أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - في الرد على إسلام بحيري 2














المزيد.....

في الرد على إسلام بحيري 2


هشام آدم

الحوار المتمدن-العدد: 4659 - 2014 / 12 / 11 - 01:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أُكمل في هذا الجزء ما جاء في مقال الكاتب إسلام بحيري (الدين والإلحاد وجهًا لوجه)، وسوف أبدأ هذا الجزء بمواصلة الحديث حول مسألة صعوبة تعريف الإلحاد، والتي أشرتُ إلى بعض أسبابها في المقال الأول، مع الإشارة إلى إصرار الكاتب على أنَّ الإلحاد هو (إنكار) وحصر صعوبة تعريف الإلحاد بأنه لا يُعرف إنكار ماذا على وجه التحديد، وهنا أعرض تعريفي للإلحاد، والذي أزعم أنه التعريف الموضوعي والأصيل للإلحاد؛ إذ أنَّ الإلحاد هو ((عدم الإيمان بوجود إله أو خالق))، مع ضرورة الانتباه الشديد للفارق بين فكرة الإله وفكرة الخالق على النحو الذي تقدم في الجزء الأول؛ وبناءً على هذا التعريف أقول إن الفارق الأساسي والجوهري بين المؤمن والملحد هو أنَّ المؤمن يضع فرضية لسبب نشوء الكون دون أن يُقدم عليها أي دليل يُذكر، بينما الملحد هو الشخص الذي يرفض هذه الفرضية بسبب عدم توفر دليل يسندها، وأرى أنَّ فكرة رفض أي فرضية ليس عليها دليل هو أمر عقلاني ومنطقي جدًا، ولكن هذا يقودنا إلى نقطة شديدة الأهمية؛ إذ أنه من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن الملحد (يؤمن) بعدم وجود إله؛ فالإلحاد ليس إيمانًا مُضادًا، بل هو نقيض للإيمان. فالإيمان بشيء هو ادعاء، والادعاء لا يقوم إلا بدليل، فنحن لا نقول إننا لا نؤمن بكذا ونؤمن بكذا، ولكننا فقط نقول إننا نرفض الإيمان بشيء ليس عليه دليل، ولهذا قلتُ في الجزء السابق إن الإلحاد موقف فكري وفلسفي لا أكثر ولا أقل، ولهذا فإنني أستغرب كثيرًا من المقولات المتداولة بكثرة من أنَّ الإلحاد إيمان أيضًا، وهذا راجع فقط إلى عدم الفهم الصحيح للإلحاد ومعناه. ومن الخطأ الكبير جدًا أن تقول لمًلحد: "إذا كنتَ لا تُؤمن بوجود الله، فبماذا تؤمن؟" هذا سؤال خاطئ تمامًا، فالملحد لا يؤمن بشيء، بل هو ببساطة شديد يرفض الإيمان بشيء ليس عليه دليل.

المغالطة الثالثة التي ذكرها الكاتب إسلام بحيري في مقاله الأول هو اعتماده على مسألة (غموض ظاهرة الموت)، وكثيرًا ما يعتمد المؤمنون على الربط بين الإيمان بالخالق وبين الموت، والحقيقة أنني لم أفهم إطلاقًا العلاقة بين هذين الأمرين؛ فما علاقة الموت بموضوع وجود أو عدم وجود الخالق؟ يقول الكاتب في مقاله حرفيًا: "وسوف يظل الموت لغزاً أمام كل ملحد، وطلسماً لا يستطيع فك رموزه، طالما أنه لا يستهدي بهدي الأنبياء والرسل"(انتهى الاقتباس) هنا يجب الانتباه إلى نقطتين أساسيتين كانتا على الدوام سر بقاء الإيمان وديمومته (وهو ما سوف يواجهنا في المغالطة التالية)؛ إذ أن الجملة السابقة المشار إليها في الاقتباس أعلاه مربوطة لدى الكاتب بجملة سابقة عليها تقول نصًا: "فخطير جدا وخسارة فادحة أن يضل الإنسان عن هذه الحقيقة. فإن هذا سيكلفه الكثير في الدنيا و في العالم الآخر الذي لا يؤمن به"(انتهى الاقتباس) وعندما نربط الأمرين معًا نخلص إلى أنَّ أحد أهم مقومات ديمومة الإيمان كان وما زال مرتبطًا بالخوف والجهل: الجهل بالظواهر الطبيعية (الموت)، والخوف مما بعد الموت. والإنسان –باستمرار- أسير للخوف من المجهول، ولكن ما الذي يجعل الموت أمرًا غامضًا إلى الحد الذي يعتبره الكاتب سرًا وطلسمًا يخص الملحدين دونًا عن غيرهم؟ هنا يأتي دور الإيمان ليهب للمؤمنين الوهم الجميل بأنَّ هنالك تفسيرًا للموت، وأن هنالك حياة أخرى بعد الموت، ولكن هذا الوهم يجعلهم –أيضًا- في حالة من القلق الدائم حيال مصيرهم بعد الموت؛ ولذا فلا يُمكن لمؤمن أن يتناقش مع ملحد دون أن يزرع الترهيب في خطابه، وهذا الترهيب هو جزء من الرهبة التي تربطه بهذا الإيمان، فبقاء المؤمن على إيمانه مرتبط بقوة بهذا الخوف الذي يُحاول أن ينقله إليكَ في خطابه، ولاشك أن المؤمن الخائف من الموت ومما بعد الموت يُحيره أمر الملحد الذي تخلص من هذا الخوف، وهذا سر شعوره بالرثاء الظاهري حيال الملحد، وما هو في حقيقته إلا شعور بالضعف والجُبن، تمامًا كما يشعر أحد المصابين بالأكروفوبيا – acrophobia (فوبيا الأماكن المرتفعة) حيال الأشخاص الذين يُمارسون رياضات القفز من الأماكن الشاهقة، أو المشي على الحبل بين مرتفعين شاهقين؛ فلاشك أنهم داخليًا يتمنون أن لو كان بإمكانهم أن يفعلوا كما يفعل هؤلاء، ولكن يحول الخوف المَرَضي دون ذلك.

الموت مرتبط بالحياة، والذي يخاف من الموت هو إنسان جاهل بعلوم الأحياء ولم يفهم معنى الحياة ولا قوانينه البيولوجية التي أصبحت متاحة الآن أكثر من ذي قبل. الموت ليس سرًا أو طلسمًا؛ بل هو قانون بيولوجي صرف، ولكنه كان كذلك عندما كان الإنسان البدائي الجاهل يرى أقاربه وأصدقاءه يموتون أمامه دون أن يفهم سبب موتهم ذلك، اليوم بإمكاننا القول بأنَّ الموت (ككل شيء آخر) يحدث بسبب، لأنه لا شيء على الإطلاق في هذا العالم يحدث بلا سبب، وكما تقول الأمثال (إذا عُرف السبب بطل العجب)، فنحن اليوم نعرف أن الأمراض الظاهرة والباطنة هي التي تؤدي إلى سبب الوفاة، فالفيروسات والبكتيريا والكائنات المجهرية الدقيقة قد تتسبب في وفاة الإنسان دون أن يُدرك شخصٌ بوجود هذه الكائنات، وقد يموت الإنسان بسبب عطل في أحد الأجهزة أو الأعضاء الحيوية، ويكون ذلك ناتجًا عن سلسلة من العمليات الفسيولوجية الداخلية التي لا يُمكننا رؤيتها، فيكون تراكم هذه العمليات سببًا في تفاقهم المشكلة التي لا نشعر ظاهريًا بوجودها، فكثير من الوفيات تحدث بسبب عدم الإلمام الجيد بالثقافة الصحية أو الثقافة الغذائية التي تعمل على تدمير جسم الإنسان من الداخل ببطء شديد، ومن الناحية العملية فكثير من الحالات يتم إنقاذ حياة ملايين الناس من الموت المحقق عندما يتم تدارك بعض الأمراض في وقت مبكر، وقد يتوقف القلب عن النبض وينجح الطاقم الطبي في إعادة تشغيل عضلة القلب مرة أخرى بواسطة الصدمة الكهربائية. مثل هذه الحالات نراها ونسمع عنها كثيرًا، وهي حالات لتحدي الموت بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ولكن هل يعني التقدم الطبي والتكنولوجي أنَّ الإنسان أصبح بمقدوره محاربة الموت وتحديه بشكل نهائي؟ هذا الأمر لا يُمكن الجزم به الآن (رغم أن العلماء يعملون على ذلك فعليًا)، ولكن هنالك دورة حياة لكل كائن، وحتى إذا لم يتعرض الإنسان للأمراض فهذا لا يعني –مبدئيًا- أنه لن يموت، لأنه وإن ظل بعيدًا عن الفيروسات والأمراض المميتة، إلا أنه سيكون واقعًا تحت قانون الموت البيولوجي الذي لا يُمكن كسره إلا بمعرفة علمية كاملة عن معنى الحياة؛ فالعلماء الآن يبحثون حول هذا الأمر، فلماذا هنالك كائنات تعيش لساعات، أو أسابيع أو أشهر أو سنوات بينما هنالك كائنات لا تموت؟ نعم! هنالك كائنات لا تموت فالهيدرا مثلًا(1) له القدرة على تجديد خلايا؛ وبالتالي فهو يظل محتفظًا بشبابه باستمرار، وفي موسوعة الويكيبيديا الإنجليزية نقرأ ما قيل عن هذا الكائن:
Biologists are especially interested in Hydra due to their regenerative ability-;- and that they appear not to age´-or-to die of old age
وترجمة هذا الكلام على النحو التالي: "وعلماء الأحياء مهتمون بالهيدرا بشكل خاص لقدرتها على التجدد، وكونها لا تموت ولا تتقادم في العمر."(انتهت الترجمة – المصدر في الهوامش)

وكذلك كان التيولا واسمه العلمي (Turritopsis dohrnii) وهو نوع من قناديل البحر، وهو كائن خالد بالمعنى الحرفي للكلمة، ويقوم العلماء بدراسة خصائص هذه الكائنات ربما لمعرفة الكيفية التي تجدد بها هذه الكائنات خلاياها باستمرار، وبالتالي معرفة إمكانية الاستفادة من هذه الخاصية وتطبيقها على الإنسان؛ فالموت لم يعد لغزًا كما كان في السابق، ولكن علينا فقط أن نفهم الحياة لنعرف ما هو الموت، وربما في المستقبل نعرف كيف يُمكننا هزيمة الموت، وحتى إن لم نعرف ذلك، فهذا لن يُقدم أو يؤخر في الأمر شيئًا، وكما قلتُ سابقًا، فمشكلة المؤمنين مع الموت منبعها خوفهم مما بعده، وما نعرفه بشكل قطعي هو أنَّ الموت يؤدي إلى رفع الحصانة البيولوجية عن المواد العضوية في جسم الإنسان، وبالتالي تحلل الجسم إلى المواد الأولية، التي تمتصها الكائنات الأخرى كالديدان والنباتات؛ فتدخل هذه المواد الأولية في دورة حياة جديدة ومستمرة دون توقف. وكما قلتُ سابقًا فإن الفارق الأساسي بين المؤمن والملحد، هو أنَّ المؤمن يضع فرضيات لا يمتلك عليها دليلًا، بينما الملحد لا يعترف إلا بما يوجد عليه دليل، فعندما يضع المؤمن فرضية البعث بعد الموت، فلابد أن يُقدِّم دليلًا على إمكانية حدوث ذلك، بينما الملحد الذي يرفض هذه الفرضية فإنه يرفضها بسبب عدم وجود أدلة من ناحية، وبسبب معرفته (المُعززة بأدلة علمية) بما الذي يحدث للإنسان بعد الموت.

المغالطة الرابعة التي سردها الكاتب في مقاله هو اعتماده على مقولة للمفكر الإسلامي البوسني علي عزت بيجوفتش (لماذا ظل الناس يفعلون ذلك؟) التي كانت ردًا على ما قاله سيجموند فرويد عالم النفس الشهير، بأن الإنسان هو من خلق الله، وليس العكس وأنه سوف يترك فكرة الاعتقاد بوجود الإله يومًا ما، ويُعلِّق الكاتب على ذلك قائلًا: " أنت يا فرويد تفترض أن الإنسان فعل هذا حين كان بدائيا و بسيط التفكير، لكن الإنسان الآن في القرن العشرين, و ما زال علماء كبار و فلاسفة و مفكرون و أذكياء من البشر يؤمنون، وهم الأكثر"(انتهى الاقتباس) والحقيقة أنَّ هذه الحجة تعتبر مغالطة ببساطة لأنها تتجاهل الواقع كليًا، فنظرة سريعة على المجتمعات البشرية خلال السنوات العشر الماضية سوف تُظهر لنا مدى الانحسار الكبير والرهيب جدًا في الدين، حيث سجلت البشرية انسحابًا غير مسبوق عن كثير من المعتقدات الدينية التي كان لها رسوخ أكبر بكثير مما هي عليه الآن، ولن أتكلم عمَّا يُمكن أن يُسمى بالمد الإلحادي في العالم كله تقريبًا، لأنَّ هذا الأمر لا يُمكن حسمه بالإحصاء بشكل دقيق، وعلى أي حال فمدى صحة الفكرة أو عدم صحتها غير مرتبط كثيرًا بمدى معتنقيها، فالأهم من مسألة الإحصاء هو وجود أدلة تدعم فعليًا هذه الفكرة أو الفكرة الأخرى؛ فإذا قلنا إن تعداد سكان العالم الآن نحو 7.2 مليار نسمة تقريبًا، وقلنا إن 6 مليار من بينهم يؤمنون بفكرة لا يوجد عليها دليل واحد علمي أو مادي، بينما 1 مليار فقط يؤمنون بفكرة مُدعمة بدليل علمي أو مادي، فهل يُصبح للمعيار الإحصائي أي قيمة في هذه الحالة؟ أعني هل يُمكن ترجيح الفكرة فقط باعتبار أن الأكثرية المؤيدة لها أم يتم ترجيح الفكرة بذاتها من حيث الأدلة المُثبِتة لها والمُؤكدة عليها؟ لقد رأينا في المغالطة السابقة كيف أن الجهل والخوف كانا عاملين حاسمين في بقاء وديمومة الإيمان لدى كثير من المؤمنين، والحقيقة إنه ورغم التقدم العلمي الكبير الذي أنجزته المجتمعات البشرية إلا أنَّ الإيمان ساهم كثيرًا في تغييب العقول بحيث يتم رفض العلم طالما كان متعارضًا مع مُسلمات إيمانية وكان يمس بمعتقدات دينية، وهذا ساهم بدوره أيضًا في استمرار الأديان واستمرار المعتقدات، ولا غرو أن نرى كثيرًا من أصحاب الشهادات الأكاديمية العليا مقتنعين بأفكار ومعتقدات دينية منافية للعلم والنظريات العلمية، فمدى التحصيل الأكاديمي في الحقيقة ليس له علاقة بالمعتقدات في كثير جدًا من الحالات، لأن المعتقدات الدينية أصبحت (بعد مرور قرون طويلة) جزءًا من الهوية لدى كثير من الناس. إذن؛ فبقاء وديمومة الإيمان في الحقيقة ليس دليلًا على أي شيء، وسيظل الإنسان متمسكًا بمعتقداته الدينية طالما ظل خائفًا من الموت ومما بعد الموت؛ ولهذا السبب تحديدًا تقوم الأديان على مبدأ الحساب والعقاب، أو ما يُمكن أن يُطلق عليه مبدأ (الترهيب والترغيب)، فلو اعتمدت الأديان على مبدأ المكافأة فحسب، لانحسرت الأديان مع أول نظرية علمية تضرب الأديان في صميمها، ولكن يظل مبدأ الترهيب أيضًا عاملًا مهمًا جدًا في ديمومة الإيمان واستمراره.

يقول الكاتب في مقاله نصًا: "وحتى الآن لا يملك الملحدون براهين أو حجج قوية على مذهبهم اللاعقلاني"(انتهى الاقتباس) وأنا في الحقيقة لا أفهم ما هي البراهين التي ينتظرها المؤمنون من الملحدين؟ فهل يُقدم الملحدون ادعاءً حتى يُصبحوا مطالبين بتقديم براهين أو أدلة عليه؟ هذه الحجة السخيفة تتكرر باستمرار، رغم أنَّ المطلب نفسه ليس منطقيًا من الأساس(!) قلنا فيما سبق أن الإلحاد هو موقف رافض لتصديق أي فرضية لا يوجد عليها دليل، فكيف يُصبح الملحد مُطالبًا بتقديم دليل على موقفه الرافض من تصديق الفرضية التي لا يوجد عليها دليل(؟!) ودعوني اضرب مثالًا لتوضيح الفكرة الواضحة.

إذا افترضنا أنَّ هنالك مجتمعًا بدائيًا لم ير ولم يسمع عن حيوان الكنغر على الإطلاق، ومرَّ بهم رجل استرالي، وبدأ يُحدثهم عن الكنغر من حيث: الشكل، الأوصاف، طريقة التكاثر، النظام الغذائي، متوسط دورة حياته، النطاق الجغرافي الذي ينتشر فيه ووو إلخ. في هذه الحالة فإن البدائيين سوف يكونون قادرين على رسم صورة "ذهنية" عن الكنغر من خلال ما قاله هذا الشخص، ولكن وجود هذه الصورة الذهنية للكنغر لن يجعل الكنغر موجودًا بالنسبة لديهم بالضرورة، أعني أنه لن يكون بإمكان أحدهم أن يجزم بشكل قاطع أن هذا الحيوان بهذه الأوصاف موجود فعلًا، فقط اعتمادًا على كلام هذا الأسترالي. الحقيقة أن كل ما فعله هذا الاسترالي هو أنه طرح فرضية لم تكن مطروحة عند هؤلاء البدائيين من قبل، وهؤلاء البدائيين الآن أمام خيارين: التصديق الكامل بأن هذا الكنغر حقيقة وموجود، أو تكذيب وجود هذا الكنغر. وفي هذه الحالة فإن المصدقين بوجود الكنغر وجودًا يقينيًا لا يملكون أي دليل على وجود الكنغر إلا كلام الاسترالي، في حين أن الرافضين لفكرة الكنغر ليسوا مطالبين بتقديم أي دليل لأن الواقع يقول إن الكنغر (قبل مجيء الاسترالي) لم يكن له أي وجود في أذهانهم، وبالتالي فإنَّ موقفهم هذا لا يتطلب أي دليل، فما هو الدليل الذي من المتوقع أن يقدمه الرافضون لفكرة الكنغر؟ لا شيء على الإطلاق، ويتبقى أمام المصدقين بفكرة الكنغر أن يقدموا دليلًا ماديًا على وجود الكنغر يجعل فكرة الكنغر تنتقل من مجرد صورة ذهنية في أدمغتهم إلى حقيقة موضوعية لها وجودها المستقل تمامًا، وفي هذه الحالة لن يكون أمام الرافضين أي حجة لرفض أو إنكار فكرة الكنغر؛ وإلا سيكونون مُكابرين لا أكثر. بالتأكيد ستكون هنالك فرضية لا يُمكن الاستهانة بها، وهي احتمالية أن يكون الرجل الاسترالي كاذبًا، ولكن إذا افترضنا أن هؤلاء المصدقين بطريقة ما استطاعوا أن يمتحنوا ويتحققوا من صدق الاسترالي، بحيث تصبح فرضية الكذب غير مقبولة بالمطلق، فإن المعضلة ستظل قائمة: مازال الكنغر صورة ذهنية في الأدمغة، وصدق الاسترالي لن يجعل للكنغر وجودًا موضوعيًا. فإذا لم يستطع الاسترالي إثبات وجود الكنغر الذي يصفه بطريقة تجعل فكرة الكنغر مُدركة حسيًا عِوضًا عن كونها مُدركة ذهنيًا، فسوف يظل الشك يعمل في صالح المتشككين والمكذبين. الآن؛ لو أننا افترضنا حوارًا بين أحد المصدقين وأحد المكذبين، فإن الحوار سيكون على النحو التالي:
• أنا مقتنع تمامًا بوجود الكنغر.
• هل تملك دليلًا على وجود هذا الكنغر غير كلام الاسترالي؟
• لا، فهل تملك أنتَ دليلًا على عدم وجود الكنغر؟

مطالبة هذا الشخص بدليل على عدم وجود الكنغر هي مطالبة غير منطقية، لأن عجزه عن تقديم دليل واضح على وجود الكنغر هو في حد ذاته دليل على عدم وجوده(!) فنحن بحاجة إلى دليل لإثبات الادعاء، والملحد لا يدعي شيئًا بل هو فقط يتشكك في الادعاء، ولا يقبل بأي فكرة بدون دليل. ولا أدري لماذا يُصر الكثير من المؤمنين على وضع العربة أمام الحصان دائمًا. ومن الناحية العلمية المحضة فإنَّ أي فرضية غير قابلة للتحقق هي فرضية خاطئة، فلا يُمكنك مثلًا أن تفترض شيئًا بدون دليل، ثم تطالب بدليل على عدم صحة الفرضية التي لا دليل عليها(!)

يتبع ...




--------------------------------
المراجع:
(1) موسوعة الويكيبيديا – الهيدرا
http://en.wikipedia.org/wiki/Hydra_(genus)

(2) موسوعة الويكيبيديا – التيولا
http://en.wikipedia.org/wiki/Turritopsis_dohrnii





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,607,807,997
- في الرد على إسلام بحيري
- رسالة إلى الدكتور سيد القمني
- المسلمون الجدد - 4
- المسلمون الجدد - 3
- المسلمون الجدد - 2
- المسلمون الجدد - 1
- بتروفوبيا إلى الإنجليزية
- السَّنافر - 3
- السَّنافر - 2
- السَّنافر - 1
- المُعاناة في حياة المُلحد
- الخالق ورطة الخلقيين
- مصير الأنبياء
- الحجاب والحرية الشخصية
- دفاعًا عن نظرية التطور
- خطايا السَّيد المسيح - 2
- خطايا السَّيد المسيح
- فضائح السَّند والمتن في علم الحديث
- الالتفاتة الأخيرة لخلدون
- رَمَدُ العُيون في مقالة المدعو خلدون


المزيد.....




- صحيفة: -اجتماع سري- بين فيلق القدس والإخوان المسلمين لاستهدا ...
- تقرير: تركيا استضافت اجتماعا نادرا في 2014 جمع بين قياديين ف ...
- حرس الثورة الاسلامية في ايران يشدد على تلبية المطالب المشروع ...
- التحالف الشعي يرسل تحية لنضال الشعوب العربية ضد الطائفية وال ...
- وثائق تكشف -القمة السرية-.. الإخوان وفيلق القدس بحثوا في ترك ...
- لماذا يبقى المناضل والناخب الاسلامي تائهاً بانتخابات الجزائر ...
- اتفاقية تعاون بين الهيئة الإسلامية والمركز الثقافي التركي با ...
- رفض الطائفية ونادى بعراق مدني.. الراحل عدنان الباجه جي في سط ...
- القبض على مطلوب في سلفيت صادر بحقه 7 مذكرات قضائية
- وثائق مسربة تكشف سياسة "بلا رحمة" للصين في حق أقلي ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - في الرد على إسلام بحيري 2