أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بن زكري - فصول من تراجيديا الربيع العربي















المزيد.....



فصول من تراجيديا الربيع العربي


محمد بن زكري

الحوار المتمدن-العدد: 4339 - 2014 / 1 / 19 - 17:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من مانهاتن إلى باب العزيزية :
في الخطاب السنوي عن حالة الاتحاد (State of the -union- speech) أمام جلسة مشتركة للكونغرس الأميركي - مجلسا النواب والشيوخ - في 29 يناير سنة 2002 ، وعلى خلفية حدث الهجوم الإرهابي (11/9/2001) على برجي مركز التجارة العالمي في مانهاتن بنيويورك ؛ تحدث الرئيس الأميركي الأشد يمينية ليبرالية (والأشد غباء) جورج بوش الصغير ، فقسّم العالم إلى محورين اثنين : محور الخير ومحور الشر ، وذلك على قاعدة (من ليس معنا فهو ضدنا) ، تماما كما قسمه زعيم تنظيم القاعدة الأشد يمينية إسلامية (والأشد إرهابا) أسامة بن لادن .. إلى فسطاطين : فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر . وطبعا فقد وضع جورج بوش الصغير أميركا - وهي إمبراطورية الشر المطلق - على رأس قائمة محور الخير ، بينما أدرج كلّاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية في لائحة دول محور الشر (axis of evil) من حيث كونها دولا تهدد السلام العالمي ، وتشكل خطرا على الأمن القومي الأميركي ، بسعيها لامتلاك أسلحة الدمار الشامل ، وهي الذريعة التي استخدمتها الإدارة الأميركية لتبرير غزو واحتلال العراق سنة 2003 .
وفي أحد بياناته أمام مجلس الأمن الدولي - 6/5/2002 - تحدث السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة ، وأحد غلاة المحافظين الجدد (جون بولتون) فوسع دائرة الدول المارقة ، معتبرا كلا من سوريا وكوبا وليبيا ضمن محور الشر (beyond the axis of evil) الذي يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة و السلام العالمي .
وبينما تم استدراج نظام البعث العراقي - بزعامة الدكتاتور صدام حسين - إلى حرب الخليج الثالثة ، التي انتهت بسقوط بغداد يوم 9/4/2003 ، وتدمير الدولة العراقية تدميرا كاملا ، واحتلال العراق احتلالا عسكريا مباشرا ، بإدارة المندوب السامي الأميركي بول بريمر ؛ فقد استوعب ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين والقائد الأممي العقيد معمر القذافي درس العراق ، فبادر بالانبطاح الكامل تحت نعل اليانكي .. مبديا - هو ونظامه - كل فروض الولاء والطاعة لماما أميركا ، وسلّم لها كل مخزون النظام - الذي كلف خزانة الدولة الليبية ما قُدر بسبعة مليارات دولار - مما يندرج تحت عنوان أسلحة الدمار الشامل ، فضلا عن تسليمها ليبيا جملة وتفصيلا .. مقابل الإبقاء عليه في السلطة وتوريثها لأولاده ، وهو الإنجاز الأهم للرئيس جورج بوش الثاني ، الذي كان يحلو له أن يسمي نفسه الرئيس المحارب ، ما أدى إلى دخول أميركا في شهر عسل طويل مع جماهيرية قذافيستان العظمى ، استمر حتى انتفاضة فبراير 2011 ، متمظهرا في مشروع ليبيا الغد - لسيف القذافي - المستنسخ من النموذج الأميركي لليبرالية الجديدة (new liberalism) ، غير أن أميركا التي أدركت أن نظام ملك ملوك أفريقيا قد بات ورقة خريف ساقطة من حساب الواقع ، سرعان ما تخلت عن ترددها في اغتنام الفرصة للالتفاف على الانتفاضة الشعبية (العشوائية) الليبية ، وتصفية الحساب القديم مع نظام العقيد معمر القذافي ، بالانقضاض لتدمير ترسانة مخزونه الهائل من السلاح والعتاد الذي كان أغلبه روسياً ، وهو ما استغرق ثمانية أشهر من القصف المركز ، انتهت بإلقاء القبض على الدكتاتور في الوقت الذي أرادته قيادة القوات المشتركة للناتو ، وتصفيته بالكيفية المعروفة ، لتموت معه أسرار علاقته بأميركا وحلفائها في النظام الراسمالي العالمي ، ويلف الغموض مصير مئات مليارات الدولارات الليبية المهربة في شكل سيولة مالية و أسهُم ببنوك الغرب وشركاته القابضة واستثمارات - متعددة الأنشطة الاقتصادية - يصعب حصرها ، على امتداد قارات العالم . وليس من عزاء للشعب الليبي عن ثروته المنهوبة وعذاباته المريرة لعقود من سياسات التجويع وكتم الأنفاس ؛ رغم سقوط باب العزيزية يوم 20/8/2011 . .
وعودة بالذاكرة إلى تداعيات (غزوة مانهاتن) الإرهابية الإسلاموية ، وما نتج عنها من وضع اليد الأميركية على أفغانستان ، حيث كانت الحملة الإعلامية المكثفة للنظام الراسمالي المعولم ، بقيادة حكومة العالم في وول ستريت ، قد أعدت الرأي العام العالمي لتقبُّل إعلان الأميركان أنه ما أن يفرغوا من الحلقة الأفغانية ، حتى تتوجه قاذفاتهم إلى مسرح العمليات الأهم في الشرق الأوسط ، بدءً من العراق الذي يتوجب أن تعاد هيكلته جيوبوليتيكيّاً ودستوريا . وكان متوقعا أن يتم الانسحاب بالسيناريو الذي سيطبق في العراق ، ليجري تعميمه على الدول المحورية في المنطقة ، وهي تحديدا سوريا ومصر والسعودية وإيران .
غير أنه مع ما استجد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، مما أطلقت عليه آلة صناعة الرأي العام الغربية اسم ثورات الربيع العربي ، فقد تغير مسار وضع اليد الأميركية - ومن ورائها الغرب الراسمالي والشركات العابرة للقوميات - على المنطقة ، ورسم الخارطة الجيوستراتيجية للشرق الأوسط الكبير ، بالرغم من نجاح السيناريو في العراق وما أفرخه من فوضى (خلاقة) ، لا زالت منذ أحد عشر عاما تعيد رسم جغرافيته السياسية بالدم .
وبالقضاء المبرم على كيان الدولة وقدراتها العسكرية ، في كل من العراق وليبيا (في العراق بالغزو العسكري المباشر، وفي ليبيا بالاستثمار في الانتفاضة الشعبوية ضد نظام القذافي) ، ومع تعذر إيجاد الظروف المواتية للحسم عسكريا مع كل من كوريا الشمالية وإيران ؛ لم يبق إلا التركيز على سوريا ، باعتبارها الدولة الأضعف من دول محور الشر وفق التصنيف الأميركي ، الذي يحمل توقيع جورج بوش الصغير والمحافظين الجدد .
أميركا تقود الحرب على الدولة السورية :
فمهما تكن الأغلبية التي تحكم أميركا - من الجمهوريين أم الديمقراطيين - ومهما يكن شخص الرئيس الأميركي ، تظل السياسة الخارجية الأميركية واحدة لا تتغير ، وهي سياسة فرض الهيمنة عبر مختلف أشكال التدخل العسكري وإثارة الحروب المحدودة ودبلوماسية تحريك الأساطيل الحربية والتلويح بالقاذفات بعيدة المدى . يقول الفيلسوف الفرنسي جورج لابيكا : " الحرب هي عامل وجود الولايات المتحدة " ، ونضيف إن الحرب - بجميع صورها - ضد العالم كله ، هي عامل استمرار إمبراطورية الشر أميركا ، بدءً من حملات الإبادة الجماعية لشعوب الهنود الحمر .. خصوصا على أيدي المهاجرين الانجليز ، وليس انتهاء إلى قيادتها حملة تدمير كيان الدولة السورية عسكريا ، التي تقف بريطانيا (الأم الاستعمارية) في خلفية أحداثها ؛ حيث كشف رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي الأسبق ، في حديثه إلى إحدى القنوات الفضائية الفرنسية ( قناة LCP) ، أن المؤامرة على سوريا قد بدأت من بريطانيا ، و أن خطة ضرب سوريا كانت مجهزة منذ وقت بعيد قبل الأحداث التي وقعت في عام 2011 ، وفق ما علِمه شخصيا ومباشرة ، في لقائه بمسؤولين بريطانيين ، أطلعوه أن بلادهم كانت تحضر لشيء ما ضد الدولة السورية ، جرّاء استمرار مناهضتها لإسرائيل .
وبمنظور أن إسرائيل تمثل الامتداد الستراتيجي للغرب الراسمالي ومصالحه الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، ومع تداعيات الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها مراكز النظام الراسمالي العالمي ، بما فيها المركز الأميركي ، على نحو يتهدد دولا كاملة منه بالإفلاس ؛ نستطيع أن نفهم الموقع المحوري لإسرائيل - وبخاصة كدولة يهودية - في خارطة الشرق الأوسط الكبير ، الذي يخطط الغرب لتفريخه من رحم الحروب المتنقلة ، وعبر مخاض الفوضى الخلاقة ، المبرمجة في مختبرات السي آي إيه ؛ الأمر الذي هيأ له تطور أحداث الانتفاضات الشعبية ضد نظم الاستبداد والفساد في المنطقة .
فكما ركب الغرب موجة الانتفاضات الشعبية فيما سمي بثورات الربيع العربي في شمال أفريقيا ، واستطاع أن يحرفها عن أهدافها - وخاصة في ليبيا - تحت القيادة الأميركية ، وبالتقاطع مع مصالح الفئات الكومبرادورية والراسمالية الطفيلية التابعة من الإسلاميين والليبراليين الجدد ؛ فقد سارع إلى تبني ودعم انتفاضة الشعب السوري ، في مواجهة النظام الدكتاتوري الشوفيني لحزب البعث ، الذي ضيق على الناس حتى ضاقوا به ذرعا ، وخاصة بعد أن تحول النظام إلى اعتماد وتطبيق سياسات ما يسمى اقتصاد السوق الاجتماعي ، في سياق الانفتاح على السوق الراسمالية العالمية ، وتحرير الاقتصاد والتجارة والاستثمار وحركة رأس المال ، وخصخصة وحدات القطاع العام ، مع ما صاحب ذلك من فساد إداري وسياسي ومالي ، ونزْح الفائض المحلي إلى بنوك السرّية المصرفية ومراكز النظام الراسمالي العالمي بالخارج ، وتحكم رجال الأعمال بمفاصل الاقتصاد السوري ؛ ما أدى إلى تعمق سياسات الإفقار ، واتساع قاعدة الفقر ، وتفاقم ظاهرة البطالة ، وتدهور المستوى المعيشي لغالبية الشرائح الاجتماعية محدودة الدخل ، وتآكل الطبقة الوسطى ، وتسارع وتيرة الفرز الطبقي بين قلة غنية مرفهة وغالبية مفقرة محرومة ، وارتفاع معدلات التضخم ، وانفلات أسعار السلع الاستهلاكية ، وانخفاض القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من الشعب ، وهو ما حصل في كل تجارب التحول إلى اقتصاد السوق (مشروع ليبيا الغد / نموذجا) ؛ فكانت انتفاضة الفقراء والمفقرين من الشعب السوري ضد سياسات الفساد والاستبداد للنظام البعثي في 15 مارس 2011 ، التي ركب موجتها تحالف مصلحي واسع من قوى المعارضة الليبرالية وتيار الإسلام السياسي والغرب الراسمالي - لكلٍّ أجندته الخاصة - بتدخل قيادي مباشر من قِبل أميركا أو بدعم منها .
الإسلام السياسي في الحملة على سوريا :
من الجهاد الإسلامي ضد وجود الاتحاد السوفيتي ولإسقاط حكومة نجيب الله ذات التوجه الاشتراكي في أفغانستان ، تحت الإشراف المباشر لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (C.I.A) ، وبتمويل من مملكة آل سعود ، مرورا بصفقة المصالحات و (المراجعات) مع جماهيرية قذافيستان العظمى ، بمباركة البيت الأبيض - سواء في فترة الولاية الثانية لجورج بوش أم في فترة الولاية الأولى لباراك أوباما - وتحت إشراف (علماء الإسلام) ، ركوعا أمام سيف القذافي ، الذي استثاب الإسلاميين ، للتوظيف في مشروعه الوراثي لاستنساخ النموذج الأميركي من الليبرالية الجديدة ، لفرضه على الواقع الليبي تحت عنوان (مشروع ليبيا الغد) ، الذي يعتبر اليوم هو جوهر وإطار السياسات الاقتصادية والاجتماعية للسلطة الجديدة ، التي يسيطر عليها ويتحكم بتوجهاتها الإسلاميون - ورجال الأعمال - في ليبيا ، وليس انتهاء إلى الجهاد الإسلامي في سوريا ؛ كان الإسلام السياسي دائما - بكل درجات لونه الأيديولوجي - في خدمة استراتيجية الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (الشرق الأوسط الكبير) .
ولأن الأمر لا يقتصر على سوريا ، ولا يتوقف عند علاقات الصراع ونتائجه فوق الجغرافيا السورية ، بل يتجاوزها إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير ، الذي يزداد أهمية وإلحاحا بمنظور المصالح الستراتيجية للغرب ، تحت ضغط الأزمة المالية والاقتصادية التي تعصف بالنظام الراسمالي العالمي - منذ انفجار فقاعة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2008 - ولا زالت تنذر بالتحول إلى كساد يهدد بالانهيار اقتصادات دول راسمالية عريقة .. وخاصة في منطقة اليورو ، دون أن تستثني مراكز النظام ؛ فقد أخذت الإدارة الأميركية - و حكومات الغرب الامبريالي عموما - قرارها المصيري بالتحكم في مسار انتفاضة الشعب السوري منذ الوهلة الأولى لانطلاقتها العشوائية في مارس 2011 ، مظهرة بكل الوسائل تأييدها (البريء) للانتفاضة الشعبية ، التي تتعارض أهدافها التحررية - في واقع الأمر - تعارضا مطلقا مع أهداف الغرب الراسمالي ، وأميركا وحلفاؤها الغربيون إنما يفعلون ذلك برؤية ستراتيجية وكتدبير استباقي مفتوح على كل الخيارات العملانية التي يطرحها تطور الأحداث ، لتأمين وحماية مصالحهم الاقتصادية .. المتقاطعة مع أمن إسرائيل في المنطقة ، عن طريق آليات إدارة الأزمة وتوجيه العمليات الحربية لإسقاط النظام في سوريا ، بدلا من تطويعه عبر الضغوطات السياسية كما كان عليه الحال قبل الانتفاضة .
وما أن أخذ الغرب (الكافر !) قرار توجيه مسار الأحداث إلى الإطاحة بالنظام في سوريا ، استثمارا في انتفاضة 15 مارس ، التي تطورت من حراك شعبي احتجاجي عفوي - بلا برنامج وبلا قيادة - إلى معارضات مسلحة مختلفة الأجندات ، لا يجمع بينها سوى هدف واحد هو إسقاط النظام .. وبالدرجة الأولى إزاحة بشار الأسد عن السلطة ، في سياق ما أسماه الإعلام الغربي ثورات الربيع العربي ؛ حتى سارع الإسلاميون كافة لإعلان الحرب المقدسة للقضاء على كيان الدولة السورية (الكافرة !) ، تحت شعارهم الديماغوجي : " الإسلام هو الحل " ، الفارغ كليا من أي محتوى اقتصادي أو اجتماعي يمكن أن يصب في مصلحة الغالبية الشعبية المفقرة والمهمشة .
وقد أخذت حملة الإسلام الأميركي على سوريا مختلف أوجه العداء والتحريض على الكراهية والعنف المعنوي والمادي ، بدء من إصدار فتاوى التكفير وإعلان الجهاد ، وانتهاء إلى ممارسة أبشع صور الإرهاب الهمجي ؛ بارتكاب مجازر القتل الجماعي على الهوية - الطائفية والدينية - واغتصاب النساء ، وقطع الرؤوس .. بل وأكل لحوم البشر .
فمنذ وقت مبكر ، و في سياق حرب الإسلام الأميركي على الدولة السورية ، أصدر رئيس المجلس الأعلى لعلماء المسلمين : الشيخ يوسف القرضاوي - مفتي الناتو - فتوى دينية مفخخة مذهبيا ، تقضي بالجهاد في سبيل الله ضد المسلمين الشيعة (الرافضة الكفار !) وضد الجيش النظامي (العلويّ !) في سوريا . ولا أظن أن رئيس المجلس الأعلى لعلماء المسلمين يجهل أن المسلمين السنة يشكلون نسبة 80 % من الشعب السوري ، وبالتالي نفس النسبة من المجندين في الجيش النظامي السوري ، غير أن القصد هو إشعال الفتنة الطائفية للتوظيف في تداعياتها الكارثية . وفي نفس السياق أفتى الداعية الإسلامي السعودي الشيخ سلمان العودة بجواز دفع الزكاة إلى " مقاتلي " الجيش السوري الحر ، أما رئيس دار الإفتاء الليبية الشيخ صادق الغرياني فقد أفتى بوجوب دفع الزكاة إلى " ثوار سوريا " لإنفاقها في شراء السلاح ، وأضاف في فتواه أن الجيش السوري الحر يسعى لتحرير البلاد والناس من الطغيان ، و يجب على المسلمين في كل مكان مؤازرته . في حين أفتى الشيخ السلفي المصري محمد حسان بأن الجهاد في سوريا فرض عين ؛ وغني عن البيان أن كل هذه الفتاوى (الإسلامية) هي فتاوى تكفيرية ، حيث إن الجهاد لا يكون إلا ضد (الكفار) .
وكان شيوخ التحريض على الكراهية وسفك الدماء وقطع الرؤوس ، الذين يسمون أنفسهم علماء الأمة ، قد أصدروا في فبراير من العام 2012 بيانا جهاديا ، أفتوا فيه بعدم جواز استمرار العمل في وظائف الأمن والدفاع بسوريا ، وبوجوب الانشقاق عن الجيش النظامي والوقوف في وجهه ، ودعوا في فتواهم إلى دعم الجيش السوري الحر والانضمام إليه وتعزيز قدراته القتالية ، وجاء في فتواهم : " نوجه النداء للمسلمين وللعالم الحر (يقصدون دول حلف الناتو) بدعم تشكيلات هذا الجيش ومساعدته بكل الوسائل " . وقد وقع البيان / الفتوى كل من : الشيخ يوسف القرضاوي من مصر ، والشيخ راشد الغنوشي من تونس ، والشيخ سلمان العودة من السعودية ، ومن ليبيا الشيوخ : صادق الغرياني و غيث محمود الفاخري و علي الصلابي و سالم الشيخي و سالم جابر و أسامة الصلابي و محمد أبوسدرة و نادر العمراني و حمزة أبو فارس .. و آخرون غيرهم من (علماء الأمة) .
ومع التحضير الدولي لانعقاد مؤتمر جنيف 2 ، في ظروف اختلال موازين القوى على الأرض لصالح قوات الجيش النظامي السوري ، في مقابل تراجع كتائب ما يسمى الجيش الحر وظهيره الإرهابي من تنظيمات الإسلام السياسي ، التي تدار بالريموت كونترول الخليجي من غرف التحكم في نيويورك ؛ فلم يكن من قبيل الصدفة أن ترتفع دعوة الشيخ يوسف القرضاوي للجهاد في سبيل الله بسوريا - بما يمثله القرضاوي من رمزية دينية بصفته رئيس المجلس الأعلى لعلماء المسلمين ، فضلا عن كونه عضو هيئة كبار علماء الأزهر - بنفس الوقت الذي تنادت فيه الجماعات الإسلامية ، ليؤمها الداعية الإسلامي السعودي الشيخ محمد العريفي ، في صلاة الجمعة (14/6/2013) بجامع عمرو بن العاص في القاهرة ، حيث قررت الجماعات الإسلامية المصرية الجهاد في سوريا ، استجابة لنداء الجهاد ضد الشيعة الذي أطلقه الشيخ العريفي في خطبة صلاة الجمعة تلك ، وذلك بالتزامن مع تصريحات الرئيس الأميركي أوباما بوجوب زيادة حجم إمدادات السلاح لبقايا فلول الجيش الحر والتنظيمات السلفية الجهادية التكفيرية - بعد هزيمتها في معركة القصير - لجهة خيار استمرار الحرب ، تعزيزا لموقف ممثلي المعارضة المسلحة التفاوضي في جنيف 2 .
وفي السياق ذاته ، ليس من قبيل الصدفة أن يبادر نظام الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية في مصر ، إلى تنظيم مهرجان خطابي أسموه (مؤتمر الأمة المصرية لنصرة الثورة السورية) ، انعقد بتاريخ 15/6/2013 في الصالة المغطاة باستاد القاهرة ، بحضور الرئيس المصري محمد مرسي العياط ، الذي ألقى في المؤتمرين خطابا تحريضيا ناريا ، فاجأ فيه العالم بإعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع سوريا وإغلاق السفارة السورية بالقاهرة وسحب القائم بالأعمال المصري من دمشق ، ليضع مصر بذلك طرفا في الحرب على الدولة السورية ، داعيا دول العالم للتدخل في سوريا ، ومطالبا مجلس الأمن الدولي بـ " حظر الطيران فوق سوريا " .
وبينما تناسى الرئيس المصري - الإسلامي - محمد مرسي العياط وجود سفارة وسفير لدولة الاحتلال الإسرائيلي (الشقيقة) في قلب القاهرة ، بمثل ما تناسى وجود عشرات آلاف التكفيريين الإسلاميين الأجانب على الأرض السورية ، قادمين إليها من كل أرجاء المعمورة ، للانخراط في (الجهاد الإسلامي) لإسقاط النظام السوري (الكافر) ؛ فهو لم ينس - في إطار الحملة التي تقودها الإدارة الأميركية على سوريا - أن يتطابق في خطابه مع الموقف الصهيو/ أميركي / وهابي من حزب الله اللبناني : " نرفض التدخل الأجنبي (!) في سوريا .. نقف ضد حزب الله في عدوانه على الشعب السوري .. على حزب الله أن يترك سوريا .. هذا كلام جاد .. لا مكان لحزب الله في سوريا " !!
حلال على القاعدة ، حرام على حزب الله :
وسبحان من وحّد بين نظام الإخوان المسلمين في مصر - كما في ليبيا وتونس - والجماعات الإسلامية التكفيرية في العالم كافة ، وبين الإعلام الصهيوني ممثلا في فضائيات شبكة فوكس نيوز وشبكة سكاي نيوز ، والإعلام الغربي ممثلا في شبكة يورونيوز وشبكة بي بي سي وشبكة فرانس24 وفضائية الاستخبارات الأميركية (الحرة) ، وإعلام الأعراب ممثلا في شبكة الجزيرة وشبكة العربية وعشرات الفضائيات الممولة بالبترودولار السعودي والقطري ؛ فكل عناصر تلك الجبهة الإسلامية الواسعة ، وكل مكونات هذه الترسانة الإعلامية المهولة .. تبصر بنفس العين ، وتتحدث نفس اللغة ، وتنطق بنفس اللسان ! والكل يتباكى ويملأ الفضاء صراخا وعويلا ، جرّاء تدخل حزب الله اللبناني إلى جانب الجيش النظامي السوري في حرب البسوس العبثية الدائرة هناك منذ مارس 2011 ، دون أن تبدو لها نهاية قريبة .
وفي حين يقيم الإعلام الغربي والإعلام الأعرابي الدنيا ولا يقعدانها .. تنديدا بتدخل حزب الله في الحرب بسوريا ، على اعتبار أنه تدخل أجنبي في حرب أهلية ؛ فإن الجميع يتناسون أن عشرات الألوف من (الجهاديين) الأجانب متورطون منذ البدء في الحرب ضد النظام السوري ، بل .. إنهم يتناسون أن ألوية وكتائب تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) وألوية وكتائب جبهة النصرة - وكلاهما تنظيم إسلامي تكفيري إرهابي موالٍ للقاعدة وداخلٌ في بيعة زعيمها أيمن الظواهري - التي جمّعوها من جهات الأرض الأربعة ، هي القوة الرئيسة التي تواجه الجيش الوطني السوري في عقر داره ، بدعم لوجستي من دول حلف الناتو ، وبدعمٍ ماليّ من قطر والسعودية ، فضلا عن الدعم بالسلاح !
فلماذا يحرّمون على حزب الله ما يستحِلّونه لجبهة النصرة وأخواتها من التنظيمات السلفية الجهادية ، التي تستقي من نبع واحد هو الفقه الإسلامي التكفيري ؟ وكيف لهم أن يغطوا على ما كشفته الخارجية الألمانية - مبكرا - من أن جهاديين من عدد 29 جنسية أجنبية ، قدّر الأخضر الإبراهيمي عددهم بنحو أربعين 40 ألفا ، يحاربون إلى جانب ما يسمى الجيش السوري الحر ؟ وكيف لهم أن يغضوا الطرف عما قاله المعهد البريطاني للدفاع - مؤخرا - من أن 81 دولة أجنبية هي مصدر الإرهابيين في سوريا ؟ وكيف لهم أن يتجاهلوا ما وثقته وسجلته منظمة هيومان رايتس ووتش من جرائم ضد الإنسانية ، يرتكبها الإرهابيون الإسلاميون بحق المواطنين السوريين المسيحيين والعلويين والدروز ؟ وبأية ضمائر ميتة وصفاقة أوجه حربائية يمكن لهم أن يبرروا أو ينكروا حقيقة تلك المشاهد المرعبة المنتشرة على صفحات الإعلام الالكتروني ، للإعدامات الميدانية و قطع الرؤوس والتمثيل بجثامين الضحايا ، التي يرتكبها التكفيريون الهمج بدم بارد ، جهادا في سبيل الله وابتغاء مرضاته لدخول الجنة والاستمتاع بمضاجعة الحور العين ؟!
موسم الربيع الإسرائيلي :
ولأن الهدف هو تدمير كيان الدولة السورية ، وإنهاك الجيش الوطني السوري في حرب عبثية ليس فيها من رابح غير مصانع السلاح وشركات إعادة التعمير الغربية ودولة إسرائيل ؛ فإن دولة الاحتلال الصهيوني ، المشمولة بمظلة الحماية الأميركية ، والمستثناة من الجهاد الإسلامي ، تنعم الآن بأمنٍ واستقرارٍ ؛ لم يتوفرا لكيانها العنصري التوسعي منذ خمسة وستين عاما من الاحتلال الاستيطاني ، بمثل ما توفرا لها بفضل ثورة الربيع العربي ، الذي هيأ لها موسما ربيعيا ممتدا لنصف قرن قادم على أقل تقدير ، ولذلك فإنها حاضرة بقوة في كل تفاصيل المشهد السوري الدامي .
فقد كشف ضابط كبير كان يعمل في الوحدة النمساوية التابعة للقوة الدولية المكلفة بمراقبة فصل القوات على خطوط التماس في هضبة الجولان السورية المحتلة ، أن " حجم التدخل الإسرائيلي فيما يجري في القرى الحدودية السورية كبير جدا ، ويشمل كل المجالات اللوجستية والعسكرية والطبية " ، وأشار الضابط النمساوي إلى وجود ما يمكن اعتباره " غرفة عمليات مشتركة " لتنسيق وصول المساعدات الإسرائيلية إلى جماعات التمرد المسلح التي تقاتل الجيش النظامي السوري ، وهو ما أكدته المعلومات التي كشف عنها كل من القناة الأولى للتلفزيون الإسرائيلي وصحيفة يديعوت أحرونوت ، من أن تلك المساعدات تتراوح من التزويد بالوجبات الجاهزة إلى استقبال الجرحى من الجيش الحر والجهاديين ، للعلاج في مستشفيات ميدانية - جُهزت لهم - وأخرى في المستوطنات الإسرائيلية القريبة ، كمستشفى (زيف) بمدينة صفد .
ويتم استقبال جرحى الجيش السوري الحر والمجموعات المسلحة الأخرى منذ بدء الصراع في سوريا ، لتلقي العلاج بالمستشفيات الإسرائيلية في مدينتيْ صفد ونهاريا ، وقد أكد ذلك البروفسور جان سوستيل رئيس قسم جراحة الأعصاب في أحد المستشفيات الإسرائيلية بقوله : " استقبل المستشفى عشرات المصابين بجروح خطيرة ، العديد من هؤلاء الجرحى يعانون من أشكال مختلفة الإصابات في الرأس ، إما بشظايا أو انفجار أعيرة نارية " . كما يتم علاج أسرهم - من القرى الحدودية - أيضا في إسرائيل ، وذلك بالتنسيق مع الموساد ، الذي يؤمّن لهم العودة إلى ديارهم أو الانتقال إلى مخيم الزعتري في الأردن ، مزودين ببعض المال ، دون ان يتم الكشف عن هوياتهم .. تحسبا لردة فعل حالة العداء لإسرائيل في المنطقة .
والأخطر من ذلك هو ما ذكره الضابط النمساوي عن " سماح إسرائيل باستخدام حدودها مع سوريا ، لتنفيذ عمليات التفاف ، انتقل المسلحون بواسطتها من بلدان مجاورة إلى داخل إسرائيل ، ومنها إلى داخل مناطق الجولان ، لدعم المجموعات المسلحة هناك ، حيث كان من الصعب انتقالهم عبر المناطق السورية التي يسيطر عليها الجيش السوري " ؛ الأمر الذي يُدخل إسرائيل طرفا مباشرا في الصراع السوري ، سواء لجهة تأجيج الصراع أم لجهة التحكم بمساره ، حفاظا على استقرار الأوضاع في هضبة الجولان ، وضمانا لأمن حدودها الشمالية مع سوريا .
وفي هذا الخصوص ، كتب نائب وزير الدفاع الإسرائيلي داني دانون ، في مقال له نشرته مجلة فورن بوليسي : " هناك نتيجة واحدة لا جدال فيها ، تخص إسرائيل جرّاء ما يحدث الآن في سوريا ، لقد حسنت الأزمة السورية موقف إسرائيل الاستراتيجي في المنطقة ، وإنه فقط مع ضمان أن لا تقع أسلحة لعبة التغيير في أيدي من قد يهدد أمن إسرائيل ، فإن ما يحدث لسوريا الآن هو في مصلحة إسرائيل ، خاصة مع التخلص من تهديد حزب الله المتورط حاليا في سوريا ، ما يعني أن مواطني إسرائيل يمكنهم النوم آمنين " .
وما لم تخرج (لعبة التغيير) في سوريا عن السيطرة ، ما يدفع بأميركا - عندئذ - إلى تفعيل الخطة (ب) لفرض التغيير ، باجتياحٍ أميركي مباشر لسوريا ، تشارك فيه أطراف إقليمية في مقدمتها السعودية وإسرائيل ؛ فإن الجغرافيا السياسية الجديدة للشرق الأوسط الكبير ، المولود سفاحا من مخاض ثورات الربيع العربي ؛ ستكون فيها دولة إسرائيل (اليهودية) مركزا امبرياليا إقليميا ، تدور في فلكه الليبرالي الدويلات التوابع التي ستتفكك إليها كيانات الدول الناطقة بالعربية ، وسينعم مواطنو إسرائيل (الشقيقة) بالنوم آمنين ، لموسم ربيع إسرائيلي طويل .
جنيف 2 وعولمة الحرب على الإرهاب :
أما وقد أنجز الإسلاميون ما أراد منهم مخططو مشروع الشرق الأوسط الكبير أن ينجزوه مِن إضعاف الدولة السورية وإنهاك الجيش الوطني السوري ، و شارف الدور المرسوم لهم في دوائر الاستخبارات الغربية على الانتهاء ، فقد آن لمتخذي القرار في عواصم النظام الراسمالي العالمي أن يعيدوا تقييم الحالة السورية في ضوء المعلومات الاستخبارية وتقارير الصحافة الاستقصائية ، التي تُجمع على أن الصراع الدائر في سوريا قد حوّلها إلى ساحة لتَجمّع الإرهابيين من جميع أنحاء العالم ؛ مع تزايد الخشية من عودتهم إلى البلاد التي جاؤوا منها .. وخاصة البلاد الأوربية .
فقد أقر ماثيو أولسن مدير المركز القومي الأمريكي لمكافحة الإرهاب في مداخلة أمام منتدى آسبن الأمني (Aspen security forum) في كولورادو - يوليو 2013 - بتزايد عدد الإرهابيين الذين يتوافدون إلى سوريا من أوروبا والولايات المتحدة ، للقتال إلى جانب المجموعات الإرهابية المسلحة هناك ، وقال إن سوريا أصبحت ساحة لـ " الجهاديين" في العالم . كما حذر نائب رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأميركية ديفيد شيد - في المنتدى ذاته - من أن استمرار الصراع في سوريا ، سيؤدي إلى ازدياد سطوة الجماعات الإسلامية المتطرفة بالمقارنة مع المجموعات المقاتلة ضد النظام ، التي قدر عددها بنحو 1200 جماعة ، وفي حديثٍ أدلى به رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي مايكل رودرجس لقناة " سي ان ان " أعلن أن آلافا من مواطني الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة يقاتلون إلى جانب العناصر المتشددة من المقاتلين الإسلاميين في سوريا ، وكان نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السابق مايكل موريل قد حذر في حديثه لصحيفة وول ستريت جورنال من تحول سوريا إلى معقل جديد لتنظيم القاعدة ، و في مقال للكاتب الفرنسي جورج مالبرونو نشرته صحيفة لوفيغارو ، قال إن مايسمى " الجيش الحر" لا يسيطر إلا على 15 بالمائة تقريباً من إجمالي عدد المسلحين الذين يتراوح عددهم بين 100 ألف و 150ألفا .
و من ثم فإنه مع ما تأكد للغرب مِن استحالة إسقاط النظام أو فرض التغيير السياسي في سوريا عسكريا ، فلم يعد ثمة بد من البحث عن نهاية للعبة الأميركية الدامية هناك ، بدءً من إعادة ترتيب أوراق اللعبة لتفترس قطعان الذئاب الإسلامية بعضها بعضا في سوريا ، و انتهاء إلى قطف ثمار الحل السلمي للحرب المحدودة التي قادتها أميركا على الدولة السورية ، توظيفا في انتفاضة الشعب السوري واستثمارا في دمائه ، لفائدة الشركات العابرة للقوميات ، التي تدار من وول ستريت في نيويورك ؛ فلتكن إذن الحلقة الثانية من مسلسل جنيف لإدارة الأزمة السورية !
لكن قبل الذهاب إلى مؤتمر جنيف 2 للسلام في سوريا ، فلا ضير على الغرب من تفعيل آليات دبلوماسية الإملاء والابتزاز بقوة السلاح وتحريك الدمى الإقليمية والمحلية ، لتحسين شروط تفاوض الطرف الغربي - وأدواته المحلية والإقليمية - على السلام .
ولأن الغرب الاستعماري الإمبريالي (أقصد النظم الراسمالية) لا يمكن إلا أن يكون استعماريا امبرياليا ، لم يعجبه أن يتوقف نزيف الدم السوري ، أو أن تُبقي حرب البسوس - الدائرة في سوريا - على شيءٍ من الدولة السورية ، أو أن يحتفظ الجيش الوطني السوري بشيءٍ من قوّته ؛ فقد سارع الاتحاد الأوربي - بدعوة من بريطانيا خبيرة الاستعمار - إلى عقد اجتماع (استثنائي وعاجل) كان البند الوحيد على جدول أعماله .. هو تأجيج الحرب الأهلية السورية ، التي تحوّلت إلى حرب عالمية ضد كيان الدولة السورية ، و قد انتهى اجتماع وزراء خارجية (العالم الحر) بتاريخ 27 /5/ 2013 إلى أخذ قرار برفع الحظر على إرسال السلاح إلى المعارضة السورية ، ولم يجد وزير الخارجية البريطانية وليم هيغ حرجا من القول : " إن القرار كان ضروريا لتعزيز الجهود الدولية الرامية للتوصل إلى حل دبلوماسي للصراع في سوريا " !!
وفي السياق ذاته ، استضافت الدوحة بتاريخ 21 - 22 /6/2013 اجتماعا وزاريا " حول سوريا " ضم وزراء خارجية إحدى عشرة دولة داعمة للمعارضة السورية المسلحة ، مما يسمى مجموعة أصدقاء سوريا (هي : الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وايطاليا والسعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات وتركيا) ، وانتهى الاجتماع إلى قرار زيادة تسليح المعارضة السورية ، وفقا لما تراه كل دولة ، من اجل " استعادة التوازن " مع قوات النظام على الأرض ، تمهيدا للدفع نحو حل سلمي ! ولم يجد وزير خارجية أميركا جون كيري تناقضا في قوله بأن الهدف من زيادة تسليح المعارضة : " ليس الوصول إلى حل عسكري بل لنأتي إلى الطاولة ونتوصل إلى حل سياسي " .
وتتوالى اجتماعات وزراء خارجية دول " مجموعة أصدقاء الشعب السوري ! " ، فيجتمعون بتاريخ 22/10/2013 في لندن ، للنظر في مشاركة المعارضة السورية في مؤتمر جنيف 2 ، حيث لخص جون كيري وزير خارجية أميركا نتيجة الاجتماع بقوله : " اتفقنا على زيادة المساعدة المنسقة للمعارضة ، بما في ذلك للائتلاف الوطني السوري ، الذي هو الممثل الشرعي للشعب السوري.. والتزمنا بزيادة مساعدة الشجعان في الميدان بسوريا ، وتوفير المساعدة العسكرية المباشرة من البلدان التي ترغب بذلك " .
ولا تتخلف جامعة الدول العربية عن لعب دور شاهد الزور ، لمساعدة الائتلاف الوطني السوري - طفلها غير الشرعي القاصر والمدلل - على اتخاذ قرار المشاركة في مؤتمر جنيف 2 ، حيث اختتم الاجتماع (الطارئ) لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية - 3/11/2013 - برئاسة وزير الخارجية الليبي محمد عبد العزيز ، ودعا مجلس وزراء الجامعة العربية ، في البيان الختامي لاجتماعه (الطارئ) ، إلى تجاوب (جميع) أطراف المعارضة السورية مع الجهود (الدولية) لعقد مؤتمر جنيف 2 ، لكن " بقيادة الائتلاف الوطني السوري " ، الذي كان مؤتمر القمة العربية الرابعة والعشرين في الدوحة ، قد رفعه لاحتلال مقعد الدولة السورية ؛ بالمخالفة لميثاق الجامعة ، وخروجا عن مقتضى القانون الدولي (!!!) ، ولم يفت قمة الدوحة - 26/3/2013 - أن تشدد في بيانها الختامي على دعم المعارضة السورية المسلحة ، على أن يترك لكل من الدول العربية الأعضاء تسليح المعارضة بالكيفية التي تقررها ، لإسقاط النظام في سوريا ! .
و إذا كان مصطلح " العولمة " هو التعبير الوصفي الدال على مجمل عملية إعادة صياغة العلاقات الدولية ، على أساس تعميم اقتصاد السوق عالمياً ، حتى ولو تطلب الأمر فرضه بالقوة العسكرية . و إذا كانت الحرب - عند الحاجة - هي وسيلة الطرف الأقوى لحسم الصراع وإملاء إرادته على الواقع ؛ فإن الحرب (المعولمة) على الإرهاب - الذي استنبتته أصلا السياسات الأميركية في الشرق الأوسط - هي الآلية المعتمدة في الغرب الراسمالي بعد الهجوم الإرهابي على برجي مركز التجارة العالمي ، لإعادة رسم الخارطة الجيو بوليتكية للشرق الأوسط - الجديد - الكبير ، بتوافقٍ وتحالفٍ استراتيجي بين الراسماليات العالمية ، تحت قيادة أميركا الدولة الراسمالية التي تحتكر القوة العسكرية المطلقة ، وذلك عن طريق خلق بؤر التوتر والنزاعات المسلحة والحروب المحدودة المتنقلة في المنطقة ، من أجل إعادة هيكلة كيانات الدول الوطنية التي أنتجتها الحرب العالمية الثانية ، بتفتيتها إلى كانتونات طائفية وقبلية وإثنية ومناطقية (العراق - السودان - ليبيا / نموذجا) في إطار العولمة الاقتصادية ، وهي حروب تخاض بالوكالة لفائدة الشركات العابرة للقوميات .. ضد النظم (المارقة) ، ويُستدرج إليها المتشددون الإسلاميون (الإرهابيون) ، للتخلص بالنتيجة من (شرّ) الخصمين معا ، بأقل قدر من خسائر الغرب الراسمالي .
وتتباين سيناريوهات (لعبة التغيير) الأميركية ، من العراق إلى اليمن إلى ليبيا إلى سوريا ... وفق معطيات كل حالة على حدة . وفي الحالة السورية دفعت أميركا بدول المحميات الخليجية - وفي مقدمتها قطر والسعودية - لركوب موجة الانتفاضة الشعبية الثورية ، لتصفية حسابها مع النظام السوري (المارق) ، ولا بأس أن يدفع الشعب السوري ثمنا باهظا من الدم والدمار باسم ثورة الربيع العربي المزعوم ، التي ستنتهي حتما (كسابقاتها) إلى نتيجة صفرية !
واستطرادا .. تلك هي الحقيقة بلا رتوش ؛ و إلا فمتى كانت أميركا معنيّة حقا بالديمقراطية وحقوق الإنسان في دول الشرق الأوسط (أو في غيرها) ؟ ومتى كانت دول المحميات الخليجية دولا (ثورية) أو حتى مجرد بيئات سياسية متسامحة مع أيديولوجيا الثورة ؟ وهل كان وجود قاعدة السيلية (الأميركية) في قطر والأسطول الخامس الأميركي في البحرين والقاعدة العسكرية للبحرية الفرنسية / الأطلسية في الإمارات وآلاف جنود الجيوش الأميركية المنتشرون في الكويت والسعودية .. مجرد صدفة ؟
وعودة إلى لعبة التغيير (المعولمة) في سوريا ؛ فإنه مع استيفاء حرب الإخوة / الأعداء لاستحقاقاتها الكارثية هناك ، ومع استنفاذ دور الجماعات الإسلامية التكفيرية (الإرهابية) في اللعبة ، فقد نضجت - أو تكاد - ظروف تسوية الأزمة السورية ، ما لم يكن في جنيف 2 ، ففي جنيف 3 أو 4 ... ؛ والمستفيد الحصريّ هو قوى الهيمنة الراسمالية العالمية (اقتصاديا) ، و دولة الاحتلال الصهيوني (أمنياً .. وكذلك اقتصاديا) ، حيث يراهن منظرو الليبرالية الجديدة الغربيون على دور بالغ الأهمية لإسرائيل كمركز إقليمي في منظومة الشرق الأوسط الكبير ، أما أعراب دول الخليج الفارسي ، فهم بيادق اللعبة .. وعرّابو المؤامرة على سوريا (الدولة) ، بدعوى الوقوف إلى جانب الشعب السوري ضد (دكتاتورية) النظام (!!) ، وكأنما شعوب نجْد والحجاز ومشيَخة قطر ومشيَخات الساحل المتصالح .. هي واحات للديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم .
وفي الوقت الإضافي من زمن تدويل الأزمة السورية ؛ بينما تنشط الجهود الدبلوماسية ، التي يديرها اللاعبون الكبار ، انطلاقا من تقييم الموقف السائل فوق مسرح العمليات الحربية ، مع بدء العد العكسي لوضع نهاية توافقية للعبة التغيير ، بالتطابق مع المصالح الإستراتيجية للأطراف الوازنة على صعيديّ التعددية القطبية وعلاقات العولمة الاقتصادية بين المراكز والأطراف ..
فإنه لا يمكن لأي صاحب ضمير يؤمن بقضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ، أن يكون في خندق واحد مع أميركا والناتو وإسرائيل والسعودية وقطر و تنظيم القاعدة ، بصرف النظر مساوئ النظام السوري ؛ وبالطبع لا يمكن الوقوف على الحياد . والخيار الوحيد هو الانحياز إلى الشعب السوري .. ممثلا في قواه النضالية الوطنية الديمقراطية الحية ، غير المرتبطة بأية أجندات خارجية ، مع كل التأييد لمؤسسة الجيش الوطني (النظامي) السوري . و .. ( لا ) لثورات الربيع الفرانكو / أراب ، المبرمجة لإعادة إنتاج نظم الاستبداد والفساد .. الساقطة من حساب التاريخ .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,167,566,479





- وكأن الحرب لا تكفي.. جحيم الإدمان يلاحق سوريين بأعمار تبدأ م ...
- هذه الطائرة الشهيرة تقوم بآخر رحلة طيران تجارية
- الولايات المتحدة: إرجاء خطاب ترامب عن حالة الاتحاد على خلفية ...
- وكأن الحرب لا تكفي.. جحيم الإدمان يلاحق سوريين بأعمار تبدأ م ...
- السعودية تؤكد دعمها الكامل للعراق
- بوادر أزمة دبوماسية أسترالية - صينية بعد توقيف مدون في الصين ...
- بوادر أزمة دبوماسية أسترالية - صينية بعد توقيف مدون في الصين ...
- الأوقاف الفلسطينية: الأقصى دُنس 376 مرة عام 2018
- واشنطن تدعو الخرطوم لإصلاح حقيقي والإفراج عن المحتجين
- انتهاكات دمشق ضد الأحياء والأموات أيضا


المزيد.....

- إ.م.فوستر وسياسة الإمبريالية / محمد شاهين
- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بن زكري - فصول من تراجيديا الربيع العربي