل كمال في الخليقة إنما يجب أن يكون في الله ولكن بوجه آخر أفضل وأشرف كثيراً كان أن كل الأسماء التي تدل بالإلطلاق على كمال لا يشوبه نقص تحمل على الله وعلى سائر الأشياء، كالخيرية مثلاً والحكمة والوجود وما شاكلها. وأما ما كان من الأسماء يدل على مثل تلك الكمالات مع وجه خاص بالخليقة، فهذه لا يقال على الله إلاَ على سبيل التشبيه والمجاز، كما يقال عن رجل إنه صخر لجمود عقله. فإذاً لا يقال إن الله حجر أو إنسان أو ماشٍ. ولكن الكتاب المقدس، وخاصة المزامير، يستعمل الاستعارة في وصف الله، تسميه الحجر والقلعة ونحو ذلك. وهذه العبارات المجازية يجب أن تُفهم كرموز الكمالات اللامادية.

وأما الأسماء التي على كمال بلا نقص فتعرج هذه أيضاً في وصف الله. وهذا لأنه يبتدئ فكرنا من المحسوسات حيث نميز الشيء المادي المركب من المادة والصورة (مثل الإنسان) عن الماهية (مثل الإنسانية) التي هي صورة بسيطة ولكن لا قائمة بنفسها. والاثنتان ناقصتان، فإن “الخيرية” مجردة ولا قائمة بنفسها، و“الخير” مادي ومركب. فإذاً يمكن أن تُنفى هذه الأسماء عن الله باعتبار وجه الدلالة، ويمكن أن تُثبت له باعتبار الحقيقة التي وُضع الاسم للدلالة عليها. ولتصليح نقصان هذه الأسماء نضيف تارة اسم الكيف سلبياً كان (مثل “لا نتناه”) أو نسبياً (مثل “العلة الأولى” أو “الخير الأعلى”). فإننا لا نستطيع أن نمسك ما هو الله ولكن ما ليس هو وكيف تنتسب إليه الأشياء الأخرى.

ولله أسماء كثيرة، لأنه لما هو علة الكل، ولا من كل معلولاته ما يشبه ذاته ولا ما يحمل عليه بالتواطؤ، بل بالتشكيك وبأنواع مختلفة كانعكاسات منتشرة. والأسماء التي تحمل على الله بنحو لائق تنتسب إليه لا لأنه مجرد علة، ولكن لأنه أيضاً تشبه ذلك الكمال، مثل الحكمة ويشترك فيه بأنحاء مختلفة. ولو كان في وسعنا أن نتعقل نفس ذاته كما هو عليه لكفانا اسم واحد، كما وقع الوعد به للذين سيشاهدونه بذاته، إذ قيل: وفي ذلك اليوم يكون ربٌّ واحد واسمه واحد (زكريا 14:9). ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (الإسراء 110).

فلا يجوز حمل شيء من الأشياء على الله وعلى الأغيار حملا بالتواطؤ، لأن الأشياء التي الله علتها فصورها أبعد من أن تبلغ نوع القوة الإلهية، إذ إن هذه الأشياء إنما تأخذ على سبيل التقسيم والتخصيص ما هو في الله على وجه البساطة والتعميم. وأيضاً فإن الله ليس بجنس أو نوع أو فصل أو عرض أو خاصة أو حد، فبقي إذاً أنه لا يُحمل شيء على الله والأغيار بتواطؤ. وأيضاً إن ما يقال على بعض الأشياء قولاً بالتقدم والتأخر فمن المحقق أنه لا يقال بالتواطؤ لأن المتقدم يدخل في حد المتأخر، كما يدخل في حد العرض الجوهر من حيث هو موجود. وليس شيء يقال على الله وعلى غيره من الأشياء قولاً سوياً في المرتبة بل فولاً بالتقدم والتأخر إذ إن كل ما يقال عليه تعالى فإنما يقال عليه قولاً بالذات. فإذاً من المحال أن يقال شيء على الله والأغيار قولاً متواطئاً.

ومن جانب أخرى ليس كل ما يُحمل على الله وعلى ما سواه يُحمل بالاشتراك المحض، لأن الأسماء المشتركة بطريق الاتفاق لا يعتبر فيها نسبة الواحد منها أو قياسه إلى الآخر. وليست كذلك حال الأسماء المقولة على الله والخلائق، إذ إن مثل هذه الأسماء إنما يٌعتبر في عموم دلالتها ما بين العلة والمعلول من النسبة. ولكن بين الله وبين المخلوق ضرب من التشابه، حتى معرفة المخلوق ترشدنا على معرفة الله، وإلاّ لم نعرف شيئاً عنه البتة، فيكون إذاً قولنا عن الله إنه موجود ضرباً من العبث والمجازفة.

فإذاً الأسماء التي تطلق على الله وعلى الخلائق تطلق على وجه المناسبة أي التشكيك، من حيث قياسها أو نسبتها إلى شيء واحد. ومثل التشكيك الصحة التي هي أولاً في الحيوان وثانياً في الدواء بحسب ما هو علة الصحة. ولكن يجب أن نتجنب القول أن الله موجود أو خير لأنه علة الوجود والخير الحقيقي في الخلائق. فهذا ضلال، وبالعكس الوجود والخير يوجدان أولاً فيه تعالى وثانياً فيما سواه. فإن هذه الصفات نعرفها أولاً من الخلائق ولكن توجد أولاً في الله لأن هذه الصفات توجد في العلة بنحو أعلى منه في معلولاته. فهنا ما هو متقدم من جهة الطبيعة متأخر من جهة المعرفة.

وكذلك إن الأسماء المقولة على الله وإن كانت تدل على شيء واحد فليست مع ذلك مترادفة، لأنه بالرغم أنها تدل إلى شيء واحد، فإنها لا تدل على وجه واحد. فإن بعض الأشياء يمكنه أن يشابه الله بصور متعددة، والعقل يجد للتعبير عن تصوراته المختلفة أسماء مختلفة بحسبها فينسبها إلى الله. فإن الاسم يدل على تصور العقل أولاً وثانياً على الشيء المعقول. وكذلك القضايا التي يقولها عقلنا على الله البسيط تأليفاً بالتركيب والتفصيل لا تكون باطلة لا فائدة فيها، مثل “الله خير” أو “الخيرية هي في الله”، لأن الاختلاف الذي يوجد بين المبتدأ والخبر فمرجعه إلى العقل وأما الوحدة فمرجعها إلى الشيء المدرَك أي وحدة الله






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,581,371,577



- هل هذا هو رأينا في رسول الله وأم المؤمنين ؟ ألا نخجل؟ / عمرو اسماعيل
- لنكف عن مصمصة أصابع الأجداد الراحلون / كامل السعدون
- رسالة الي الاخوان المسلمين / صلاح الدين محسن
- المشيخة والعقدة المشيخية / ابراهيم محمود
- عيد ألفطر عيد المسلمين كلهم وعيد ألوطن جميعا وليس عيد ألشيعة ... / عليم محمد عليم
- الإنسداد الفكرى / حسن أحمد عمر
- كنت اعمى والان ابصر / مجدى جورج
- من أبطال الإسلام و الحرب:خالد بن الوليد .. و الكونت دراكولا ... / ابراهيم القبطي
- حبيبنا الشيخ زغلول النجار يجعل القرآن -شاهد زور-!! / حسن ميّ النوراني
- الشعب القبطي يتمزق بين شقي حجر الرحى -الدولة والكنيسة- 2 / سامي المصري


المزيد.....

- الداخلية المصرية: أحد ضباط حادث "الخارجية" كان شاه ...
- بوتين يناقش مع مجلس الأمن الروسي سبل مكافحة -الدولة الاسلامي ...
- «الكنيست» يقر قانون منع الافراج عن الأسرى أو مبادلتهم
- (اليسار المصرى..الجذور..الواقع..الآفاق (2
- يوسف شعبان: لم أُهِن المغاربة .. و-الإخوان- خططوا لتوريطي
- الدولة اللا-إسلامية يدعو إلى قتل مدنيين فرنسيين وأمريكيين
- بوتين يبحث التعاون مع بلدان أخرى للتصدي لتنظيم الدولة الإسلا ...
- إشهار جمعية عصر الإسلام الخيرية
- «الكنيسة الكاثوليكية» تدين تفجيرات أمس
- «السودان» تنفي استقبال قيادات الإخوان بعد طردهم من قطر


المزيد.....

- ق2 / ف2 جهيمان العتيبى واحتلال الحرم عام 1979 فى تقرير تاريخ ... / أحمد صبحى منصور
- الشياطين تربح في تحدي القرآن / مالك بارودي
- الرد على أشهر الحجج ضد نظرية التطور : التعقيد غير القابل للإ ... / هادي بن رمضان
- كتاب نقد البوذية اسلاميا / رضا البطاوى
- كتاب نقد الرامايانا الهندية اسلاميا / رضا البطاوى
- علاقة الدين بالسياسة في الفكر اليهودي / عزالدين عناية
- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كاريو أنور - وجود الله وصفاته