أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد هشام فؤاد - جمهورية الضباط















المزيد.....

جمهورية الضباط


محمد هشام فؤاد

الحوار المتمدن-العدد: 4332 - 2014 / 1 / 11 - 18:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ورقته البحثية الثرية "فوق الدولة: جمهورية الضباط في مصر" يستعرض يزيد صايغ –الباحث بمركز كارنيغي للسلام الدولي- دور المؤسسة العسكرية الفاعل والمُتجذِر في كافة أجهزة الدولة الأمنية والخدمية والمدنية.
فمن خلال بحثه الذي نشرته مؤسسة كارنيجي في أغسطس 2012 –الذي يقع في تسع وعشرين ورقة- يعرض الباحث عوامل وكيفية دمج المؤسسة العسكرية في كافة الأنظمة السياسية الحاكمة القائمة علي المحسوبية، واستعرض الباحث ظهور جمهورية الضباط عقب الإطاحة بالنظام الملكي علي يد القوات المسلحة المصرية في عام 1952 بعد تثبيت العقيد جمال عبد الناصر رئيساً للبلاد بعد الاستفتاء الشعبي في عام 1956 إلي أن توسعت هذه الجمهورية –جمهورية الضباط- بأشكال جديدة لتصبح الدعامة الأساسية لنظام مبارك القائم علي المحسوبيات، إلي أن خرجت من ظله لتتولي السلطة في الكاملة في أوائل العام 2011.
وقد عرض التقرير –في نقاط وهوامش عدة- الدور الحقيقي الذي يناط بالمؤسسة العسكرية في الحفاظ علي عرش الحكام من ناحية، وخدمة مصالحهم الاقتصادية من ناحية أخري، وإليكم أهم هذه النقاط التي تكشف عن عقيدة المؤسسة العسكرية التي تتحكم في مفاصل الدولة أثناء عهود الحكام –ذوي الخلفية العسكرية- وفي نفس الوقت في الفترات الانتقالية التي يشرفون عليها:

1- يتعين علي أي رئيس منتخب أن يتعامل مع المجلس العسكري الذي يسعي إلي السيطرة علي صياغات الدساتير الجديدة، أما علي المدي البعيد فسيواجه المسؤولون المتتخبون ديمقراطيا"ً جمهورية الضباط المتمثلة بشبكاتٍ عسكرية مستديمة تخترق كل فروع ومستويات إدارة الدولة والقطاعات الاقتصادية المملكوكة لها؛ ولذلك إذا لم يتم تفكيك جمهورية الضباط وتحجيم دورها، فسوف تستخدم نفوذها السياسي الواسع وسيطرتها علي الجيوب البيروقراطية والاقتصادية الرئيسية لإسقاط أي حكومة مستقبلية لا تكون علي مرادها.

2- بلغت جمهورية الضباط امتدادها الأوسع. فيتمتع كبار الضباط بإمكانية الوصول إلي مجموعة واسعة من الوظائف الحكومية بعد التقاعد، وبالسيطرة علي الموارد والفرص الكبيرة ضمن الاقتصاد المدني، وبالمكانة الاجتماعية المرموقة. كمان أن جمهورية الضباط تمارس سيطرة حصرية علي ميزانية الدفاع، والمساعدة العسكرية الأميركية –التي تُقَدَر ب 1.3 مليار- والشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية. يضاف إلي ذلك أن جمهورية الضباط تستند إلي شعور عميق بالأحقية المؤسسية والشخصية. ولذا إن تقليص دورها إلي حجمه الطبيعي سيكون عملية دقيقة وطويلة تستغرق سنوات عديدة.

3- بعد العام 1991 بعد تبني الدولة سياسات اقتصادية ليبرالية جديدة، سارت عملية الدمج في نظام المحسوبية التابع لمبارك، من خلال الوعد بمنح "بدل ولاء" يحصل عليه كبار الضباط عند التقاعد، وذلك في مقابل عدم انخراطهم في العمل السياسي وقبولهم لرواتب متدنية نسبياً خلال سنوات الخدمة في القوات المسلحة، ويتضمن هذا البدل فرصة لمواصلة وظيفة في القطاع الحكومي مما يضيف راتباً ثانياً إلي معاش التقاعد العسكري؛ ولذلك يتولي كبار الضباط وقادة الأفرع مناصب قيادية عليا في مجالس إدارات الشركات التجارية المملوكة للدولة بعد تقاعدهم من الجيش ، وذكر التقرير أن المبالغ التي يتحصلون عليها تتراوح بين 100000 و مليون جنية، أما صغار الضباط ، ممن يتعبرون ذوي توجهات سياسية أو غير جديرين بالثقة، لا تتم ترقيتهم إلي رتبة رائد، وبدلاً من ذلك يستكملون سنوات الخدمة الاعتيادية ثم يتقاعدون كما هو معهود في أوائل الأربعينات من أعمارهم علي أبعد تقدير. وحدهم الضباط الذين يتعبر ولاؤهم مؤكداً يتجاوزون هذا الحاجز غير المرئي. وعندما يصل هؤلاء الضباط إلي الرتب الوسطي –مقدم، عقيد، عميد- يميلون إلي تحمل رواتبهم وظروفهم المعيشية المتواضعة علي أمل أن دورهم سيأتي أيضاً.

4- أورد الباحث ثلاثة عوامل أدت إلي دمج جمهورية الضباط بشكل كبير في نظام المحسوبية التابع لمبارك، كان أولها تصميم مبارك علي ألا يجازف بصعود رجل عسكري قوي أخر يمكن أن يشكل تحدياً لسلطته وقد انعكس ذلك في عام 1889 عندما أقال وزير الدفاع أبو غزالة الذي كان يتمتع –حسب اعتقاد الكثيرين- بشعبية تفوق شعبية مبارك سواء داخل القوات المسلحة أو بين عامة الشعب، وثاني هذه العوامل الصراع المتصاعد مع الجهاديين الإسلاميين المسلحين، والذي ازدادت حدته بعد محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا في عام 1995، وثالث العوامل تتمثل في نقطة التحول التي حدثت في عام 1991 عندما أطلق مبارك حملة كبري لخصخصة المشاريع الاقتصادية التابعة للقطاع العام؛ وقد وفر ذلك فرصة كبيرة لكبار الضباط في القوات المسلحة للوصول إلي حيز كبير من الاقتصاد المصري الذي بقي مملوكاً للدولة، فزادت ثرواتهم وموجوداتهم ومملوكاتهم؛ ولذلك أصبح المتقاعدون العسكريون يشغلون وظائف في جميع مستويات الحكم المحلي، حيث عملوا كذراع تنفيذية وأمنية موازية تتبع في نهاية المطاف الرئيس.

5- يبدو أن القوات المسلحة أصبحت أكثر انغلاقاً من دون أن تكتسب الكفاءة لتكون قوة مقاتلة، وبعمزل عن المظهر الخارجي للمؤسسة العسكرية المصرية، وإبرازها لذاتها كمؤسسة تتسم بالحرفية في المقام الأول، أصبحت بلا ملامح واضحة، تمثلها شبكات الضباط الغير رسمية التي تتغلغل في أجهزة الدولة واقتصادها عبر نقاط لا تعد ولا تحصي، بقدر ما تمثله فروعة القتالية الرسمية. لم تُختبر القوات المسلحة في القتال منذ أربعة عقود –باستثناء مساهمة محودة في عملية "عاصفة الصحراء" في الكويت عام 1991، ويصفها الضباط الأمريكيون بأنها كانت "خائبة"- وبالتالي يبدو أن الروح الجماعية لدي كبار الضباط تعتمد علي الذهنية الدفاعية والتصور المحافظ بأن اللإصلاح والتغيير يشكلان مصدراً كامناً لتهديد إمبراطوريتهم أكثر من اعتمادها علي شعور حقيقي بأنها تضطلع بمهمة وطنية.

6- من الشائع أن يكون للمؤسسة العسكرية في الأنظمة الديكتاتورية حضور كبير ليس في المواقع الحكومية وحسب، بل أيضاً في المجالات التي تقع تماماً خارج نطاق اختصاصات القوات المسلحة في مجالات الإدارة العامة، والبنية التحتية، والخدمات، والشرطة وأجهزة حفظ النظام العام، وفي مجالات الاقتصاد التي تسيطر عليها الدولة؛ ولذلك تدير جمهورية الضباط اقتصادها العسكري الرسمي الخاص الذي يدر عليها مصادر دخل لا تمر عبر الخزينة العامة ولا تخضع إلي سيطرة أو إشراف البرلمان أو أي هيئة مدنية أخري.

7- تجسد جمهورية الضباط الشاسعة والمترامية الأطراف اليوم نتيجة تراكمية لوظيفتين رئيسيتين قامت بهما خلال السنوات العشرين الاخيرة من حكم مبارك، فقد عملت أولاً وقبل كل شئ كحامي للسلطة الرئاسية للملاذ الأخير أدداة للمحافظة علي النظام عبر تغلغله البيروقراطي في الدولة المصرية، ويتركز التغلغل البيروقراطي في " الأجهزة الرقابية والإدارية المركزية كالجهاز المركزي للمحاسبات، هياكل الحكم المحلية وخاصةً رؤساء المراكز والمدن والأحياء، الخدمات المدنية كإدارة الجامعات ومراكز البحوث المتخصصة، المرافق والأشغال والبنية الأساسية العامة .

8- بدا أن ظهور "الدولة الأمنية" في عهد مبارك بعد عام 1991، التي احتلت فيها الاجهزة الأمنية موقع الصدارة في فرض سلطة الرئيس في الحفاظ علي النظام، أزاح القوات المسلحة إلي الهامش. وأدي ذلك أحياناً إلي التنافس الحاد علي الموارد والنفوذ المؤسسي. وقد نظر ضباط القوات المسلحة إلي وزارة الداخلية والأجهزة الشُرطية والامنية المرتبطة بها نظرة ازدراء تعمقت في العقد الاخير من حكم مبارك، وعاد ذلك جزئياً إلي الاعتقاد أنها مشتركة في دائرة الفساد التي أخذت في التوسع منذ صعود نجم جمال مبارك، والسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تبناها. غير أن تغلغل ضباط القوات المسلحة في وزارة الداخلية ومديرية المخابرات العامة، ودور المتقاعدين العسكريين علي حد سواء في هيكل الحكم المحلي، إنما يوحي بدرجة من تكامل الأدوار بين المؤسستين العسكرية والأمنية في الحفاظ علي النظام..

9- تخلت المؤسسة العسكرية عما تبقي من تعلق بإرث العهد الناصري المتمثل في السياسات الحكومية الاجتماعية الهادفة إلي إعادة توزيع الثروة. وتبنت بدلاً من ذلك مقاربة أبوية تجاه الغالبية العظمي من المصريين الذين لم يستفيدوا من الإصلاحات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي طُبِقَت خلال العقد الماضي. وقد تحولت الرعاية الاجتماعية والتنمية إلي صدقات وحظوات، بدل من أن تكون استحقاقات، تُمنح وفقاً لتقدير ومزاج القادة، باستخدام الأموال والأصول التي يتحكمون بها حصراً؛ فحين تبني القوات المسلحة الجسور والطرق السريعة بين المدن والطرق الدائرية والمخابز ومحلات الجزارة في الأحياء المدنية الفقيرة، ومحطات تنقية المياة وتحليتها ، تصفها بأنها "هدية إلي شعب مصر"، متجاهلة حقيقة أن الموارد المستخدمة في نهاية المطاف تأتي من المال العام أو ينبغي أن تدخل إلي خزينة الدولة.

10- تقوم النزعة الأبوية للمؤسسة العسكرية علي ثقافة عسكرية تعتبر المدنيين أقل شأناً أو "أعيالاً". في عهد عبد الناصر كانت الجداريات والأشكال الفنية الأخري في وسائل الدعاية السياسية تُظهِر الجنود وهم يصنعون المستقبل يداً بيد إلي جانب الفلاحين واعمال والمعلمين أو المثقفين. لكن الملصق الذي تصدر الحملة الإعلامية التي أطلقها المجلس العسكري في مارس 2012 تحت عنوان "الجيش والشعب إيد واحدة" كشف عن نظرة مختلفة تماماً. يتمثل الجيش في هذا الملصق في صورة جندي بكامل عدته القتالية، أما الطفل الرضيع الذي يحمله هذا الجندي بين ذراعيه فهو كناية عن "الشعب". ويستحضر ذلك إلي الذهن المصطلح العامي المصري "عيال" –أي المُعالين- الذي يستخدم لوصف الزوجات والأطفال.

11- الإدعاء اليوم بأن المدراء العسكريين يستطيعون القيام بكل شئ علي نحو أفضل من نظرائهم المدنيين، ينطوي علي قدر من التضليل والخداع. فإن قدرة المتقاعدين العسكريين علي "تدبير الأمور" هي نتيجة متوقعة لأنهم هم الذين أوجدوا جزءاً كبيراً من النظام الإداري الذي يعملون ضمنه وتتوغل فيه شبكاتهم. مما يسهل عليهم السلوك بسهولة وأمان عبر دهاليزه.

12- لقد أصبحت المؤسسة العسكرية أكثر قوة وأكثر عرضة في نفس الوقت بعد الإطاحة بمبارك؛ فالانتفاضة الشعبية قذفتة إلي واجهة الصدارة السياسية، لكنها اضطرته أيضاً إلي البحث عن وسائل يعوض بها خسارة شبكة العلاقات الشخصية والتفاهمات الغير رسمية التي أمّنت جمهورية الضباط في ظل حكم مبارك. ولعل هذا يفسر المحاولات التي يقوم بها المجلس العسكري لتحويل السلطات التي يتولاها إلي "مبادئ فوق دستورية" من شأنها إضفاء الطابع المؤسسي الثابت علي امتيازاته وحصانته ضمن ترتيبات رسمية ، ووضعها بشكل دائم فوق الدولة المصرية. وكانت آخر هذه المحاولات الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره المجلس العسكري في 17 يونيو 2012، بالإضافة إلي إصرار المؤسسة العسكرية دوماً علي مجلس الدفاع الوطني –الذي تُشكل غالبيته دوماً من عسكريين- الذي يتولي مراقبة ما تتحصل عليه المؤسسة العسكرية من أموال الميزانية العامة للدولة. ولذلك تريد المؤسسة العسكرية أن تتمتع بوضع استثنائي يضعها بشكل دائم فوق السلطة والقانون المدنيين ليتم منع مقاضاة ضباط القوات المسلحة- العاملين والمتقاعدين علي حد سواء- المتهمين بـ "الكسب غير المشروع" أمام المحاكم الغير عسكرية، فعدم الخضوع للقانون المدني يشكل هاجساً خاصاً للمؤسسة العسكرية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,161,651,208
- حكاية مملة
- عن حرية الاعتقاد
- الله والملائكة والمصريون
- حوار بين ليبرالي (ل) واشتراكي (ش)


المزيد.....




- السلطة الفلسطينية تسلم واشنطن أمريكيا مدانا ببيع أراض للإسرا ...
- نابولي يهزم لاتسيو ويواصل مطاردة يوفنتوس
- قصف -قاعدة العند- اليمنية... اختراق للتحالف أم تفوق لـ-أنصار ...
- سر برودة أطرافك في الشتاء... 6 أشياء يجب أن تعرفها
- الرئيس المصري يتلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي
- قوات العمالقة تتهم -أنصار الله- بقصف مواقعها في الحديدة
- وزير ألماني: لا نملك سند قانوني لوقف تنفيذ خط غاز -التيار ال ...
- مرشحة للانتخابات الرئاسية الأمريكية: لست نادمة على لقائي الأ ...
- مظاهرة -حمراء- في بيروت تزامنا مع القمة العربية
- رئيس مجلس النواب المصري: أمن الخليج خط أحمر


المزيد.....

- إسرائيل، والصراع على هوية الدولة والمجتمع - دراسة بحثية / عبد الغني سلامه
- صعود الجهادية التكفيرية / مروان عبد الرزاق
- الكنيسة والاشتراكية / روزا لوكسمبورغ
- مُقاربات تَحليلية قِياسية لمفْعول القِطاع السّياحي على النُّ ... / عبد المنعم الزكزوتي
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية. / محمود الصباغ
- مراجعة ل حقوق النساء في الإسلام: من العدالة النسبية إلى الإن ... / توفيق السيف
- هل يمكن إصلاح الرأسمالية؟ / محمود يوسف بكير
- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد هشام فؤاد - جمهورية الضباط