أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أيمن عامر - محاولات الإصلاح من داخل السياق















المزيد.....

محاولات الإصلاح من داخل السياق


أيمن عامر

الحوار المتمدن-العدد: 4748 - 2015 / 3 / 14 - 19:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الدين مطلق في نظر المؤمنين به بلا شك، وفي الغالب على التجربة الإنسانية برمتها. غير أن هذا المطلق المفارق للوجود الإنساني النسبي والمتعالي عليه لا مناص له من الاتصال بهذا الوجود الإنساني النسبي، بل إنه لا وجود ولا تحقق له إلا به. هما إذن قطبان لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا المطلق رغم تعاليه واستعصائه على الإحاطة والتحديد لابد له من وجود إنساني نسبي كي يتحقق ويتم تفعيله.. ثم تستمر العلاقة بينهما تكاملية في أحد وجهيها وصراعية تنازعية في الوجه الآخر.
المتدينون عميقو الإيمان يرون أن النسبي هو أحد تجليات المطلق، بل هو موجود بفضل إرادة المطلق ومشيئته، وعلى هذا النسبي أن يخضع لإرادة هذا المطلق ويتمثَّل مشيئته ويقترب منه قدر الإمكان كي تصيبه نفحة من الوجود الشامل تنقذه من غياهب العدم الذي يهدد وجوده، ومن الخواء الذي ينزع من حياته المعنى.
وغيرهم يرون أن المطلق هو أحد التجليات المتسامية للإنسان في محاولة منه لمدّ وجوده إلى أبعاد أعمق وأقوى من وجوده الهش وإنقاذ فوضاه وإضفاء نوع من المعنى والقوة والتنظيم عليها. وفي نظر هؤلاء فإن هذا المطلق محكوم بقدرات النسبي المحدودة.
وعلى أي حال فإن مما لا شك فيه أن الحاضر أمامنا هو هذا النسبي بوجوده الظاهر المعايَن والمتعين، هو الذي يجلب هذا المطلق إليه أو يبعده عنه، وحين يستدعيه فإنه هو أيضاً الذي يحكم على المساحة التي يمنحها له، وهو الذي يعطي هذا المطلق وجوده عبر فهمه هو النسبي والمحدود، وعبر التزامه بما يراه إرادة هذا المطلق وتجليه. ومن ثم فإن هذا النسبي هو الحاكم في نهاية الأمر وإن أوهم نفسه بغير ذلك.
وبجملة واحدة يمكننا القول إنه لا وجود لشيء خارج وعي الإنسان.
وعبر تفاعل هذا الوعي بشتى مدخلاته ومعارفه وأحاسيسه وأفكاره مع ذلك المطلق تتحقق سيرورة الدين في الوجود الإنساني. وهنا نجد أنفسنا أمام الدين بوصفه تجربة إنسانية تاريخية في المقام الأول، وهنا كذلك نتحقق نسبياً من سطوة المطلق في ذاته، إذ لا سبيل لإدراكه وتحقيقه إلا عبر فهم هذا العقل النسبي له وتكييفه إياه وفق قدراته المحدودة.
إن محاولة فرض هيمنة المطلق المفارق والمعجز على العقل الإنساني القاصر والنسبي والمحدود تكون نتيجتها وخيمة العواقب وتشل العقل النسبي للإنسان وتعجزه وتحدده في حدود ضيقة تصرفه عن العمل والانطلاق وتصيبه بالتقلص والجمود والخذلان.
هذه مقدمة نراها ضرورية جداً ومهمة جداً ولا يمكن الاستغناء عنها عند الدخول إلى مناقشة مسألة إصلاح الدين وتجديده من داخله.
غالباً ما يقصد أصحاب هذه النظرية (أي نظرية الإصلاح من الداخل) الخضوع لهيمنة النصوص الدينية بوصفها توجيهات الإله / المطلق وأوامره الملزمة للعقل الإنساني / النسبي إذا ما ابتغى صلاح أمره في ديناه وأخراه.
ونكاد نجزم بأن أوضح ما تظهر به هذه القضية كإشكالية حاضرٌ في أزمة الإسلام والمسلمين، ذلك أن معظم، إن لم يكن كل، أصحاب الأديان الأخرى، سماوية كانت أو وضعية (حسب التقسيمات المتعارف عليها) قد تجاوزوا هذه المسألة وآمنوا بضرورة إطلاق قدرات الإنسان وعقله وضميره كي تكتمل التجربة ويمكن الحكم عليها وكي تكون خادمة للإنسان في الوضع النهائي، وهو أي الإنسان هو غاية كل إصلاح وهدف تقويم كل دين.. أو هكذا ينبغي أن يكون.
ويبقى الدين الإسلامي وحده يمثل أمر الإصلاح فيه مشكلة في هذا السياق. ذلك أن المسلمين من بين سائر البشر هم الأكثر عرضة للتغيرات المتلاحقة والصراعات المريرة والفشل والإخفاق، مما يجعل سائر الأمم تنظر إليهم مستغربة من عنادهم وإصرارهم على موقفهم وتخلفهم عن الركب الإنساني في مسيره المستمر.
وكعادة سائر الموحدين، بل عامة المتدينين، ينظر المسلمون إلى دينهم بوصفه الدين الحق الوحيد وسط أديان زائفة وباطلة كثيرة.
ينظرون إلى نصوصه (القرآن والسنة وآراء الفقهاء) بين أيديهم، وينظرون إلى تحققه عبر التاريخ فيأخذهم العجب، ثم ينظرون إلى حاضرهم المتردي فينقلب إليهم البصر خاسئاً وهو حسير، ويتساءلون عن أسباب تخلفهم فيقرون بأن الخطأ فيهم وليس في دينهم، أو هو على أسوأ الفروض في فهمهم الخاطئ لدينهم.
ومن هنا تتجلى المشكلة ويتجلى الحل أيضاً: المشكلة فينا نحن وفي تخلينا عن ديننا النقي الصافي كالمحجّة البيضاء، أو في إساءة فهمنا لأوامر ربنا.
والذين يقرون منهم بأن الخطأ يكمن في فهمهم القاصر والخاطئ والمشوش لدينهم يقرون كذلك بأنهم في حاجة لإعادة النظر وإعادة الفهم.
هم إذن فريقان يطويان فيما بينهما أطيافاً عدة: فريق يرى الإشكال في تقصيرهم وتهاونهم وابتعادهم عن تطبيق رسالة الله الخاتمة كما تجلى في فعل النبي نفسه وصحابته والتابعين.
وقسم آخر يفهم خاتمية الرسالة وصلاحها لكل زمان ومكان على نحو آخر، على أنها تحوي المبادئ والقوانين العامة ثم تترك التفاصيل للاجتهاد البشري.
غير أن الطرفين كليهما يرفضان رفضاً قاطعاً الإقرار بحاجتهم إلى التغيير من خارج سياق الدين والنظر إليه من الخارج وإعمال العقل فيه، إذ يُعد ذلك اعترافاً منهم بتقصير دينهم وقصوره، وهو ما لا يمكن أن يكون، إذ إن المطلق كامل سليم لا يعتوره نقص ولا يشوبه ضعف.
وهنا جوهر الإشكال، إذ إنهم يرون في الدعوة إلى محاولة الإصلاح من الخارج حكماً سلبياً على الدين متمثلاً في نصوصه الأساسية التي هي وحي الله وسنة نبيه المشرَف عليها من قبَل الله ذاته، وفي هذا إخضاع للمطلق لسلطة النسبي، وهو ما يتوجس منه المسلمون.
وهذا وهمٌ صعبٌ كما أسلفنا، إذ سبق أن قررنا بأن المطلق لا وجود له إلا في حيز النسبي، ومن ثم فلا مفر من فهم المطلق بل تحققه عبر النسبي.
وهنا عين الإشكال الأعظم، إذ إن الإصرار على تغليب المطلق على النسبي يُبعد المطلق ويحجّم النسبي ويقيّده فيخسر الإنسان الأمرين معاً، يخسر المطلق بإبعاده وتعقيمه ويخسر المطلق بتحديده وتحجيمه وحبسه بل وخنقه حتى الموت.
وفى إطار التجربة التاريخية يلاحظ كل ذي نظر أنه ما من تجربة إنسانية، فردية كانت أو جماعية، إلا وهي عرضة للنقص وهي في حاجة دوماً للتفاعل والتلاقح مع غيرها كي تكمل عجزها وتسد نقصها عبر الاستفادة من تجارب الآخرين.

وحتى في السياق التاريخي للأديان لا يوجد دين مكتمل ومستقل بذاته، وما هو إلا حلقة في سلسلة أكبر بما في ذلك الدين الإسلامي نفسه الذي هو حلقة في سلسلة الديانات الإبراهيمية أو الرسالات السماوية حتى وإن وُصف بأنه الخاتم.
إن تضييق الخناق على النسبي يقتله ويحكم عليه بالعجز والفشل ويصيبه بالإحباط والاكتئاب، ويُدخلنا في دائرة ملعونة مغلقة من التكبر والادعاء والجمود ورفض التجديد. وفى هذه الدائرة المغلقة الشيطانية تكون الغلبة للأكثر تشدداً وإيماناً بتسيُّد المطلق وإسقاطه على الواقع دون اعتبار للتغيرات المختلفة التي تطرأ على حياة الأفراد والمجتمعات في سيرورتها التاريخية غير المتناهية.
وغالباً ما يكون هؤلاء الأكثر تشدداً وإيماناً بالمطلق والدعوة إلى تطبيقه هم الأكثر عنفاً وخواءً واستيلاءً على شتى مظاهر التجربة المجتمعية في حالات ضعفها، مما يحافظ على هذا الضعف ويزيده تردياً وتخلفاً.
هؤلاء المتشددون المنغلقون الجامدون هم قادة التخلف وسدنته، وهم الأكثر إساءة للإنسان بقدراته النسبية ويقينه بالمطلق، ووقودهم في هذه المعركة هم عامة المتدينين الذين يأملون الخلاص في كل شعار ووراء كل لافتة، ولكي يضمن هؤلاء المتشددون بقاءهم وسيادتهم يحافظون باستماتة على أوهامهم ويقودون العامة مغيبي العقول في معارك خاسرة إلى مزيد من التدهور والتخلف.
سيظل الإنسان ما بقي إنساناً متعلقاً بالمطلق في شتى تجلياته: الظاهرة في أفق السماء، والباطنة في أفق نفسه.
إلا أنه ولكي يبقى إنساناً سيبقى كذلك محافظاً على نسبيّته مقراً بعجزه وقصوره مطلقاً العنان في نفس الوقت لقدراته الذهنية والنفسية والجمالية الفنية مجترحاً الآفاق بعد الآفاق، متجاوزاً المشاكل بعد المشاكل والحواجز إثر الحواجز. أما أولئك الذين ينغلقون على مطلقهم متورّمين بكبرهم وإيمانهم الأعمى بامتلاكهم الحقيقة المطلقة وحصرهم المطلق بين أيديهم فسيبقون عبئاً على غيرهم في مسيرة البشرية المتواصلة.
لابد إذن، إذا كنا نريد الخروج من هذا المأزق، من وضع المطلق في مكانه والنسبي في مكانه، وفتح آفاق العقل والحرية والبحث والمعرفة والعلم للإنسان. لابد من إخضاع المطلق للعقل، لأنه الوضع البديهي والطبيعي، ولأن العقل لن يكف عن التفكير والتساؤل والتشكك إلى أن يوارى الثرى.
ولابد من الخروج خارج إسار المطلق والنظر إلى التجربة من خارجها كي يكمن الحكم عليها وتقييمها وتطويرها.
ولابد من الانفتاح على تجارب الآخرين لمعرفة كيف واجهوا مشكلاتهم وأسئلتهم التاريخية وكيف أمكنهم حلها والتعامل معها.
أما الإيمان الأعمى بأننا على الحق دائماً وأن المطلق بين يدينا لا يسعنا إلى تطبيق مراده والنهل من نبعه الصافي فلن يؤدي بنا إلا إلى مزيد من الانغلاق والخلاف المفضي إلى الصراع، إذ سيصير التنافس عندها على أيّنا الأكثر تقوى وامتلاكاً لهذا المطلق وأيّنا الأحق بتطبيقه، وهذا سيؤدي إلى تفرُّقنا إلى طوائف وشيع متحاربة متصارعة كما هو حادث الآن.
لن نكسب من ذلك إلا العداوة فيما بيننا ومعاداة غيرنا، لتتحول حياتنا إلى صراع عبثي مرير على امتلاك ذلك المطلق الذي سيصير ساعتها وهماً مهلكاً، وسنزداد ضعفاً وتردياً ليتسيّد علينا غيرنا، ستتقلص حرياتنا وتنكمش عقولنا ونرتد إلى أسفل السلم الإنساني لنكون عبرة لغيرنا.

إذا كنتم تريدون تقدم الإنسان وعزّته كرامته وحريته فليكن ذلك بيد الإنسان نفسه عبر اجتهاده بكل نجاحاته وإخفاقاته، وعجزه ومحاولاته، ومكاسبه وخسائره، مستفيداً من تجارب غيره متعاوناً معهم مؤمناً بحرياتهم وحريته ملتزماً بقانون إنساني يقرره الإنسان بنفسه ويلتزم به الجميع.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,520,460,476
- لماذا تتعثر محاولات الإصلاح الديني؟
- من أين جاءت داعش؟


المزيد.....




- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يطمئن على صحة الإمام الأكبر شي ...
- بمناسبة اليوم الوطني الـ 89..”الشؤون الإسلامية” بالسعودية تس ...
- الأمير السعودي مالك -شيفيلد- يشعر -بالإهانة- لدى الحديث عن ع ...
- الأمير السعودي مالك -شيفيلد- يشعر -بالإهانة- لدى الحديث عن ع ...
- القروي من زنزانته: ستكون معركة حامية ضد الإسلاميين
- روبرت أوبراين المسيحي المحافظ الذي يعتبر إيران أكبر راعية لل ...
- بعد.. استهداف معامل تكرير البترول..نائب رئيس الإفتاء بالسويد ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يلتقي مبعوث رئيس الوزراء البري ...
- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أيمن عامر - محاولات الإصلاح من داخل السياق