أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي - تيسير محيسن - الإصلاح المؤسساتي















المزيد.....

الإصلاح المؤسساتي


تيسير محيسن
الحوار المتمدن-العدد: 1351 - 2005 / 10 / 18 - 10:43
المحور: ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي
    


الإصلاح المؤسساتي مكون أساسي من مكونات أي عملية إصلاح شاملة، وقد يشكل في بعض الأحيان المكون الأهم. وسواء نجم الإصلاح المؤسساتي عن ضغوط داخلية، أو التزاماً بتعليمات قادمة من الخارج، فإنه يتعلق بعمل المؤسسات وطريقة توزيع السلطة فيها، ونمط الإدارة المستخدم، ومدى قدرتها وكفاءتها في أداء وظائفها على النحو الذي يجب أن تؤديها عليه. في الحالة الفلسطينية، وفي ظل التحديات التي تفرضها خطة الانفصال الإسرائيلية، لا بديل عن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإصلاحه، والمداخل الأساسية لذلك: الإصلاح السياسي، وجوهره تأكيد مبدأ الشراكة السياسية. الإصلاح المؤسساتي، ومضمونه بناء وإعادة بناء المؤسسات العامة على أسس سليمة وعصرية. الإصلاح الأمني، أي ضبط الحالة الأمنية والقضاء على مظاهر الفلتان وتعزيز سيادة القانون. تشكل هذه المداخل، بما تنطوي عليه من عمليات إصلاح جزئية إدارية ومالية وقانونية، مقاربة أساسية ليس فقط في بناء نسق الحكم الصالح في بلادنا (تضافر مؤسسات السلطة؛ الحكومة والمجلس التشريعي والقضاء، مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص) وإنما أيضاً في تمكين الحالة الفلسطينية في مواجهة خطة الانفصال والتداعيات الناجمة عنها، وبالتالي الحفاظ على المشروع الوطني من خطر الاندحار أو الاندثار.
على قاعدة احترام الحرية وحقوق الإنسان، الإصلاح المؤسساتي يعني أولاً: التحلي بمبادئ الإدارة العامة الرشيدة (بنى مؤسسية مستقرة، الالتزام بمعايير الكفاءة وفصل السلطات، الشفافية والإفصاح والمساءلة، مبادئ خاصة بكل قطاع من قطاعات المجتمع؛ الإنصاف في حالة القضاء، فعالية التشريع والرقابة في حالة التمثيل النيابي، الاختيار الشعبي للقيادات ومساءلتها في حالة الحكومة، والابتكار والكفاءة والمسؤولية في مؤسسات القطاع الخاص، والفعالية والاستمرارية والمسؤولية المجتمعية في مؤسسات المجتمع المدني). ثانياً: بناء قدرات المؤسسات (توزيع الصلاحيات وتقسيم الأدوار وتحديد المسؤوليات، تطوير نظم مالية وإدارية مرنة وشفافة، التخطيط الاستراتيجي، إدارة فعالة للموارد البشرية والمادية والمالية، استخدام تكنولوجيا المعلومات،
الكفاءة والفعالية في تقديم الخدمات). تتعدد في بلادنا مظاهر اللامأسسة أي كل ما يستوجب إصلاحاً مؤسساتياً، فمن انتشار الفساد وتعزيز كافة أشكال العصبية، إلى الفلتان الأمني والفوضى الاجتماعية وسيادة حالة من عدم اليقين، إلى تراجع ملحوظ في دور منظمات المجتمع المدني، ومن التسلط الفردي وضعف الكفاءة وانعدام الفعالية بما في ذلك إهدار الموارد، إلى غياب نظام قضائي فعال وموحد، نزيه ومستقل. الملفت للانتباه أن هذه المظاهر متداخلة، يعزز بعضها بعضاً. فأنت لا تستطيع الفصل بين ضعف الكفاءة من ناحية وتداخل الصلاحيات من ناحية ثانية. وضعف استقلالية القضاء وانعدام آليات المساءلة تقود حتماً إلى الفساد البنيوي، وهكذا.
تستفحل هذه المظاهر، وتتعزز يوماً بعد يوم آليات التخريب والتدمير الذاتي وفرص تقويض المشروع المجتمعي، وبالتالي تتشكل عوامل إسناد لكل ما من شأنه الإجهاز على فرص تحقيق مشروعنا الوطني في تطوير الهوية وتحقيق الاستقلال وبناء الدولة؛ وفي المقدمة خطة شارون للفصل من طرف واحد.
لا يقتصر الأمر على مؤسسة دون أخرى، أو قطاع دون آخر، فالفساد يخترق بنية المجتمع ككل، بدرجات وأشكال مختلفة، وضعف الكفاءة يطال البلديات كما يتعلق بمؤسسات الخدمة العامة وتنظيمات المجتمع المدني أحزاباً ونقابات وجمعيات أهلية. الفوضى، نقيض المأسسة، باتت السمة الغالبة للمشهد الفلسطيني، وفي استمرارها يكمن المقتل الحقيقي ليس فقط لفرص تحقيق أهداف مشروعنا الوطني مستقبلاً، وإنما أيضاً لكل ما أنجزه الفلسطيني حتى هذا التاريخ.
في الفساد:
إذا كان الفساد من الناحية الجوهرية، هو استعمال السلطة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، فإن له أبعاد أخلاقية وثقافية وسياسية وإدارية. ومن الغريب أن يصبح الفساد في بلادنا نمطاً سلوكياً يمارسه الكثيرون، بالرغم من أن الفلسطيني اعتاد منذ عقود على التضحية بماله وبنفسه من أجل المصلحة العامة، وحتى قبل المواجهة مع الحركة الصهيونية، تعززت لدى المجتمع الريفي الفلسطيني فكرة العونة والتعاضد المجتمعي، وقد تجسدت مظاهر العطاء والتعاون والتكافل الاجتماعي في الانتفاضة الأولى بصورة مثيرة تنفي إلى حد ما أن يكون للفساد في مجتمعنا جذوراً ثقافية أو أخلاقية. التربة الخصبة التي نما وترعرع فيها الفساد تربة سياسية في المقام الأول، يضاف إلى ذلك غياب مقومات الإدارة الرشيدة. ولذلك، فالعلاج سياسي وإداري في إطار تكريس بنية قانونية مواتية. تكمن جذور الفساد سياسياً في: تجربة منظمة التحرير (إبان الوفرة المالية التي تحققت في ظل انعدام آليات المحاسبة والتدقيق)، تجربة السلطة الفلسطينية وخاصة في تكريس علاقات الزبائنية والاستزلام، الأجندة السياسية للتمويل الأجنبي، ضعف جماعات المصالح في الحالة الفلسطينية بسبب هيمنة البعد الكفاحي ضد الاحتلال. تقتضي مكافحة الفساد جملة من الإجراءات المؤسسية: الإدارة الناجعة للخدمة المدنية، بما في ذلك تطبيق قانونها، الانتخابات العادلة والحرة، تعزيز دور الإعلام، بناء قدرات جماعات المصالح في التعبئة والضغط والمناصرة، بناء وتعزيز المنظومات الرقابية في كل المستويات، وإيقاع العقوبات الرادعة بالفاسدين وحرمانهم من تقلد أي وظائف عامة.
في العصبية:
على العكس من ظاهرة الفساد، ترتبط العصبية بجذور ثقافية واجتماعية، جرى توظيفها واستغلالها سياسياً من قبل مختلف الفاعلين السياسيين، والعصبية سمة من سمات المجتمعات العضوية، أو ما قبل الحديثة، يعززها غياب المؤسسات المجتمعية، السياسية والمدنية، أو ضعف هذه المؤسسات. في حالتنا الفلسطينية، فشلت معظم التكوينات المدنية والسياسية في تجاوز الطبيعة التقليدية للمجتمع، بل على العكس، راحت تستخدم نمط العلاقات السائدة التي تقوم على الولاء للجماعة العضوية والطاعة العمياء لقائد الجماعة، وعلى التراتب الهرمي وضعف المشاركة والتهميش والإقصاء. واستغلت هذه العلاقات كقنوات للتعبئة الجماهيرية وتعزيز الولاءات لصالح هذا الحزب أو ذاك، كما لم تتردد السلطة الفلسطينية وخاصة أجهزتها الأمنية في عشرنة بنيتها التنظيمية وبناء هياكلها وعلاقاتها على أسس عضوية. ومن أبرز مظاهر تغلغل العلاقات العشائرية والعضوية: سبل الحصول على الوظيفة، توزيع الفوائد والمنافع وخاصة في ظل الانتفاضة، الانتخابات المحلية في الجولتين الأولى والثانية، استخدام نفس آليات فض النزاع العائلي في حل الخلافات بين الفصائل، أو بين فصيل سياسي ما وجهاز أمني، وغير ذلك. لم يجرِ تطوير حس المواطنة الفعالة، وفي مقابل ذلك جرى إحياء كافة العصبيات، حتى أن العلم الفلسطيني كرمز لوحدة الشعب، استبدل عملياً برايات فصائلية، وحل الديوان والمسجد محل المؤسسات المدنية والقضائية والسياسية والخدمية المختلفة، وهكذا.
في تراجع دور منظمات المجتمع المدني:
بعد مرور أكثر من عقدين على نشأتها، وبالرغم من كل الإنجازات الكبيرة التي حققتها، فشلت المنظمات غير الحكومية أو الجمعيات الأهلية في تحقيق الرهان عليها، أي بوصفها أداة تغيير اجتماعي، بعد أن تراجع دور الأحزاب السياسية والنقابات المهنية في إحداث هذا التغيير. ويبدو أن الفشل عالمي، ولكن الحالة الفلسطينية تتسم بخصوصيات، أبرزها: الفصل التعسفي بين هذه الجمعيات وفضاء الفعل السياسي العام، بل والترفع في أحيان كثيرة عن السياسة والهروب من استحقاقات ممارستها، إلى ذلك، نجح الممول في تحييد نخبة كبيرة من المثقفين والنشطاء السياسيين والنقابيين عن أجندة الكفاح الفعلية، كما كان المرحوم إدوارد سعيد قد حذر منه في انتباهة مبكرة لذلك. تعاني هذه المنظمات مما تعاني منه معظم الأحزاب: فقدان البعد الجماهيري في عملها وبرامجها وهياكلها، وتعاني مما تعاني منه أغلب المؤسسات الحكومية، ضعف الكفاءة وغياب الشفافية والمساءلة، وتعاني مما يعاني منه المجتمع برمته من التسلط الفردي ومن انتشار الفساد، ومن تقديم الخدمات ارتباطاً بالولاءات الحزبية أو العائلية أو الشخصية، وعدم القدرة على تعزيز اعتمادها على ذاتها أو على المقدرات المجتمعية المتاحة. الإدارة في الغالب ليست رشيدة وغير مشاركة وغير شفافة، والموارد تهدر دون تخطيط أو تكامل أو قياس للتأثيرات الفعلية، وهكذا. ولذلك، الإصلاح المؤسساتي يجب أن يستهدف بالضرورة تحويل هذا الجمعيات إلى جماعات مصالح، وعبر عمليتي التمكين وتعزيز الحقوق تسعى إلى إحداث تغيير، ويمكن الاحتفاظ بدور مؤقت للجمعيات كحاضن لنشأة جماعات المصالح، على أن تتحول ملكيتها ومواردها إلى سيطرة الفئات الاجتماعية ذات الصلة وممثليها المنتخبين. لا يتمثل الفشل الأبرز لمعظم المنظمات غير الحكومية في فشلها في تحقيق التغيير المنشود، وإنما في فشلها في بناء نموذج مغاير لما يجب أن تكون عليه المؤسسة العامة.
من حيث المبدأ يمكن ملاحظة أن كل مظاهر اللامأسسة تنطوي على جوهر مشترك يتمثل في ثلاثة أبعاد؛ الأول غياب الإرادة السياسية (وبالتالي ضعف الالتزام السياسي بالإصلاح والتغيير سواء على صعيد المجتمع السياسي أو المجتمع المدني)، والثاني ضعف الفئات الاجتماعية ذات المصلحة في إحداث التغيير، وانعدام التمثيل السياسي الحقيقي لها، أما البعد الثالث فيرتبط بالعمليات الاجتماعية الأساسية كالتنشئة الاجتماعية، والتعليم والتربية المدنية والسياسية وغيرها من عمليات والتي لا تشجع على إنتاج وإعادة إنتاج قيم وثقافة نقدية وإبداعية وتعزيز الرغبة في التغيير وتحدي كوابحه والاستعداد للتضحية في سبيل ذلك.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- علاقة المسرح بالمجتمع المدني في الضفة الغربية وقطاع غزة
- في مواجهة خطة شارون: استحقاقات فلسطينية عاجلة وآجلة
- في العمل مع الشباب: التنشيط الاجتماعي والثقافي


المزيد.....




- الرئاسة الفلسطينية ترد على إدارة ترامب: لن نقبل بأي تغيير عل ...
- قادة اليمين الأوروبي يجتمعون في براغ لتنسيق سياستهم ضد الهجر ...
- مستشارة الأسد: الحقائق تتكشف ونعيش مفصلا تاريخيا
- -RT- تكشف عن تفاصيل إطلاق قمر صناعي مصري جديد من روسيا
- أطرف صور الحياة البرية لعام 2017
- الحكومة الأرجنتينية تقيل قائد قواتها البحرية على خلفية كارثة ...
- بغداد: التحالف الدولي لن يقيم قواعد دائمة في أراضينا
- قوات هادي تسيطر على أحد آخر معاقل الحوثيين جنوب اليمن
- يلدريم: قنصليتنا في القدس تضطلع بمهام سفارة لدى فلسطين
- الناتو يشن هجوما هاتفيا على روسيا


المزيد.....

- الديمقراطية وألأصلاح ألسياسي في العالم العربي / علي عبد الواحد محمد
- -الديمقراطية بين الادعاءات والوقائع / منصور حكمت
- الديموقراطية و الإصلاح السياسي في العالم العربي / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي - تيسير محيسن - الإصلاح المؤسساتي