أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صادق الاديب الموسوي - اللغة بين الحقيقة والمجاز















المزيد.....



اللغة بين الحقيقة والمجاز


صادق الاديب الموسوي
الحوار المتمدن-العدد: 1318 - 2005 / 9 / 15 - 10:21
المحور: الادب والفن
    


مدخل إلى علم المجاز
{ اللغة هي الأصوات البشرية الدالة على معانٍ عقلية ثابتة في الأشياء، يستوي في ذلك الحروف التي تنشأ عليها ومنها الكلمات، مثل العين والميم واللام في العمل والعلم، أو مثل الشين والعين والراء في كلمتي شعر وشرع، أو الكلمات الأخرى المركبة من تلك الحروف، فكما للألفاظ وظيفة دلالية محددة بمدلولات، كذلك فإن للحروف وظائف محددة في بناء الكلمات، وليست مجرد أصوات جوفاء خاوية الدلالة، كما يذهب هراطقة الألسنية الحديثة.
واللغة أداة تعبير - كما يذهب الجاحظ وابن جني وفيشر الألماني وغيرهم من علماء اللغة - إضافة إلى أنها وسيلة تواصل بين أفراد الأمة، ووسيلة تفاهم، فباللغة يتبادل الناس الآراء والأفكار والمعارف، وبها يتواصلون في قضاء حاجياتهم المادية والروحية، ومن هنا شبَّه «أراجون»، الشاعر الفرنسي، اللغة بالعملة، أي النقود، فكما يتبادل الناس بضائعهم بالنقود يتبادلون باللغة الأفكار والآراء والمعاني والمشاعر والمعلومات، فهي حمالة الفكر وغلافه المادي - كما يقول ماركس - وهي أوعية المعاني ومستودعها، على حد تعبير عبدالقاهر الجرجاني في كتابه الأثير «أسرار البلاغة».
واللغة، سواء أكانت أسماءً أو أفعالاً أو حروفاً أو روابط لغوية، هي في كل الحالات علامات دالة على المسميات والأفعال أو على وظائف الروابط اللغوية والحروف، ولهذا جعلوا للغة علوماً متعددةً مثل الصرف والنحو والتجويد وعلم العروض وعلم الدلالة ونشأة اللغة وتاريخها وتطورها وتوسع وظيفتها العلمية والأدبية، وما إلى ذلك من علوم شغلت علماء الكلام العربي أكثر مما شغلت علماء البلاغة، واشتغل بها علماء اللغة أكثر مما اشتغل بها علماء النحو والصرف.
واللغة مبنى ثابت الدلالة أو هي شكل صوتي يمتاز بثبات المعنى، وإن تغير أو تبدل في سياق التعبير وظروف التداول ومجالاته، فالعلم كلمة محدودة الدلالة وتعني مجموع المعارف الموروثة أو المكتسبة في رأس هذا العالِم أو ذاك، لكن قد يستخدمها الشعراء والأدباء وحتى العلماء استخداماً منحرف الدلالة، أي الاستخدام المجازي، مثل قولهم : «العلم نور»، أو «العلم حياة للإنسان»، أو «العلم دليل العمل»، أو قولهم : «العلم طريق التقدم»، أو قول إبراهيم النخعي : «الفكرة مخ العمل»، فليس العلم نوراً على وجه الحقيقة، لأنه لا يُدرك بالأبصار، وإنما يُدرك بالقوى المفكرة، أو قل إن النور اسم مستعار لبيان قدرة العلم على تنوير البصيرة وهدايتها إلى حقيقة الوجود وتفسيره أو تغييره، وكذلك ليس العلم حياة، لأن مجموع قوى الطبيعة الحية أو قوى المجتمع تمتاز بالحياة بدون العلم، أي مستقلة عن الوعي، وكذلك ليس العلم دليل العمل إلاَّ من باب المجاز، أما أدلة العمل فإنها أدوات الإنتاج وقواه البشرية ثم موضوع العمل والعلم بذلك، وليس العلم طريقاً تسير عليه أقدام الناس ووسائل انتقالهم من وضع اجتماعي وفكري إلى آخر أكثر تقدماً ورقياً، وإنما القصد من تلك العبارة هو بيان قدرة العلم على نقل البشرية من مستوى حضاري إلى آخر وتحرير الإنسان من قيود الأدوات البدائية وقيود التخلف والجهل.
كذلك القول إن الفكرة مخ العمل هو قول مجازي، فليس للعمل دماغ حتى يكون له مخ، وإنما هي الاستعارة، والمعنى أن التفكير والتخطيط مقدمة أساسية لأي عمل يقوم به الإنسان في هذا المجال أو ذك، وهنا سنأخذ عبارات من علماء الكلام والفلاسفة حول وظيفة اللغة وحقيقتها لبيان حقيقة اللغة من مجازها : قال عبدالقاهر الجرجاني : «اللغة أوعية المعاني»، وقال ماركس : «اللغة واقع الفكر المباشر»، وقال في سياق آخر : «اللغة غلاف مادي للفكر»، وقال أرنست فيشر : «اللغة أداة تعبير ووسيلة اتصال»، وقال الشاعر عبدالوهاب البيّاتي : «اللغة كائن متطور»، فهذه كلها عبارات مجازية حول حقيقة اللغة ووظيفتها، ولكن بأسلوب مجازي اشتغل فيه الخيال والعلم اشتغالاً صادقاً واستخدم الألفاظ استخداماً أميناً وصادقاً، فكل العبارات أعلاه تمتاز بأمانة التفكير وصدق التعبير وسلامة الاستخدام للكلمات، بعيداً عن لغة المكر السياسي وخداع الأحزاب ولغة أجهزة الإعلام الفضائية، فليست اللغة ضرباً من القوارير أو الكؤوس حتى يكون بهذه عطر وبتلك خمر أو ما شابه ذلك، وإنما هو المجاز العقلي أو التشبيه، فقد شبَّه الألفاظ بالأوعية، وشبَّه المعاني بمحتويات الأوعية، وهذه العبارة تقوم على الاستعارة أو التشبيه، فقد استعار كلمة أوعية من مجال العمل الصناعي إلى مجال الكلمات، أو قل إن العبارة استعارة منقولة من المجال الحسي إلى المجال الذهني - حسب تعريف الجرجاني للاستعارة في كتابه «أسرار البلاغة» - لكن الجرجاني قد لا يرضى بهذا الحكم، رغم أنه مصدره، بل سيقول إن هذا من المجاز العقلي، بدليل تعريفه في نفس الكتاب بأن اللغة مجرد خدامة للمعاني، وهذا يعني أن اللغة مجازية على طول الخط وليست حقيقية إلاَّ إذا قامت على ثلاثة أركان هي : «حقيقة الفعل»، و«حقيقة الفاعل»، و«موضوع الفعل»، مثل قولنا : «صنع الإنسان السيارة»، فالصناعة فعل حقيقي، والإنسان فاعل حقيقي للسيارة، أما السيارة فإنها موضوع حقيقي للفعل الإنساني، فهذه الأركان الثلاثة تثبت حقيقة اللغة، أما إذا قلنا : «طار زيد إلى باريس»، فكلمة «طار» مستعارة من مجال الطيران إلى مجال حركة الانتقال الإنساني، وحقيقته «سافر زيد»، أما فعل الطيران فهو فعل الطائرة وليس فعل زيد، إلاَّ من باب المجاز.
كذلك قول الجرجاني : «اللغة أوعية المعاني»، هو قول مجازي، فمن المحال أن نثبت أن اللغة هي أوعية على وجه الحقيقة، وأن المعاني مواد حسية ملموسة فعلاً،مثلما نثبت أن العطور مواد سائلة في القوارير، لذلك يمكن القول إن عدم إثبات الدلالة القطعية على الدلالة اللفظية أو الجملة الكلامية يعني أن الجملة دخلت في المجاز بسبب انحرافها الدلالي ثم خرجت من الحقيقة اللغوية إلى المجاز.
كذلك القول : «اللغة واقع الفكر المباشر» هي عبارة مجازية، فقد جعل ماركس للغة مساحةً أو مكاناً أو طبيعةً لا يسكنها غير الفكر أو المعاني، وفي العبارة يتداخل المجاز اللغوي بالمجاز العقلي، مع أن لفظة «الواقع» مستعارة من المجال الحسي إلى المجال العقلي، لكن ماركس - رغم ماديته الصريحة - لا يهتم بالحقيقة المادية للغة اهتمام عبدالقاهر الجرجاني بذلك - رغم مثاليته الأشعرية - وبالرجوع إلى أدبيات الفيلسوف المادي الجدلي سنجده شغوفاً بالمجاز وباللغة الأدبية أكثر من شغفه باللغة الحقيقية بغرض التأثير على الجماهير وعلى المتلقي، بصرف النظر عن الحقيقة اللغوية، أما عبدالقاهر الجرجاني الأشعري فهو حريص على إثبات واقعية اللغة ووظيفتها المادية أو الحقيقة الواقعية لها.
عبارة أرنست فيشر هي الأخرى مجازية، وتشبيه اللغة بالأداة أو الوسيلة لا يختلف كثيراً عن تشبيه ماركس لها بالغلاف، فغلاف ماركس المادي هو وسيلة أرنست فيشر، إلاَّ أن تفسير أرنست فيشر لوظيفة اللغة أكثر اقتراباً من الحقيقة - حقيقة اللغة ووظيفتها الاجتماعية ودورها في عملية الانتقال بالإنسان من دور حضاري إلى آخر - وهي مجرد أداة أو وسيلة عند الجميع تحفظ الفكر من الضياع كما تحفظ الكتب العلوم البشرية وتجاربها، أما عبارة عبدالوهاب البيّاتي في قوله : «اللغة كائن متطور»، فإنها أكثر إصابة - رغم شاعريتها - وبمعنى آخر أن شاعرية عبدالوهاب البيّاتي وأمانته الفكرية وصحة موقفه وسلامة خياله، هي التي جعلت عبارته أصدق وأصوب، لأنه شاعر يشتغل باللغة ويحس بها حساً إنسانياً ساقه إلى عقد هذه المماثلة بين حياة اللغة المتواشجة بالإنسان وحياة الشاعر المشتبكة باللغة، فاللغة كائن ينمو ويتحرك مع النشاط الثقافي للإنسان ويتطور بتطوره، وهذا التماثل مأخوذ من علوم اللغة العربية وتاريخها، وعكس الأولين - الجرجاني وماركس وفيشر - فقد اعتمدوا على مبدأ الأخذ والاستعارة، أما البيّاتي فقد اعتمد على التمثيل، والتمثيل أقوى في بيان حقيقة اللغة من التشبيه أو من الاستعارة.
فما هي حقيقة اللغة؟ وما هو المجاز؟ وأيهما القاعدة من الاستثناء : أهي اللغة المُعبِّرة حقيقة عن وجودها العياني، والمجاز استثناء فيها؟ أم أن اللغة تعبير مجازي عن العالِم، مثلها مثل الشعر والأدب؟
تجليات المجاز وأنواعه
{ المجاز مفهوم بلاغي، ليس له وظيفة سوى البيان بالحقائق الجمالية المكتشفة لهذا الأديب أو ذاك، وعلى ذلك فالمجاز أداة معرفية قبل أن يكون حلية يتحلى بها الكلام - كما يذهب المحدثون في عصرنا هذا - وقد قال الأقدمون بالبديع وبالمحسنات البديعة، ولكن لأغراض معرفية ترتبط بالكشف الجمالي، فارتباط المجاز باللغة لا يعني إلاَّ أنه وسيلة بلاغية فعالة ومؤثرة على القارئ، وكان عبدالله ابن المعتز أول من جعل البيان علماً في كتابه «البديع»، وصنّف أشكاله وأنواعه مهتدياً بـ «بيان» الجاحظ وبـ «الكامل» لأبي العباس المبرد، وعلى هؤلاء العلماء سار علماء البيان منذ قدامة بن جعفر وأبي هلال العسكري وابن سنان الخفاجي وعبدالقاهر الجرجاني وغيرهم، وكان ابن المعتز ومن سبقه يربطون المجاز - وبالذات عنصري التشبيه والاستعارة - بالإبداع، أي بالمعرفة الجمالية الجديدة، وعلى رأس هؤلاء أبو العباس المبرد في كتابه «الكامل» في اللغة والأدب، لكن المجاز لا يقتصر على التعبير الجمالي، كالشعر والقصة والمقالة والمحاضرة... الخ، بل يشمل التعبير العلمي، فكما أن الخيال الأدبي بحاجة إلى اللغة المجازية في بيان التصورات الذاتية، كذلك الخيال العلمي أكثر حاجة إلى اللغة المجازية في بيان الحقيقة العلمية هنا وهناك.
لقد درس الماديون الجدليون الحقيقة الأدبية وميّزوها عن الحقيقة العلمية، لا من حيث الأسلوب والدلالة وحسب، بل ومن حيث الطبيعة المادية للموضوع العلمي.
إن الحقيقة الأدبية تدور حول الظواهر الجمالية والعاطفية، كالحب والشجاعة والعفة والقيم الأخلاقية والتربوية، أما الحقيقة العلمية فإنها تبحث عن طبيعة المادة وخصائصها الكيفية والكمية وبأدوات علمية، كأجهزة التحليل والملاحظة والتجريب وفي المعامل والمختبرات وعبر المناهج التجريبية، وقد يشترك العالِم والأديب في المنهج التحليلي النظري أو بالملاحظات الحسية المباشرة أو حتى بالمحاولات الشكلية كنوع من التجريب النظري، لكن عالِم الطبيعة لا يحلل القيم الجمالية والبلاغية، كجمال الشكل واللون والصورة وتناسبها وتأثير ذلك على الأديب والمتلقي معاً، وإنما العالِم الطبيعي يبحث عن حقيقة المادة ومكوناتها أو عن خصائصها الكمية والكيفية، فجمال الوردة، من حيث اللون والرائحة، غير حقيقة الوردة، كنوع من النبات المتميز عن أنواع النبات الأخرى، وكما يحتاج العالِم إلى اللغة، بدلالتها المعتادة، للتعبير عن حقائق الفيزياء والكيمياء والأحياء، كذلك، وبنفس القدر، يحتاج الأديب إلى اللغة للتعبير عن جمال الروح وجمال الأشياء المحيطة به، ولكن بأساليب تختلف عن أساليب علماء الطبيعة ولغايات مختلفة، فالأديب يبحث عن جمالية الشيء، والعالِم يبحث عن نفعية الشيء ومردوده الصناعي، مثلاً، ليست القصيدة ولا القصة بضاعة يصنعها الأديب لغرض التبادل النفعي «البراجماتي»، أما أهل الصناعة فإنهم يجعلون من كل الأشياء القابلة للتشكل أدوات استعمال نفعية قابلة للتبادل والاستهلاك، كما أن القصيدة وكذلك القصة غير قابلة للاستهلاك أو التبادل النفعي، أما السيارة والساعة والطائرة فكلها بضاعة قابلة للاستهلاك والهلاك.
إن أول آلة صنعها الصانعون لم تعد لها قيمة جمالية ولا قيمة استعمالية ولا قيمة تبادلية، فقد عفا عليها الزمن، أما أدب سوفكليس وأدب المتنبي وأدب شكسبير وأدب دوستوفيسكي، فما زال حافلاً بالقيم الجمالية والأخلاقية والمعرفية، وما زال أوديب شخصية حية تعيش في النفس البشرية، وما زال شعر أبي الطيب مناظر جمالية تبهج الروح، وما زال هاملت كياناً إنسانياً مخضلاً بورقه الإنجليز، وما زالت عجوز دوستوفيسكي في «الجريمة والعقاب» تحتل حيزاً واسعاً في الواقع البشري، وكذلك قل عن شعر محمد مهدي الجواهري وشعر عبدالله البردوني.
والمجاز أنواع : منه ما هو استعارة، ومنه ما هو تشبيه، ومنه ما هو تمثيل، ومنه ما هو إشارة... الخ، فمن الاستعارة قول الزبيري :
نبني لك الشرف العالي فتهدمه
ونسحق الصنم الطاغي فتبنيه
نقضي على خصمك الأفعى فتبعثه
حياً، ونشعل مصباحاً فتطفيه
فالشرف اسم مستعار من مجال القيم الأخلاقية إلى مجال القيم السياسية، ويعني به حزب الأحرار، أما الصنم فهو اسم مستعار من ميدان الحياة الوثنية إلى حياة المملكة المتوكلية، ويعني به الإمام يحيى بن حميد الدين، والبيت مركب من التشبيه والتمثيل، وعلى قانون البناء والهدم «نبني/تهدم، ونسحق/تبني، ونقضي/تبعث، ونشعل/تطفي، وكذلك قول الزبيري :
ألقى بأبطاله في شر مهلكة
لأنهم حققوا أغلى أمانيه
فعبارة «شر مهلكة» كناية عن مجزرة الإمام أحمد في سجن حجة عام 8491م، وأما «أغلى أمانيه» فكناية عن ثورة شباط ومصرع الإمام يحيى، ومن التشبيه قول الزبيري :
خرجنا من السجن شم الأنوف
كما تخرج الأسد من غابها
فقد شبَّه المملكة المتوكلية بالسجن، وشبَّه الأحرار بالأسود، ومن التمثيل قول البردوني :
يذبحون الرجاء في كل قلب
وينوبون عن بزوغ المرجاء
فقد ماثل بين حكام العصر وآمال الجماهير، وجعل الحكام جزارين وآمال الجماهير كباشاً، وهو تمثيل جديد من نوعه، وهذا النوع من المجاز كثير عند البردوني مثل قوله : «واستعجلته حديقة نفثت له أمراً جلل»، فقد ماثل بين الحديقة والمؤسسة التربوية، وماثل بين البطل وطالب العلم التقليدي المضمر في الضمير من له، ومن الإشارات قول البردوني :
بعد باذان جاء باذان ثاني
عبدريا سبا يريما وعنسى
فباذان الثاني إشارة إلى حكام العصر الحديث قبل الوحدة، أما باذان الأول فهو أحد ولاة اليمن في صنعاء بعد البعثة النبوية، كذلك من الإشارات قوله :
ماذا جرى؟ عصر الرشيد انتهى
واحتل مسرور محل الرشيد
فاحتلال مسرور لمحل الرشيد إشارة إلى حكام الانقلابات الثورية الحديثة على ملوكهم.
ولمعرفة أنواع المجاز يمكن الرجوع إلى كتاب «البديع» لعبدالله بن المعتز، وإلى كتاب «أسرار البلاغة» للإمام أبو بكر عبدالقاهر الجرجاني، والله أعلم.
المجاز العقلي والمجاز اللغوي
{ قلنا في مقالة سابقة إن المجاز أداة معرفية، وهنا سنتحدث عن أقسامه وطرقه، فالمجال ينقسم إلى قسمين : قسم يسمى المجاز العقلي، وهو مدار اللغة كلها وبحر المعاني التي لا تنفد، وقسم آخر يسمى المجاز اللغوي المحدود بالاستعارة والتشبيه وبالتمثيل والكنايات وبالطباق والجناس والإشارات، وقد ينعت البلاغيون المجاز العقلي بالمجاز المرسل أو المجاز المطلق وطريقة الإسناد، كإسناد السبب إلى النتيجة، مثل قولهم : «رعت الأغنام الغيث»، فالغيث أو المطر سبب في الرعي وله، أو كإسناد النتيجة إلى السبب وإعادتها له، مثل قوله تعالى : «وينزل لكم من السماء رزقاً»، فالرزق نتيجة سببها المطر، ثم العمل الزراعي في الحقول، أو إسناد الفعل إلى الاسم، مثل قوله تعالى : «فما ربحت تجارتهم»، فالتجارة اسم لا يعرف الربح من الخسران، وإنما هم التجار الخاسرون، والآية كناية عن الهدى والضلال، وهناك مجاز الكل، وفيه إشارة إلى الجزء، مثل قوله تعالى : «جعلوا أصابعهم في آذانهم»، فالأصابع كُلّ يشار به إلى الجزء، أي الأصبع الواحدة التي تستخدم في سد الأذن وصد الصوت عنها، وقد يكون الجزء إشارة إلى الكل، مثل قوله تعالى : «فتحرير رقبة»، أي إعتاق عبد أو إنسان كامل، ومن المجاز العقلي قولهم : «بنى الرئيس سدود المياه»، فهذا مجاز سببي، فالرئيس هو السبب الأول في عملية البناء وليس السبب المباشر للبناء، ومن المجاز العقلي قولهم : «أهلك الناس الدرهم والدينار»، أي سعيهم الحثيث وراء النقود وترك الإنتاج والتعاون الاجتماعي.
والمجاز العقلي بحر واسع لا يقدر عليه غير العلماء بقوانين اللغة وقواعدها ونشاطهم المعرفي الصادق، مثل : الزبيري، والبردوني، بل إن للشاعر البردوني استخدامات مجازية جديدة لا يعرفها شعراء عصره ولا الشعراء من قبله وأشك في الشعراء من بعده، فمجاز البردوني مجاز مسبوك من واقع الحياة العربية الجديدة ومن وقائع العصر الرأسمالي وبأساليب بلاغية فريدة يمتزج فيها المجاز العقلي بالمجاز اللغوي، وهذه الفرادة نابعة من موقفه الجمالي المعاصر أولاً، ثم من ثقافته الواسعة وبصيرته الثاقبة، ومن مجازاته العقلية قوله :
الشعر أقوى فاعزفي
رئتيك أو موتي شقية
فإسناده القوة إلى الشعر هو مجاز عقلي معناه قدرة الكلام الشعري على بيان الحقيقة الجمالية، كما أن البيت يحمل معنى التحدي، وكذلك إسناد العزف إلى الرئتين هو مجاز عقلي متجه إلى المذحجية، وهي رمز شعري أو إشارة إلى ما يسمى بقوى الصراع الرأسمالي والاشتراكي في المنطقة الوسطى، ومثل ذلك قوله في قصيدة «مسافرة بلا مهمة» بنفس الديوان :
أي شيء أريد ما عدت أدري
أقلق الدهر مضجعي وشخيره
فإسناد القلق إلى الدهر هو مجاز إسناد أو إسناد زمني، سببه العلاقات الرأسمالية الجاثمة على الشعوب العربية منذ عصر نابليون والكابتن هانس حتى اليوم، والإسناد الزمني كثير في شعر البردوني، كقوله :
هرب الزمان من الزمان
خوت ثوانيه الغبية
أو كقوله :
الليل يبحث عن ضحى
والصبح يبحث عن عشية
فهو يسند أفعال الهرب والبحث إلى الليل والصبح وإلى الزمان إسناداً زمانياً، فلا الزمن يقوى على الهرب، ولا الليل يقوى على البحث عن ضحاه، ولا الصبح يدرك ما الصباح من العشايا، لكنه المجاز عن حقيقة الأنظمة العربية اللاهثة خلف الحداثة وخلف مواعيد عرقوب الرأسمالي، كذلك قوله بنفس الديوان «السفر إلى الأيام الخضر» :
منذ صارت مضيفة لقبوها
سوسنا واسمها الطفولي شلعة
إن عصرية الأسامي علينا
جلد فيل على قوام ابن سبعة
فالأسامي هنا إشارة، ليس إلى الأسماء الأفرنجية وحسب، بل وإلى المفاهيم السياسية، مثل : الحرية، والقومية، والديمقراطية، والرأسمالية، والاشتراكية... الخ، فكلها تسميات كاذبة أو مفاهيم يفرضها السيد الرأسمالي على مثقفي الوطن العربي ويأتمرون لها ائتمار العبد للسيد.
وإذا كانت «سوسنا» إشارة إلى الجمهوريات التي خلعت ملوكها، فإن جلد الفيل المخلوع على «الجرو الصغير» كناية عن فساد قياس الحداثة للشعارات الرأسمالية والاشتراكية أو عن مبالغة الأحزاب السياسية في ترويجها للأيديولوجيات الزائفة، فكلها تسميات مخادعة للشعوب العربية، وبالذات مجتمعنا الرعوي الذي - وإن استطاع الحصول على الماء - لا يقدر على صنع الإبرة لخياطة ثيابه الممزقة، وهذه الأسامي العصرية مبالغ فيها وتفتقر للقياس، فالاشتراكية - دوليةً كانت أو علميةً - أشبه بجلد فيل خلعوه على الجرو الصغير، وقريباً من ذلك قول البردوني في ديوانه «زمان بلا نوعية» :
كل مستور تعرّى إنما
سرق الأنظار تزوير التعرّي
فالبيت فيه طباق بين الستر والتعرية، وفيه استعارة «سرق الأنظار»، لكنها من المجاز العقلي، فالمستوى إشارة إلى الأحزاب السرية، أما التعرّي فكناية عن تبدل مواقفها الأيديولوجية النفعية في الغالب وانسلاخ بعضها عن بعض، وهو ما يسمى بالانشقاقات الحزبية تحت ذرائع أيديولوجية مخادعة أو تحت ذرائع مبدئية غالباً ما تخدم الأنظمة الرأسمالية وتخدع الشعوب العربية.
ويكثر المجال العقلي في شعر البردوني وبصورة تفوق مجازات المتنبي وشعراء العصر الحديث، فمنه ما هو مجاز مرسل يقوم على الأمثال والحكم، ومنه ما يقوم على الحكايات والقصص الدرامية عبر الشخصيات القصصية في شعره.
أما النوع الثاني من المجاز فهو المجاز المقيد أو المحدود بالحدود اللغوية، كالتشبيه والاستعارة والتمثيل والطباق والجناس... الخ، فمن التشبيه قول البردوني يصف بطله الفلاح في «الأخضر المغمور» :
حكاياته لون وضوء، عرفته؟
كشعب كبير وهو فرد من الورى
بسيط كقاع «الحقل» عال «كيافع»
عميق كما تكسو العناقيد «مسورا»
فهذا البطل صورة من البردوني، شبيه بالشعب من حيث العطاء أو من حيث الحكايا المنسوجة حوله، فهو مُشبَّه والشعب مُشبَّه به، والكبر والكثرة هما وجها الشبه، أما الكاف فهو أداة الشبيه، وفي البيت الثاني طباق بين البساطة والعلو، ولكن التشبيه هو مدار البيت، فهو، من حيث العمق، يشبه عناقيد العنب المسوري، ومن حيث البساطة يشبه قاع الحقل، وهو قاع خصب بترابه وغلاله، ومن حيث السمو يشبه جبال يافع الشامخة، ومن الاستعارة قوله :
يذبحون الرجاء في كل قلب
وينوبون عن بزوغ المرجاء
فالذبح، والرجاء، والمرجاء، والبزوغ، كلها كلمات مستعارة من المجال الحسي إلى المجال العقلي، فليس الرجاء كبشاً يمكن ذبحه، وليس المرجاء شمساً أو زهراً يمكن بزوغه، وإنما هو المجاز أو الاستعارة التي يفضح بها المثقفون أدعياء التقدم والعدالة، وفي شعر البردوني آيات من الأمثال والحكم، كما في قوله :
قد يستعير العزف غير اسمه
لكنها نفس اليد العازفة
فهذا البيت - مثلاً - يضربه البردوني لمواقف الأحزاب وأدعياء الليبرالية والاشتراكية والسلام، فكلهم أدعياء، وهو من قول أبي الطيب :
وقد يتزيا بالهوى غير أهله
ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
كذلك قوله عن الحداثة وقياداتها الحزبية المتحذلقة :
جاء من يسبحون في غير ماء
وعلى الماء يرقمون الكتابة
هؤلاء هم أدعياء الحداثة الذين يعتنقون أفكاراً ليس لها أية علاقة بالواقع العربي، فهم ودعاويهم كمن يسبح في الهواء، لكنهم - رغم ابتعادهم عن الواقع - يؤثرون على النظام السياسي هنا وهناك بدعم رأسمالي مشبوه، إنهم القادرون على فرض سياسة غير ممكنة على الواقع، فالسباحة في الهواء من الأمور المحالة، ومثلها الكتابة على الماء، والعبارتان كناية عن طلب المحال، مثل قولهم : «يحرث في البحر»، أو «يضرب في حديد بارد»، وعكسهم الطيبون المناضلون المحجوبون عن الحياة السياسية، في قوله :
يظلم الزهر في الظلام ويبدو
مثل أصفى العيون تحت الأشعة
هذا البيت تمثيل رائع لحقيقة المناضلين الصادقين الذين قد تحجبهم جدران الحداثة أو تهمشهم، لكنهم عند المحك واقفين أعلاماً شامخةً في جبين الدهر، والزهر كناية عنهم، أو قل إن الزهر كناية عن الثقافة العربية الإسلامية المهمشة عن ثقافة الحداثة ومنابرها السائدة علينا بالقهر.
ومن المجاز نوع آخر هو الطباق - إن صح أن الطباق من المجاز - الذي يقدم مفارقة بين القيم والأشياء، كقول البردوني :
والصداقات كالعداوات تؤذي
فسواء من تصطفي أو تعادي
فالصداقات والعداوات طباق، ومثل ذلك الاصطفاء والمعاداة، ومن الجناس قوله :
كثرت شكول ما لها شكل
ولا عنها روائح
فالشكول جمع شكل، وتعني الأجساد النوعية، أما كلمة شكل فتعني الموقف، وهو جناس ناقص، كما نرى، ومثل ذلك قوله :
صهيل دمي، وصليل فمي
لأن جدودي سيوف وخيل
فالجناس قائم بين الصهيل والصليل، وبين الدم والفم، والمجاز مع الشاعر البردوني أداة معرفية استخدمها لبيان حقيقة العصر بأمانة وصدق وبأسلوب متين.
المجاز التشابه والتمايز
{ المجاز اسم مشتق من الفعل جاز، يجوز الشيء إذا تعداه، وتجاوزه من أقرب الطرق وأسهلها وبوقت قليل وبجهد أخف.
والمجاز مصطلح بلاغي مرتبط باللغة وبأشكال التعبير الأدبي، كالشعر والحكاية والرواية والمقالة الصحفية وما إلى ذلك، ويعني الإيجاز في القول أو إيجاز الكلام الكثير بألفاظ قليلة وبأسلوب بليغ وواضح يفهمه العامي قبل السامي ويدركه الاثنان إدراكاً متشابهاً قد يختلفون حوله، ولكنهم لا يخطئونه.
والمجاز مصطلح يعني استخدام اللغة استخداماً متحرراً من دلالاتها المعتادة والمألوفة، لكن دون أي غموض أو إبهام، وقد يلتبس المعنى المجازي بالحقيقة اللغوية، لكن المعرفة بحقيقة اللغة ومجازها تزيل اللبس وتقترب من المقاصد البلاغية.
والمجاز - كما يقول علماء البلاغة العصرية - هو انحراف الدلالة اللغوية من مجال معروف إلى مجال غير معروف، ويعني بلغة القدماء نقل اللفظة من موضوع عرفت به إلى موضوع آخر لم تعرف به.
والمجاز - بقدر ما هو ظاهرة لغوية مرتبطة بالتعبير الأدبي هنا وهناك - هو أحد عناصر الأسلوب البلاغي لدى هذا الأديب أو ذاك أو في هذا العصر الأدبي أو ذاك، فكما أن لكل عصر أسلوبه في استخدام اللغة وأساليب التعبير، كذلك لكل أديب أسلوبه في استخدام اللغة وأسلوب تعبيره المجازي، أي أن المجاز هو أحد وأبرز عناصر الأسلوب، لذا قال علماء البلاغة والكلام والأدب إن الأدب تعبير مجازي عن العالِم، وفي ذلك تدخل لغة الكتب السماوية، وبالذات القرآن الكريم، كما درسه علماء الكلام والفقه واللغة والبلاغيون، وإن اختلفت مذاهبهم.
وذهب الكثير من علماء اللغة إلى أن اللغة هي كيانات مجازية أو مجرد رموز اتفق الناس على دلالتها الرمزية، أو قل بلغة العرب إن الناس تواضعوا على اللغة، رغم توقيفها، فرغم تواضعهم على دلالاتها، إلاَّ أنها - أيضاً - موقوفة الدلالة، لكن لا يهمنا إذا كانت اللغة أوعيةً للمعاني أو أصواتاً محدودة الدلالة، فعلماء اللغة والبلاغة جعلوا للغة علوماً تؤكد حقيقتها الوضعية أو حقيقتها المعجمية، وما خرج من ذلك فهو استخدام مجازي، ولهذا الاستخدام المجازي للغة وظيفة معرفية لا يختلف عليها علماء البلاغة، وإن لم يقولوها، فالمجاز وسيلة لبيان حقيقة شعورية أو حقيقة ذهنية يستحيل بيانها بدون استخدام اللغة استخداماً مجازياً، فالقول إن «العروض ميزان الشعر»، قول مجازي حقيقته أن علم العروض علم له لغته ومفاهيمه ومصطلحاته المجازية والحقيقية التي تدرس بها صحة البناء الشعري وسلامة معانيه ودقة تراكيبه وتناسق أجزائه، لكن العروض اسم مستعار من عرض الجبل أو عروض الجبال الحجازية ومنقول إلى معارض الكلام، أو أن الشعر كلام يعرضه الشاعر على قوى النفس الشاعرة ثم يخرجه بذلك النسق العروضي ويعرضه على المتلقين، فإن قبلوه منه كان شعراً جميلاً، وإذا رفضوه سقط من القيم الشعورية، كذلك «بحور الشعر» و«القوافي»، و«الصدر»، و«العجز»، و«البيت»، كلها مصطلحات مجازية، فـ «البحر الشعري» عبارة مجازية تعني جملة المشاعر المتماوجة أو المتدفقة من الشاعر إلى جمهوره، وتعني مساحة الشعور في رأس الشاعر، وكذلك «القوافي» هي كلمة مجازية تعني خواتم الأبيات في القصيدة الواحدة أو مواقف الكلام الشعري المتماوج التي يسمونها البيت، و«الصدر» كلمة مجازية تعني الشطر الأول من البيت الشعري، أما «العجز» فهو الشطر الأخير من البيت، و«البيت» كلمة مجازية، ويعنون بها الوحدة الكلامية المستقلة بذاتها في القصيدة استقلال الفرع عن الأصل واستقلال الجزء عن الكل، فلغة علم العروض أو مفاهيم علم العروض ومصطلحاته، هي لغة مجازية هدفها البيان عن حقيقة المشاعر أو هي علم يستبطن مشاعر الشاعر في حالته النفسية ومدى صدقها من كذبها أو صحة ثقافته الشعرية من فسادها، أي أن علم العروض علم يقيني متماسك، وضعه الخليل بن أحمد بأسلوب مجازي، ويعني استخدام اللغة استخداماً مجازياً لبيان ثقافة الشاعر وقدرته الشعرية وسلامة شعره من فساده، وكذلك قولهم «النحو ميزان الكلام» هو قول مجازي، فليس النحو أداة نزن بها الكلام كما يزن الصائغ ذهبه، وإنما هو علم يدرس أساليب الإعراب البلاغي وصحة التراكيب اللغوية في بناء الجمل، أو علم يدرس معاني الجمل النحوية ويحللها تحليلاً دقيقاً، فالنحو علم غرضه التعريف بكيفية بناء الكلام وتحليله عبر قواعد الإعراب، ولهذا العلم لغته الخاصة به ومفاهيمه ومقولاته، وهي لغة يختلط فيها المجاز بالحقيقة، ولكنها إلى الحقيقة أقرب - رغم المجاز - وعلى ذلك يمكن القول إن عبارة «التيار الكهربائي» مجازية هدفها بيان الحرارة الكهربائية المتدفقة عبر الأسلاك، وإلاَّ فإن التيار اسم يعني هيجان الماء أو تدفقه في البحار والأنهار أو مياه السيول المتدفقة بشكل تيارات متلاحقة، وكذلك القول «التيار الفكري» أو «التيار السياسي» أو «التيار القومي» أو ما إلى ذلك من مصطلحات وشعارات يستخدمها السياسيون وعلماء الاجتماع لبيان أحوال وظواهر الهيجانات الحزبية الرعناء وتدفقها من شوارع أوروبا ومن صوالينها الهوجاء إلى الأقطار العربية، فهذه العبارات مجازية وليست حقيقية وليس لها أي وجود حقيقي مثل المذاهب الإسلامية والفلسفية، بالرغم من أن كلمة المذاهب مجازية.
هناك - أيضاً - عبارات مجازية مثل «المدرسة الكلاسيكية» أو «المدرسة الرومانسية» أو «المدرسة الواقعية»، فهذه عبارات مجازية، وليس للرومانسية أي مبنى دراسي أو أي مكان يحتويهم للدرس، وإنما تعني مجموعة الأدباء الذين يقولون شعراً حالماً أو خيالياً كاذباً، ومن هنا كان وصفهم بأهل الأبراج العاجية، أي المنعزلون عن الحياة المادية والروحية، فالمدرسة كلمة مستعارة من مجال التربية والتعليم إلى مجال الأدب الطوباوي، وأصل المدرسة هي آلة درس الحنطة والشعير، استعارها العلماء إلى مجال التربية والتعليم، وتعني مباني العلم والتعليم.
ليس المجاز مجرد حلية نضعها على عنق هذه الحسناء أو تلك، وإنما هو أسلوب أو صفات جمالية في قوام الحسناء نفسها، وصفات - إن لم تكن مناسبة لملامح الحسناء وقوامها - ليست بجميلة إن لم تكن قبيحة، فجمال الحسناء، سواء أكانت قصيدةً أو قصةً أو مقالةً، هو الحسن الممتزج بقوامها، وإلاَّ فهو القبح الحديث.
المجاز وسيلة لبيان الحقيقة، سواء أكانت حقيقةً علميةً أو جماليةً لم يعرفها غير العالِم أو الشاعر، ولأنها حقيقة مكتشفة وغير معروفة، فإن اللغة المجازية كانت وسيلة لبيان ما يكتشفه الأديب أو العالِم، لأن الحقيقة الجمالية المكتشفة لهذا الأديب أو ذاك هي حقيقة لم يضع الناس لها علامةً لغويةً أو اسماً بعد، فأتى الأديب وقدمها بطريقة مجازية، أي بعنصر التشبيه أو بعنصري الاستعارة والتمثيل، لكن أدباء الحداثة قد يكذبون في تعابيرهم المجازية ويقولون كلاماً مراوغاً أو مخادعاً لا يقدم حقيقةً، وإنما يزيفون الحياة بالكلام المجازي أو بأساليب البديع، كالتجاهل والمغالطة والتعمية والتعتيم والحذلقة البلاغية، وغرضهم خداع الجماهير والشعوب أو خداع العصافير ومراوغة الكباش وإثارة الغرائز وتزييف الوعي والمشاعر... الخ، فالحداثة لا تفسد الحقيقة والوعي بها فحسب، بل وتفسد الحياة.
إن الحداثة أصل الفساد والتخريب، وبالذات في الأوساط الأدبية والصحفية، وهذا الكلام «الحداثة تفسد الحياة» كلام مجازي، فالمجازي سلاح ذو حدين، وهو وسيلة لاكتشاف الحقيقة الجمالية في ميدان الحياة المادية والروحية وبيان ما هو متشابه مما هو متمايز، فهناك قانون التشابه والتمايز في الأشكال والألوان والصور، وهناك التمايز والتشابه في الأصوات وفي طبائع البشر - رغم تمايزهم - وهذا التشابه والتمايز هو ميدان الإدراك، علمياً وجمالياً، ولا يُعبَّر عنه إلاَّ بالمجاز، فلم يعد العالم حقيقة محددة وثابتة ومدركة بوضوح، بل أصبح العالم حقائق مختلطة الأوراق ومتداخلة الوجود والحدود ومتزعزعة وغير مدركة، العالم حقيقة يجب التعبير عنه إما باللغة العلمية الواضحة الدلالة، وإما بالمجاز، هذا إذا كان الكلام يدور في ميدان الأدب، وإلاَّ فإن سيف ديموكليس على الرأس









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,046,260,737
- ماهو الإبداع؟
- جحود المبدعين
- الثقافة العربية في مراة الاخر ..


المزيد.....




- الباب فرانسيس يحل بالمغرب ويلتقي جلالة الملك
- -حكاية لعبة- يعود بجزء جديد
- مجلس المستشارين يحتفي بالذكرى 60 لصدور ظهير الحريات العامة
- (( القصة القصيرة... و الفلاش باك)).. قراءة نقدية في المجموع ...
- البراق يؤجل انعقاد المجلس الحكومي
- مراد علمدار ومهند يعودان للشاشة في -الحراس- و-تصادم-
- أخنوش يتباحث مع مسؤول أمريكي تحسين المبادلات في المجال الزرا ...
- سبوتيفاي للبث الموسيقي رسميا في 13 سوقا عربية
- سبوتيفاي للبث الموسيقي رسميا في 13 سوقا عربية
- صدر حديثا رواية «نداء أخير للركاب»، للكاتب والروائي أحمد الق ...


المزيد.....

- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صادق الاديب الموسوي - اللغة بين الحقيقة والمجاز