أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - أرام عبد الجليل - حول الاصلاح الدستوري في المغرب الكبير * قراءة في تجربة مجهضة






















المزيد.....

حول الاصلاح الدستوري في المغرب الكبير * قراءة في تجربة مجهضة



أرام عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 1325 - 2005 / 9 / 22 - 08:03
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


توطئة
يرتبط مفهوم الإصلاح السياسي بالديموقراطية ، ارتباطا تلازميا، في الأنظمة الديموقراطية التي تتكيف مع احتياجات الحقل السياسي الذي يبقى معبرا على مختلف تطورات التشكيلات الاجتماعية الصاعدة ، بينما يبقى هذا الإصلاح في دول المحيط ، منحصرا في هوامش ديموقراطية ظرفية ، وآلية لإعادة إنتاج نفس النظام السياسي وخلق توازنات لاستمرار يته .

إن مسعى الإصلاح لايمكن إن يستقيم - في نظرنا - مالم يأخذ المسألة الدستورية ، من أولى اولوياته ، ولكون الوثيقة الدستورية تشكل قمة البناء القانوني / الحقوقي ، للدولة الحديثة والمعاصرة ، الذي يحدد شكل و طبيعة الدولة وأجهزتها ، والعلاقات بين مختلف السلط وتوزيعها ، وكما يعتبر المؤطر الأول للعمل السياسي والمدني ... ، إذ لايمكن الحديث عن أية إصلاحات في غياب لإصلاح دستوري يكون لبنة أساسية ، وقائدة خاصة للإصلاحات السياسية .

فسأحاول من خلال هذه الورقة أن أتطرق لموضوع الإصلاحات خاصة الدستورية ولبعض الإشكالات الدستورية التي تعرقل التنمية السياسية التي تأملها القوى الإصلاحية بمنطقة المغرب الكبير ، باعتبار إن الحديث عن الإصلاحات السياسية بالدول العربية هو ليس في حاجة إلى " موضة التعميم " التي طبعت مختلف دراسات العلوم الاجتماعية ، والإنسانية في فترات سابقة ، والمرتكزة على بعض المكونات الاثنية المشتركة التي طبعت قسريا على بعض القوميات المتواجدة معنا على رقعة جغرافية واحدة .

إن اختيارنا لدول المغرب الكبير يرجع إلى أهمية معاينة وتيرة الانتقال " المتعثر " إلى الديموقراطية لهذه الأنظمة " العسكرية " أو " الشبه المدنية " ، التي تشترك في التبعية السياسية والاقتصادية للمستعمر الواحد ، كما تشترك نخبتها من بداية القرن التاسع عشر في رفعها لمطلب الإصلاح لتجاوز التخلف و الاستعمار ، وتحديث الدولة بعد الاستقلال ،

كما نهدف من ذلك إلى معرفة نوعية الإصلاحات الدستورية التي قدمتها الأنظمة السياسية باختلاف طبيعتها ومنطلقاتها بالمغرب الكبير ، بتجاوز الضبط الأمني ، وبناء دول القانون ، ومدى جاهزية قوى الإصلاح للتجاوب مع هذه الإصلاحات ، أو في الرفع من سقفها ؟ وبما ذا ستستفيد الطبقات الكادحة الواسعة بمنطقة المغرب الكبير من هذه الإصلاحات الممنوحة من طرف أنظمة باتريمونيالية ؟

في معنى الإصلاح ودوافعه

كلمة " صلح " في اللغة هي عكس لكلمة " فسد "، و"الإصلاح " بهذا المعنى يعني الانتقال من وضعية فاسد إلى وضع صالح . فعملية الانتقال من " وضع " إلى " وضع آخر" تستهدف تقليص الفارق بين الأزمة / الواقع الفاسد والحالة النموذجية المرجوة مما يجعل من قضية الإصلاح عملية مركبة ومعقدة ويستمد مشروعيته من أهميته التاريخية المرتبطة بالأوضاع السياسية والاقتصادية لأي بلد ما .
فمفهوم الإصلاح réforme ) ) تتعدد تعريفاته نتيجة التمايز الأيديولوجي والمعرفي ،حيث يكون القصد من الإصلاحية كمذهب réformisme ) ( هي إجراء انتقالات وتحولات سوسيو- سياسية مع الإبقاء على النظام السياسي القائم ببنياته الدستورية ، الاقتصادية والسياسية .
كما ينظر إلى الإصلاح على انه مجموعة من الممارسات التي تستهدف تحديث أداء الدولة في بعض المجالات الحياتية التي تعرف الأزمة ، مما يجعل النظام السياسي في مأزق المشروعية بمختلف أبعادها .. ، غير أن الإصلاح هنا لا يخرج عن دوره في الحفاظ على الطبيعة الأيديولوجية والسياسية للقوى الاجتماعية الحاكمة ، فالإصلاح هنا حسب Lampedusa " هو تغيير كل شيء حتى لا يغير أي شيء " ، وعلى النقيض من هذا المفهوم الليبرالي المحافظ لمفهوم الإصلاح ، ترى الماركسية إن الإصلاح هو خدعة برجوازية ، لا يحقق سوى مصالح ظرفية ومحدودة للطبقات الكادحة ، فالإصلاح حسب ( لينين ) يختلف " عن الثورة باعتبار أن طبقة المستغلين ( بفتح الغين ) تبقى في السلطة ، وتقمع انتفاضة المضطهدين عبر تنازلات مقبولة من قبل المستغلين ( بكسر الغين ) .." مما يكرس السيطرة الطبقية التي لن تنمحي إلا بالتغيير الجدري للنظام القائم عن طريق الثورة ، لتأمين شروط أفضل لتنمية القوى المنتجة .

فإذا كان الاختلاف حاصل في التأصيل النظري لمفهوم الإصلاح ، فان دوافعه في محيطنا العربي تتوحد سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي ، فقد كانت الدعوات الإصلاحية التي ظهرت في بداية القرن 19 ، مدفوعة بهاجس اجتياز التأخر ، وفك السيطرة مع المستعمر والتي أخفقت لسيادة البنيات التقليدية وغياب تراكم اقتصادي كقاعدة دافعة لها ، فان الإصلاحات الداخلية غالبا في العصر الحديث تكون بدافع " مكيجة " النظام السائد الذي تتخلخل بنياته نتيجة الانتفاضات التي سمي اغلبها ( بالخبز) ، كما تبقى الإصلاحات السياسية والدستورية والاقتصادية الممنوحة ، مؤشر على قدرة النظام السياسي على الاستمرارية ، عن طريق تغليب التكتيك و لعبة تبادل الأدوار والتحالفات وخلق مصادر مشروعية جديدة ...، وتبقى جل مذكرات ودعوات الإصلاح السياسي .. المرفوع من طرف القوى السياسية ماهي إلا تجارب مجهضة وتدخل في صيرورة اعاداة إنتاج الفشل، لأساب عدة منها الطبيعة البتريمونيالية لأغلب الأنظمة الحاكمة ، ولانعدام توازن قوى أطرف الصراع ، وعدم استناد الإصلاحات على قوى اجتماعية دافعة له ..

لكن تبقى إن العوامل الخارجية هي الفاعلة في بعث صيرورة إصلاحية تنجسم مع أهداف العولمة الرأسمالية ،التي جاءت كرد عنيف على بوارد التفكير الجديدة لعالم اقتصادي جديد بعد الصدمة البترولية لسنة 1973 من خلال المؤتمر الرابع لدول عدم الانحياز بالجزائر في شتنبر 1973 ، بتصريف القيم الاقتصادية لليبرالية الجديدة كاقتصاد العرض وسياسة التقويم الهيكلي ، وتسييد أسس المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة ، بإحياء الدولة الدر كية بتكبيل يد الدولة وإطلاق يد الخواص للاستيلاء على ممتلكات القطاع العام ، وتقديس الرأسمال على حساب العمل ، والتراكم الرأسمالي على حساب إعادة توزيع الدخل ، فكان نصيب دول العالم الثالث ومنها العربية التي كانت تنهج أسلوب التنمية على طريقة " التناذر الهولندي " ، هو الاستجابة الطوعية لاملاءات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ، التي ترجمت على مستوى الإصلاحات و التدابير الماكرو- اقتصادية ، دون أن نستحضر نتائجها الكارثية على العديد من المجالات الجبائية ، الرعاية الاجتماعية ( التعليم ، التطبيب ، الشغل ... ) .

فبجانب هذه الإصلاحات الاقتصادية ، ظهرت موجة الإصلاحات السياسية ، تحت شعار التنمية السياسية وتعزيز الحكم الصالح ، خصوصا بعد صدور تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 ، الذي اعتمده تقرير البك الدولي لسنة 2003 حول دول منطقة مينا ، والذي دعى إلى قيام إصلاحات فعالة باعتماد التضمينية والمسائلة ( الداخلية والخارجية ) لتطوير أداء مؤسسات الدولة ( التشريعية ، التنفيذية) ، لكون تحرير الطاقات البشرية في الأقطار العربية – حسب التقرير - يتطلب تمثيلا سياسيا حقيقيا للشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة ...، وإصلاح النظام القضائي وسيادة القانون المتسق مع حقوق الإنسان ، وتعزيز الحكم المحلي بتشجيع اللامركزية وإشراك فئات واسعة من الشعب في المتابعة والاستفادة من الخدمات ، وتنمية العمل الأهلي بازالة العقبات السياسية ، القانونية و الإدارية لتأسيس جمعيات المجتمع المدني ، التي ستقوم بدعم العمل الاجتماعي الجماعي ... ، والى غير ذلك من الوصفات السحرية لإقامة الحكم الصالح بالمنطقة العربية .

وستضغط الولايات المتحدة وحلفاءها بعد هجمات الحادي عشر شتنبر، في اتجاه تفعيل مضامين هذه الإصلاحات عبر مجموعة من المشاريع منها مشروع الشرق الوسط الكبير وشمال إفريقيا ، ومنتدى المستقبل ، بغرض إحداث انفراجات داخلية لامتصاص الغضب والتذمر الشعبي بفعل تلاحق الأزمات ، وحصر هذا الاحتقان داخليا حتى لا تنفجر القنابل البشرية الموقوتة في البلدان الإمبريالية ..

فالإصلاح في الوطن العربي عموما لا يخرج عن صيغة الضبط الاجتماعي والاقتصادي ، و والية لتحقيق التوازن السياسي قسريا في غياب فاعل سياسي قوي يقود مشروع الإصلاح ، أو لانتفاء ضغط اجتماعي واسع على الأنظمة السياسية القائمة .



أفول الدستورانية وغياب الممارسة الديموقراطية

إن دساتير دول المغرب الكبير انفصلت عن الواقع الذي تأطره ، ولم تواكب التطور السريع الذي يعرفه المجتمع ، اظافة إلى جمود الاجتهاد القضائي الدستوري الذي يخدم مصالح النظام السياسي بقدرما يتغافل عن الاحتياجات السياسية الملحة للمجتمع ، فالدستور في هذه الدول لا يساهم إلا في بناء مؤسسات سياسية وقانونية عل مقاس السلطة وتقليص نفوذ المعارضة .

فالفكر الدستوري والسياسي يعتبر طريقة وضع الدستور وطرق تعديله ، واحترام مبدأ فصل السلط ، وانفتاحه على المجتمع بكل مكوناته السياسية والمدنية ، ثم احترامه للأعراف والقواعد غير المكتوبة ( الفوق دستورية ) للجماعة ، .. هي مؤشرات لدولة القانون التي تحترم مواطنيها و توفر لهم كافة الضمانات في حق الاختلاف السياسي والمدني والثقافي .
فأين دساتير المغرب الكبير من التأسيس لدولة القانون ؟

1- فن منح الدساتير وإلغاء الإرادة الشعبية

يكتسب الدستور شرعيته عند تعبيره عن إرادة الشعب ، بواسطة السلطة التأسيسية التي يختارها الشعب بكل ديموقراطية أو بواسطة الاستفتاء ، ليعبر عن اختياراته حول طبيعة وشكل المؤسسات الدستورية والسياسية وتسمى هذه الطريقة في إنشاء الدستور بالديموقراطية .
كما ينشا الدستور بطريقة تيوقراطية ، التي تلغي المشاركة الشعبية بشكل كلي عن طريق منح الدستور أو جزئيا بواسطة التعاقد .

كما ساهمت الأنظمة الاستبدادية في خلق طريقة مزدوجة في إنشاء الدستور ، والذي يتم وضعه بطريقة غير ديموقراطية من طرف الحاكم ، وليشرعنه بطريقة مسرحية عن طريق الاستفتاء .

وتعتبر هذه الطريقة الأخيرة هي السائدة في اغلب دول المغرب الكبير ، حيث يحتكر النظام السياسي السلطة التأسيسية بصفة مطلقة ، في ظل ردم تام لأي مطالب التنظيمات السياسية لانتخاب الجمعية التأسيسية للدستور .

ففي سنة 1958 تم تعيين لجنة تأسيسية قامت بإعداد مشروع الدستور الموريتاني ، الذي عرضته في 1959 على الأعيان ووجهاء القبائل ، ليتم العمل به ، وبعد استقلال البلاد في 1960 تم اعتماد على نفس الطريقة في إصدار دستور 20 ماي 1960 ، كما عين الرئيس معاوية ولد الطايع لجنة تأسيسية التي قامت بإعداد الدستور وعرض في 12 يوليوز 1991 على الاستفتاء ، الذي شكك في مصداقية نتائجه والطريق التي تم إنشاء الدستور بها .

أما في تونس فقد تم انتخاب مجلس تأسيسي في مارس 1956 ، الذي اعد دستور 1959 ، ومنذ ذاك الحين جمدت صلاحيات هذا المجلس بسبب نفوذ الرئيس الحبيب بورقيبة الذي استفرد بوضع الإصلاحات السياسية والقانونية للدولة التونسية ..

وفي الجزائر اكتفى الرئيس احمد بن بلة بعرض مشروع دستور1963 الذي قام بإعداده المكتب السياسي للحزب على المجلس التأسيسي للتصويت عليه ثم قام بعرضه بعد ذلك على الشعب الجزائري بواسطة الاستفتاء . و عقب انقلاب 1965 غاب المجلس التأسيسي ، حيث تم إعداد مشروع الدستور ( المستوحى من الميثاق الوطني ) على مستوى قيادة الثورة والحكومة ليتم عرضه على الشعب عبر الاستفتاء في 1976 . ، كما غاب المجلس الدستوري في إعداد دستور 1989 الذي وضع من طرف الرئاسة ليتم إقراره في استفتاء 23 فبراير 1989 ، بعد المناقشات التي عرفتها الساحة السياسية بالجزائر . كما غاب مرة أخرى المجلس التأسيسي في إعداد دستور 1996 .

أما في المغرب فقد تم الحديث عن أول " مشروع للدستور" في سنة 1908 ، والذي لم يكن سوى بيعة مشروطة ( كتبها وطنيون وعلماء متفتحون) لتولية السلطان عبد الحفيظ ، إذ كان من الممكن - حسب عبد الله العروي – أن تتطور طبيعيا لتكون نواة دستور من الطراز الرفيع .

كما قام الأمير عبد الكريم الخطابي مباشرة بعد الإعلان عن استقلال جمهورية الريف وتأسيس حكومة دستورية في سنة 1921 ، بتأسيس الجمعية الوطنية التي وضعت الدستور الذي كان مبدأه حكم الشعب ومسوؤلية الحكومة أمام الرئيس ومسؤولية هذا الأخير أمام الجمعية التأسيسية . غير انه لايمكن الحديث عن السلطة التأسيسية إلى بعد استقلال الشكلي في 1956 ، حيث يعتبر نقاش السلطة التأسيسية ومالك السيادة من أهم النقاشات التي عرفها المغرب في تلك الفترة ، فحسب ( محمد معتصم ) إن " هذا النقاش لم يكن أكاديميا بل انه كان يعكس خلافا سياسيا حول أسس المشروعية ، والدعائم الأيديولوجية للنظام ، وتحديد أسمى سلطة فيه وذلك بين أنصار السيادة الوطنية الداعين لوضع دستور من طرف جمعية تأسيسية منتخبة ، ودعاة السيادة الملكية المدافعين على وضع الملك للدستور وامتلاكه للسيادة الوطنية " أو كما اعتبره ( المهدي بن بركة ) بان مطلب الجمعية التأسيسية هو بقصد " إحداث قطيعة دستورية بين أنصار الدولة الديموقراطية والثيوقراطية " ، ففي 26 / 8 / 1960 تم تعيين" مجلس الدستور "،الذي كان مكلف بوضع دستور ليصادق عليه الملك ويعرضه على الاستفتاء الشعبي ، لكن كان مآل هذه التجربة الفشل نظرا لعدم تجانس تشكيلته ، ولتضارب المصالح السياسية لمكوناته وللحسابات السياسية المدروسة للقصر ، وبعد وفاة محمد الخامس أصدر الحسن الثاني القانون الأساسي في يونيو 1961 ، وفي 18 نوفمبر 1962 أعلن عن الدستور و الذي عرضه بعد ذلك على الاستفتاء الشعبي يوم7 ديسمبر 1962 ، وبذلك وضع بصفة نهائية طيلة حكمه نقاش السلطة التأسيسية في المتحف ، وليعتبر بذلك أن الدستور هو " تجديدا للبيعة المقدسة بينه وبين شعبه ، بأن السيادة للأمة بمفهومها الإسلامي من تفويضها للملك عن طريق البيعة ، وبما تنطق به على الصعيد الدستوري من ممارستها مباشرة بالاستفتاء الذي يعد مجرد تجديد للبيعة في الممارسة المغربية وبصفة غير مباشرة عن طريق المؤسسات الدستورية التي تعد الملكية أسماها " ، ولقد أعلن مستشار الملك رضا اكديرة في 1962 أن استبعاد أسلوب الجمعية التأسيسية يرجع إلى أجماع الأمة حول الملك واستشارته الدائمة لها ، كما أن هذه الجمعية تتنافى مع سمو السلطة الملكية " بل أن الجمعية التأسيسية غير ممكنة – حسب نفس المستشار الملكي – لأنه منطقيا كان ينبغي أن تنقل إليها السلطة السامية التي يملكها صاحب الجلالة ، وكان ينبغي لدى نصيبها ، أن يستقيل ويتخلى عن العرش لتكون منطقية مع نفسها . . " !!! ، ولقد تولى بعد ذلك الملك إعداد دساتير 1962 ، 1970 ، 1972 ، 1992 ، 1996 ، وعرضها على الاستفتاء الشعبي الذي قاطعتاه في اغلبها المعارضة السياسية والتي شككت في نتائجها التي كانت تصل دائما 99 بالمئة لصالح دستور الحكم ، فالدستور بهذا المعنى هو كما قال الملك الراحل الحسن الثاني " لم يـأتي نتيجة مطالب" بل كان نتيجة رغبة ملكية ، لهذا يقول " لقد صنعته بيدي " ومن يستطيع أن " يمنح " يستطيع أن " يمنع " .

2- غياب مبدأ فصل السلط

يعتمد الفقه الدستوري الحديث على مبدأ فصل السلط كما جاء به مونتيسكيو في ( روح القوانين ) حيث ميز بين ثلاث سلطات ، تشريعية ، تنفيذية ، ثم قضائية ، ويرى مونيسكيو أن " إذا جمع شخص واحد أو هيئة واحدة السلطتين التشريعية والتنفيذية انعدمت الحرية .. وكذلك الشأن إذا اجتمعت السلطات الثلاث ..في يد واحدة ولو كانت يد الشعب ذاته " ، ففصل السلط يؤدي إلى احترام القوانين وتطبيقها ، ورغم التشكيك الذي حوم حول مبدأ فصل السلط كما جاء به مونتيسكيو في سياقه التاريخي من طرف العديد من المفكرين ومنهم ألتوسير في كتابه ( مونتيسكيو السياسة والتاريخ ) ، و شارلي ايزنمان في ( روح القوانين وفصل السلط ) ،و رغم ما خلفته الممارسة العملية من مرونة هذا المبدأ سواء في الأنظمة الرئاسية أو البرلمانية في التجربة الديموقراطية الغربية فان الاعتماد على هذا المبدأ يعد قاعدة لإحداث توازن بين السلط ، ولكي ( توقف السلطة السلطة ) ، و مؤشرا على فعالية التجربة الديموقراطية ووجود دولة القانون والحريات واحترام الإنسان . فأين دساتير دول المغرب الكبير من هذا مجال تطبيق هذا المبدأ ؟ .

على المستوى الدستوري ، يظهر مبدأ فصل السلط من خلال علاقة رئيس الدولة بباقي السلطات الثلاثة ، وبعلاقة الحكومة بالبرلمان ، غير أننا سنقتصر في مقالتنا هذه على توضيح تجاوز مبدأ فصل السلط من خلال علاقة رئيس الدولة بباقي السلطات الثلاث في دول المغرب الكبير .

تدل الهندسة العامة للدستور المغربي من خلال تخصيص أبواب للملكية والحكومة ثم البرلمان والعلاقة بين السلط على " تبني نصي لفصل السلط سواء من حيث التخصص الوظيفي أو توزيع السلط " ، ورغم طبيعة الاختلاف حول طبيعة هذا التوزيع " هل هو أفقي أم توزيع عمودي " . يري ( محمد الطوزي ) ، أن "النظام السياسي لا يعرف فصلا ولا توزيعا ولا توزيعا للسلطات (...) فالسلطة متمركزة في يد الملك بوصفه أميرا للمؤمنين ويؤطرها الفصل 19 من الدستور ..) أ ي أن آلية توازن السلط تمارس في النظام المغربي من خلال " إمارة المؤمنين " ، ومن خلال التأويل الدستوراني التقليداني يمنح هذا اللقب صلاحيات واسعة ، وأسبقية للملكية المغربية على الدستور " لأنها تستمد سلطتها من الله ورسوله " ، والى عدم وجود فصل للسلط بالمغرب على مستوى الملك الممثل الأسمى للأمة الذي تتمركز السلط على مستواه ، ويوزع الوظائف بين الحكومة والبرلمان لا السلط ( ويظهر ذلك من خلال الخطاب الملكي بتاريخ 22 مايو 1977 الذي يؤكد على انه إذا كان هناك فصل للسلطات ، فانه لا ينطبق على الملك ) ، وبالتالي يؤسس ما يعتبره العديد من الباحثين في الحقل الدستوري بالمغرب "بسلطة ملكية مغلقة " تؤمن شروط وجودها من خلال التحكم في الصراع السياسي . لايمكن الحديث عن الوظائف حكومة الظل الهيئات الاستشارية والمجالس والمبادرات ..الملكية الحكومة شكلية ...)


في دول المغرب الكبير الأخرى لا تخلق الحكومة سياسات عمومية لتنفذها ، بل تعتبر كمجموعة من الموظفين تابعين / مساعدين لرئيس الدولة ، والية لتنفيذ اختياراته وتمثلاته ، بينما تعد ثنائية الجهاز التنفيذي المنصوص عليها دستوريا ، هي ثنائية شكلية :

فنظرا للمكانة التي يمنحها انتخاب رئيس الدولة مباشرة من طرف الشعب في هذه الدول ، فان الدساتير خولت لرئيس الدولة اختصاصات متفوقة داخل المؤسسات كحماية الدستور ، وتجسيد الأمة بالداخل والخارج ، وضمان السير العادي للمؤسسات العامة ، والمنظم للسلطات العامة ، والحفاظ عل استقلال البلاد وسلامتها وذلك حسب الفصل 41 من الدستور التونسي ، والمادة 24 من الدستور الموريتاني ، ثم المادة 70 من دستور الجزائر )

كما خولت المادة (77) من الدستور الجزائري ، و ( المادة30 ) من الدستور الموريتاني ، ثم ( الفصول 50 / 51 / 59 ) من الدستور التونسي ، للرئيس في هذه الدول ممارسة سلطة تعيين الحكومة وإقالتها ، وهي مسئولة أمامه عن جميع أعمالها ، و يمنح ( الفصل 58 ) من الدستور التونسي و ( المادة 77 ) من الدستور الجزائري ، ثم ( المادة 25) من الدستور الموريتاني ، للرئيس الدولة ممارسة تأثيره عل المجال التنفيذي من خلال رئاسته للمجالس الحكومية والوزارية ، التي يتم فيها إعداد ومناقشة القرارات الاستراتيجية في الحياة العامة ، وتصبح الحكومة ملزمة بالتصرف على أساس توجيهات وتصورات رئيس الدولة ، فحسب ( المادة 43 ) من الدستور الموريتاني " تسهر الحكومة على أعمال السياسة العامة للدولة طبق التوجيهات والاختيارات المحددة من قبل رئيس الجمهورية " ، كما جاء في ( الفصل 58 ) من دستور تونس أن الحكومة تسهر "... على تنفيذ السياسة العامة للدولة طبق التوجيهات التي يضبطها رئيس الدولة ) .

من الناحية التشريعية يتدخل رئيس الدولة في وضع القواعد التنظيمية ، والتشريع في حالة الاستثناء ، وحل البرلمان ، بل يشارك الرئيس الجهاز التشريعي في مهامها حتى في الظروف العادية ، ليصبح هذا الأخير مجرد جهاز تابع ، خانع بشكل شبه مطلق لسلطة الرئيس ، وتتم هذه الهيمنة عن طريق استخدام بعض التقنيات المستمدة من الدستور الفرنسي لسنة 1958 من بينها :
- حق توجيه الخطاب إلى البرلمان من خلال ( الفصل 49 ) من دستور تونس ، ثم ( المادة 128 ) من الدستور الجزائري ، أما الدستور الموريتاني فخطاب الرئيس الوجه إلى البرلمان دون أن يستدعي ذلك فتح نقاش حوله ( المادة 30 ) .
- حق إصدار الأمر بتنفيذ القوانين من خلال ( الفصل 53 ) من الدستور التونسي ، ( المادة 32 ) من الدستور الموريتاني ، ثم ( المادة 126 ) من الدستور الجزائري .
- حق طلب قراءة جديدة لمشاريع واقتراحات القوانين ، من خلال ( المادة 70 فقرة 2 ) ، ( المادة 127 ) من الدستور الجزائري ، ثم ( الفصل 52 فقرة 2 ) من الدستور التونسي .
- حق حل البرلمان من خلال ( المادة 31 ) من الدستور الموريتاني ، و ( المادة 129 ) من الدستور الجزائري .

وعلى المستوى القضائي يتوفر رئيس الدولة على صلاحيات محددة تمكنه من ممارسة تأثيره على القضاء ، من حيث التعيين والإقالة ، ففي موريتانيا لم يحدد الدستور لا طريقة التعيين ولا طريقة العزل واكتفى الإحالة على القانون النظامي في ( المادة 89 فقرة 3 ) من الدستور ، وبمقتضى الأمر القانوني رقم 139 – 82 الصادر بتاريخ 2 نونبر 1982 ، المتعلق بتكوين المجلس الأعلى للقضاء والنظام الأساسي للقضاة ، فان تعيين القضاة يتم بمرسوم رئاسي على اقتراح من المجلس الأعلى للقضاء بالنسبة للقضاة الجالسين ومن وزير العدل بالنسبة للقضاة في النيابة العامة ، ويعزل رئيس الجمهورية القضاة بناءا على نص الأمر القانوني 130 – 86 بتاريخ 1986 / 7 / 1 .

كما يتمتع رئيس الدولة بحق تعيين رئيس المجلس الدستوري وبعض أعضاءه ، فالرئيس الجزائري له حق تعيين ثلاثة أعضاء من أصل تسعة يتكون منهم رئيس المجلس ، كما يمنح الفصل الأول من القانون الأساسي لسنة 1996 ، الخاص بالمجلس الدستوري التونسي الحق لرئيس الجمهورية في تعيين رئيس المجلس وأعضاءه بمقتضى أمر . وبموجب الفقرة الأخيرة من المادة 81 من الدستور الموريتاني يعين رئيس الجمهورية ثلاثة أعضاء من بينهم رئيس المجلس ويكون له صوت مرجح في حال تعادل الأصوات ..

ويملك الرئيس في دول المغرب الكبير حق منح ( العفو الخاص ) ، وذلك حسب (المادة 37 ) من الدستور الموريتاني ، و( المادة 77 فقرة 7 ) من الدستور الجزائري ، ثم ( الفصل 48 ) من الدستور التونسي .

إصلاحات دستورية ممنوحة

تلعب الإصلاحات الدستورية دورا فعالا في تنشيط وعقلنة العمل السياسي والمدني ، وفي تكييف النص القانوني مع تطورات الواقع ، و مع الأهداف العامة لخدمة المواطن وتوفير احتياجاته المستمرة والمتطورة في جل المجالات التي وجدت مؤسسات الدولة من اجلها ، و يأخذ الإصلاح هذا الاتجاه في الممارسة الديموقراطية الغربية ، بينما يعد الإصلاح الدستوري بدول المغرب الكبير بمثابة منحة عسيرة الولادة ، تستخدم من طرف الأنظمة السياسية لإحداث انفراج مؤقتة لتحقيق توازن سياسي في ظل واقع اجتماعي واقتصادي هش .

فقد استهدفت الإصلاحات الدستورية والسياسية لعقد التسعينات من القرن الماضي في دول المغرب الكبير ، تونس ( تعديلات 1997 ) ، المغرب ( دستور 1996 و1992 ) ، الجزائر ( دستور 1996 ) ، موريتانيا ( دستور 1991 ) إلى وتوسيع صلاحيات الجهاز التشريعي ،
وتقوية الجهاز الحكومي ، دون أن تنجح في الواقع العملي إلى ترسيخ الاستقلالية عن مؤسسة رئيس الدولة ، أو في الحد من أولوية الجهاز التنفيذي في ميدان التشريع وفي تحديد مجال القانون على حساب الجهاز التشريعي .

كما إن إقرار التعددية لم يؤدي سوى إلى تمييع الحياة السياسية ، في ظل هيمنة حزب الرئيس الحاكم على مؤسسات وأجهزة الدولة ، وتزوير الانتخابات لصالحه .

ويؤذي ضعف آليات تحقيق الإصلاح الدستوري و السياسي في دول المغرب الكبير إلى جعل هذا المطلب بدون تفعيل يذكر .

ففي المغرب تراجع مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي على مستوى المعارضة الرسمية التي ادمج جل مكوناتها ، في إطار تناوب سياسي ممسوخ ، فقد قدمت القوى السياسية مذكرة 9 أكتوبر 1991 بشان المقترحات المتعلقة بالإصلاح الدستوري ، ثم مذكرة الكتلة الديموقراطية بتاريخ 19 يونيو 1992 ، ومذكرة 1996 والتي كانت تستهدف الفصل الايجابي للسلط ، وتطوير مهامها من خلال اشتمال الإصلاح الدستوري على محاور أربع تخص تشكيل مجلس النواب ، وتوسيع اختصاصاته ، تعزيز ميدان المراقبة ، ثم ضمان حقوق الأقلية في مجلس النواب ،اظافة إلى العديد من المطالب على مستوى تعزيز صلاحيات الحكومة توسيع مجال القانون ( الفصل 45 ) فيما يخص إصدار العفو الشامل ، والموافقة على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وضمان استقلال القضاء عن السلطتين ، وتعزيز دوره في ضمان حقوق المواطنين وسهره على تحقيق مبدأ الفصل بين السلط ، ولم تحض هذه المطالب بموافقة المؤسسة الملكية ، كما اكتفى حزب الاتحاد الاشتراكي الحزب القائد لتجربة التناوب الممسوخ ، في مؤتمره السادس ببعث برقية ولاء وإخلاص إلى الملك، بدل من يرفع مذكرة للمطلب الإصلاح الدستوري والسياسي ، الذي ألغيت من أعمال المؤتمر مسجل بذلك أول سابقة في هذا المجال ، كما دعت جل أحزاب الكتلة الديموقراطية قواعدها إلى التصويت الايجابي لصاح دستور 1996 . في حين ترفع المعارضة غير الرسمية ومعها تكتلات من المجتمع المدني مطلب الإصلاح الدستوري والسياسي الذي يفتح نقاش بدون حواجز أو مقدسات حول المؤسسة الملكية ، وبمعنى آخر " علمنة الحقل السياسي " الذي يستوجب المحاسبة والمراقبة وبنقل حكم الملكية المطلقة ، إلى الملكية البرلمانية ، عبر التقليص من سلطات الملك خاصة التي يمنحها له الفصل 19 من الدستور الذي يصفه البعض بكونه يشكل ( دستور داخل الدستور ) ، ووضع " دستور ديموقراطي يجسد إرادة الشعب باعتباره صاحب السيادة ومصدر كل السلط ، ويضمن فصلا حقيقيا للسلط..." ، وبالنسبة للسلطة التأسيسية لهذا الدستور فالأمر "يتطلب حوار وطني عام لانبثاقها ". أما الإصلاح السياسي فهو يتوجه صوب ( تحديث الدولة ودمقرطة أجهزتها، معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، توسيع الهامش الديموقراطي ، الجهوية ، إصلاح القضاء ، تحرير الاعلام .. ) ، ورغم تعدد هذه المطالب ، فإنها لا تشكل مصدر إزعاج للنظام السياسي الذي يتقن لعبة الاحتواء و الإدماج السياسيين ، اظافة إلى تعثر إنشاء قطب سياسي قوي يشكل آلية لدفع هذه المطالب ، وبغياب قاعدة شعبية وجماهيرية يرتكن إليها الاصلاحيون ، يصبح مطلب الإصلاح نقاشا مترفا ونخبو يا وغير مستوعبا من لدن الأغلبية الصامتة من الشعب المغربي.

أما في تونس فرغم تعديل الرئيس بن علي للعديد من القوانين التي تنظم الممارسة السياسة والمدنية ، كصدور قانون ينظم التعددية السياسية ، تعديل قانون الصحافة ، وقانون الجمعيات ، والمجلة الانتخابية ، وإنشاء المجلس الدستوري ، ناهيك على اتفاق الأحزاب السياسية على الميثاق الوطني، فان الاستبداد السياسي لم يسمح للأحزاب السياسية من طرح الإصلاح الدستوري والسياسي على المحك .

كما لم يؤدي الدستور الجزائري لسنة 1989 ، الذي يقر بالتعددية السياسية إلى انسحاب فعلي للجيش من الساحة السياسية رغم تحديده لوظيفة الجيش الدفاعية ، فان هذا الأخير غير مستعد لتفريط في مشروعيته التاريخية ويستخدمها للحفاظ على مصالحه بالتدخل في الحياة السياسية حالما تعرض تلك المصالح للخطر( نسفه للانتخابات التشريعية لسنة 1991 بعد نتائج الدور الأول ، دعمه القوي لرجاله في الانتخابات الرئاسية ...) ، ويبقى دور الأحزاب هو رفع مطلب المصالحة الوطنية ، ومساندة قانون الوئام المدني وغيره في هذه المرحلة ، بينما يظل الإصلاح الدستوري والسياسي لا يراوح سقف أحذية العسكر .

ولم يختلف الوضع في موريتانيا رغم إقرار المادة ( 99 ) من دستور 1991 بالتعددية السياسية والحكم المدني ، فقد ظل معاوية ولدي سيدي احمد الطايع وحزبه الذي استولى على السلطة سنة 1984 ، يهيمن على الحياة السياسية ، بفضل خلقه توازنات داخل المؤسسة القبلية والعسكرية ، والتي لم تصمد مع موجة الانقلابات المتعددة وتذمر الشارع الموريتاني ، حيث برهنت التجربة في موريتانيا إن العسكر هم من يملكون القوة للتغيير على مستوى قمة الهرم السياسي في البلاد ، دون إن يحدث تغييرا مطلوبا على المستوى الدستوري والسياسي ، إذ يعتبر الانقلاب الأخير سوى مسرحية قدم فيها معاوية ولد الطايع ككبش فداء في إطار تبادل للأدوار بين مكونات النظام السياسي الموريتاني ، وذلك لاحتواء الوضع القابل للانفجار في كل حين ، والذي يهدد مصالح النظام السياسي ، الذي بين مدى استفادته من جيرانه في إتقانه للعبة السياسية المبنية على خلق التوازنات المطلوبة بين التناقضات المتأصلة داخل الجيش والمجتمع القبلي ، وتوفير شروط الاستقرار السياسي ولو لمدة محددة .


على سبيل الخاتمة

لايمكن أن نتحدث عن إصلاح سياسي بدون القيام بإصلاحات دستورية ، كما لا يمكن أن نتحدث عن الإصلاحات الدستورية في ظل غياب الآليات التي تفرضها .

فالواقع الذي تعيشه القوى الإصلاحية في دول المغرب الكبير ، لا يحتاج إلى عناء كبير للتعرف عليه . فثمة عوامل موضوعية ( طبيعة النظام السياسي ، أولوية المطالب الاجتماعية لدى الشعب ، غياب ثقافة سياسية ودستورية ... ) ، وعوامل ذاتية ( غياب الديموقراطية الداخلية ، الانشقاقات وظرفية التحالفات ، عدم الوضوح السياسي والأيدويلوجي ، المسألة المالية.. ) تجعل من الحزب السياسي بحاجة إلى إصلاح ، أي حاجة القوى الإصلاح إلى إصلاح ، وهذا ما يعقد من عملية الإصلاح الدستوري والسياسي ، خاصة حينما تلجا بعض الأنظمة إلى سن قوانين للأحزاب ، بدعوى إصلاح الأحزاب السياسية لتساهم في التنمية السياسية ، لتخفي جانب من استراتيجية إقصاء الخصوم وإدماج بعضهم في اللعبة السياسية بشروط مجحفة .

كما إن مطلب الإصلاح يتطلب إشراك قوى الإصلاح في العملية التشريعية ، وما يقتضيه ذلك من تأمين الوصول إلى المجالس التمثيلية ، بإصلاح الأنظمة الانتخابية ، وتوسيع هامش الممارسة الديموقراطية .. ،

وتتطلب عملية الإصلاح الدستوري والسياسي ، إصلاحا ادريا ( فالإدارة الفاسدة تقوض ماتم إصلاحه ) ، وإصلاحا ثقافيا ( يعترف بالثقافة واللغات غير الرسمية للدولة ) ، والى غير ذلك مادامت عملية الإصلاح عملية مركبة تتعاطى مع مركبات البنية الفوقية للمجتمع .

وفي الأخير نعتبر أن الإصلاح السياسي والدستوري في دول المغرب الكبير، هو صراع بين الفئات الاجتماعية المكونة للنظام السياسي، والفئات الاجتماعية الصاعدة التي تطمح لممارسة السلطة حتى تخدم مصالحها الطبقية ، وتحصينها عن طريق القانون بمختلف درجاته ، بينما تبقى مصالح الطبقات الكادحة في منأى عن التحقق مالم تتأسس الأداة السياسية المعبرة عنها لتحقق مشروعها الطبقي ، أما المراهنة عن الإصلاح من الخارج من اجل التخلص من الاستبداد السياسي فهو بدعة ماكرة ، فمتى فرطت الإمبريالية في أذنابها المخلصة ؟ !!! .




مراجع معتمدة

1 – د . محمد معتصم ، الحياة السياسية المغربية (1962 – 1991 ) ، ايزيس للنشر ، الطبعة الأولى ، الدار البيضاء ، ماي 1992 .
2- – محمد ضريف ، المغرب في مفترق الطرق ، قراءة في المشهد السياسي ، منشورات المجلة المغربية لعلة الاجتماع السياسي ، الطبعة الأولى 1996 .
3- عبد الله العروي ، أهم المحطات التاريخية في الحياة الدستورية المغربية ، سلسلة تشييد دولة حديثة .
4- العربي بلا ، السلطة والمعارضة ودولة القانون في دول المغرب العربي ،اطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام ، جامعة القاضي عياض ، شتنبر 2002






















رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,718,792,810





- السويد ... انفجار سيارتين مفخختين في منطقة يقطنها مهاجرون عر ...
- مصر تتسلم 10 مروحيات أباتشي من الولايات المتحدة
- بالفيديو..اكتشاف سمكة تعيش على أعماق سحيقة
- قمة ذئاب روما والروسونيري تنتهي بتعادل سلبي
- رئيس الادعاء الاسكتلندي يكرر تأكيد مسؤولية المقرحي عن حادث ت ...
- داعش يحظر استخدام الهواتف والحواسيب المزودة بنظام تحديد المو ...
- تأجيل الانتخابات العامة في السودان
- تونس.. إصابة جندي يحرس مركز اقتراع برصاص مسلح في القيروان ...
- 7 ساعات استجواب لكنبر وغيدان حول الموصل.. و36 مسؤولا على قائ ...
- بريطانيا ترسل 60 عنصراً من قواتها الخاصة للعراق لملاحقة قادة ...


المزيد.....

- الفكر المقاصدي عند ابن رشد الحفيد 520_ 595 هــ - قراءة تأويل ... / الباحث : بوبكر الفلالي
- في ذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية المجيدة / وديع السرغيني
- بين الدعوة لتوحيد نضالات الحركة الطلابية والطعن في المبادرات ... / مصطفى بن صالح
- تنظيم النضالات الطلابية وتوحيدها مهمة ماركسية لينينية بامتيا ... / حسن نارداح
- في تمرحل التاريخ / مهدي عامل
- في ذكرى صدور -البيان الشيوعي- / وديع السرغيني
- كيف نشأ اليسار الماركسي – اللينيني ؟ / الأماميون الثوريون
- أصغر معتقل سياسي بالمغرب / إدريس ولد القابلة
- جمهوريو المملكة المغربية / إدريس ولد القابلة
- اغتيال الشهيد عمر بنجلون... لابد من جلاء الحقيقة الضائعة / إدريس ولد القابلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - أرام عبد الجليل - حول الاصلاح الدستوري في المغرب الكبير * قراءة في تجربة مجهضة