أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ترجمة :عليان الهندي - الشرق الأوسط في التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2013- ترجمة عليان الهندي - حلقة 5















المزيد.....



الشرق الأوسط في التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2013- ترجمة عليان الهندي - حلقة 5


ترجمة :عليان الهندي

الحوار المتمدن-العدد: 4147 - 2013 / 7 / 8 - 14:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ربيع أردني - شتاء هاشمي
انعكاسات على العلاقات الإسرائيلية الأردنية
أساف دافيد•

يعبر المقال عن القلق الإسرائيلي العميق من المظاهرات التي اندلعت في الأردن خشية أن يؤدي الأمر إلى انهيار النظام الملكي الأردني وانزلاق الاردن نحو المجهول أو نحو الحكم الإسلامي الذي ترى فيه إسرائيل خطرا عليها.

بعد العام الثاني من اندلاع الربيع العربي، بدا أن النظام الأردني تجاوز العاصفة، لكن آثارها تركت ترسبات لا يمكن إصلاحها. وعمقت سلسلة الثورات في العالم العربي من ضعف النظام ودمرت من هيبة حكم الملك عبدالله الثاني الذي تسلم الخكم عام 1999، والسياسيات الاقتصادية الليبرالية التي اتبعها.
ومن الناحية العملية، اندلع الربيع الأردني قبل أشهر كثيرة من الربيع العربي، عندما حدث خلاف بين النظام وبين السكان الأردن الأصليين (مع القبائل) الذين يعتبرون السند الأساسي للنظام منذ نشأته، وأصبح هذا الخلاف علني وواضح. وعبر عنه من خلال :دور النخب المحافظة في الإفشال المتواصل للمبادرات السياسية للملك عبد الله، والمظاهرات المتزايدة، والعنف المسلح في الريف الأردني على خلفية اقتصادية-اجتماعية، والاحتجاج العام على تزايد قوة أجهزة الأمن (المخابرات)، والفساد في قمة النظام، الذي تجاوز تدريجياً الخطوط الحمراء. وفي النهاية، تبلورت حركات احتجاج أردنية ذات طبيعة معادية للملكية. والعنصر المشترك لكل ما هو مذكور تبلور من دون أي علاقة بالانتقادات التي يوجهها الأخوان المسلمين والجهات الليبرالية المطالبة بالإصلاح السياسي. والرغبة في التغيير نمت من قلب السكان والنخب الأردنية الأصلية التي كانت جزء من النظام القديم الذي أعتبر أساس النظام الملكي في الأردن.
يستطلع هذا المقال تأثير الربيع العربي على علاقات الأردن مع الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ومع دول الخليج من جهة أخرى، ويحلل التغييرات الأردنية الداخلية، وكيف واجه النظام التحدي المشترك من الاتجاهات الإسلامية ومن السكان الأردن الأصليين. والاستنتاج المركزي لهذا المقال هو أن النظام الأردني لا يواجه اليوم خطر السقوط، لكن حكمه وقدرته على اتخاذ القرارات في المجالات السياسية والاقتصادية-الاجتماعية وفي رسم السياسات، تراجعت بصورة كبيرة مقارنة مع نهاية حكم الملك حسين. وفي جزء من التوصيات المطروحة في نهاية المقال، اقترح أن تقوم إسرائيل، إذا استطاعت، بالعمل على تعزيز المدرسة الواقعية الليبرالية الإصلاحية في قيادة المملكة، من أجل ضمان الإستقرار الداخلي في الأردن، وبذلك بقاء النظام الملكي في هذا البلد.

زعزعة وعدم ثقة بالحلفاء
الأردن دولة لا تتوفر فيها الموارد الطبيعية والحصانة الاقتصادية. وهي دولة تعتمد على الدعم الخارجي وليس على الإنتاج المحلي. ومنذ إنشائها تحتاج الأردن لحلفاء كرماء ومن ذوي "الجيوب العميقة". وباستثناء فترات قصيرة، قدمت الولايات المتحدة وبعض دول الخليج دور مهما في التمويل.
وأحدث الربيع العربي تصدعا ،ربما لأول مرة، في وجهة النظر الأردنية القائلة بأن إتخاذ مواقف سياسية داخلية وخارجية يحولها لدولة مدعومة من الولايات المتحدة. وبدت السياسة الأمريكية ،على الأقل في الأشهر الأولى للثورات العربية، وكأنها تتعارض ومصالح النظام الهاشمي كما رسمت في العقود الأخيرة. وفسر معارضي ومؤيدي النظام السياسة الأمريكية، على أنها كانت رافعة لإسقاط الرئيس المصري حسني مبارك، ما اعتبر دليلا على خيانة الولايات المتحدة لأصدقائها. وعلاوة على ذلك، خوف النخب المحافظة في الأردن تعزز في أعقاب ما أعتبر شروطاً للمساعدات الأمريكية للمملكة للسير باتجاه الدمقرطة في العالم العربي، الأمر الذي أثار مخاوف النخب الأردنية بأن تؤدي المطالب الخارجية والداخلية بالمساواة في الحقوق بين السكان الفلسطينيين والأردنيين، إلى تحويل الأردن لدولة فلسطينية.
ومن اللحظة التي تزعزعت ثقة الأردن بالولايات المتحدة، توجه الأردن نحو "خط الدفاع الأخير" له، وهي دول الخليج وفي مقدمتها العربية السعودية. حيث تمتع الملك عبد الله الثاني بعلاقات وثيقة وحميمية مع بعض حكام الخليج، وتميز حكمه بالتقرب من دول الخليج. ولم تثن معارضة المملكة العربية السعودية ضم الأردن لمجلس التعاون الخليجي في العام الأول لحكمه، عن استمرار التقارب مع دول الخليج. ومع مرور الوقت أرسل قوات الجيش والأمن الأردني للخارج من أجل خدمة المصالح الغربية والخليجية. إذا، لا غرابة أن سارع الأردن، بعد فتر قصيرة من اندلاع الربيع العربي، لمساعدة البحرين في إحباط الانتفاضة الشيعية فيها، وكان الاعتبار المركزي في المشاركة هو الاعتبار الإقتصادي. وترى الأردن أن الفراغ الموجود في النظام القديم في الشرق الأوسط والتغييرات في مواقف الغرب بالنسبة للأنظمة المركزية في المنطقة، يدفع الأردن للتوجه إلى دول الخليج لطلب الدعم.
وفي ربيع 2011 تراجعت قليلاً نسبة الخوف بالأردن، في أعقاب زيارة الملك عبد الله للولايات المتحدة، التي استقبل خلالها بحفاوة وود ووعد بتقديم مساعدة اقتصادية مكثفة للأردن. ورغم أن المبالغ التي ذكرت لا أهمية لها من الناحية الاقتصادية، إلا أن الزيارة خلقت انطباعا بأن الولايات المتحدة تعافت من صدمة "الربيع العربي"، وأنها مستعدة لدعم استقرار الأنظمة العربية الحليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي صمدت أمام الثورات التي مرت على العالم العربي. وحاول الأردن إقناع الولايات المتحدة بالضغط على دول الخليج من أجل تقديم المساعدات لها.
وفي التاسع من شهر أيار عام 2011 نشر بشكل مفاجئ عن استعداد مجلس التعاون الخليجي ضم الأردن والمغرب إلى المجلس. وكان الإنطباع الأولي هو أن العرض جيد، ولم يسبق له مثيل، وهدفه النهائي هو عضوية كاملة للأردن في المجلس من دون قيود أو شروط.
ويعتبر دور الولايات المتحدة بتشكل محور الملكية الجديد محل خلاف. والتفسير الذي ساد في المملكة وخارجها هو أن الولايات المتحدة تؤيد ما يجري في العالم العربي، وعلى الأردن والعربية السعودية استغلاله كشهادة ضمان ضد تقلبات الإدارة الأمريكية. ووفق التفسير المذكور أعلاه، رغبت المملكة العربية السعودية في ضم الأنظمة العربية الملكية، نظراً لتوجه الغرب وخاصة الولايات المتحدة إلى دعم الأخوان المسلمين كبديل عن النظام العربي القديم. وساد في أوساط النخب السياسية الأردنية توقعات بأن الخطوة الخليجية ستوجه ضربة قاضية إلى الجهود المطالبة بإحداث إصلاحات في الأردن، ومواجهة الفساد في المملكة. وخاف السكان والنخب الأردنية من صفقة بعنوان "الأمن مقابل المال"، وقالوا أن الأردن سيدفع ثمن المساعدة الخليجية بإنضمامها إلى الصراع السياسي والأمني لدول الخليج ضد إيران. كما أن نظرية المؤامرة المعروفة طلت من جديد، حيث تفيد أن دول الغرب والخليج يمكنهما استخدام ملف المساعدة للأردن من أجل حل القضية الفلسطينية على حساب سكان الأردن الأصليين.
التقدم نحو الخليج كان بطيئ جدا، ما أثار قلقاً أردنيا عاما، إلا أن أغلق مؤتمر القمة الخليجي ملف إنضمام الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون الخليجي بالمرة في شهر ديسمبر عام 2011. كما أن التوقعات المتفائلة بتقديم مساعدات للأردن من دول الخليج لم تتحقق، لأن المجلس قرر إنشاء صندوق التنمية، منحت من خلاله الأردن والمغرب منحة تقدر 5،2 مليار دولار لكل منهما. وتشككت النخب السياسية الأردنية بأن الولايات المتحدة والعربية السعودية تدخلتا من أجل إجهاض الخطوة الخليجية، كل له أسبابه :فالولايات المتحدة، ورغبة منها بالضغط على الأردن من أجل طرح إصلاحات، والعربية السعودية على ضوء خفوت نجم الربيع العربي في دول الخليج. وعلاوة على ذلك، إحباط محاولة ضم الاردن لدول الخليج، نبع من الخوف من امتداد النزاع السوري إلى الأردن. وزعزعة الاستقرار في المملكة ربما يؤدي إلى امتداد ذلك لدول الخليج أو يجبرها على تبني الديمقراطية. ووفق هذا التفسير، رغبت دول الخليج بالامتناع عن اتفاق يلزمها بإنقاذ النظام الهاشمي.
وودع الأردن الربيع العربي بإحساس شديد بخيانة حلفائها لها، بالضبط عندما احتاجتهم. وفي السياق المذكور، أشارت النخب الأردنية لحقيقة بقاء الدعم الغربي على حاله، رغم انهيار الجبهة الداخلية في الحرب الأهلية التي اندلعت من عام 1970-1971. وأن الدعم الخارجي انهار خلال حرب الخليج الأولى (1990-1991) فيما ظلت الجبهة الداخلية موحدة. مقابل ذلك، واستعداداً لعام 2011، ظهرت تصدعات مزعجة بالغلاف الأردني الخارجي والداخلي. وكان أحد التفسيرات ذلك هو اختيار الأردن تعزيز "تيار التوجه نحو الغرب" :إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس.

الحدود الغربية: تعقيدات المصالح المتناقضة أمام إسرائيل والفلسطينيين
في الأشهر الأولى للربيع العربي، وتحت مفاجأة الأحداث، آمنت النخب الأردنية بأن الظروف الجديدة تتطلب إعادة دراسة العلاقات الخارجية للمملكة. وربط رئيس الحكومة الأردنية السابق معروف البخيت أيضا إسرائيل، حيث وصف العلاقات معها بأنها في أدنى مستوياتها. وأكد البخيت أن الأردن يحتاج إلى مساعدات عربية عاجلة، بصفتها آخر قلعة في مواجهة المشروع الصهيوني، وبسبب مسؤوليتها عن الأخوة الفلسطينيين، الذين وصفهم بأنهم مشكلة الأردن الداخلية. واستخدم خلال تصريحاته مصطلحات ومبررات كانت منسية في الحوار الأردني الداخلي خلال العقود الأربعة الماضية، التي سبقت السلام مع إسرائيل. وتدريجيا اتضح للأردن أنه لا يوجد بديل حقيقي لحلفائهات القدماء في العالم والمنطقة. وعليه، الربيع العربي والجمود بمسيرة السلام الإسرائيلية-الفلسطينية سارا في اتجاهين متناقضين هما: تعزيز التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، وفي نفس الوقت الاستعداد لمواجهة ضغوط داخلية وخارجية شديدة لدفع الأردن إلى دراسة اتفاق السلام مع إسرائيل. إذاً، لا غرابة، وعلى عكس السنوات السابقة، خفف الملك عبد الله انتقاداته الموجهة لإسرائيل بشكل عام ولحكومتها بشكل خاص، واكتفى بالتعبير عن إحباطه من سياسة إسرائيل الداعية إلى "اجلس ولا تعمل"، نظراً للربيع العربي.
ورغم أن الحوار العام في الأردن وإسرائيل، أصبح أكثر حساسية من الماضي، فإن مؤسسات الدولتين تعاملتا بشكل عام مع القضايا الثنائية بمسؤولية. فالأزمة المتدحرجة بين الدولتين حول باب المغاربة في هار هبيت لم تحل، وتسبب بين الفينة والأخرى احتكاكات بين الطرفين، لكنهما يديران ذلك بعيداً عن أعين وسائل الإعلام. وفي ربيع عام 2012، جرت خمسة زيارات لمسؤولين أردنيين رفيعي المستوى لإسرائيل من بينهم إثنين من أخوة الملك، للمسجد الأقصى مع رجال دين سنة وصوفيين من العالم العربي، وكان للنظام الهاشمي وإسرائيل مصلحة مشتركة بهذه الزيارات: بالنسبة للأردن كانت هذه الزيارات اعترافاً إسرائيلياً بأن للأردن الدور الأكبر في المسجد الأقصى، مقارنة مع كل الأطراف الأخرى، في حين رأت إسرائيل بذلك نوعاً من التطبيع واعترافاً بالسيادة الإسرائيلية عليها، إلى جانب دعم إسرائيلي متواضع للنظام الهاشمي. كما أن إسرائيل توجهت إلى المفاوضات مع السلطة الفلسطينية في عمان بداية عام 2012 ،من ضمن ذلك، من أجل المساعدة الملك في تحسين صورته وتعزيز مكانته.
ورغم أن الدولة الفلسطينية ستحدد التمايز بين الأردن وبين فلسطين –وهي مصلحة استراتيجية عليا للنخب الأردنية الأصلية- فإن القيادة الأردنية خشيت كثيراً من التصرف الفلسطيني أحادي الجانب الكامن بالتوجه للأمم المتحدة من أجل الإعتراف بفلسطين كدولة مراقب. وإلى جانب الاعتبارات الاستراتيجية الكبيرة، وفي مقدمتها علاقات جيدة مع أي جهة فلسطينية ذات شعبية في الضفة الغربية، الأمر الذي شكل سببا للأردن لإعادة العلاقات مع حماس، التي قطعها الملك عبد الله عام 1999. وتعززت في أوساط النخب الأردنية الأصلية في السنوات الأخيرة الرغبة في إعتبار التقارب مع حماس أمر ضروري للأردن من أجل مواجهة مخاطر إقامة دولة فلسطينية مقصوصة الجناحين وكثيرة التنازلات. ووفر الربيع العربي الفرصة لذلك. وساعد في إعادة هذه العلاقات ضعف أو إزالة التحفظات الأمريكية والمصرية من تجدد العلاقات بين الأردن وحماس. وأمام الحقائق والإعتبارات الجديدة وفي مقدمتها الموقف الإيجابي لقطر من التنظيم. كانت قطر تعد نموذجاً للدولة الراغبة بالتقرب من حماس في أوساط النخب الاردنية. وحسب ذلك، فإن علاقات جيدة مع حماس لا تعني بالضرورة علاقات سيئة مع الولايات المتحدة.
وفي نهاية عام 2011 كان الأردن مرتبكاً بخصوص علاقته بالسلطة الفلسطينية، وإعادته العلاقات مع حماس. وعملياً، عبّرت التصرفات الأردنية عن الرغبة بدعم المصالحة الفلسطينية-الداخلية. وزيارة الملك عبد الله إلى رام الله في ذلك الشهر نسقت بسرعة كبيرة، وهدفت لرفع معنويات السلطة الفلسطينية بشكل عام، وأبو مازن بشكل خاص، على خلفية زيادة التوقعات بحل السلطة، واعتزال أبو مازن الحياة الرئاسية. وبدا أن الزيارة هدفت أيضاً إلى إقناع محمود عباس بدعم المبادرة الأوروبية بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، مقابل دعم الاتحاد الأوروبي لإنضمام فلسطين كدولة مراقب في الأمم المتحدة بشهر سبتمبر 2012، في حال فشلت المفاوضات. وعلى أية حال، مواقف المؤسستين الأمنيتين في الأردن والسعودية كانت ضد المصالحة مع حماس إلى أن تقطع الأخيرة صلاتها بإيران، ما أدى إلى تراجع التقارب بين الطرفين. وزيارة ولي العهد القطري إلى عمان في شهر يناير عام 2012 يرافقه خالد مشعل وبعض قادة حماس، كانت من الناحية العملية زيارة ودية لا أهمية لها.
لكن انتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر في 30 حزيران عام 2012 ألزم النظام الأردني بالاستعداد "للعصر الإسلامي" المطل على الابواب. وقام وفد من حركة حماس برئاسة خالد مشعل بزيارة عمان بشكل مفاجئ، حيث تضمنت الزيارة استقبال رسمي ولقاءات ودية مع الملك ومع كبار مسؤولي المملكة السياسية والأمنية، ومع قيادات الأخوان المسلمين، ومع الشخصيات عامة وصحفيين. وظل مشعل في المملكة مدة اسبوعين ودشنت زيارته صفحة جديدة من العلاقات بين الأردن وحماس. وأظهر قائد حماس حيادية كاملة بخصوص الشأن الداخلي الأردني، وفي النزاع بين الحمائم والصقور في حركة الأخوان المسلمين، وأوصى الأخوان بعدم مقاطعة الانتخابات الأردنية. وتوصل وفد حماس إلى اتفاق تفصيلي مع القيادة الأمنية الأردنية تضمن امتناع حماس عن التدخل في الشأن الأردني الداخلي بما في ذلك العلاقة بين الاردنيين والفلسطينيين، والامتناع عن أي عمل يمس أمن الأردن. وفي المقابل ’وعدت حماس بالتشاور السياسي معها بين الفينة والأخرى، وتحرك بحرية في المملكة، من دون فتح مكاتب رسمية لها. وكسب الطرفين من الاتفاق، ففي حين يعمل الأردن لصالح حماس بالغرب، تعمل حماس لصالح الأردن عند الأخوان المسلمين وفي العالم العربي والأردن نفسه.

سوريا: من الشمال يأتي الشر
كان عام 2012 إشارة إلى إعادة ثقة الأردن بحلفائها. فزيارة الملك عبد الله للولايات المتحدة في شهر يناير، الذي امتدح فيه الرئيس أوباما الإصلاحات في المملكة، بعثت رسالة تفيد بأن الاستقرار في الأردن هدف مهم للولايات المتحدة، وطالما نجح النظام في المحافظة عليها، فإنها ستواصل دعمها للأردن. وكلما مرت الأسابيع في الأردن تأكد الاحساس بأن الولايات المتحدة تخلت عملياً عن مطالبة الأردن بالدمقرطة الجوهرية في الدولة. وتعزز هذا الإعتقاد في صيف عام 2012 عندما أعلنت الولايات المتحدة عن تقديم مساعدات إقتصادية إضافية إلى الأردن بقيمة 100 مليون دولار، غطى بعضها نفقات إستضافة اللاجئين السوريين، الذين هربوا من رعب نظام بشار الأسد، وكذلك التخفيف من الشروط على المساعدات الأمريكية المقدمة للمملكة للعام الحالي، كما أن صندوق النقد الدولي أعلن عن تقديم قرض إلى الأردن بقيمة مليار دولار على ثلاث سنوات بهدف تقليص الدين في ميزانية الدولة ودعم الفئات الفقيرة.
وانضم مجلس التعاون الخليجي إلى الدول الداعمة للأردن، وقرر دراسة إمكانية تقديم خمسة مليارد دولار للسنوات الخمس القادمة للمساعدة في التنمية والبنى التحتية. ومنذ ذلك الوقت، خصصت دول الخليج مئات ملايين الدولارات لمشاريع في الأردن، التي ستصرف في العام المالي المقبل. وفي أعقاب ذلك، بشر الملك عبد الله أعضاء البرلمان أن الأزمة الاقتصادية على وشك الإنتهاء بسبب المساعدات الخليجية.
وكما هو متوقع، وكما شعرت النخب السياسية الأردنية، فإن المساعدة الخليجية رافقها دفع الثمن، حيث ضغطت الكويت والسعودية وقطر على الأردن من أجل "الهبوط عن الجدار" في موقفها من سوريا، ودعم إسقاط بشار الأسد. الإغراءات في هذا المجال استخدمت كخليط من التهديدات والابتزاز، فعلى سبيل المثال نقلت المساعدات إلى الأردن بطريقة بطيئة جدا، أو تراجعت عن تقديم الإستثمارات للمملكة. كما أن التنسيق العسكري والأمني بين الأردن ودول الخليج، الذي تعزز بصورة كبيرة في الصيف، تركز على الشأن السوري. وحسب التقارير الواردة، تضمنت المحاولة تقوية موقف المحافظين في الأردن أمام الأخوان المسلمين. وهبة تشرين التي اندلعت في الأردن في أعقاب قرار الحكومة رفع أسعار المشتقات النفطية، رافقها مرة أخرى شكوك من النخب الأردنية بعمق الالتزام الخليجي والغربي بالاستقرار الداخلي للمملكة.
الحاجة الماسة للأردن إلى المساعدات الخليجية دفع، وبلورة جبهة عربية-غربية ضد نظام بشار الأسد في نهاية عام 2011، زاد من المعضلات الأردنية في كل ما يتعلق بجارتها الشمالية. ومنذ البداية، كانت هناك مخاوف أردنية من المس بنظام الأسد، إذا وقفت إلى جانب المتمردين، ومن تدويل النزاع في سوريا الذي سيدفع مئات آلاف السوريين، خاصة الفلسطينيين منهم إلى الهرب للأردن. والتصريح المشهور للملك عبد الله في BBC في شهر نوفمبر عام 2011، الذي ذكر فيه أنه لو كان مكان الرئيس السوري بشار الأسد لاستقال، لم يكن دقيقا. فالملك من ناحية عملية أكد حينها أن المشكلة ليست بالحاكم، بل في الأسلوب، وعبّر عن ثقته بقدرة بشار الأسد على تغيير الطريقة من الداخل، ولو بثمن تخليه عن السلطة. وفي نهاية نفس الشهر وضع الأردن ثلاثة لاآت في سياسته تجاه سوريا وهي :عدم عودة السفير الأردني إلى دمشق، وعدم طرد السفير السوري من عمان، وعدم الانضمام لعقوبات دولية أو عربية على سوريا.
وحتى ربيع عام 2012 زاد عدد السوريين الشرعيين وغير الشرعيين في الأردن، وساعد هذا التواجد في زيادة التوترات والاحتكاكات بين المعارضة واللاجئين السوريين القادمين للأردن، لأن معظمهم من الفقراء وينافسون فقراء الأردن على معيشتهم. وحذرت تقارير المنظمات الدولية من زعزعة استقرار الأردن ولبنان نتيجة تدفق اللاجئين السوريين إلى الدولتين. وأضاف انضمام نشطاء سلفيين وجهاديين أردنيين، تواجدوا في شمال، إلى المتمردين على نظام الأسد، قلقا مضاعفا من قبل السلطات الأردنية. وتدريجياً أتضح أن الحكومة الأردنية تخشى من مواجهة القبائل الأردنية الغنية والقوية شمال المملكة، التي تتعاون مع مجموعات وعائلات سورية على طول الحدود المشتركة في تهريب الوسائل القتالية والمعدات لصالح المتمردين. وفي مرحلة معينة حاول الأردن منع دخول السوريين إلى أراضيه. لكن المعايير التي وضعها الأردن لذلك سرت على الزوار ولم تسري على اللاجئين، الذين فروا إليها كل ليلة، وجمعتهم قوات الأمن الأردنية مخيمات.
وشهد صيف عام 2012 تدهور الوضع على الحدود السورية الأردنية لدرجة تبادل إطلاق النار بين قوات الدولتين، عندما حاول الجيش السوري منع هروب السوريين للأردن. وزداد عدد اللاجئين الذين يهربون من سوريا يوميا، الأمر الذي زاد التوترات بين مواطني المملكة واللاجئين السوريين، كما حصل ضغط على البنى التحتية الأردنية مثل التعليم والصحة، وزادت الأضرار الاقتصادية والتجارية. ويقدر عدد اللاجئين الذين وصلوا للأردن بصورة رسمية وغير رسمية 250 ألف لاجئ سوري، منهم 45 ألف تم إسكانهم في مخيم الزعتري، فيما توجهت البقية إلى المدن والقرى الأردنية. ولأن معظم الريف الأردني فقير، فقد احتل السوريين الأكثر فقرا سوق العمل الأردني، ما تسبب في خلق بطالة أردنية. والخوف الأكبر للأردن، كما عبّر عنه الملك هو اندلاع حرب أهلية شاملة في سوريا، يشكل خلالها كانتون علوي يقوده أنصار الأسد، وهو أمر يحتاج لعشرات السنوات لإصلاحه في حال تحقق.

الساحة الداخلية: بلاغة ليبرالية، قوانين محافظة وضعف الملكية
مع اندلاع أحداث الربيع العربي، تجند معظم اللاعبين في الساحة الأردنية الداخلية من أجل استقرار أولي للنظام، كلٌ وأسبابه. وساد بين النظام ومعارضيه على مختلف أنواعهم، ميزان رعب، نابع من الخوف أن ينتهي الاستقرار الداخلي في المملكة بحرب أهلية مخيفة، يحاول فيها كل طرف إلحاق الهزيمة المطلقة بالآخر كي ينفرد بالسلطة. في الماضي، طرح بالحوار العام مخاوف حقيقية من استغلال إسرائيل للفوضى من أجل تحويل الأردن إلى وطن بديل للفلسطينيين. وضمن السيناريوهات المخيفة ،تعتبر العائلة الهاشمية، أفضل السيئين. ورغم عدم طرح أية مطالب علنية وفورية في تلك المرحلة لإسقاط الملك، سادت وحدة موقف بين النظام، والنخب المؤسسية والنخب المعارضة، الأردنية والفلسطينية، بضرورة التغيير. لكن الخلاف انصب على أهداف التغيير وحجمه ومستواه.
إنهيار الأنظمة العربية واحد وراء الآخر في الأشهر الأولى من الربيع العربي، عززت من جرأة معارضي النظام في الأردن، وتم تجاوز خطوط حمراء جديدة في كل مظاهرة اسبوعية، شارك فيها آلاف المتظاهرين في عمان والريف الأردني. والطلب المتزايد لإحداث اصلاحات دستورية، تعني من الناحية العملية تقليص صلاحيات الملك، بحثت براحة في الحوار العام. وبدا النظام ومؤيديه لا حول لهم ولا يملكون مبررات مضادة. وتضم الساحة السياسية الأردنية لاعبين أساسيين مثل ،علاوة على النظام نفسه، النخب المحافظة خاصة المؤسسة الأمنية "المخابرات" والمعارضة الممأسسة، وفي مقدمتها الأخوان المسلمين، الذين يطالبون بتمثيل سياسي متساوي للإسلاميين والفلسطينيين، والمعارضة الأردنية الأصل التي تعتبر معظم مطالبها اقتصادية-اجتماعية، وفي مقدمتها كبح جماح الفساد والتوقف عن تجاهل الريف الأردني، والمطالبة بضبط القوة المتعاظمة للسلطة التنفيذية، خاصة القصر والمخابرات، وتعزيز فصل السلطات المشتركة لكل الجهات المعارضة المقبولة على الشارع الأردني والفلسطيني.
لكن الأخوان المسلمين، وخاصة الجناح المتطرف المتعاطف مع حماس ومع السكان الفلسطينيين بالمملكة، كشفوا في تلك الفترة حساسية وضبط نفس، ورفضوا رسميا تبني فكرة الملكية الدستورية، ومطالب أخرى طرحها التيار الحمائمي بالأخوان المسلمين في الأردن، ومن أوساط المعارضة أردنية الأصل. واستغل الطرف الأخير ضعف الملك بصورة بارزة من أجل المطالبة بالموارد والميزانيات، والعودة لدستور عام 1952، الذي يمس بقدرة الملك ومندوبيه من المؤسسة الأمنية لبلورة الساحة السياسية حسب احتياجاتهم. من جانبها، حاولت النخب المحافظة، وقف التوجه لسحب صلاحيات الملك. ومن أجل ذلك وسعت من الانشقاق والفوارق بين الأردنيين والفلسطينيين بواسطة ربط كاذب لمطلب الإصلاح، مع جدول أعمال فلسطيني معادي للملكية. وكانت النتيجة الفورية إزدياد حدة التوتر الداخلي لدرجة خلق أجواء لحرب أهلية حقيقية.
وخلال المظاهرات، عمل النظام على ضبط قوة الاحتجاجات من خلال تعيين لجان وطنية لدراسة التغييرات في الدستور وقوانين الانتخابات والأحزاب، وتعزيز فصل السلطات وخلق انطباع بخوض حرب لا هوادة فيها ضد الفساد. ومكنت الأخبار المشجعة من الخليج في ربيع عام 2011 من التخطيط بصورة متوازنة ومحسوبة في مجال التقدم بالاصلاحات السياسية. ما عزز من قوة المحافظين وقدرتهم على المساومة مقارنة مع قوة الملك. كما أن بعض توصيات اللجان المركزية تم التخلي عنها، ما أعتبر شهادة على أن اللهجة الليبرالية للملك وانتقاده العلني للنخب المحافظة جوفاء، أو ،الأسوأ من ذلك، أنه لم يستطع مواجهة قوة أجهزة الأمن، التي اعتبر أسيراً لها.
وحمل قانون الانتخابات المعدل، الذي تم إقراره في حزيران عام 2011، بشرى ضعيفة للإصلاحيين، وعبّر، كما هو الحال دائماً، عن الخوف العميق للدولة من القوى الإسلامية والفلسطينية. كما أن توصيات لجنة الإصالح الدستوري، التي قدمت للملك بعد شهرين من ذلك كانت متأخرة وقليلة نسبياً. وعلاوة على ذلك، لم تكن المشكلة منذ البداية القدرة على صياغة بنود ليبرالية في الدستور، بل الرغبة والقدرة على تنفيذها. وهكذا وضعت الإصلاحات الدستورية الأساس لإستمرار جس النبض بين مؤيدي النظام وبين معارضيه حول تقليص جوهري لصلاحيات الملك، وتحويل الشعب إلى صاحب السيادة وإقامة مملكة دستورية. لكن النظام واصل رفض مثل هذه المطالب بحجة، طرحت في وسائل الإعلام الرسمية صباح ومساء، أنها تحمل مخاطر تهدد الإستقرار الداخلي الهش في المملكة.
وتأثرت الاستراتيجية التي أدار بها النظام الأزمة السياسية في المملكة عميقاً من المخاوف بأن الأخوان المسلمين، الذين زادت قوتهم في الربيع العربي، أعتبروا من قبل الغرب حقيقة يجب التعامل معها، وأنهم غير معنيين بالتوصل لصفقة مع الحكومة، لكنهم يتطلعون لأزمة عميقة مع العائلة المالكة نفسها. ورغم النفي الشديد للأخوان كل علاقة بالولايات المتحدة، واصلوا التأكيد بأنهم لا يسعون إلى إسقاط نظام الحكم، بل إصلاحه. لكنهم، وفي نفس الوقت لم يكونوا مستعدين لإعطاء النظام رداً شافياً حول هدفهم النهائي بالتغيير.
وفي غضون ذلك، أنتشرت ظاهرة الاحتجاج ضد النظام في الريف الأردني ،التي ركزت كما في السابق، على انتقاد أجهزة الأمن والمطابة بالعدالة الإجتماعية، وفي مقدمتها محاربة الفساد الذي ارتبط بالملك وعائلته وحاشيته. وتصاعد الحوار والمطالب المعادية للملك، أثارت مخاوف المؤسسة الأمنية من عصيان مدني يهدد النظام نفسه. ومن حظ النظام، منعت الفوارق بين الأردنيين والفلسطينيين توحيد المعارضين، الأمر الذي خدم في نهاية الأمر النظام. واعتقد كثير من زعماء المعارضة الأردنية ونشطائها أن الأخوان غير مستعدين لتوحيد صفوفهم معهم ضد الليبرالية الجديدة والفساد، وأنهم يرغبون بالسيطرة على كل شيء بمساعدة من الغرب. وعلاوة على ذلك، تغلب خوف وقلق المعارضة الأردنية من محاولة النظام "بيع" مصالح الأردنيين الأصل مقابل صفقة شاملة بينه وبين الأخوان المسلمين.
ودفعت المظاهرات واسعة النطاق التي اندلعت في الريف الأردني بتشرين أول عام 2011، في أعقاب قرار الحكومة المس بموارد السلطات المحلية، إلى استبدال رئيس الحكومة ورئيس جهاز المخابرات ورئيس الديوان الملكي، وتعيين حكومة جديدة. لكن في الهامش السياسي ساد الانطباع بفقدان النظام التوازن والثقة بالقيادة. وعمقت عدم قدرة الملك ،على الحسم بين المصالح والمواقف المتناقضة في قمة أصحاب القرار، الاستقطاب الإجتماعي والسياسي، وولدت موجات عنف مسلح في الشوارع. وبدا أن النخب الأردنية الأصلية بإعترافها بضعف النظام وتعزيز قوة الإسلام السياسي في المنطقة، لم تعد تتأمل من الملك بالمحافظة على مصالحه، وبرؤية إلى الأمام كانت مستعدة للتوصل إلى حل وسط لنظام شبيه بالنظام التركي، يتم من خلاله تشكيل حكومة إسلامية ذات شعبية ومؤسسات دولة بقيادة القطاع الأمني مع أو بدون القصر، الذي سيعمل "كمسؤول عاقل" وأمين على السياسة الخارجية والأمن. من جانبه، حاول النظام الخروج من المأزق بواسطة استراتيجية صلبة لتحطيم المعارضة على مختلف أنواعها وتنوعاتها، إلى جانب إرضاء الرأي العام بسياسة سوقت على أنها صراع شديد ضد الفساد.
حمل عام 2012 في معظمه إشارات على تعزيز دعم الولايات المتحدة ودول الخليج للنظام الهاشمي. وإلى جانب ذلك، كان للأحداث في المنطقة تأثير سلبي على المعارضة، حيث أدى اشتداد الأزمة السورية إلى تعميّق الاستقطاب في صفوف المعارضة الأردنية، وزادت الأخبار السياسية والاقتصادية المتكدرة الواردة من معظم الدول التي شهدت ثورات، من خوف مواطني المملكة من عدم الاستقرار الكامن بالتغيير. كل هذه العناصر عملت ضد المعارضة، ولصالح النظام.
وفي غضون ذلك، حسم الملك عبد الله الأمر لصالح المحافظين، حيث أقرّ تعديلات معينة في قانون الانتخابات، وقرر إجراء الانتخابات للبرلمان في نهاية عام 2012 حتى من دون مشاركة الأخوان المسلمين. كما أرسل رسالة للجميع يبلغهم فيها أن الإصلاحات الاقتصادية تسبق الديمقراطية، الأمر الذي برر رسن مقاومة الفساد من أجل عدم إخافة المستثمرين الخليجيين. وفي النهاية، أقال الملك رئيس الحكومة الجديد نسبيا عودة الخصاونة، الذي أعتبر من قبل المحافظين ليبرالي ومؤيد للإسلاميين. وعلاوة على ذلك، عيّن مكانه فايز الطراونة، الأردني الأصل المحافظ الذي لا يملك قدرة على التحليق.
ويبدو أن الملك تبنّى بشكل تدريجي رواية تفيد بأن الأردن تجاوز موجة الربيع العربي، بفضل خارطة الطريق التي وضعها، التي تشجع الإصلاح، وتعاملت بتحفظ وحذر وامتنعت عن الإنزلاق إلى الفوضى ولصراعات القوى بين نخب الدولة، كتلك التي أنتشرت في دول "الربيع العربي". وحسب رأي الملك، التحدي الأساسي الذي يواجهه النظام هو تحدي إقتصادي-إجتماعي، وليس سياسي. لكن تجدد العنف والإحتجاجات الإقتصادية والإجتماعية في الريف الأردني، وتوسع الأزمة مع الأخوان المسلمين على خلفية مقاطعتهم الانتخابات للبرلمان، تحمل في طياتها تحديات إقتصادية وإجتماعية وسياسية، نشك بقدرة النظام على مواجهتها بنجاح، طالما ظل النظام يفكر بطريقة أمنية-محافظة. ولا يود شك أن الافتراض الأساسي للنظام تحطم فجأة مع إندلاع "العصيان" في نوفمبر عام 2012.

انعكاسات على العلاقات الإسرائيلية الأردنية
يذكر التفكير المقبول بأن النظام الهاشمي سيظل قائما، طالما ظل قادراً على تنفيذ "العقد الإجتماعي" التاريخي مع السكان الأردن الأصليين، أي تمويل علاقات الراعي والرعية. لكن بقاء هذا النظام مشترط بقرار من دول الغرب ومجلس التعاون الخليجي باستمرار تعزيز ومساعدة المملكة إقتصاديا. كما أن المحافظة على "ميزان الرعب" القائم بين الأردنيين وبين الفلسطينيين في الحلبة الداخلية، يعتبر دعامة أساسية لبقاء النظام. والسياسة الليبرالية الجديدة التي اتبعها الملك تركت أثارها على النخب والسكان الأردنيين الأصل، ما أدى لتراجع دعمهم التقليدي للنظام. وأشك أن نظام محافظ في دولة منقسمة على ذاتها، لا تملك الموارد، يستطيع الاستمرار والوجود في عصر "الربيع العربي" فقط، بفضل "أفضل السيئين". وعلاوة على ذلك، السؤال هو ليس بقاء النظام الملكي كمؤسسة، بل قدرته على اتخاذ قرارات صعبة في المجال السياسي وفي رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية المطلوبة منه في السنوات القادمة. بكلمات أخرى، بقاء النظام اليوم مضمون لأسباب واعتبارات مختلفة، لكن قوته السياسية وقدرته على الحكم في تراجع متزايد في السنوات الأخيرة، والربيع العربي سّرع من هذا الترجع.
في ظل هذه الأسباب، وطالما واصل النظام خضوعه للتفكير الأمني المحافظ، فإن ذلك يدفع إلى جانب استمرر الوضع القائم إمكانية وقوع ثلاثة سيناريوهات ممكنة هي: تحالف بين ثلاثة مراكز قوة، تتألف من المعارضة الإسلامية والقوى الأردنية الأصل وبعض الجهات في العائلة المالكة، والقطاع الأمني، أو مع جهات خارجية، تعلن جميعها تحديها للملك عبد الله شخصيا، مع المحافظة على النظام الملكي. تحريض عنيف يأتي على خلفية إجتماعية إقتصادية، يخترق حدود التخطيط والمنطق المتزن لمختلف اللاعبين من أجل إسقاط النظام. والسيناريو الثالث، وهو الأكثر تحققاً، بقاء الملك عبد الله على حاله، مع المس المتواصل بصلاحياته وقوته وقدرته على الحكم. وفي كل السيناريوهات، يظل الريف الأردني مركز التحريض والاحتجاج المعادي للملك، ومظاهرات عنيفة ومسلحة بين القبائل وقوات الأمن ستستمر بالإندلاع بين الفينة والأخرى. ومن أجل ذلك، يجب عدم استثناء تصعيد مفاجئ يخرج عن كل سيطرة، كما حدث في شهر نوفمبر عام 2012.
التعاون الوثيق بين إسرائيل والمؤسسة العسكرية-الأمنية الأردنية، هي مركز القوة للدولتين، خاصة للنخب الأردنية الأصل. ومع ذلك، ربما يؤدي ذلك إلى "عمى" إسرائيلي عما يحدث في الأردن، خاصة أن بعض الجهات في المؤسسة الأردنية التي على صلة دائمة مع نظرائها الإسرائيلية تتخوف من توضيح الصورة كاملة لهم حول عمق أزمة النظام، وانعكاسات ذلك. ذلك أن صورة "السيطرة" والاستقرار الدخلي المتوفرة للنظام الهاشمي هو بحد ذاتها ذخر استراتيجي من الدرجة الأولى للأردن. وتستطيع إسرائيل بمساعدة من الولايات المتحدة تعزيز القدرات الأمنية الأردنية، في كل ما يتعلق بالتهديدات الخارجية، لكن قدرة إسرائيل على التأثير بالساحة الداخلية محدودة. وكلما ابتعدت إسرائيل عن التدخل في الشأن الأردني الداخلي، فإن ذلك لصالحها.
ورغم ذلك، السياسة العلنية الإقليمية أو الثنائية مع إسرائيل، والرسائل المباشرة وغير المباشرة المنقولة بينهما، من شأنها التأثير على عملية إتخاذ القرارات في المملكة، ما سيعطي إسرائيل إمكانية معينة للتأثير على ما يحدث في الأردن بطريقة تساعد على استقراره، أو على العكس بطريقة تؤدي إلى زعزعة استقراره. ولا ينوي هذا المقال طرح إمكانية تغيير إسرائيل لموقفها الاستراتيجي من الأردن. ويكفي أن نشير أن أفضل خطوة تقدمها إسرائيل من أجل استقرار النظام الهاشمي، هو السعي الحقيقي إلى إقامة دولة فلسطينية غربي الأردن. لكن، وبما أن حل دولتين لشعبين بدأ يغلق، تسير إسرائيل والأردن ،وحسب تقدير الكثيرون في الأردن بما في ذلك المؤسسة الأردنية الأمنية، إلى تصادم استراتيجي. ورغم كل ذلك، تظل إسرائيل خائفة على استقرار النظام الهاشمي وحكمه، وستعمل كل ما تستطيع من أجل استقرار النظام، وارتباكها في هذا الموضوع متعلق ما هي أفضل الطرق لتحقيق هذا الهدف.
التفكير الأمني المحافظ، المعادي للتيارات الإسلامية والفلسطينية، يقود النظام الهاشمي للهاوية. والتقييمات المقبولة، ليس فقط على النخب الإسلامية والفلسطينية، بل أيضاً من قبل جهات جدية في النخب الأردنية الأصلية، يتباحثون بشكل علني في مسألة كيف يمكن إنقاذ النظام الهاشمي من نفسه. وعدم الاستجابة المضبوطة من النظام لتوقعات ومطالب من يعتمد عليهم –سكان الأردن الأصليين- ستقود الأردن إلى إنهيار إقتصادي. ويبدو أن الملك يفهم ذلك، كما أن مموليه في الغرب والخليج يفهمون ذلك. وعمليا،ً ومنذ توليه الحكم يحاول الملك من دول تلكؤ، ومن دون نجاح في نفس الوقت، التحرر من حالة الاختناق التي يتعرض لها من السكان الأردنيين، ومن علاقات الحاكم والمحكوم، التي ميزت العلاقة التاريخية بين النظام وبين الأردنيين الأصل.
وحسب هذا المنطق، إذا كانت إسرائيل معنية بحق باستقرار النظام الهاشمي وتعزيز حكمه، عليها تعزيز قدرته على الصمود والمساومة أمام الجهات المحافظة المتطرفة من النخب أردنية الأصل. بكلمات أخرى، كل عمل أو رسالة لإسرائيل تعزز التفكير الأمني المحافظ في الأردن، ستكون ضد مصالح النظام الهاشمي، وكل عمل أو رسالة تعزز التفكير الليبرالي والإصلاحي ستكون لصالح النظام.
وفي كل الأحوال، تساعد رؤية إسرائيلية منفتحة ومتوازنة للربيع العربي، التوجه الإصلاحي في الأردن وتقلص معارضة المحافظين للتغيير، من أجل استقرار النظام. وتغيير إسرائيل لموقفها من الإسلام السياسي، حتى لو كان ذلك شفويا، يعزز الرؤية الليبرالية لقيادة النظام في موضوع العلاقات مع الأخوان المسلمين بالساحة الداخلية، ومع حماس والإسلام السياسي في الساحة الإقليمية، ويقود نحو تسويات سياسية تكون مقبولة على التيار الأمني المحافظ.
وفيما يتعلق بالأخوان المسلمين، فإن التوصل معهم لاتفاق يتطلب من النظام تقديم تنازلات مؤلمة، حول بعضها اتفاق واسع من قبل النخب السياسية، وبعضها أقر من قبل اللجان التي عينها الملك بنفسه في السنوات الأخيرة. وفيما يتعلق بحماس، هناك اعتقاد سائد في أوساط النخب الأردنية الأصل المحافظة والمؤسسة العسكرية-الأمنية يقول، أن تحسين العلاقات مع حماس هو حاجة استراتيجية للملكة، لاعتبارات تتعلق بالاستقرار في الضفة الغربية ومستقبل مسيرة السلام. ويجب لفت الانتباه، ان مسيرة السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ستستفيد في حال ارتبطت حماس مع الأردن والمملكة العربية السعودية ومصر وتركيا، بدلا من إيران. وملائمة السياسة الإسرائيلية مع الربيع الإسلامي يجب أن تكون منسقة ،بشكل أو بأخر، مع العربية السعودية التي تستطيع إقصاء أية محاولة للتقارب بين الأردن وبين الإسلام السياسي.
على الصعيد الثنائي المدني، هناك شكوك بقدرة إسرائيل على تقديم مساعدة للأردن تعزز توجهات المملكة الليبرالية. وعمليا، وفي ظل الأوضاع الراهنة، فإن توجه إسرائيلي إيجابي نحو الأردن يحقق هدفا أقل أهمية من الأهداف الأخرى وهو إبراز العلاقات بين الدولتين على المستوى الإقليمي، على أنه نموذج يحتذى به. وذلك، ليس على خلفية الجمود في المسيرة السلمية فقط، بل بسبب الشلل الذي أصاب أوساط الحكم الأردني، وبسبب مشاكل الحكم وقدرته المحدودة على اتباع سياسات غير شعبية. والوضع المذكور يقلص البعد الدبلوماسي-السياسي، لجس النبض المسيطر عليه حول ما يجري في القدس الشرقية، الذي لا يغير من صورة النظام الداخلية.
وقوبلت معظم المحاولات الإسرائيلية بتحسين العلاقات مع الأردن بعدم الاكتراث أو التجاهل. بسبب خيبة أمل القيادة الأردنية من فشل اتفاقات سابقة بين الدولتين، نتيجة البيروقراطية الإسرائيلية الخانقة، وعدم رغبة كبار الموظفين الأردنيين الالتزام بالتعاون في الوقت الحاضر، وبعدم قدرة ،الصريحة أو الرمزية، للنظام تغطية هذا التعاون. ورغم كل ذلك، تستطيع إسرائيل إعادة بناء ثقة القيادة الأردنية بها والتعاون الاقتصادي-المدني بين الدولتين من خلال تفعيل مكتب المسئولية عن مراقبة والإشراف على تنفيذ اتفاق السلام في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية من عام 1994-1996. ويبدو، أن هذا هو المصدر الوحيد الذي يمكنه تسريع التعاون بين الوزارات الإسرائيلية من أجل إزالة الحواجز البيروقراطية بسرعة، وحسم المواقف المختلفة باتجاه موقف موحد. الأمر الذي يمكن إسرائيل من نقل رسائل للحكومة الأردنية تبلغها فيها أنها تعطي أهمية خاصة للتعاون الاقتصادي-المدني بين الدولتين. ويمكن من خلال ذلك تمكين الأردن من تقديم انجازات ملموسة للتعاون لا تساعد في استقرار النظام فقط، بل بطرح نموذج إقليمي ،غير موجود في الوقت الحاضر، يشير إلى فوائد اتفاقيات السلام الإسرائيلية-العربية وللمواطن البسيط.
لجانب كل ذلك، على إسرائيل الاستعداد للقادم من خلال تعزيز عمل أجهزة الحكومة المختصة في الشأن الأردني، بما في ذلك الأجهزة العسكرية-الأمنية، وكذلك في المجال المدني. ومطلوب لإسرائيل طاقم مهني قوي ومجرب وقادر على توفير التحليلات والتقييمات الشاملة في قضايا متنوعة تتعلق بالعلاقات الخارجية للأردن وفي الحلبة الداخلية، بدءا بالاقتصاد السياسي ومرورا بالاخوان المسلمين والسلفيين والجهاديين وانتهاءا بالسياسات القبلية، وفي العلاقات بين المركز والريف. وفي هذا الإطار، يجدر البحث بصورة منهجية ومتواصلة لمنع انهيار "العقد الاجتماعي" بين نظام الحكم وبين السكان الأردنيين الأصل، وظواهر ومشاكل الحكم المختلفة للملكية. وتشكل كل القضايا المذكورة مستقبل الأردن واستقرار النظام الهاشمي. ويمكن التعرف العميق على القضايا المذكورة الأجهزة المختلفة لدولة إسرائيل وأذرعها الدبلوماسية والمدنية الاستعداد لتبني سياسات مناسبة ومنسقة تساعد في استقرار الهدوء عند الجارة المهمة في الجنوب.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,737,117
- الشرق الأوسط في التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2013- ترجمة ع ...


المزيد.....




- احذر.. اتباع نظام غذائي خال من الغلوتين ليس صحياً لكل شخص
- هل يمكن أن تساعدك القهوة في إنقاص وزنك؟
- انتبه.. صحتك قبل سن الأربعين ترتبط بمخاطر القلب في وقت لاحق ...
- بريطانيا: هل ينجح رئيس الوزراء الجديد بوريس جونسون في تنفيذ ...
- -شيفروليه- تكشف عن سيارة رياضية مذهلة!(فيديو)
- كيف ينظر رئيس وزراء بريطانيا الجديد إلى ترامب وهواوي وإيران؟ ...
- وزارة الدفاع الصينية: أمريكا تقوض الاستقرار العالمي
- الفاينانشال تايمز : نشر القوات الأمريكية في السعودية -إذا لم ...
- نخاف الإنجاب في هذا المكان الآن.. سوريّات يخشين الأمومة
- هل العدالة عمياء؟ كيف يمكن أن يؤثر التحيز على القضاة


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ترجمة :عليان الهندي - الشرق الأوسط في التقرير الاستراتيجي الإسرائيلي 2013- ترجمة عليان الهندي - حلقة 5