أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عمادالدين احمد عيدروس - اليسار السوداني ورقيص العروس















المزيد.....

اليسار السوداني ورقيص العروس


عمادالدين احمد عيدروس
الحوار المتمدن-العدد: 4295 - 2013 / 12 / 4 - 16:16
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


تشخيص
السلفية هى ماضٍ مجيد متخيل كان فيه لكل مشكلة سياسية/ثقافية/إجتماعية/إقتصادية حل بالغ السهولة والفائدة والجذرية. القيم والاخلاق تتشكل من رحم الصراع في المجتمع ولكن حين تقوم (السلطات) بتثبيت وتابيد القيم والأخلاق السلفية كقيم وأخلاق نهائية (بالقانون مثلاً) فغرضها (ليس تمجيد هذه القيم والأخلاق) ، ولكن سجن المجتمعات وتقييدها من التحرك والصراع للأمام.المجتمعات في أزمان نكوصها وعجزها أمام التحديات تستجيب للقمع الناعم (عن طريق التربية والمدرسة والمجتمع والقانون) للسلطات، وبل ربما تصير أكثر سلفية بما يهدد السلطات نفسها. الحالة السلفية لطريقة التفكير السائد في السودان لا تنسحب فقط على الثقافة العربية الإسلامية، بل تنسحب على كل الثقافات السودانية بما فيها الثقافة العربية الإسلامية كثقافة مهيمنة.
طريقة التفكير السائدة عند جماعات الثقافة العربية الإسلامية المهيمنة في السودان تُغيب الإرث والتاريخ السوداني الضارب جذوره في ألأعماق السحيقة للتاريخ، وتستبدله بأرث وتاريخ العروبة والإسلام (العربي وليس السوداني)، وليتها وقفت عند ذلك فقط، ولكنها ومع الحراك الشديد لباقي الجماعات وصراعهم لإيجاد مؤطئ قدم في الساحة السياسية الثقافية والإجتماعية الإقتصادية،ولشعورها بالتهديد من هذا الحراك تستلف طريقة التفكير السائدة والوجه الأكثر سلفية للتراث والثقافة العربية الإسلامية، لا تعيد قراءته من صراعها وتاريخها في السودان وإنما تستلفه من إرث وتاريخ هذه الثقافة في الجزيرة العربية ومصر وباقي الدول العربية.
رد الفعل على هذه (السلفنة) من قبل طريقة التفكير السائدة والثقافة العربية الإسلامة المهيمنة يختلف حسب الموقع السياسي الثقافي الإجتماعي الإقتصادي. غالباً الجماعات ذات اللغات المختلفة والثقافات ذات الجذور الأفريقية في السودان، غالباً ما يكون ردهم على هذا الهجوم السلفي بإيجاد محطة تاريخية تستند عليها سلفيتهم هم، كأن يرجعوا برؤاهم لإستلهام التاريخ من مملكة الفور، الفونج وكوش مئلاً. هذا الهجوم المضاد مع إنه ينجح (ظاهرياً) في التصدي لهجمة الثقافة المهيمنة والسلطات التي تدعمها وتروج لها، إلا أنه يفشل في النهاية في النجاة من فخ التفكير السلفي السائد والذي يهدف إلى سلفنة كل المجتمعات والثقافات.
ومن ثم نأتي لجماعات اليسار والتي بداياتها في السودان (في إعتقادي) كانت تصدياً للإستعمار بإستلهام الثقافة المناهضة له من الثقافة الأوروبية نفسها. جماعات اليسار السوداني وفي خضم عجزها المتكرر عن الإنتقال بالمجتمع إلى قيم الحداثة والتنوير من حقوق وحريات وفردانية وديمقراطية وعلمانية، وفي ظل الهجمة الشرسة للسلفية العربية الإسلامية، في خضم كل هذا تعتقد جماعات اليسار أن التخلص من الإرث والتاريخ السوداني بمافبه (الثقافة العربية الإسلامية السودانية) بدمغه بأختام التخلف والرجعية و(التسليع) و(إمتهان كرامة الإنسان) والعنصرية والدموية سينتهي بأن تتقبل المجتمعات السودانية أطروحاتهم من غير بذل جهد حقيقي يضع هذا الإرث والحقائق التاريخية في موضعها من حلقات تطور المجتمع السوداني بكل ملابساته وسياقاته. رد اليسار السوداني يقتصر على العناوين ولم يبذل فيه جهد لقراءة الواقع والتاريخ السوداني بالأدوات الحديثة ودمج هذه القراءة في مفاهيم وحركة مجتمعاتنا السودانية، وحتى العناوين ذاتها تجدها مستلفة من الثقافة الأوروبية التي تشكلت في ظل الرأسمال بينما نحن في السودان مازلنا نرزح تحت وعي شبه الإقطاع ولم يتم بذل أي جهد لقراة معاني هذه الأختام والعناوين في الواقع السوداني المختلف. ويا للعجب ننتهي بأن اليسار ياخذ نفس موقف اليمين السلفي كلاهما في حالة إنكار وقطيعة مع الترث والتاريخ السوداني وإنما تحت مسميات مختلفة، وأحدهما سلفية بمرجعية الإرث والثقافة العربية الإسلامية والثاني سلفية بمرجعية الإرث والثقافةالأوروبية.
إنه مُكر وشرك الأيدولوجيا (طريقة التفكير السائدة التى تنتجها وترعى تطورها السلطات المتحكمة بالمجتمعات) ، لا نستطيع يسار ووسط ويمين الخروج من هذا المأزق إلا بنقد طريقة التفكيرالسلفي السائد أولاً، ومن ثم النزول بالأفكار إلى بحر الواقع المائج الهائج وإمتحانها بالحوار الحقيقي مع مجتمعاتنا في حراكها الحاضر ومع إرثنا وتاريخنا. إن الأفكار التي تقف عند العتبة لا تصير جزءاً من البناء، بناء المجتمعات السودانية.


المشهد
نتناول هنا رقصة العروسة في وسط السودان ، وهي طقس مكون من عدد من الرقصات تؤديها العروسة في ليلة زفافها بمشاركة العريس ، كانت هذه الرقصة تؤدي أمام المتفرجين من المدعوين لحفل الزفاف من الجنسين لكنها الآن أصبحت غالباً ما تقتصر علي النساء فلا يشارك فيها أو يشاهدها من الرجال غير العريس . يسبق الموعد المحدد لهذه الممارسة تجهيزات تمتد لأسابيع وربما شهور ، بعض هذه التجهيزات تنتظم (بيت العرس) حيث تجري ترميمات لمنزل أهل العروسة وتجهيز الساحة التي يقام عليها العرض سواء كانت داخل المنزل أو خارجه ، تضاء هذه الساحة بالمصابيح الملونة وتزين بما يتيسر من الزينات الحديثة أو التقليدية كأفرع شجر النخيل في هذه المناسبة يلبس المدعوون أفخر ما لديهم من ملابس وتستعمل النساء أوات التجميل والزينة ، أما العريس والعروسة فتكون العناية يتزيينهما كبيرة فالعريس يخضب بالحناء والعروسة تخضع لفترة طويلة قبل موعد الزفاف لكبار النسوة لتجليتها واختيار الأزياء الخاصة بهذه الممارسة . كما تخضع لفترة تدريبية علي الرقصات والتي سوف تؤديها في تلك الليلة بقيادة إحدى النسوة الخبيرات في هذه الرقصات والتي غالباً ما تكون المغنية الرئيسية وربما الوحيدة وهي التي يوكل لها عزف الآلة الإيقاعية المصاحبة للرقص . يلاحظ أن رقصات تلك الممارسة يغلب عليها الطابع التعبيري ويبدو فيها الصراع واضحاً بين العريس والعروسة فالعريس يحاول أن يجعلها تنقاد له بينما هي تحاول الإجفال وهي كثيراً ما تتبع توجيهات المغنية التي كانت قد لقنتها لها أثناء الفترة التدريبية ، أو التي توجهها لها أثناء العرض نفسه . المصدر:http://sustech.edu/staff_publications/20100711103342949.doc

سلفية الثقافة العربية الإسلامية تحاول أن تلغي التراث والطقوس السودانية من العقل السوداني وبالذات (رقيص العروس) بحجة مخالفتها للشرع (حيث أن العروس ترقص شبه عارية)، ويتابعها سلفيو اليسار السوداني بحجج مختلفة منها:
-;---;-- • إن رقص العروس للعريس هو في حقيقته تسليع*1 لجسد المرأة، حيث أن الرجل يدفع المهر لشراء المرأة وهذا يماثل شراء العبدات للمتعة في الزمان الغابر ومن ثم تقوم المرأة (العروس) بعرض الجسد = البضاعة للعريس في شكل الرقصة المؤداة.

الرد على هذه الحجة يأتي من عدة وجوه: أولها إنه لازال السودان يشتمل على شعوب في غير الشمال والوسط وفيها (رقصات خاصة بالزواج، وفيها تقريباً نفس العري)، وتمتد جذور هذه الممارسات إلى الماضي السحيق وترتبط بطقوس الرقص للآلهة طلباً للخصب بكل ما فيها من الحب والإحتفاء بالجسد. في النسخة الحديثة لشمال ووسط السودان يتضائل دور الرجل في رقصة الخصب (يتابع ويمسك بالعروس حينما تقع أثناء الرقصة وإلا تم تسجيل هدف عليه)، هذا الدور المتضائل في رأيي هو نتيجة وليس متضمناً في بدايات ظهور الرقصة، ففي ظل سلفية الثقافة العربية الإسلامية ينظر لمن يرقص في مجتمع الشمال والوسط بأنه أقل من الرجال وربما نعتوه بالمثلية (جرب أن تكون مثلي في هذا المجتمع القاسي البارد) فللرجال نسختهم المختلفةعن النساء من الرق2ص في شمال ووسط السودان.إذاً ففي رأي (رقيص العروس) هى بذاتها رقصة الخصب وقد تضائل دور الرجل فيها نتيجة لسيادة طريقة التفكير السلفى.
أما التسليع فالرد عليه أن الوصف ينطبق علي طريقة الزواج وليس على الرقصة، ألا ترون إنه إذا كان هناك زوج متحاب ومتفاهم وإتفقوا على الزواج بدون شبهة الشراء والبيع وإتفقا على إقتسام الحياة بمحبة وعدالة وتساوي تنتفي هذه الحجة، إذن لا ضير في أن ترقص مثل هذه العروس، أوليس كذلك؟.
-;---;-- • أن العروس ترقص لأهل العريس وللعريس حتى يتأكدون أنها كاملة مكملة الجسد وللعريس حتى يكون مستفزاً جنسياً وحاضراً في ليلة الدخلة تحت إغواء الجسد. إن العروس لا ترقص لمتعتها ولا إحتفاءاً بجسدها ولكن ضغوط المجتمع عليها هى التي كانت تضطرها للرقص، بكل ما يعني هذا من إمتهان لكرامتها كإنسان.
إذاً فالإعتراض هنا على شئ آخر لا يخص (رقيص العروس). فماذا يمنع أن تقوم عروس بمحض إختيارها وليس إستجابة لضغوط إجتماعية (أو بتلاشي هذه الضغوط بفعل تطور المجتمعات)، ما الذي يمنع هذه العروس من الرقص إحتفالاً بجسدها وبالحياة وبالفرح وبمن تحب، وربما يتطور دور العريس إلى المشاركة الكاملة في الرقص بدلاً من دوره الضئيل الآن.
إن طقس رقيص العروس يفضح طريقة التفكير السائد ثلاث مرات بما يتعرض له م محرمات الرقص والعري والجسد، وفي رأيي يجب تخليصه من شراك طريقة التفكير لسائده وإرجاعه طقساً سودانياً خالصاً للإحتفاء بالجسد والحب والحياة من قبل العروس والعريس.

أنا هنا (ولا يجب أن يفهم البتة غير ذلك) لا أطالب بإعادة الحياة لكل طقوسنا وموروثنا السوداني للحياة كما كانت تمارس في الماضي، ولكني ألح على إعمال العقل النقدي في طريقة تفكيرنا، في أفكارنا، وفي أحكامنا على الطقوس والموروث والتاريخ والحاضر. فالسلفية تتسلل إلى تفكيرنا من ثقوب البداهة والتعود والإستسهال. وإحتفائي بطقس (رقيص العروس) مع حبي وإستمتاعي به، هو بالنسبة لي هنا : نافذة لفضح طريقة التفكير السائدة ولفتح إنغلاق وإنسداد القيم والأخلاق والأفكار الضيقة في كل مجتمع منمجتمعاتنا السودانية المتعددة حتى نتفهم قيم وأخلاق وأفكار الآخر السوداني، وربما نتبناها، من يدري؟!!!!.

1* (التسليع ويعني تحويل البضائع والخدمات وأيضاً الأفكار أو أي شئ آخر هو في المعتاد ليس ببضاعة.إلى سلعة) http://en.wikipedia.org/wiki/Commodification





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- سفير سعودي: افتراض أن أفكار الوليد بن طلال وراء اعتقاله يخرج ...
- الصين تطلق 3 أقمار اصطناعية
- زيمبابوي... معظم الوزراء يتخلون عن موغابي
- -فاطميون- لسليماني: مستعدون للذهاب إلى أي مكان في العالم للن ...
- الكرملين: دور الأسد في مستقبل سوريا يخص السوريين فقط
- هل صفحة الماضي التي سيطويها الأسد تشمل أردوغان؟
- دي ميستورا إلى الرياض للمشاركة في مؤتمر المعارضة وأنباء عن ت ...
- لافروف: استقالة حجاب خطوة لتوحيد المعارضة
- برلمان زيمبابوي يبدأ الإجراءات القانونية لعزل موغابي
- شاهد: شرطي يقتل لصين وهو يحمل ابنه على ذراعه!


المزيد.....

- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري
- انهيار الدولة المعاصرة في مصر / طارق المهدوي
- البيان السياسي الختامي للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- مدرسة السادات السياسية و اليسار المصري / دكتور لطفي الخولي
- تطور الراسمالية و كفاح الطبقات في مصر / دكتور فواد مرسي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - عمادالدين احمد عيدروس - اليسار السوداني ورقيص العروس