أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - ابو علي المغربي - ضد الماركسية اللينينية















المزيد.....

ضد الماركسية اللينينية


ابو علي المغربي

الحوار المتمدن-العدد: 4888 - 2015 / 8 / 5 - 19:07
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


ضد الماركسية اللينينية، و مع ماركس ولينين

كان تبني أفكار ماركس وإنجلز يصطدم بالتسمية التي تُطلق على هذا التيار الذي تأسس من أجل تغيير العالم. إنجلز كان قد اقترح تسميتها: الاشتراكية العلمية، لكن المصطلح الذي تعمم –ربما عفوياً- هو مصطلح الماركسية. وإذا كان ماركس قد قال مرة، وفق ما نقل إنجلز، أنه ليس ماركسياً فلأن الأفكار التي كان يتداولها ممن تسموا ماركسيين كانت تخرج عن مقصده، و”تحرّف” ما هدف إليه، حيث بدت أفكاره لهم كاقتصادوية مبتذلة. ورغم هذا “الاعتراض” فقد بات مصطلح الماركسية هو الرائج، وباتت الأحزاب الاشتراكية تميل إلى الإشارة إلى أنها تعتنق أفكار ماركس، بعد أن باتت هي المهيمنة في إطار التيار الاشتراكي العام. وكان هذا التحديد هو تمييز لها عن ذاك التيار، لكنه كذلك كان تقديراً لمفتتح هذا الحقل الرحب.
ولينين كان من هؤلاء الذين اعتنقوا الماركسية، وكان هذا المصطلح هو ما يشير إليه ويقول به حيث كان قد ترسّخ، خصوصاً، بعد وفاة ماركس. وكما ماركس كان يرفض في أواخر أيامه أن يُدخل مصطلح اللينينية، أو أن يربط بالماركسية، فماركس هو الذي أقام الأساس، وبالتالي لن يفعل الآخرون سوى إضافات كمية. فقد فهم الماركسية بأنها الطريقة التي توصل إليها ماركس: أي الجدل المالدي (الديالكتيك كما كان يكرر)، وأيضاً كثير من القوانين التي اكتشفها، أو دمجها في نظريته. لهذا كان يرى بأن كل التراكم التالي هو تراكم كمي في بنية تلك الأفكار تأسيساً على المنهجية تلك. بمعنى أن ماركس هو الذي توصل إلى “التحوّل النوعي” الذي أفضى إلى تبلور الماركسية، بينما لا نستطيع نحن سوى أن نوسع في التراكم الكمي، أي أن نبني على الأرضية التي أقامها ماركس. دون أن يحدث ذلك ما يسمح بتحقيق نقلة نوعية (ربما بعد زمن طويل)، وبالتالي دون أن نستطيع القول بـ “طور أعلى في الماركسية”، أو اعتبار أن اللاحق يجب السابق ويتضمنه.
طبعاً، كانت هناك مشكلة في الماركسية قبل لينين وخلال سنوات حياته. ولقد تمثلت في أن تياراً واسعاً من الماركسيين اعتقد بأن الماركسية هي القوانين والأفكار التي قال بها ماركس وإنجلز ولم يرَ الطريقة ذاتها، تلك التي شكلت أساس نشوء الماركسية. لهذا انطلق من أن “نظرية ماركس” مكتملة التبلور ومطلقة الصحة، ولهذا عمل على “تلخيص” أفكار ماركس وإنجلز، وتبسيطها، وقولبتها في منظومة مكتملة. وبهذا فقد حوّل جملة أفكار ماركس وإنجلز الة قوانين وأسس ومبادئ. وبات هو معنياً بالممارسة على ضوئها. هنا لم يعد من ضرورة لفهم الواقع ومتحولاته، بل تفرض الضرورة الممارسة ضمنه على ضوء تلك القوانين والأسس والمبادئ. وبالتالي باتت الآلية التي تحكم هذا التيار هو قياس الواقع على هذه المبادئ للتوصل إلى موقف، وحيث تقلص الواقع إلى أحداث وسياسات ومواقف قوى وطبقات، مما كان يؤسس لإعادة إنتاج المنهجية القديمة بدل الجدل المادي. لقد تحوّلت الماركسية إلى “نص مقدس” على “الماركسي” أن يعمل على تطبيقه في الواقع الذي بات يفهم انطلاقاً من تلك “القوانين” (أي تلك التي هي قوانين فعلاً، وتلك التي أُجبِرت على أن تكون قوانين رغم أنها نتاج لحظة محدَّدة).
فمثلاً يمكن أن نلمس كيف جرى التعامل مع نص يقول بأن الانتقال إلى الاشتراكية يفترض أن تستنفذ الرأسمالية مبررات وجودها، حيث فهم على أنه يجب أن
تتفسخ الرأسمالية وتنهار لكي تحين لحظة انتصار الاشتراكية، وهو الأمر الذي عنى أن النفي لن يتحقق عبر الصراع بل من خلال موت الرأسمالية. ولأن الوضع لم يصل إلى هذه اللحظة (دون أن يتحدد معنى الاستنفاذ) فقد فتح ذلك إلى التكيف مع وجود الرأسمالية في الأمم الصناعية، بانتظار تعفنها. وهنا تسود العفوية، ويسود تكتيك ينطلق من مبدأ الضغط والاحتجاج والمطالبة فقط.
أو مثلاً حين يصبح الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية مشترطاً بانتصار الرأسمالية في الأمم التي كانت أسبقية التطور الرأسمالي في أوروبا قد فرضت عليها إعادة إنتاج التخلف، والحفاظ على البنى التقليدية (الإقطاعية)، توافقاً مع السيطرة الرأسمالية. وبالتالي يكون هدف الشيوعيين هو “تحقيق الرأسمالية” عبر دعم طبقة ليست موجودة في الواقع، أو كان وجودها هزيلاً: هي الطبقة الرأسمالية التي تحمل مشروع بناء المجتمع الصناعي الحديث. وهنا بدت إشارات ماركس كافية للقول بحتمية انتصار الرأسمالية قبل أن يفكر الشيوعيون بالاشتراكية. وهذا ما أنشأ العفوية، والميل إلى الضغط والاحتجاج والتكيف كذلك.
ولقد انبنت هذه السياسة انطلاقاً من إشارات ماركس إلى ارتقاء المجتمعات البشرية تأسيساً على بلورته التصور حوا أنماط الإنتاج، والتي أشّر إليها في بعض النصوص كمثل، حيث أشار إلى المشاع والرق والإقطاع والرأسمالية وصولاً إلى الاشتراكية. لتصبح هذه الإشارة التي لم تعتمد على دراسة معمقة للتاريخ العالمي قانوناً يجب أن تمرّ عبره كل الأمم.
ومسائل عديدة أخرى تحوّلت إلى قوانين ليس نتيجة بحث منهجي، في الواقع، بل لأن ماركس قد أشار إليها فوردت في نص ما له.
وهنا نلمس كيف أن الماركسية باتت دون “روح”، فقدت “روحها” التي تتمثل في منهجيتها المادية الجدلية، وحيث كانت ماديتها تعني “التحليل الملموس للواقع الملموس” (وفق إشارة لينين) انطلاقاً من قوانين الجدل. ولهذا تفرض أن ندرس الواقع المتحوّل (في تحوّله) بغض النظر عن مواقف ماركس أو إنجلز أو لينين. لكي نصل إلى استنتاجات محدَّدة تخص كل لحظة، دون الركون إلى استنتاجات سابقة، رغم أنه يمكن أن تكون النتيجة واحدة (لكن يمكن أن تكون مختلفة كذلك).
وبالتالي باتت الماركسية هي منظومة أفكار وقوانين قال بها ماركس، أو لأن ماركس قال بها. ولقد وضعت في إطار منهجي سابق على ماركس والماركسية، وسابق على هيغل، هو بالتحديد المنطق الصوري، لأن التعامل مع الماركسية وفق هذه الصيغة ليس ممكناً إلا عبر منطق صوري. وفي هذا الإطار توسع البحث الكمي في الاقتصاد بصفته حقل منفصل عن مجمل بنية الماركسية المتمحورة حول منهجيتها، أو عبر ربط ميكانيكي لهذا الحقل في مجمل البنية. أو باخضاعه لاستنتاجات سابقة لماركس كونها باتت تعتبر “قوانين”.
لينين كسر هذا المنطق، عبر العودة إلى الجدل (الديالكتيك). فقد عاد إلى هيغل والى ماركس، درس الجدل لدى هيغل ولدى ماركس. ولهذا ميّز بين القوانين والأفكار، بين ما يمكن تحويله إلى قوانين وما كان نتاج ظرف محدَّد فرضت التطورات تجاوزه. ميّز بين القوانين التي تحكم الواقع (وهي الديالكتيك) والنتائج التي يمكن أن نصل إليها، وكذلك بين تلك النتائج التي يمكن أن تصبح قوانين وأسس ومبادئ، وتلك التي تجاوزتها الصيرورة وباتت تعبر عن تحليل ظرفي لوضع معين لم يعد قائماً. وهو الأمر الذي جعله يتجاوز جملة مفاهيم “كلاسيكية” في الماركسية، ويصطدم مع كل الماركسيين الكلاسيكيين. حيث لم يلمس بأن صيرورة التطور في بلد متخلف مثل روسيا تفرض “حتماً” انتصار الرأسمالية، على العكس من ذلك فقد وجد بأن الرأسمالية التي كانت تتشكل هي في تواشج وترابط مع الإقطاع والقيصرية، وأنها ليست معنية بتحقيق “الثورة الديمقراطية” التي هي ثورتها وفق ما أشارت التجربة الأوروبية. لهذا طرح السؤال حول: من يحقق الثورة الديمقراطية؟ وعبر “التحليل الملموس للواقع الملموس” توصل إلى أن العمال والفلاحين الفقراء هم مَنْ يجب أن تؤسس الماركسية مشروعها على فعلهم، وأن الماركسية عبر حزبها المحدَّد هي التي يجب أن تقود الصراع الطبقي من أجل ذلك.
ومن هذه الزاوية فتح لينين أفقاً واسعاً للماركسية، ربما لم يكن يتلمسه كله، لكن الواقع التالي أثبت ذلك. كما أنه فرض بلورة جملة تصورات وقوانين ومبادئ جديدة مختلفة عما كانت تتضمنه ماركسية ماركس، ومنها مفهوم الإمبريالية، مفهوم الحزب، دور الماركسية ذاتها، وكثير من الأفكار الهامة والعميقة. حيث أن تراجع دور الماركسية في الأمم الرأسمالية (وفي أوروبا خصوصاً) كان يقابله توسع دورها في الأمم المخلفة. وهذا ما كان يشير إلى أن فعل الماركسية ترابط مع مستويات الصراع الطبقي العالمي. لقد كان الصراع الطبقي في أوروبا يتراجع، بينما كان يتصاعد في الأمم المخلفة. وربما كان تحليل لينين عن الإمبريالية يساعد على فهم هذه الحالة، التي باتت واضحة أكثر فيما بعد. وهو الأمر الذي “شطب” مفهوم الثورة الاشتراكية كما كان يتبلور مع ماركس وإنجلز، وأسس لفهم جديد ينطلق من التوضّع “النهائي” للرأسمالية كما نشأ نهاية القرن التاسع عشر (أي بعد وفاة ماركس).
وبالتالي، من هذه الزاوية فإن للينين موقع مهم في صيرورة تبلور الماركسية، لكن يجب أن نلحظ بأن كل إضافاته انبنت على عودته إلى الجدل المادي، والاستناد عليه في فهم الواقع الجديد. لقد كانت “روح” ماركس هي التي تحلل الواقع الجديد عبر لينين إذن. هذا ما أسميه التراكم الكمي على أرضية ما جاء به ماركس، الذي كان قد حقق نقلة نوعية حين بلور الجدل المادي، وأعاد تأسيس رؤية الواقع على ضوئه.

والآن، ما هي الماركسية اللينينية؟

لم يتبلور هذا المصطلح زمن لينين، ربما كان يطرح بخجل في بعض الأوساط، والخجل ناتج عن رفض لينين لهذه “الشخصنة”. لقد تبلور عبر الصراع في الحزب البلشفي بعد وفاة لينين، وهو مصطلح خرج من تناقضات هذا الحزب. رغم تقدير كل الأطراف في الحزب للينين، لكن ليس من الممكن فصل تبلور هذا المصطلح وتعميمه عن تلك الصراعات التي تلت وفاة لينين. لقد بدا أن تراث لينين بات هو وسيلة تكريس الشرعية لهذا الطرف أو ذاك، أو لاعتقاد كل طرف بأنه الأقرب إلى هذا التراث والأحرص عليه، وهو الأمر الذي فرض دخول مصطلح الماركسية اللينينية مجال التداول. فقد سعى كل من ستالين وتروتسكي طرفي الصراع الأساسيين إلى اطلاق هذا المصطلح، كل من أجل تعزيز شرعيته، وضمان أغلبية حزبية تدعمه. هذا هو الوضع الذي نشأ خلاله هذا المصطلح الذي طغى على المصطلح الأساسي الذي هو: الماركسية، والذي كان يؤشر بوضوح إلى كنه التيار الذي افتتح ماركس حقله. الذي هو الجدل المادي. وتعممت فكرة أن الماركسية نظرية أو أيديولوجية، وأصبحت مصاغة في “قوانين مكتملة”، وأسس ومبادئ مبسطة “واضحة”.
هنا يجب أن نربط هذا المصطلح بهذه الصيرورة التي أسست تيارين متناقضين تعمما عالمياً. فقد صاغ كل من ستالين (في كتاب أسس اللينينية ومبادئ اللينينية خصوصاً)، وتروتسكي (في كتاب الثورة الدائمة خصوصاً) لينين على طريقته، وحمل مصطلح الماركسية اللينينية، بالتالي، طريقة كل منهما، دون أن تحمل من لينين سوى بعض الأفكار التي جرى لويها لكي توافق كل منهما بالأساس. هنا باتت الماركسية اللينينية هي: إما ستالينية أو تروتسكية. إما تحمل “منطق” ستالين أو تحمل “منطق” تروتسكي. وهي بالتالي ليست أمينة إلى لينين لدى كل منهما.
والأهم هنا هو أن أساس صياغة تصور ستالين أو تروتسكي قام على أساس “تلخيص” الماركسية في “نظرية متكاملة”، أو في منظومة قوانين وأسس ومبادئ، تماماً كما حدث للماركسية بعد وفاة ماركس. ولهذا ليس مستغرباً أن نلمس أن الأساس المنهجي الذي حكمهما هو ذاته الذي حكم “الماركسية الكلاسيكية” التي تلت ماركس. وسنلمس بأن هذا الرابط أكثر وضوحاً لدى ستالين، الذي يبدو وكأنه يتمثل بليخانوف أكثر مما تمثل لينين (سواء بالمنهجية التي رسمها في سياق تطوري، أو الاقتصادوية، أو في “قانون” ارتقاء المجتمعات ..). بمعنى أن “روح” الماركسية قد أزهقت من جديد، وباتت “الماركسية” هي نظرية مكتملة تحكم الواقع.
من هذه اللحظة يجب أن نتعامل مع الماركسية اللينينية، هذه أو تلك، كأفكار لستالين أو تروتسكي، وللتيارين اللذين تشكلا على أساس أفكارهما. هنا تصبح الماركسية اللينينية هي الستالينية، أو هي التروتسكية، في تناقضهما، وصراعهما المستمر، وفي التراكم الذي شهده كل منهما. ورغم التواصل في هذه الفكرة أو تلك مع ماركس أو لينين، فإن المسألة المهمة هنا هي تبلور كل منهما في “نظرية”، باتت هي أساس البحث في الواقع، وأساس الفعل. بمعنى أنها القوانين والتكتيك التي تحكم “الفعل الماركسي”، رغم الإشارة لدى كل منهما إلى الديالكتيك الذي بات دون “شغل”، لأن النظرية أجابت على أسئلة الواقع، وبات علينا أن نقوم بعملية القياس التي تفرض قياس ما نلاحظه (شكلاً) في الواقع على هذه النظرية. وإذا لم يكن لا ستالين ولا تروتسكي جدلياً فإن “النظرية” التي شكلها كل منهما اتسمت بالنصية وتجاهل الجدل المادي. لهذا باتت الماركسية اللينينية هذه، لدى كليهما، نصوصاً مقدسة، وجرى تحنيط جملة أفكار باتت هي القوانين التي تحكم الواقع، مثل “حتمية المرور بالمرحلة الرأسمالية” الستاليني (البليخانوفي قبلاً)، و”الثورة الدائمة” و”الثورة الاشتراكية” التروتسكي، وعديد من المسائل التي يمكن أن تُخضع للنقد.
لقد تجاوز ستالين فهم لينين لدور الماركسية في الأمم المخلفة وأعاد إنتاج التصور “الكلاسيكي” الذي حكم الأممية الثانية، كما حكم بليخانوف والمناشفة، لهذا قرّر اجبارية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية قبل الوصول إلى الاشتراكية، وهو التصور الذي اعتبرت “الماركسية الكلاسيكية” أنه في صلب الماركسية، وأساس رؤيتها الصيرورة. وسنلمس بأن كل الشيوعيين الذين انتصروا كانوا في تناقض مع ستالين حول هذا التصور، ومتبعين تصور لينين، مثل الحزب الشيوعي الصيني، الفيتنامي، كاسترو …ألخ، وكل الذين التزموا به فشلوا وتهمشوا. وهو الوضع الذي حكم الحركة الشيوعية العربية، ولكن كذلك الحزب الشيوعي الكوبي قبل انتصار الثورة، وفي أندونيسيا، وكثير من الأمم المخلفة التي كانت تابعة لموسكو. بمعنى أن ستالين هنا كان قد عاد إلى ما قبل لينين، إلى تصور الأممية الثانية وهو يعلي من اسم لينين ويؤسس الماركسية اللينينية. وهذا التصور ترابط مع تغيير منهجي تجاوز الجدل المادي، وأعاد تكريس المنطق الصوري. وهو الأمر الذي جعل الجدل أقرب إلى المنطق التطوري كما صاغه بليخانوف، حيث ليس من قانون فيه سوى قانون التراكم الكمي والتغير النوعي، وحيث عاد التناقض إلى تعادي وفق المنطق الصوري. وحيث غدت المادية هي الاقتصادوية. هنا، كذلك، جرى التراجع عن لينين لمصلحة بليخانوف والمنطق التطوري الميكانيكي.
في المقابل سنجد بأن تروتسكي يكرر تصوره الذي بلوره سنة 1905 حول الثورة، وخصوصاً مفهوم الثورة الاشتراكية والثورة الدائمة، اللذين كان في خلاف مع لينين حولهما منذئذ. لكنه أعاد إنتاجهما استناداً إلى لينين. وربما كان هذان المفهومان هو أكثر ما يميّز “التروتسكية”، وما اللذان ظلا في جوهر النشاط التروتسكي.
إن “الماركسية اللينينية” بالتالي، كما صيغت في اتجاهيها المتناقضين انطلقت من تجاوز الجدل المادي لمصلحة منطق صوري، نصي، و”نظرية متكاملة” تحكم رؤية الواقع. وهذا أبرز ما فيها، وأخطره كذلك، لأنه يعني في الواقع تجاوز أهم وأساس ما توصل إليه ماركسن وكان أساس نشوء الماركسية. لقد تبلورت كنظرية مثالية صورية، وبلورت تصورات إما تعيد إنتاج تراث الأممية الثانية والمناشفة (في شكل رث)، أو تطرح المقابل القصووي، الذي سيكون “مجرداً” ولاعقلانياً. طبعاً يمكن أن نتلمس مجمل الأفكار التي قالت بها، بشقيها، لكن دون أن يعني كل هذا التحديد أنها لم تقدم أفكاراً ممكن الإفادة منها، أو تتلمس أوضاعاً صحيحة. لكنه يعني بأن أساس تشكلها شابه خلل حقيقي جعلها تتجاوز ليس اللينينية فقط بل أساس الماركسية أولاً.

الماوية كماركسية لينينية

ضد الماوية ومع ماو

في الماوية مرحلتان، الأولى هي تلك التي أفضت إلى انتصار الثورة الصينية، حيث تابع ماو تسي تونغ منطق لينين، لهذا توصل إلى النتيجة ذاتها، وهي أن دور الماركسية هو قيادة الثورة الديمقراطية. ورغم تحالفه مع ستالين إلا أنه ظل على خلاف معه على هذه المسألة، ورفض الدعوة إلى الاندغام بالكومنتانج تحت حجة قيادة البرجوازية للثورة الديمقراطية. ولقد تبنت الماوية مصطلح الماركسية اللينينية منذ البدء، لكن وفق رؤية لينين وليس كما كانت تتبلور في الاتحاد السوفيتي (وكانت في تضاد مع التروتسكية توافقاً مع تصور ستالين). هذه “الماركسية اللينينية” هي التي انتصرت، بالضبط لأنها انطلقت من المنهجية الماركسية (وكتب ماو حول التناقض والممارسة العملية تعبّر عن الفهم العميق لهذه المسألة، ولقيمتها).

في المرحلة الثانية اختلف الوضع، حيث جرت صياغة “نظرية مكتملة” تحت مسمى الماركسية اللينينية، والتي أصبحت تسمى فيما بعد الماوية. لقد أصبحت تصورات ماو حول الوضع الصيني، وطبيعة الثورة (كونها ثورة وطنية ديمقراطية) ومفهوم الجبة المتحدة، والحرب الثورية، ودور الفلاحين، كلها جزء من نظرية تحكم الواقع. وبالتالي تلاشت أهمية الجدل المادي، وتراث ماو الفلسفي، لمصلحة أفكار باتت تعتبر قوانين تحكم الصيرورة وتتحكم فيها بغض النظر عن اختلاف الظروف وتحولات الزمن. وهي بذلك قد أعادت إنتاج الماركسية اللينينية كما تبلورت مع الستالينية والتروتسكية، رغم الاختلاف الشديد بين هذه وتلك، الذي سيبدو في الأخير كاختلاف شكلي محض، لأن كل هذه التبلورات تجاوزت الجدل المادي لمصلحة منطق صوري مغرق في المثالية، وتلخصت في بضع “قوانين” هي التي تحدد صيرورة الواقع.

إذن، إن الوقوف ضد الماركسية اللينينية يعني أننا ضد التبلور الستاليني للماركسية، وضد التبلور التروتسكي للماركسية، وأيضاً ضد التبلور الماوي للماركسية، لأنها في كل هذه الحالات لم تعد ماركسية، حيث فقدت “روحها”، وأصبحت تعبّر عن “نظرية” تحكم الواقع، وهذه أقصى أشكال المثالية.

أليس ذلك هو في تضاد مع الماركسية؟



#ابو_علي_المغربي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماركسية لينينية ام ستالينية


المزيد.....




- في اليابان.. قطارات بمقصورات خاصة بدءًا من عام 2026
- وانغ يي: لا يوجد علاج معجزة لحل الأزمة الأوكرانية
- مدينة سياحية شهيرة تفرض رسوم دخول للحد من أعداد السياح!
- أيهما أفضل، كثرة الاستحمام، أم التقليل منه؟
- قصف إسرائيلي جوي ومدفعي يؤدي إلى مقتل 9 فلسطينيين في غزة
- عبور أول سفينة شحن بعد انهيار جسر بالتيمور في الولايات المتح ...
- بلغاريا: القضاء يعيد النظر في ملف معارض سعودي مهدد بالترحيل ...
- غضب في لبنان بعد فيديو ضرب وسحل محامية أمام المحكمة
- لوحة كانت مفقودة للرسام غوستاف كليمت تُباع بـ32 مليون دولار ...
- حب بين الغيوم.. طيار يتقدم للزواج من مضيفة طيران أمام الركاب ...


المزيد.....

- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الازمة المتعددة والتحديات التي تواجه اليسار * / رشيد غويلب
- سلافوي جيجيك، مهرج بلاط الرأسمالية / دلير زنكنة
- أبناء -ناصر- يلقنون البروفيسور الصهيوني درسا في جامعة ادنبره / سمير الأمير
- فريدريك إنجلس والعلوم الحديثة / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - ابو علي المغربي - ضد الماركسية اللينينية