أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - وضاح أزهري عثمان - عن انتفاضة سبتمبر















المزيد.....

عن انتفاضة سبتمبر


وضاح أزهري عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 4229 - 2013 / 9 / 28 - 13:35
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


عن انتفاضة سبتمبر

Waddah.elsiddig@hotmail.co.uk


في البدء لا بد من تحية إجلال لشهداء انتفاضة سبتمبر و الترحم على أرواحهم، شابات و شباب واجهوا الموت بصدور عارية و شجاعة منقطعة النظير، كل من خرج بعد يوم الثلاثاء 24 سبتمبر تقريباً كان يعرف أن احتمال ضربه بالرصاص الحي وارد و أن النظام فقد أعصابه و مع ذلك فقد اختاروا هذا الخيار الصعب و أضافوا أسمائهم لقائمة سامقة من شهداء الشعب السوداني في معركته الطويلة ضد أنظمة البطش و الاستبداد.

عنف الدولة

أحد تعريفات الدولة أنها هي ذلك الكيان الذي يمارس العنف المشرعن، مشرعن بالنسبة لمن؟ مشرعن للشعب، أو بكلمات أدق الشرائح المؤثرة في الشعب. وجود دولة/نظام سياسي ما يعتمد على اقتناع غالبية هذه الشرائح المؤثرة بأن هذه الدولة/النظام السياسي يمثلهم و يعبر عن مصالحهم. في سوداننا هذا و نظراً لتضافر عوامل كثيرة كانت المعادلة كالآتي: الدولة/النظام يعبر عن مصالح الشمال النيلي و المؤمنين بمصالح الشمال النيلي من أهل الهامش ، الأمر الذي يقتضي أن يكون ضد كل غير المنتمين للشمال النيلي.

ما هو الشمال النيلي؟

هم جماعات مختلفة عرقياً و جغرافياً لكن يميزها جميعاً أنها تقطن في المناطق الشمالية المجاورة لنهر النيل. هي نفس الجماعات التي تلقت قدراً من التعليم في فترة الاستعمار و استولت على الوظائف الرفيعة في الخدمة المدنية و القوات النظامية و المناصب الحكومية بعد الاستقلال. هم المستفيدون اقتصادياً من نمط التنمية المشوه الذي ورثه السودان المستقل من عهد الاستعمار و واصلوا سياساته في اقصاء و تهميش سكان الهامش الأمر الذي أدى الى اشعال واحدة من أطول الحروب الأهلية في العالم (الحرب بين الجنوب و الشمال) و حرب الابادة الجماعية الأولى في القرن الحادي و العشرين (حرب دارفور). يحالفهم مجموعة من أبناء الهامش الذين يلعبون دور قطعة الديكور لتجميل مشهد بالغ القبح في خيانة لجذورهم. هم أيضاً يتميزون بانتمائهم (الفعلي) للإسلام و (المتعسف) للعروبة في محاولة للاختلاف و التميز عن الجماعات الإثنية الأخرى.

و جاءت الإنقاذ!

جاء نظام الانقاذ الى الحكم عن طريق انقلاب عسكري في عام 1989م، مجموعة من الضباط العسكريين و مجموعة أخرى من المدنيين المسلحين استولوا على الحكم ليقيموا ثالث نظام عسكري دكتاتوري في تاريخ السودان الحديث و أول نظام شمولي. حمل قادته أفكاراً عجيبة عن "اعادة صياغة الانسان السوداني" و الأسوأ من ذلك أنهم شرعوا في تطبيقها. كان حكام الدولة ينتمون فكرياً للإسلام السياسي و قاموا بإلباس الحرب الأهلية صبغة دينية بالإضافة إلى تكوينهم تنظيمات مسلحة موازية للجيش مثل قوات الدفاع الشعبي في نفس الوقت الذي قاموا فيه بافراغ الجيش و الشرطة و أجهزة الخدمة المدنية من غير الموالين لهم لإجهاض أي محاولة عمل انتفاضة أو انقلاب عسكري و ضمان تنفيد سياساتهم. على المستوى الظاهري هنالك فرق بين نظام الإنقاذ و سابقيه من أنظمة دكتاتورية مثل نظام عبود و نظام نميري، فالأول لم يكن لديه توجهات فكرية مميزة بل و من الممكن أن نساءل مشروعية تسميته انقلاباً و هو الذي تم بعلم و رضا قادة الحكومة التي انقلب عليها، و نظام النميري بدأ يسارياُ قومياً و انتهى يمينياً أما نظام الإنقاذ قتبنى النسخة الراديكالية من الإسلام السياسي حتى أنه استضاف أسامة بن لادن زعيم القاعدة الأشهر لسنوات في السودان و حافظ على توجهاته هذه حتى يومنا هذا. لكن على مستوى أعمق لا يوجد تغيير سوى في البنى الفوقية اذا استلفنا التعبيرات الماركسية، فالنظام حافظ بامتياز على الارث البائس لمن سبقوه من شماليين نيليين في ادارة سلطة الدولة و مواردها و إقصاء الآخرين مع اختلاف الوجوه و الشعارات السياسية فقط.

واجه النظام معارضة كبيرة طيلة سنواته (و هو الأمر المتوقع ضد أي نظام شمولي) و تخطى العديد من الأزمات، الا انني الآن سأركز على محاولات التغيير في البلاد من بعد انفصال الجنوب في عام 2011م و ما تبعه من تردي اقتصادي أفقده تأييد جزء كبير من قاعدته المؤثرة في الشمال النيلي من الطبقة المتوسطة .

وسائل التغيير

طرق التغيير المحتملة في السودان ثلاث، انتفاضة شعبية سلمية (و هو ما حدث مرتين من قبل في البلاد) أو انقلاب عسكري (و هو ما حدث ثلاث مرات) أو حرب عسكرية تشنها الحركات المسلحة. سأتناول هنا بقدر من التفصيل احتمالات كل منها.

في تقديري فإن عام 2012 حمل إجابتين عن السؤال أعلاه. ففي شهري يونيو و يوليو قامت الحركة الطلابية مع الحركات الشبابية الناشئة حديثاً مع ما تبقى من قوى سياسية حية معارضة للنظام بتنظيم احتجاجات شعبية على خلفية رفع الدعم الجزئي عن المحروقات. استمرت هذه التظاهرات لقرابة الشهر و تم اخمادها دون أن يتحقق أي شيء من مطالب المتظاهرين، و توفي في تلك الأحداث أقل من عشرين متظاهراً. كانت تلك الأحداث بخاتمتها الحزينة مؤشراً على أقصى ما يمكن أن تفعله قوى المجمتع المدني في احداث تغيير سياسي سلمي عن طريق انتفاضة شعبية و دلالة على أن هنالك الكثير الذي ينقص هذه القوى لتحقيق أهدافها.

في شهر نوفمبر من نفس العام أوقفت السلطات الامنية منتمين للجيش و لجهاز الأمن و المخابرات الوطني بحجة قيامهم بمحاولة تخريبية، هؤلاء الأشخاص كانوا يمثلون نوعاً من تيار اصلاحي و هم في الأساس إسلاميين تحالفوا مع مدير جهاز الامن و المخابرات السابق صلاح قوش لعمل انقلاب عسكري، فشل محاولتهم ضيق من احتمال تدخل الجيش في الأحداث الحالية اذ أن كل هؤلاء الضباط الذين تم ابعادهم من مناصبهم الرفيعة كانوا يمثلون احتياطياً يمكنه التدخل في مثل هذه الأحداث الدائرة حالياً في البلاد.

الخيار الثالث غير مرجح نظراً لما حدث في صيف 2008، بالتحديد في العاشر من مايو منه حيث وصلت مدرعات و أفراد حركة العدل و المساواة المسلحة الى القرب من جسر الانقاذ الذي يربط بين مدينتي الخرطوم و أمدرمان على بعد مئات الأمتار فقط من القصر الجمهوري في عملية أسموها الذراع الطويل حيث تحركوا لمسافة مئات الكيلومترات دون مقاومة تذكر الى أن دخلوا العاصمة و حدث حينها حرب شوارع مسلحة انتهت بسيطرة النظام على الأوضاع. بعدها لم تحدث محاولة جدية من الحركات المسلحة في دخول العاصمة و استمروا يقاتلون قوات النظام في الاقاليم في عمليات تأخذ أحياناً طابع حرب استنزاف (أحداث أبو كرشولا و أم روابة 2013) و أحياناً أخرى شكل حرب العصابات خصوصاً في المناطق الجبلية من أماكن الاشتباكات، هذا بالإضافة الى أن النظام استفاد من درس 2008 جيداً و قام بأخذ احتياطاته لضمان عدم مفاحأته في عقر داره.

موقع الإنتفاضة الحالية

هي تبدو أقرب لمظاهرات العام الماضي، فهي تظاهرات سلمية في مجملها و لكن هنالك فرقاً جوهرياً بينها و بين مظاهرات العام الماضي. ففي العام الماضي كانت المظاهرات سياسية و قام على تنسيقها و تحريكها سياسيون و ان كانت الشرارة التي أشعلتها حدث افتصادي. هذه المرة اندلعت بصورة عفوية و كان عمودها الفقري الغاضبون و اليائسون من الأوضاع بالغة السوء على كل المنحنيات و أخذت طابعاً دموياً مع عنف الاجهزة الأمنية و الشرطية. يحاول الآن السياسيون اللحاق بمجريات الأحداث المتسارعة (و هو أمر غير سيء على الإطلاق كما يظن البعض، بل مطلوب اذا أردنا ايقاف نزيف الدم) و محاولة الانتقال بها الى حدث سياسي بدلاً من أن تظل هكذا بلا صفة سياسية يمكن استعمالها في عملية ايجاد حل سياسي. هذا الأمر يتطلب بالتأكيد الكثير من التنازلات من الحزب الحاكم فهو حتى اللحظة لا يراها الا مجرد أعمال تخريبية و يمارس منسوبي الأجهزة الامنية اطلاق الرصاص الحي في محاولة لإرهاب الجماهير غير عالمين أن أسوأ ما يفعله المستبد هو ألا يترك لشعبه ما يخاف منه.

الجديد في أحداث هذه الأيام أن النظام قتل متظاهرين ينتمون لمناطق نفوذه المفترضة. في مظاهرات العام الماضي استمرت المظاهرات لأكثر من شهر و لم يقتل اي متظاهر من الشمال النيلي بينما و في يوم واحد سقط اكثر من عشرة شهداء في مدينة نيالا التي تقع في اقليم دارفور. هذه المرة و منذ الأيام الأولى سقط عشرات الشهداء في مدينة ود مدني في وسط السودان و مدن العاصمة الثلاث الأمر الذي يعني بأن النظام و هو في ذعره قام بخطأ كبير ينسف به أساس شرعيته المفترضة.

دعاية النظام العنصرية التي كان يروج لها وسط أبناء الشمال النيلي كانت تقوم على أن بديل نظام الانقاذ هو الفوضى و القتل و التخريب التي ستقوم بها الحركات المسلحة أو على أحسن الاحوال تكرار ما اصطلح على تسميته في السودان بحكم الأحزاب، و هي الفترة التي حكمت فيها ائتلافات حزبية السودان في السنوات القصيرة التي أعقبت انتفاضتي أكتوبر 1964 و أبريل 1985 و اتسمت بالتناحر الحزبي و تدني الاداء الحكومي . الآن يعايش سكان الشمال النيلي الرعب الذي كانوا يخيفونه به و بالتالي لا يوجد لدىيهم ما يفقدونه فأسوأ مخاوفهم قد تحققت بالنسبة إلبهم .

السيناريوهات الواردة

حسبما أرى فإن هنالك سيناريوهين مرجحين، الأول أن يحدث انقلاب من داخل الجيش (من الرتب الوسيطة في الغالب نظراً لعمليات التطهير المستمرة التي يقوم بها النظام لأصحاب الرتب الرفيعة غير الراضين عن سياساته) أو انقلاب قصر داخلي مستعيناً أيضاً بالجيش. السيناريو الثاني هو أن يستمر النظام في قمعه الوحشي للانتفاضة الشعبية و لا يحدث التدخل المنشود من داخل الجيش فتنزلق البلاد الى هاوية الفوضى غير معروفة العواقب و الأمد.

أياً كان المسار الذي ستسلكه الإنتقاضة الحالية فبالتأكيد لن ترجع الأوضاع كما كانت عليه، لقد خرق نظام الانقاذ العقد الاجتماعي لسودان ما بعد الاستقلال، و لم يحدث في تاريخ السودان الحديث أن تجاوز نظام هذا العقد الاجتماعي و ظل حاكماً، و سنرى ما ستحمله الايام المقبلات ان بقي في العمر بقية، مع أمل أن تحمل هذه الانتفاضة ما عجزت عنه أكتوبر و أبريل؛ انهاء للمظالم التاريخية لشعوب السودان، و تحقيق العدالة، و سلام قائم على أساس من التراضي و التعافي لا بسبب ميزان القوى المخنل، و تنمية متوازنة مستدامة، و بالتأكيد صياغة عقد اجتماعي منصف، فهذا البلد دامع العينين يستحق هذا و أكثر.





وضاح أزهري عثمان

الخرطوم

28/9/2013





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,226,712





- شاهد: مواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في هونغ كونغ
- شاهد: مواجهات بين الشرطة وأفراد من اليمين المتطرف هاجموا مسي ...
- تجاوزات الشرطة الصينية ضدّ المتظاهرين تتواصل في هونغ كونغ
- تجاوزات الشرطة الصينية ضدّ المتظاهرين تتواصل في هونغ كونغ
- تحية بالذكرى الـ 60 لاستشهاد القائد فرج الله الحلو
- قيادات نقابية بريطانية يطالبون بإطلاق سراح هشام فؤاد وهيثم م ...
- جورج عبدالله من سجنه الفرنسي: لا تتسوّلوا حريتي!
- تظاهرات في المخيمات الفلسطينية دفاعاً عن لقمة العيش: الغضب خ ...
- في الخلفيات السياسية لمشروع قانون-إطار رقم 17-51 الذي يتعلق ...
- مشاركة عزاء للرفيق د.صايل الخيطان بوفاة شقيقته وعمة الرفيقين ...


المزيد.....

- من البرولتاريا إلى البرونتاريا رهانات التغيير الثقافي / محمد الداهي
- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا
- الرد على تحديات المستقبل من خلال قراءة غرامشي لماركس / زهير الخويلدي
- الشيعة العراقية السكانية وعرقنةُ الصراع السياسي: مقاربة لدين ... / فارس كمال نظمي
- أزمة اليسار المصرى و البحث عن إستراتيجية / عمرو إمام عمر
- في الجدل الاجتماعي والقانوني بين عقل الدولة وضمير الشعب / زهير الخويلدي
- توطيد دولة الحق، سنوات الرصاص، عمل الذاكرة وحقوق الإنسان - م ... / امال الحسين
- الماركسية هل مازالت تصلح ؟ ( 2 ) / عمرو إمام عمر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - وضاح أزهري عثمان - عن انتفاضة سبتمبر