أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - نظرية اشتغال سينوغرافيا المسرح















المزيد.....



نظرية اشتغال سينوغرافيا المسرح


منصور عمايرة

الحوار المتمدن-العدد: 4714 - 2015 / 2 / 8 - 15:33
المحور: الادب والفن
    


نظرية اشتغال سينوغرافيا المسرح / منصور عمايرة
نقد مسرحي
المسرح الذي نشير إليه يعنى بالسينوغرافيا Scenography من حيث الاشتغال في فضاءات العرض المسرحي المتعدد، واشتغال السينوغرافيا يدعو إلى التفكير كثيرا وبرؤى جديدة في بنيات العرض المسرحي، ولم يعد مادة بسيطة ووسيطا سهلا من منظور الضرورة، ولم يعد كحالة طبيعية تراتبية عبر الزمن، ولم يعد كحالة زينة، ولم يعد يحتكم لرؤية سطحية.
فالسينوغرافيا أصبحت منفلتة من كل ما هو ساذج وطبيعي وتراتبي، ولجتها رؤى تقنية جديدة لم يكن بمقدور المسرح تصورها، وذلك من خلال تطور وسائل الاتصال والتقنية الحديثة، فأعادت تشكيل السينوغرافيا برمتها.
إن الانشغال العام بمفهوم الفضاء المسرحي، والذي يؤطر لحالة مسرحية، جزئية مهمة في العرض المسرحي، من حيث المكان وكيفية تشكل المكان وكيفية أخذ الصيغة النهائية لمكان العرض، ولا يتم هذا العرض إلا بوجود جمهور، وهذا هو صلب موضوع الفضاء المسرحي الذي يسعى إلى حالة التلاقي بين المرسل والمستقبل، بين الممثل والمتلقي، بين الممثل والرؤية الإخراجية والمتلقي، بين الممثل والممثل، بين الممثل والتقنيات.
ولم يعد الأمر يتوقف عند هذا الحد، فواصلت وسائل الاتصال تقدمها من حيث التقنية والتطور، ووصلنا إلى ما يعرف بعالم الرقمنة/ التحويل الرقمي في الحاسوب، وكلها أمست من ضروريات الحياة، ولكن هل هي من ضروريات المسرح؟
لا شك أن للحاسوب دورا كبيرا في العرض المسرحي الآن، فهو الذي يبين لنا خطاطة المخرج، وهي ترسيمة لم تعد مخطوطة على الورق بقدر ما هي ميزانسين رقمي، وهذه الرقمية هي التي تصيغ جلّ العرض المسرحي.
والسينوغرافيا القديمة الجديدة التي تجعلنا نتوقف لنشاهد كيفية تشكل وتحول الفرجة المسرحية، لا شك أنها هي التي تشكل الفرجة المسرحية كجزئية رئيسة في العرض المسرحي، وهي جزئية كرؤية إخراجية قديمة في العرض المسرحي ومازالت تترى، ونجد أن التحول السينوغرافي هو الذي يتشكل ويتأسس على أساس مشاركة وخلق المشاركة في العرض المسرحي، وهنا نشير إلى جزئيات سينوغرافيا المسرح، فلم تعد السينوغرافيا كرؤية عامة، بل صارت جزئيات تمثل الحالات التعبيرية المتعددة، وهي تصنع الحدث المسرحي، لتنقله من حالة شكلية نمطية إلى حالة تحولية إنتاجية تأويلية.
إن مصطلح السينوغرافيا Scenographyلم يكن متداولا حتى وقت متأخر بين النقاد المسرحيين، وبعضهم لا يشير إلى السينوغرافيا بل إلى المؤثرات. وإن تاريخية السينوغرافيا، حتما تقودنا إلى حالة من التعدد بالحديث عنها، لأن السينوغرافيا متعددة، وإن الحديث عن تاريخية السينوغرافيا يبين عن حالة رتابة في كثير من الأحيان، وهذا التكرار أبقى العرض المسرحي في حالة الأنماط لمدة زمنية طويلة.
ومصطلح السينوغرافيا كمسمّى يدل على كل ما يعتلي الخشبة ويؤثر فيها، باستثناء الممثل، ولو أنه يستعمل السينوغرافيا كلباس أو مظهر أو زي، إلا أن الممثل هو وحدة رئيسة في العرض المسرحي منذ البداية حتى الآن، وإذا ما رجعنا إلى تاريخ المسرح نجد أن المدى الزمني طويل حتى استقرت الرؤية السينوغرافية على ما هي عليه.
هناك فضاءات مختلفة للعرض المسرحي، وهذا صحيح، وقد يحدد فضاء ما الرؤية السينوغرافية، من حيث البعد التاريخي مثلا، أو البعد الميثولوجي مثلا، ولكن بالنظرة العامة نجد أن السينوغرافيا الآن، لا بد لها من اشتغال بغض النظر عن الفضاء المسرحي الذي يؤطر العرض المسرحي.
ولذا، فإن الإضاءة في العرض المسرحي لم تعد تكتل إضاءة، والموسيقى لم تعد تكتل موسيقي، والأزياء والأشياء والمنظر كذلك، كل هذه السينوغرافيا ستمثل رؤية اشتغالية في العرض المسرحي، فلم تعد تملك النظرة النمطية للسينوغرافيا رؤية اشتغال في العرض المسرحي، ولم تعد تفي بمتطلبات ذهن المتلقي، والذي يفترض أنه يجنح للتأويل، وعليه، فإن الجزئيات السينوغرافية أمست تشتغل وينظر إليها كمنتجة للعرض المسرحي، وتلك الأشياء التي تتعلق بالعرض المسرحي بشكل عام، والتي تمثل السينوغرافيا واشتغالها: المنظر، الأثاث والأشياء، الملابس والمكياج، الإضاءة، الصوت والموسيقى.
كيف نقرأ سينوغرافياالمسرح؟
وبعد الرؤية التاريخية الممتدة للمسرح، والتي تبدو أنها نشيطة، نتبين أن السينوغرافيا علم وفن، ونضيف إليها شيئا آخر " الاشتغال".
السينوغرافيا علم: بالإشارة إلى مفهوم العلم، والذي اقترن مفهومه بالدقة والرصانة والتحديد والتقرير ونسبة الخطأ، فهو العلم الذي يخضع لقياسات دقيقة قابل للقياس والبناء على هذه القياسات، هنا نتحدث عن المفهوم الرياضي، عن المسطرة والأدوات الهندسية، و وحدات القياس المناسبة، قد تشترك كل العلوم وخاصة الرياضية بهذا المفهوم، وهناك محددات جمالية أخرى قد لا تقاس بالمسطرة، ولكنها تسعى لتقنيين العلوم الإنسانية، لتكون ذات جماليات توضح مفهومها، ولذا، فإن السينوغرافيا كعلم ابتنى أساسا على علوم أخرى، فمنه العمارة والبناء، ومنه الرسومات التخطيطية، ومنه الخياطة والتطريز والتزيين، ومنه النجارة والحدادة، ومنه مخططات الإضاءة، ومنه السلم الموسيقي، ومنه تحديد اللون، ومنه علم الرقمنة والتقنيات الحديثة. فكل جزئية من هذه العلوم التي تجنح إلى الدقة بقدر ما، نجدها في العرض المسرحي. والسينوغرافيا علم، لأنها خضعت إلى أبحاث ودراسات ونشرات وميزانيات، وهذا يعني أنها خضعت للتجريب، ولا بد أن يكون لها نتائج.
السينوغرافيا فن: ويبدو الفن قرين الحالة الإنسانية التي تمتاز بالتذوق والجمال والإبداع، وهذا الإبداع منوط بالتجديد دائما، وإلا فإن التكرار والإغراق في التكرار يؤدي إلى الفشل، والفن يوجد في اللغة بحسب الأجناس التي تستدرج إليها اللغة، قد تكون اللغة الشفوية أو اللغة المكتوبة، ثم يتحدد الجنس الإبداعي من خلال الكتابة، الشعر والنثر، ثم يتحدد الجنس الشعري والنثري تحت تقسيمات أخرى مثل الشعر العمودي/ الشعر الحر/ الشعر التمثيلي، والنثر مثل القصة القصيرة/ الرواية/ السيرة/ الخاطرة/ الكتابة الصحفية، ثم قد نجد تحديدا للأدب من حيث الزمن، فقالوا الشعر الجاهلي/ الأموي/ العباسي/ الحديث أو النثر القديم والنثر الحديث، هذه إشارة للرؤية حول الفن بشكل عام، وهذا يعني أن الفن متوفر في كل مجالات الحياة وليس اللغة فقط، والفن اصطبغ برؤى أخرى مثل المنظر والضوء واللون والصوت، فاللوحة تشكيل ولون، والتشكيل متعدد، واللون متعدد، والموسيقى صوت والصوت متعدد، والضوء رؤية والرؤية متعددة، وقد نبين أن الفن هو الجماليات التي تحدد فنا معينا، ولذا فإن السينوغرافيا بكل تشكلاتها هي رؤية فنية في العرض المسرحي.
والسينوغرافيا علم وفن، إذ يؤكد هذا القول على أنها حرفة، أو حرف تتداخل لتشكل العرض المسرحي، فالعرض قد لا يستغني عن النجارة والخياطة والحاسوب والتصميم وفنيات الإضاءة والموسيقى والعمارة، لذا فهي حتما ستعتمد على الدقة والنسب الرياضية والجماليات، ولكن كل هذا لا يكفي لتحديد مفهوم السينوغرافيا، فهي تجنح إلى الفن في العرض المسرحي، وربما يتشارك هذا الفن مع الفنون الأخرى من حيث تحديد الشكل والكيفية، فالموسيقى لها شكل وكيفية، والفن التشكيلي له شكل وكيفية/ الكيفية تعني الحالة. وهذا أيضا لا يكفي، فلم تعد السينوغرافيا في العرض المسرحي تبين عن الشكل والكيفية، فتلك صورة نمطية تبين عن محدودية الفن السينوغرافي، والفن السينوغرافي في العرض المسرحي هو الاشتغال.
السينوغرافيا اشتغال: لم يعد الحديث عن السينوغرافيا مجديا، ونحن نشير إليها بأنها أشياء ضرورية أو مكملة للعرض المسرحي، ولكن يجب أن نشير إليها كرؤية تجديدية من خلال الاشتغال، ولن نبقى ندور في إطار العلم والفن ، وبالاشتغال لا تخرج عن العلمية والفنية، ولكنها تشبعها رؤية تأملية وتجديدية وتأويلية، وهذا ما نسعى إليه في الاشتغال السينوغرافي في العرض المسرحي.
لماذا اشتغال؟ لأن الفارق بين عرض مسرحي ما وعرض آخر، طريقة الاشتغال لتحديد المفهوم العام، فاشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي تختلف عن اشتغالها في الديكور كمشهدية ثابتة على سبيل المثال، واشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي يختلف عن المفهوم المبسط للسينوغرافيا ومفهومها المركب كحالة تأويلية، هذه هي الرؤية التي قد تستقر عليها قراءة السينوغرافيا الآن، وهي القراءة الأكثر جدية وإعطاء هوية للسينوغرافيا المسرحية، والسينوغرافيا أمست الآن ترسخ الهوية للعرض المسرحي، وعليه، فإننا سنحتاج حتما لقراءات متجددة للسينوغرافيا، فنجد أن أي جزئية في السينوغرافيا تنقسم في حالة الاشتغال، أو يجب أن تنقسم في حالة الاشتغال إلى جزئيات أخرى، وما زلنا نؤكد حضورية الجزئيات السينوغرافية التي تؤدي إلى الفهم، فالخطاب في العرض المسرحي متعدد من حيث إيصال الرؤية الكلية للمتلقي، وإيمانا بأن المتلقي لديه قراءة أخرى للعرض المسرحي من خلال الاشتغال أيضا، وإذ نؤكد الآن بأن السينوغرافيا تزاحم الممثل على خشبة المسرح.
وبناء على الاشتغال في المسرح ومنها السينوغرافيا، يتأكد أن المسرح فن أدائي بامتياز، وهذا القول يؤكد اشتغال كل جزئيات العرض المسرحي، التصورات الفنية والتقنية. وبالاشتغال السينوغرافي في العرض المسرحي، نريد أن يتبنى المجتمع الرؤية المسرحية والاهتمام بها، لأنها تدخل في إطار المعرفة الإنسانية أيضا.
وسؤال الاشتغال السينوغرافي في العرض المسرحي، يحدد إطار الهوية للعرض، ويمثل وجوده أيضا، وهذا يعني أن لكل عرض مسرحي هوية خاصة به. وسؤال الاشتغال السينوغرافي، يقودنا إلى تحديد مفهوم السينوغرافيا في العرض المسرحي، فإما أن تبين عن رؤية علمية وفنية، وإما أن تبين عن رؤية علمية فنية اشتغالية.
ولتحديد مفهوم السينوغرافيا، ارتأينا أن تكون هناك مقاربة لتعريف السينوغرافيا المسرحية إضافة إلى العلم والفن، فهي الاشتغال الذي يشارك في صياغة العرض المسرحي وإنتاجيته، ويستدعي القارئ؛ لإعطاء تأويل متعدد للسينوغرافيا، مما يزيد في فهم وتأويل العرض المسرحي.
ولم يعد تعريف السينوغرافيا بأنها الفن الذي ينسق الفضاء، ثم إن مثل هذا التعريف سينطبق على أي فضاء، مهما كانت الأهداف، أما بما يخص ملاءمته للعرض وتحقيق أهدافه، وهذا أيضا ينطبق على أي قاعة، فالمحاضرة أيضا، لها أهداف في وجود معمار ما، وتجهيزات داخلية، فمثل هذا التعريف لا يمثل الرؤية الناجعة لوضع تعريف حول السينوغرافيا، وهي متغيرة حسب الزمن، وتبدو الآن أكثر انفلاتا، وكأنها تأبى الرؤية القارة.
والسينوغرافيا المسرحية ليست حالة ملحقة بالعرض المسرحي لا بد منها، بل إن السينوغرافيا تجاوزت الوظيفة الإلحاقية إلى حالة تعددية كما أشرت آنفا، والمسرح المعاصر الذي نريده بما يعني السينوغرافيا تجاوز مثل هذه الرؤية، ومثل هذا التعريف لا يسعفنا بقراءة المسرح الآن.
ويشار إلى أن السينوغرافيا Stenographic كمصطلح يوناني بما يتعلق بالرسم المتواجد على الخشبة، هذا التعريف لا يمثل رؤية منطقية مقبولة حول المسرح، فهو يندرج في إطار التشكل للمنظر بشكل عام.
إن الرؤية التي تنظر إلى السينوغرافيا في العرض المسرحي على أنها تأثيث وتزيين، لا تخرج عن صورة للمفروشات في ركن محل تجاري يبيع المفروشات، ولا تختلف عن رؤية صالة مؤثثة في البيت، عندئذ سيكون تأثيث المحل التجاري مثل تأثيث البيت مثل تأثيث العرض المسرحي.
وهذه الصورة في العرض المسرحي بقيت كما هي بحالة الرتابة والنمطية، مثلت رؤية تزيين وتأثيث مكملة وكحالة ضرورية في صالة منزل ما، فيها علم وفن، ولكنها تمثل رؤية نمطية، ونحن نبحث في العرض المسرحي أن تكون السينوغرافيا اشتغالية.
إن سينوغرافيا المسرح تلك الأشياء التي تتعلق بالعرض المسرحي، بل هي تلك الأشياء التي تشتغل في العرض المسرحي، ففي اشتغال السينوغرافيا سيكون المقعد ليس مقعدا.
إن الرؤية الأولى التي تشير إلى السينوغرافيا، تتحدث عن التأثيث والتزيين والضرورة والمكملات، ولو رجعنا إلى القناع كسينوغرافيا مر عليه زمن طويل يتمحور في إطار الرؤية النمطية، فالقناع الذي يكشف عن المرأة الحيزبون، يختلف حتما عن القناع الذي يكشف عن الفتاة الجميلة، وهكذا فإننا سنرى صورا كثيرة للقناع المسرحي في المسرح الشرقي في اليابان والصين والهند، وكان متعددا في المسرح الإغريقي أيضا، فكان ثيسبس يختفي ليتقنع ويمثل شخصية أخرى. فالقناع كان يمثل الشكل، ولكنه لا يمثل الجوانية، إلا من خلال رسومات تبرز على القناع مثل ابتسامة، أو غضب، وهذا غير كاف ليكون القناع ذا بعد متعدد، ثم ستمر السينوغرافيا بمراحل تاريخية ممتدة حتى تترسخ شيئا فشيئا.
حقا نستطيع الاستغناء عن المنظر" الديكور/ التصميم "، ولكننا لا نستطيع الاستغناء عن السينوغرافيا، فعلى سبيل المثال المسرح المفتوح في الهواء الطلق، ما هو الديكور فيه؟ هل هو الشارع؟ هل هو البناء؟ هل هو الأشجار كحالة طبيعية؟ وبما يعني السينوغرافيا لا بد من تواجدها في العرض مهما كانت فقيرة، والسينوغرافيا أكثر من مجرد تواجد، وإنما هي الاشتغال.
القصة الموظفة في اشتغال السينوغرافيا المسرحية
إن اشتغال سينوغرافيا المسرح تبين عن الرؤية الأولى الواجبة في الإخراج المسرحي، إذ يبني المخرج/ السينوغرافي القصة الموظفة أثناء تدريب الممثلين بكيفية التعامل مع سينوغرافيا المسرحية، والقصة الموظفة هي إسقاط الحكاية على سينوغرافيا المسرحية، أي تمثيل السينوغرافيا للموضوع/ النص، لتبدو متعددة، فالسينوغرافيا الثابتة ميتة. وبالحديث عن المقعد والذي نسمه في الاشتغال السينوغرافي بأنه ليس مقعدا، يفترض تبني الرؤية التعددية، وهذا شيء ليس اعتباطيا، وإنما هي دعوة مركزة للذهن الإخراجي باستخدام الأشياء، لتبدو اشتغالية، فالمقعد قد يعبر عن حياة إنسان، فقير، محروم، مستغل، متاجر، معتقل، حب ، تجسس...إلخ. وما ينطبق في رؤية القصة الموظفة في اشتغال السينوغرافيا على الأشياء والمنظر، ينطبق على الصوت والموسيقى، التي ستتبع الحالة الشعورية والخارجية، وينطبق على الإضاءة، والتي ستتبع الحالة الشعورية والخارجية، وينطبق على الملابس أيضا، والتي ستتبع الحالة كدور في الحياة، وتنبثق مرة أخرى من التعامل مع الموقف الخارجي.
نتصور قصة السينوغرافيا من خلال اشتغالها على الموضوع. والموضوع يمثل وعيا " معرفة ". والمعرفة رسالة تنقل إلى المتلقي، والمتلقي يبدو متعددا في العرض المسرحي، وهنا نشير إلى المتلقي العادي، والمتلقي الناقد. ووعي الناقد يستجلي كل الرؤى التي قدمها العرض، وتوجيه وعي المتلقي العادي إلى ما كان مستغلقا عليه، ولذا فالسينوغرافيا تبدو كائنا حيا تتمثل أمامنا بكل روحها الحية المنبثقة عن النص/ الموضوع.
قد يفتح هذا الموضوع أسئلة حول مفهوم اشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي، ولكننا من خلال مقاربة السينوغرافيا المسرحية، نؤكد على أنها لا تهمش النص، بل تؤكد حضور النص، لأنها تنبثق عن موضوع، وتدور حول موضوع ، ولذا فإن العرض المسرحي سيتمثل بـ :
- النص/ الموضوع.
- الأداء التمثيل.
- السينوغرافيا اشتغال السينوغرافيا.
هذه الثلاثية التي تعيد ماهيّات العرض المسرحي، لأن العرض المسرحي لا يتشكل من ماهية واحدة، فهو النص/ الموضوع، وهنا يفترض بنا أن نوضح أن النص هو النص المكتوب أصلا، وليس النص الذي يتشكل على خشبة المسرح كما يعرف بالكتابة الجماعية. إن الرجوع إلى النص لا تعني تقديس النص، وسطوة النص، وما إلى ذلك من مسميات أطلقت لتبين عن انفلات العرض المسرحي، والمخرج المسرحي من النص/ المؤلِّف، ولكنها تعني اشتغال العرض المسرحي على رؤية نصية تبين عن جملة من الأفكار والرؤى التي تسقط الآن على الوضع الإنساني، ونستطيع إسقاط النص أو جزء منه على الحاضر، ثم إن النصوص ليست حالة ميتة، ولكننا نستطيع أن نتبينها بين الحين والآخر. فالمعرفة الإنسانية وإن كانت تبدو متغيرة عبر الزمن إلا أنها تبدو تكرارية، فكل أمثولات الإنسان هي هي منذ البدء، وإن الإنسان ليس واحدا من الناحية الفكرية فهو متعدد، وهذا لا يعني أنه لا يمكن أن تتلاقى الأفكار والرؤى، وإن الاختلاف حالة إنسانية تقود إلى الأفضل، وإن الحياة الإنسانية ليست اعتباطا، بل هي تسير ضمن مسارات تحدد الرؤى الإنسانية في المجتمع الواحد، وبالتالي يتلاقى مجتمع ما مع مجتمع آخر.
لا يوجد هناك وجه حق بإلغاء النص، لأن النص هو ذات الإنسان، ونحن نمثل على خشبة المسرح الإنسان، وهذه الإشارة لا تعني الواقع البتة، ولا يوجد نص يماثل الواقع تماما، وعليه فإن العرض المسرحي لن يمثل الواقع، ثم إن النص بالرجوع إلى مفاهيم عن المسرح مثل: الفهم والإفهام والمعرفة والمتعة والتغيير...، أليست تعني حاجتنا إلى النص؟ وخاصة أن النص حالة سابقة على العرض، والعرض حالة ناتجة عن النص، وهذا يعني أن النص قديم، فمن غير المقبول أن يتحول الموضوع على خشبة المسرح كتابة ركحية أو جماعية أو ارتجالية، لأن العرض المسرحي لا ينتج فجأة ومن رحم الصدفة، إنما ينتج بناء على حالة سابقة عليه، وهنا نؤكد حضور النص.
من الماهيات الأداء التمثيلي، فالمسرح أداء تمثيلي ينبثق من خلال النص المسرحي، والأداء التمثيلي على الخشبة يبدو متعددا، سواء أكان بالحوار البراني أو بالحديث الجواني، فالأداء التمثيلي يبدو متشكلا من خلال حضور ممثل متعدد، إن الرؤية الأدائية على خشبة المسرح تتمثل بكيفية اشتغال الفعل على الخشبة، وهذا ينبثق من خلال رؤية إخراجية، وهذه الرؤية تنبثق من النص.
ومن الماهيات اشتغال السينوغرافيا، وإن بدت السينوغرافيا متعددة كمنظر، وأشياء، وملابس وأزياء، وإضاءة ، وموسيقى، إلا أنها تشكل ماهية في العرض المسرحي، ونحن نشير إلى السينوغرافيا لتشتغل جميعها بشكل كبير، ومنبثقة من الموضوع وليس اعتباطية، ولكننا نؤكد مرة أخرى قد تكون السينوغرافيا التي تشتغل في العرض المسرحي كرؤية فردية تحمل العرض المسرحي برمته، ولذا فإن المتلقي/ الناقد سيوجه كل رؤيته الواعية إلى هذه الجزئية التي يرتكز عليها اشتغال السينوغرافيا التي تنبثق من النص وتشتغل عليه. ونشير بجملة أخيرة إلى أن قصة السينوغرافيا تتعلق بالوعي المعرفي للمخرج، والممثل، والسينوغرافيا، والمتلقي.
انبثاق الرؤى
ويتبع رؤية قصة السينوغرافيا انبثاق الرؤى، والتي تأتي على استنفاد كل الرؤى التي يمكننا أن نوظفها في القصة الموظفة للسينوغرافيا، لتكون السينوغرافيا – مهما كان شكل المادة التي تمثلها السينوغرافيا المسرحية - متشكلة برؤى متعددة، إلى أن نأتي على اشتغال كامل للسينوغرافيا، وتوظيفها إلى أقصى حد تستوعبة القصة الموظفة في اشتغال السينوغرافيا.
إن انبثاق رؤى السينوغرافيا من خلال النص، لن تبدو اعتباطية، بل هي ما تقرأه في النص، وهذه القراءة تعددية، تستطيع أن تنبش كل السينوغرافيا لاكتشاف مدى سعتها؛ لتنبثق عنها الرؤى.
وانبثاق الرؤى قد ترتكز على سينوغرافيا واحدة تحمل العرض المسرحي كله كما ذكر آنفا، وقد تكون من خلال اشتغالات متعددة للسينوغرافيا، وهنا الإشارة إلى مدى ظهور السينوغرافيا في العرض المسرحي.
تفسير سينوغرافيا المسرح والتفسير الأفضل
قد يأتي المخرج/ السينوغرافي بتفسير سينوغرافي ما، ولكنه قد يخدش العرض، أي يعرضه إلى حالة غير متوائمة مع النص/ الموضوع، وعليه يجب أن يأتي بتفسير أفضل، والتفسير الأفضل هو الذي يخلص الرؤية المنبثقة من الخدش أو الضعف.
التفسير الأفضل يستدعي الرؤية الإخراجية والسينوغرافية، لاستنفاد طاقة السينوغرافيا في العرض المسرحي، إن هذه الرؤية تبين عن جماليات السينوغرافيا التي تزاحم الممثل، والتي تنبلج من النص/ الموضوع.
وعلى أساس هذه الرؤى التي اشتغلت عبرها السينوغرافيا من خلال سرد القصة السينوغرافية، وانبثاق الرؤى، والتفسير والتفسير الأفضل، سيبدو العرض المسرحي بأنواع ثلاثة :
الأول : الذي يستطيع استنفاد طاقة الرؤى السينوغرافية المسرحية في العرض، وهذا العرض " الأفضل ".
الثاني : الذي يعمل على انبثاق الرؤى، ولكنه قد لا يستنفدها، وهذا العرض " جيد ".
الثالث : لا يعرف كيفية اشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي، فهو يحجم العرض المسرحي، فهذا العرض " معطل ".
هذا لا يعني أنه لا يوجد هناك عرض غير قادر على استنفاد الطاقة السينوغرافية، وهذا يعني أن استنفاد الطاقة السينوغرافية ليست اعتباطية، بل إن السينوغرافيا تشتغل في إطار الموضوع، وعليه فإن اشتغال الطاقة السينوغرافية ستكون ضمن الموضوع، ولا تشذ عنه، والسينوغرافيا التي هي خارج الموضوع سينوغرافيا مقحمة، ولا يعترف بها كسينوغرافيا للعرض المسرحي.
سينوغرافيا رئيسية في العرض المسرحي
تبرز في العرض المسرحي سينوغرافيا رئيسة دائما، ذات قدرة تأطيرية لكل العرض المسرحي، ويرتكز عليها العرض المسرحي برمته، كأن تكون تلك القدرة تنتج من خلال المنظر العام، وبالاشتراك مع سينوغرافيا أخرى مثل الإضاءة، حتما إن الإضاءة لا يمكن الاستغناء عنها في العرض المسرحي، وإلا سيكون العرض المسرحي أعمى، وهذا يعني لا شيء يمكن أن يبين عن كيفية الاشتغال، ونقصد بالأعمى هنا فقدان الإضاءة على قدرتها الاشتغالية.
فلم تعد السينوغرافيا أشياء ذات نزوع نمطي، ولا بد لها من الاشتغال، لتصيغ العرض وتنتجه برؤى متعددة، ولم تعد السينوغرافيا تحدد مكان الحدث فقط، بل تعدته لتكون هي الحدث والفعل أيضا، ويتطلب منها أكثر من ذلك عندما يبدأ المتلقي بقراءتها في العرض المسرحي. والمنظر المسرحي على سبيل المثال، لا يتبع أي رؤية مقصودة لذاتها، كأن يكون تاريخي، أو معاصر، ولكن من خلال قدرته على الاشتغال في العرض المسرحي، مهما كان النص يبين عن حالة زمنية معينة، لأن الأشياء مدركة من قبل الإنسان، ولكن إدراكها يتجدد عبر الزمن. ونظرية السينوغرافيا المسرحية نظرية زمنية تشير إلى الآن، إنه المسرح المعاصر، وهذا لا يعني أن المسرح ينزع إلى المعاصرة في كل وقت، ولكن الإشارة إلى المعاصرة إشارة زمنية، تمتلك قدرة النظر إلى الأشياء بطريقة مختلفة عما كانت عليه فيما مضى.
وقد تكون سينوغرافيا العرض المسرحي الإضاءة، ويا لجماليات الإضاءة الاشتغالية في العرض المسرحي! إنها تملك حالة قادرة على الإمساك بتلابيب المتلقي، وهي تتنقل به من حالة إلى أخرى، وهي تتلون أمامه بشكل يجعله لا يستطيع إغفال نظره عنها لحظة، وهنا مرة أخرى نشير إلى تلك الإضاءة التي ترفض انحصارها في دائرة أو مستطيل، إن تلك الإضاءة التي نشير إليها ذات قدرة فذة قادرة على نفاذ شغاف كل جوانب العرض المسرحي، في كل حالات العرض المسرحي، هنا نبين عن تلك الإضاءة المتعددة، فزمن الإضاءة التي تستدر الشفقة كلما وصفها أحدهم بالدور أو الوظيفة قد ولّى، لم يعد الزمن يستسيغ تلك الرتابة التي تعبر عن الثبات، بل تلك التي تعبر عن الحركة.
والإضاءة جزئية مهمة في العرض المسرحي، ولم يتخل عنها المسرح، بل رافقته منذ البداية، وهي تضفي طابعا مميزا ومختلفا على المسرح، أي من حيث الحالة الدرامية التي تعرض أمامنا. وبالتالي، فإن الإضاءة المسرحية كسينوغرافيا تشير إلى مداركنا الخارجية من خلال العلاقات مع الآخرين والأشياء، وتبين عن مداركنا النفسية أيضا.
وإن مفهوم الإيحاء في الإضاءة المسرحية، يوضح قدرتها على التجسيد المادي والنفسي والذهني. وهذا التجسيد ينظر إليه من خلال المتلقي، وعليه نجد أن البعد المادي يمثل الصورة المادية الحديثة سواء أكان للممثل أو الأشياء. والتجسيد العاطفي يتمثل بطريقة الحركة والتعبير وصورة الأشياء من خلال تجسيدها ضوئيا، فتبرز أماكن الظل والضوء. والتجسيد الذهني هو الذي يأخذنا إلى حالة رؤية تأويلية بناء على التجسيدين الآخرين المتمثلين بالمادي والعاطفي. ولذا، فإن للإضاءة المسرحية قدرة فذة على توضيح وفهم معطيات العرض المسرحي، وفتح قراءته والقراءة متعددة.
ومن الأهمية الكبيرة التي حددتها الإضاءة اللون، فاللون يتضمن البعد التأويلي، إذ تلعب الألوان كعلامات. وإن للون في الرؤية الإنسانية أبعادا انثربولوجية، وسيكلوجية، فهي متواجدة في الذاكرة الإنسانية الجمعية، وتتوالد بإنتاجية معان أخرى عبر الزمن، والإضاءة في العرض المسرحي ملونة بحسب الموقف التعبيري الخارجي والبعد النفسي، وليست ذات طبيعة أحادية بل تنسحب إلى القراءة التأويلية، ولها حضور نفسي على مستوى الفرد، وتبدو كلغة ضوئية تتماهى مع مجريات الأحداث والطبيعة السلوكية والنفسية للشخصيات، وليست مقحمة وتعسفية.
وقد ترتكز السينوغرافيا على أداء الصوت/ الموسيقى، وهنا لا نشير إلى أداء الممثل، بل إلى ذاك الصوت الذي ينبعث من جوانية الموضوع، ويبدو في حالة حوارية مع الممثل كالمؤثرات الصوتية وبما يقتضيه الموضوع، وهذه الموسيقى، نبقى نكرر رأينا فيها ألا تكون كتلة موسيقية جامدة ذات بعد واحد، وهي متحركة بمعنى أنها قادرة على استقراء الموضوع، وهذا يعني مرة أخرى إن الموسيقى مقطوعات متعددة تمثل الموضوع كله.
والموسيقى/ الصوت، مبثوثة في جوانب الحياة الإنسانية عبر مراحلها المختلفة، ولها حضور في مجريات حياة الإنسان على مستوى الرؤى الذاتية والجمعية. وبما يعني المسرح فقد رافقه الصوت وكذلك الموسيقى منذ البداية، إن المسرح لا يستطيع أن يتخلى عن الأصوات مهما كانت، وقد لا نجد الموسيقى في عرض مسرحي، ولكن حضور الموسيقى يشارك في إنتاجية العرض، فالموسيقى تتفاعل مع الرؤية العامة للعرض كموضوع، ومع الرؤية الجوانية للمؤدي الذي ينطلق من النص، ومع شعور المتلقي، وتستدرج المتلقي لقراءة العرض وتأويله.
وتمتاز الموسيقى بقدرتها الاشتغالية على أن تكون مصنوعة للعرض المسرحي، وليست مجلوبة من أي موسيقى أخرى ، ولكنها قد تتشابه معها، وقد تكون موسيقى محلية مصنوعة من البيئة المحلية.
والأشياء في اشتغال السينوغرافيا ذات رؤية تعددية، قد ترتكز السينوغرافيا على الأثاث المتواجد على خشبة المسرح مثل المقعد، ولا ينظر إليها من بعد زماني أو مكاني، بل من بعد الحضور الاشتغالي في العرض المسرحي.
وبما يخص الملابس تبدو برؤية متماشية مع الموضوع، وهي أيضا بحالة تلقائية ستبدو متعددة، وهذا لا يعني أنها تعبر عن الطبيعة، بل تعبر عن الرؤية الموضوعية/ الإخراجية كما ستبدو في حالة اشتغالها، فالملابس والأزياء تقرر الموضوع، أو هي ناتجة عن الموضع، وقد تحدد الرأي والموقف، عندئذ نتحدث عن تعدديتها وتأويلها.
وبالحديث عن الأزياء والملابس والمكياج/ القناع، لا تنظر نظرية السينوغرافيا المسرحية إلى الملابس من حيث أنها قديمة، تقليدية، تاريخية، معاصرة، بل تنظر إليها من خلال اشتغالها في العرض المسرحي، إذ يفترض بها أن تكون أكثر بكثير من معنى " ملائمة " للتعبير عن الرؤية العامة/ للعرض المسرحي، فمفردة " ملائمة " تعطي فردية للشيء، بحيث تبدو شكلا واحدا رتيبا ومملا، عندئذ نتحدث عن الوظيفة والدور مرة أخرى، إننا نتحدث عن الملابس من أبعاد شتى خارجية، وأبعاد أخرى تبين عن الجوانية النفسية.
المخرج / السينوغرافي في المسرح يقوم بحكاية الموضوع المسرحي في إطار الرؤية السينوغرافية، كتدريبات للممثل، وباعتبار أن النص/ الموضوع هو الذي يؤسس للسينوغرافيا، والسينوغرافيا تابعة للموضوع، وهذه الحكاية السينوغرافية المسرحية تتدرج من 1- 10 كأي قصة تحكيها الأم لطفلها على سبيل المثال، المخرج/ السينوغرافي يحكي القصة السينوغرافية، ليكيف الممثل نفسه بفهم السينوغرافيا في العرض، وينطلق من الموضوع، وهنا الموضوع سيبدو باشتغال ثنائي من خلال الممثل واشتغال السينوغرافيا، وعندئذ سنجد أن السينوغرافيا تشتغل في العرض المسرحي.
أما السينوغرافيا الجامدة فهي حالة سلبية تغتال العرض المسرحي، وستؤثر عليه، بسبب غياب اشتغالية السينوغرافيا، وهذا لا يتوقف على جزئية واحدة في سينوغرافيا المسرح، وقد فصلنا القول فيها. ونحن لا نتحدث عن سينوغرافيا غير حاضرة، فكل ما سيبدو على خشبة المسرح سواء السمعي أو البصري يجب أن يكون متعددا، ولكن في عرض مسرحي معين قد لا نجد سينوغرافيا ما، ولكن هناك حضور لسينوغرافيا أخرى. وبما أننا نتحدث عن كل جزئيات السينوغرافيا، قد يركز المخرج على جزئية سينوغرافية رئيسة بحكاية الموضوع الذي يشتغل عليه، لتكون هذه الجزئية حاملا للموضوع في اشتغال السينوغرافيا المسرحية، وهذا لا يعني أنها لا تتداخل معا كلها أو بعضها، ولكن من خلال الاشتغال حسب.
إن اشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي، تركز على إبراز المعادل الموضوعي للعرض المسرحي، وعندما نقول المعادل الموضوعي، أي تماشي السينوغرافيا مع النص، وهنا التركيز بشكل أساسي على وجود النص، لأنه يملك الحياة ، بل تجدد الحياة كطائر الفينيق.
وبما يعني مسرح الصورة، فإن السينوغرافيا تشتغل على النص/ الموضوع أيضا، وسينوغرافيا مسرح الصورة إما أن تستنفد الطاقة السينوغرافية، أو تشتغل على الطاقة السينوغرافية ولا تستنفدها، أو تكون غير قادرة على اشتغال السينوغرافيا.
السينما/ الفيديو / التلفاز
هذه الأشياء ليست سينوغرافيا مسرحية، بل تعطل سينوغرافيا العرض المسرحي، لأنها تعمل على تشتيت العرض، وهي خارج إطار الموضوع الذي يؤديه كل من الممثل والسينوغرافيا، مهما حاول المخرج/ السينوغرافي إلصاقها في العرض، فهذه الوسائط تشوه العرض من خلال التشتت وانفصام الموضوع كحضور آني. وبما أننا نتحدث عن الاشتغال، نبين أن الاشتغال السينوغرافي مصنوع الآن، وليس مادة مسجلة، فالسينوغرافيا ليست متحفية في العرض المسرحي، وليست وثائقية في العرض المسرحي من خلال الوسائط، إنها تلك الرؤية التي تبين عن مقدرتها بالاشتغال على الموضوع، وهي وضعت منطلقة من هذه الرؤية أصلا، ولذا فإن السينما/ الفيديو/ التلفاز رؤية اعتباطية، والسينوغرافيا من منطلق الاشتغال ليست اعتباطية البتة.
إن المسرح/ العرض المسرحي الذي يستخدم وسائل تسجيلية، يستبعد وجود الممثل على خشبة المسرح، إذ يترك المجال لأشياء أخرى تسجيلية تقول عنه، وهذه الأشياء هي حتما تقود إلى تشتت المتلقي، ويتحول المسرح إلى رؤية تسجيلية، وكأن العرض أمسى خارج نطاق العرض المسرحي الحي.
ومهما كانت غاية المسرح/ العرض المسرحي، دمج الماضي أو استرجاعه من خلال الحاضر، ولكن عن طريق وسائل تسجيلية أخرى، وتلك الوسائل تستحوذ على الحضور وتقصي الممثل أو تهمشه، مما يؤدي أصلا بتشتت الرؤى لدى المتلقي.
وقد تنطبق هذه الرؤية على الإذاعة، مهما قيل عن الإذاعة بأنها صوت، إلا أن الأمر ينطبق على التوثيق، وهي بالتالي قادرة على زحزحة زاوية النظر لدى المتلقي، فهي ستندرج في إطار التشتت، ولكن السينوغرافيا الاشتغالية حالة حوارية مع الممثل، فهي تمثل المواءمة، لأن الممثل والسينوغرافيا يشتغلان على نص متفق عليه يتوجه إلى المتلقي.
وإن السينوغرافيا تؤكد حضور النص، لأنها تنبثق من الموضوع/ الفكرة. لكننا لا نتحدث عن تشكيل ثابت؛ بل رؤى سينوغرافية اشتغالية، أمست كل الأشياء التي تؤسس العرض المسرحي ذات نزوع اشتغالي، فالنص يشتغل على الفكرة/ الموضوع، والمؤدي يؤدي هذا النص، والسينوغرافيا تبين عن ماهية النص ولكن من خلال التعدد، لا توجد هناك أشياء على خشبة المسرح جامدة تستدر الشفقة، تلك الأشياء حالة كأداء ومثلبة في العرض المسرحي، وتبين عن رؤية قاصرة في فهم جماليات السينوغرافيا، وتبين عن رؤية عجز بنقل السينوغرافيا إلى المتلقي، تلك الجماليات التي تبين عن أن السينوغرافيا تجاوزت مفهوم الدور والوظيفة إلى تعددية الفهم وتأويله.
السينوغرافيا الرقمية
لا شك إن عصر الحاسوب ترك أثرا مهما وكبيرا على المسرح، وسيكون له الأثر المهم في مجريات العرض المسرحي، ومن خلال التحكم بأبعاد السينوغرافيا المتعددة.
ومن الأشياء التي ننوه إليها، حديث بعضهم عن المسرح الرقمي، وبما أننا نتحدث عن السينوغرافيا واشتغالها، لا بد أن نبين أن ما يعرف بالمسرح الرقمي، ليس مسرحا، وليس عرضا مسرحيا، وهنا الإشارة لا يقصد بها الحاسوب، فالحاسوب الآن وسيلة مهمة جدا في العرض المسرحي واشتغالاته، من خلاله يتم التحكم بالإشارة الموسيقية والصورة الديكورية والإضاءة ...، وهو وسيلة تقنية حديثة تخدم المسرح/ العرض المسرحي.
والرقمية المسرحية يقصد بها استخدام التقنية الحاسوبية " Computer "، وليس استخدام فرجة حاسوبية. وفي حالة اعتماد الحاسوب كأداة مسرحية عبر تقنية الشبكة الإلكترونية، والتواصل الاجتماعي على سبيل المثال، فهو سيمثل حالة تسجيلية، وبعضهم قد يحلو له بإنتاجية عرض مسرحي من خلال الشبكة الإلكترونية من أماكن متعددة، أي يشارك فيه أناس متعددون من أماكن مختلفة، ولكن هذه الرؤية الرقمية لا تمثل حالة الحضور المسرحي الحي، وهي بالتالي ستكون عبارة عن لعبة رقمية، لا تختلف عن أي لعبة إلكترونية يتشارك فيها بعض الأفراد ومن أماكن مختلفة.
سينوغرافيا المسرح والمجتمع
متى يدرك أن السينوغرافيا المسرحية أشياء حية تملك الأحاسيس التي تتواصل مع الإنسان، وتؤثر فيه، ومادامت هي كذلك فهي حتما تتحرك، وهذا التحرك ينبثق من خلال ما تملكه هذه الأشياء من قدرة استنطاقية لذاتها، وإلا فما الداعي من وجودها على خشبة المسرح، حتى لو كان المسرح في الفضاء المفتوح، فهو يستدعي تلك الأشياء، لتشكل الرؤية القادرة على فهم المجتمع، وعندما يستخدم الإنسان الأشياء في الحياة اليومية، فهي قادرة على محاورته، مهما كانت تلك الأشياء.
ثم إن الأشياء غير مقتصرة على فردية الإنسان، بل هي ذات تعددية مجتمعية، وهي تنبثق من رؤية الإنسان ومحاولة تفسير وتجديد الحياة الإنسانية، وتفسير الحياة الإنسانية وتجديدها ليس برؤية واحدة، فالرؤية الواحدة تمشي عكس قدرة الإنسان التفكيرية، ثم إن الإنسان من خلال النزوع الجواني يبدو متعددا، وهو يتشكل من نزوع مختلف مع الشخص الآخر، فلذا فإنه سيتعامل مع الأشياء في حياته بتعددية، فالمقعد لا يكفي للجلوس، فقد يستخدم كسلم للوصول إلى شيء ما، وقد يستخدم ليكون وسيلة أخرى لشيء آخر، وهذا الشيء الآخر ليس حالة فردية، إنه متعدد.
إن القدرة التفكيرية لدى المجتمع الإنساني، جعلته ينتج الأشياء من خلال البحث عن قدراتها المتعددة، فالإنسان لا يبدو عاجزا وضعيفا أمام الأشياء كحالة صنمية، بل هي ذات قدرات خلاقة تبين عن تعدد معرفي، وعندما نتحدث عن المعرفة، نشير إلى أن الإحاطة بالمعرفة الكلية تبقى برؤى جديدة دائما، وهناك اختلاف بين مجتمع وآخر من حيث الإحاطة بالمعرفة، وهذا يعني اختلاف ما بين إنسان وآخر.
وبما أن المسرح اجتماعي، إذن هو يملك تلك الطاقة المعرفية، والتي قد تكون منتجة أو مكتسبة من آخر، وهكذا، فإن الأشياء في المجتمع تنتج من خلال تعددية الإنسان/ تعددية الفكر، وبالتالي، فإنه لا يوجد هناك نص مسرحي غير قادر على تعددية الرؤية الإنسانية، وكيفية اشتغال الأشياء كحالة تعددية.
إن الأشياء تكتسب هوية معرفية في المجتمع، وكذلك في المسرح، إذ تكون هويتها أكثر وضوحا في إطار زمني محدد جدا. وهذه الرؤية تبين عن اشتغال السينوغرافيا في حياتنا، لتشتغل في العرض المسرحي.
وإن الأحداث والأفعال والرؤى ذات طبيعة توالدية في المجتمع الإنساني، فهي لا تتوقف عن الحركة، والنص يمتلك حالة معرفية كبرى من الأحداث والأفعال والرؤى والإحالات الفكرية، وإن السينوغرافيا المسرحية التي تشتغل على النص حاملة الذاكرة، وهنا لا نشير إلى توثيق الحالة الإنسانية الماضية، بل إلى استحضار الحالة الإنسانية الماضية لتشتغل الآن.
كلمة أخيرة، لا توجد سينوغرافيا جسدية، لأن فسيولوجية الجسد كل مكتمل في مضمون الممثل. ونشير إلى أن العرض المسرحي لا يتعامل مع فضاء الخشبة من حيث الامتلاء بالسينوغرافيا أو الخواء منها، بل من حيث اشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي، مهما كان العرض فقيرا بالسينوغرافيا، ومهما كانت اللغة الوسيلة الراقية في التعبير الإنساني، لكن الصورة تفتح مدارك التفكير. وعليه، فإن قراءة العرض المسرحي تتم من خلال الحضور وليس الغياب، مهما كان الحديث يدور حول السينوغرافيا، ولا بد من الإشارة إلى أن السينوغرافيا، هي عملية مقصودة لذاتها، ولذا فإنها تتطلب حضورا واعيا من قبل المتلقي.
إن اشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي يجعلنا ننظر إليها كرؤية نظرية عملية، لتبدو متعددة تأنف الثبات، وهذا ليس اعتباطيا، وإنما هي دعوة مركزة للذهن الإخراجي باستخدام الأشياء، لتبدو اشتغالية، وهذا ينطبق على كل السينوغرافيا في العرض المسرحي، عندئذ نشير إلى أن اشتغال السينوغرافيا في العرض المسرحي يتعلق بالوعي المعرفي المتعدد لكل ما يعني العرض المسرحي الحاضر.
إن هذه المقاربة تنشط في اشتغال سينوغرافيا العرض المسرحي كاملة، وهي تسعى إلى اكتمال التصور السينوغرافي كرؤية تنظيرية وتطبيقية على العرض المسرحي.
***





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,323,275
- المسرح المدرسي
- جمالية الأداء والإخراج في المسرح الطفلي
- من جماليات العرض المسرحي الطفلي
- اللغة المسرحية
- كينونة المقاومة لدى عبد الرحمن الشرقاوي وكاتب ياسين
- القسوة والقسوة مسرحية هاملت3D
- بترا وجود وهوية، مسرحية صدى الصحراء
- مئة عام من المسرح في الأردن
- ترى ما رأيت تشكيل مسرحي تعبيري
- التوثيق المسرحي
- كتاب المسرحية الشعرية في الأدب المغاربي المعاصر للباحث الجزا ...
- تأريخ المسرح الأردني الحديث
- جهود وتجارب مسرحية عربية
- المونودراما/ مسرح الموندراما
- الممثل المسرحي الذات والأداء والمعرفة
- المسرح الأردني ، إثنوسينولوجيا الفرجة الأردنية - التعليلية -
- المسرح والوسائط


المزيد.....




- -بريد الليل- يوصل هدى بركات إلى البوكر
- المجلس الحكومي يتدارس السياسة الرياضية
- جائزة البوكر العربية تعلن اليوم الفائز بدورة 2019
- مهرجان موسكو السينمائي يعرض فيلما عن تمثال بطرس الأكبر في بط ...
- رسام روسي يجمع ذنوب الإنسانية في مكان واحد
- رغم الجدل.. جائزة -البوكر- تعلن هوية الرواية الفائزة هذا الع ...
- بنعبد القادر يدعو إلى الانتقال إلى تدبير مهني مبني على الكفا ...
- فنانات يكشفن عن أعمارهن وأخريات يتكتمن عليه
- جائزة البوكر العربية.. تسريبات واعتذارات
- هؤلاء هم رؤساء اللجان البرلمانية الجدد


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منصور عمايرة - نظرية اشتغال سينوغرافيا المسرح