أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهدي جابر مهدي - اشكالية تعثر الديمقراطية في العراق بعد 2003






















المزيد.....

اشكالية تعثر الديمقراطية في العراق بعد 2003



مهدي جابر مهدي
الحوار المتمدن-العدد: 3928 - 2012 / 12 / 1 - 11:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



تقوم الديمقراطية على مبدأين اساسيين الاول هو الحريات - الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية – والثاني هو الآليات – المؤسسات ( التداول السلمي للسلطة ) لكن الديمقراطية مقولة ملتبسة واشكالية .
فالتجربة العراقية بعد 2003 جاءت بعد عقود من الاستبداد السياسي وركزت على موضوعة الحريات ( قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لسنة 2004 ودستور 2005 ) ولكنها اهملت الجانب الثاني المتعلق بالمؤسسات وبعملية التداول السلمي للسلطة . فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات . وبناء الديمقراطية لا يعتمد على النوايا الحسنة للقوى السياسية الحاكمة .
وحتى عندما يتحقق التداول في السلطة يواجه مشكلات جمة وصراعات حادة . فالمبدأ الثاني يحتوي الاول ويعوق فاعليته ويقيّده وهو اقرب الى التداول الخشن وليس السلس مما يعوق فاعلية الديمقراطية وقدرتها على التأثير ( مثال ذلك تشكيل الحكومات منذ 2005 الى الآن ) ( الحكومة الاولى استغرقت خمسة اشهر والاخيرة عشرة اشهر ) . . كل ذلك عمق التناقضات وهدد الاستقرار وادخل البلاد في دوامة من الازمات عنوانها : العنف ، الفساد اضافة الى ملامح الاستبداد جراء تناحر النخب والزعامات السياسية على المصالح الضيقة وانعكس ذلك سلباً على حياة المواطن الذي يدفع يومياً الثمن بحياته وجعل الديمقراطية بعد مرور تجربة تسع سنوات هشة والمجتمع غير متماسك والمواطنة في حالة تراجع امام الولاءات الضيقة وتزداد الازمة تعقيداً مع المؤثرات الخارجية .
لمعالجة هذه المشكلات ينبغي الخوض في قضية الديمقراطية عبر المؤسسات الفاعلة والمشاركة النشطة وزيادة دور المجتمع والفرد في الضغط باتجاه دمقرطة النظام السياسي وعدم الاكتفاء بدور المراقب . ويتوقف ذلك على دور وفاعلية المجتمع المدني ومنظماته ووسائل الاعلام وقدرتها على صياغة علاقة جديدة – علاقة مواطنة – عابرة للهويات الفرعية لا ناكرة لها . باعتبار ان الديمقراطية هي تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم . تجربة السنوات المنصرمة اكدت الخلل في تلك العلاقة مما يتطلب اعادة صياغتها بما يحقق التوازن والاستقرار ومن الضروري التعامل مع الشراكة ومع العقد كعملية مستمرة طويلة المدى بدلاً من التعامل معها كقضية انتخابية يمكن استغلالها لتشكيل تحالفات سياسية . وبالتالي فان دولة المواطنة هي التي تحقق الاستقرار وتحافظ عليه وهي التي تستوعب وتكفل الهويات الفرعية وتجعلها شريكة فعلية في صناعةالقرار .

الديمقراطية : المفهوم والاشكالية
تثير قضية الديمقراطية في المجالين النظري والاجرائي اشكاليات عديدة سواء على صعيد المضمون او على صعيد الشكل ( المظهر ) ولذلك شاع التعبير الذي دعا للتمييز بين ديمقراطية الديكور وديمقراطية المضمون ورغم ان هنالك أسس مشتركة للديمقراطية الا ان هنالك تمايزات خاصة على صعيد التطبيق .
وفي ظل المتغيرات الجديدة والمتواصلة وتنامي البعد المعولم للديمقراطية لم يعد الحديث عنها بالمفهوم التقليدي المستند الى مبدأ حكم الشعب . . . كافياً حيث تدخل مفاهيم وعناصر جديدة تتعلق بالمسؤولية والحماية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وكلها تحت اختبار التفاعلات الواسعة وتداعياتها المختلفة حيث بات الثابت الوحيد في عالم السياسة هو التغيير . كما ان البحث العلمي لا يقف مكتوف الايدي امام هذه القضية وانما ينتج وسائله التي تحاول التحقق من الظواهر اعتماداً على طرق علمية محددة لان الطبيعة – كما يقال – تكره الفراغ .
ومثلما ان موضوعة الديمقراطية تمتد لتاريخ طويل وتبلورت عبر مخاضات عسيرة خلال الآف السنين من الماضي الى الحاضر صوب المستقبل ، فهي عملية تغتني باستمرار بالواقع وتسعى لتغييره وانها لم تصل بعد الى غايتها في درجة الكمال ، فالعملية لم تكتمل بعد والمهم انها تنبت كحاجة من داخل المجتمعات وانها عملية دينامية ودائمة التطور والتغير والتبدل . ولذا فان تعريف الديمقراطية من خلال مفهومها يتحدد بجوهر الديمقراطية وقيمها ومبادئها الاساسية ، اما اشكالها وتعبيراتها فانها تخضع لخصوصيات الأمم والشعوب والظروف الخاصة بالمجتمعات (2) .
وقد اضافت التجارب الأوربية وغيرها في الديمقراطيات المستقرة مضامين نوعية تجلّت بوضوح في المأسسة واهمية عملية البناء المؤسساتي بالنسبة للديمقراطية رغم ان الديمقراطية بمعناها الحديث هي أوسع من مجرد بناء المؤسسات السياسية حيث تتضمن عناصر اخرى كالتعددية وسيادة القانون والحقوق والحريات والثقافة السياسية وديمقراطية المشاركة .
فالمؤسسات السياسية والقواعد الحقوقية (( على الرغم من اهميتها ، لا تصنع الديمقراطية ، لان الديمقراطية في جوهرها ، تتجاوز هذه المؤسسات والقواعد لتشكل سلوكاً اجتماعياً وسياسياً ، ويرتكز على فكرة المساواة في العلاقات الانسانية ، واحترام الانسان وحرياته ، فهي تدخل في شخصية الفرد والمجتمع )) (3) .
وقد عرّف شومبيوتر الديمقراطية على انها (( مجموعة من الاجراءات والمؤسسات التي يستطيع الافراد من خلالها المشاركة في عملية صنع القرارات السياسية عن طريق التنافس في انتخابات حرّة ))(4)
وبالتالي تعمل الديمقراطية بشكل افضل ، وترجح اقامة الديمقراطية عندما تحوّل الطرائق السياسية ترجمة الفروق الطبقية اليومية الى السياسة العامة (5).
كما ان تلك التجارب المؤسساتية المقترنة بعناصر اكتمالها تعني بالديمقراطية مدى ما يقدمه نظام الحكم (( من المشاورات الواسعة والمتساوية والمحمية وذات الالتزام المتبادل في نطاق تصرفاته ))(6).
لكننا نجد في البلدان النامية ومنها البلدان العربية صورة اخرى سواء عن تجارب تحقيق الديمقراطية او انظمة الحكم وحتى دور المجتمعات . وقد شهدت هذه البلدان ميولاً متزايدة بإتجاه صياغة المشروع الديمقراطي والتوق للتغيير القائم على التحرر من اسوار الاستبداد والقمع الذي ساد المنطقة لعقود طويلة وهذا ما جسدته ثورات الربيع العربي من تونس مروراً بمصر الى ليبيا واليمن وسوريا.
ومن هذا المنطلق فان الحفر الاثري في الماضي لتفسير الحاضر يطرح فرضيات عديدة ويضيف خبرات فريدة في التحول الديمقراطي بعدما تأكد وجود أزمة حقيقية في علاقة الدولة بمجتمعها وبين الفهم التقليدي للدولة القائم على الولاءات والانتماءات الضيقة والفهم الحداثي للدولة القائم على المواطنة المدنية الجامعة ، بون شاسع توضحه طبيعة العقد الاجتماعي الناظم لعلاقة الدولة بالمجتمع وتبرز ارتباطاً بذلك جملة التحديات والاشكاليات المتعلقة ليس فقط في الممارسة والمستقبل بل والمفاهيم وآفاق تطور عملية الانتقال والتحول الديمقراطي وشروطها الرئيسة .فالمؤسسات الدستورية تشكل الاطار الحقوقي الذي تنظم فيه العملية السياسية وتحدد آليات ممارسة السلطة ونطاقها ، والقواعد التي يجب ان تخضع لها ، غير ان الممارسة السياسية في اطار المؤسسات الدستورية تبقى مرهونة بالقوى السياسية وبطبيعتها ومصدر وجودها وبالقيم الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحكم تصرفاتها (7).
واثبتت التجربة ان البلدان العربية عاشت طوال عقود ازمات متتالية وخيبات ونكسات ، ولم تفلح المعارك من اجل الاستقلال الوطني في ارساء اسس الديمقراطية بل بالعكس فرغم النجاح في التخلص من الاستعمار جاءت الانظمة الاستبدادية لتحاصر المجتمع بقوة القهر والقمع .
وبات العقد الاجتماعي بين طرفي الدولة والمجتمع عاجزاً عن تحقيق حد ادنى من التوازن فوجدنا الانظمة الحاكمة قد استولت على الدولة واستبدت بالمجتمع حتى تحولت الدولة الى مجرد اداة تسلط وكاد المجتمع المدني ان يندثر بالكامل . وهكذا ظلت الدولة في المنطقة منذ الاستقلال على صورة النظم الحاكمة فيها ، فكما اتسمت الانظمة بالاستبداد والشمولية المطلقتين ، تميزت الدولة بالمركزية والصلابة المحكمتين . ولم تراع الدولة – السلطة الطابع المركب والمتنوع لمجتمعاتها ولم تفسح المجال امام أي شكل من اشكال التعبير السياسي والمؤسسي امام المكونات المشكلة لهذا التنوع .
كما ونجد ان الانظمة التسلطية تتحايل على الديمقراطية حيث انها بدلاً من ان تقوم بعقلنة مشاعر الناس وترشيدها ديمقراطياً ، تقوم بالتلاعب الانفعالي والنفعي بها ، واستغراق معنى الوطن في معنى النظام ( بمعنى ان المصلحة الوطنية تتماهى مع مصلحة النظام : مثال ذلك الشعار الذي يروجه النظام السوري هذه الايام : الأسد او لا أحد ) وبالتالي كل معارض هو خائن واصبح التخويف هو الشكل الوحيد للتعاطي السياسي مع الاخرين بالاقتران مع سيطرة عصبيات اجتماعية على الدولة ، بحيث تحاول كل عصبية من هذه العصبيات ان تماهي نفسها بالمصلحة الوطنية . ولهذا نلحظ ان فشل الدولة في بلورة هوية وطنية جامعة متأتياً أما من عنفها المفرط ( العراق خلال حكم صدام حسين نموذجاً ) او عدم القدرة على احتواء الهويات الفرعية وادارتها سلمياً ( العراق خلال فترة ما بعد 2003 نموذجاً . )
وقد استسهل الحكام كثيراً استتباع الدولة والمجتمع معاً والتحكم بهما معاً حتى تحولت الدولة الى مجرد اداة تسلط وقمع وقادت هذه السياسات الى تدهور الدولة والمجتمع معاً .
لذلك فالمطلوب اليوم لا تحرير الدولة بل اعادة بنائها ، ولا تحرر المجتمع بل اثبات وجوده بعدما تم تقطيع منهجي لا وصالة ، مذهبياً وجهوياً وقبلياً (8).
ولذلك فالمطلوب ليس فقط هدم قواعد واركان الاستبداد وانما ايضاً السعي الى بناء دولة العدالة والمساواة والحرية وهذا ما اكدته تجربة العراق لما بعد 2003 مثلما اكدته تجارب دول الربيع العربي خلال السنتين الاخيرتين .

فالحكم ينبغي ان ينطوي على الاجراءات والوسائل التي اعتمدها ويعتمدها المجتمع في تعزيز العمل الجماعي وتقديم الحلول والمعالجات في السعي لتحقيق الاهداف المشتركة ، وبهذه الطريقة فان الحكم يحدث على مستويات متعددة (9).
وبالتالي فالانتقال من السلطوية الى الديمقراطية يحتاج الى مجموعة شروط ومستلزمات من بينها اعادة التربية المجتمعية مع التأكيد على ان لكل تجربة قضايا مشتركة وخصائص منفردة وعوائق وتحديات مختلفة حيث لا توجد مسارات ثابتة او نماذج تقليدية والمهم بالامر ان مجرد الحاق الهزيمة بالنظام التسلطي ( الانظمة الاستبدادية ) لا يعني التحول للديمقراطية مثلما يصح القول ان مجرد اجراء الانتخابات لا يعني ضمان السير بالديمقراطية .
والديمقراطية بالاضافة الى كونها شكلاً من اشكال الحكم فهي نمط واسلوب حياة ، وتدخل في مضامين العلاقات بين المواطنين ، وان واحدة من اهم اشكاليات قضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي تكمن في ضعف الثقافة السياسية ، لان جوهر الديمقراطية يكمن في كونها قيم ثقافية توفر علاقات المواطنين العامة مثلما ان الثقافة هي مباديء للسياسات سواء تعلق الامر بالسياسة الاقتصادية او التعليمية او التربوية او اسس العمل السياسي ذلك ان الشعب قد يكون تحت تأثير ثقافة لا ديمقراطية لا تحترم التعددية وحرية الفرد وقبول الاختلاف والتعايش معه ، ثقافة مناقضة للقيم والمباديء الديمقراطية ، فتحمل الى سدة الحكم نظاماً شمولياً او دينياً متعصباً (10). فالثقافة هي تربية وتنشئة وليس فقط معرفة . ولكي تتحقق الديمقراطية يجب ان يكون الناس مؤمنين بقيمة المباديء الديمقراطية ، وهذا يتطلب قدراً من الثقافة والنضج السياسي ، ويجب ان تكون الديمقراطية راسخة في عقول الناس والحكام . وهناك من يعتقد انه لابد من وجود ثقافة سياسية تقوم على اسس التسامح نحو المرأة ، التسامح نحو الاقليات ، وكذلك التسامح نحو المعارضة السياسية من اجل نمو وتطور الديمقراطية ([11]). وبالتالي فالديمقراطية هي النظام الافضل للحكم لكنها تتطلب مواطنين ديمقراطيي الثقافة والتفكير والسلوك وقبل ذلك وبعده حكام يؤمنون قولاً وفعلاً بالديمقراطية ونتائجها .

التجربة العراقية المعاصرة في التحول الديمقراطي
بعد مرور تسع سنوات على نهاية النظام السابق في 2003 تطرح التجربة العراقية مجموعة من الأسئلة المهمة المتعلقة بالحاضر والمستقبل بالاقتران مع استكمال الانسحاب الأميركي الذي تزامن مع مجموعة قضايا جديرة بالإشارة اليها ومنها :
1- الانسحاب والنهاية الرسمية للاحتلال الأميركي للعراق الذي استكمل يوم 18/12/2011 استنادا إلى اتفاقية الانسحاب الموقعة بين العراق والولايات المتحدة في 16/11/2008.
2- سلسلة من الأزمات التي تعصف بالبلاد ومنها ، ما جرى في 19/12/2011 حول قضية اتهام نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي بقضايا الإرهاب والتي لاتزال تفاعلاتها مستمرة ، وقضية أزمة الحكم ومحاولات سحب الثقة من رئيس الوزراء منذ نيسان 2012.
3- جملة من التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية الداخلية التي رافقت السنوات منذ ما بعد التغيير والفشل في تقديم حلول ومعالجات جادة لها .
4- تعدد التدخلات والتأثيرات الخارجية بأنواعها المختلفة ، الإقليمية والدولية والأممية .
كل ذلك ترك وما يزال وسيترك آثاراً على مجمل الأوضاع في المشهد العراقي الذي يتميز بحالة عدم الاستقرار ودوامة العنف والتوتر وإنتاج وإعادة إنتاج الأزمات بأنواعها المختلفة .
ولكن ذلك لا يلغي عدة حقائق جديرة بالإشارة نقف عند اثنين منها :
القضية الأولى : في العام 2003 سقط نظام مستبد حكم العراق لأكثر من 35 عاماً ومارس أبشع صنوف القمع والتنكيل بحق العراقيين وافتعل الأزمات والحروب مع الدول المجاورة ، وبسقوط النظام المباد طويت صفحة الدولة المركزية طوال 82 عاماً (( 1921 – 2003 )) بحكوماتها وأنظمتها السياسية الملكية والجمهورية .
القضية الثانية : منذ العام 2003 حتى الآن أنجزت خطوات مهمة غيرت طبيعة وشكل النظام السياسي الذي تحول من الاستبداد باتجاه الديمقراطية ومن المركزية إلى الفيدرالية ، وصدور دستور 2005 الذي تم الاستفتاء عليه كعقد اجتماعي توافقي وما رافق العملية السياسية من مكاسب مهمة كالتعددية السياسية والحزبية والانتخابات والتداول السلمي للسلطة .
في ضوء ذلك يمكننا القول إن العراق يمرّ بمرحلة انتقالية ترافقها مجموعة من المشكلات وعلى مختلف الصعد .
هذا التحوّل أنتج – إضافة إلى المكاسب التي تمت الإشارة إليها – ديمقراطية هشة وأزمة ثقة بين القوى السياسية والمكونات الاجتماعية . فالديمقراطية الوليدة في العراق ما زالت في طور التخلص من ذهنية الما قبل ديمقراطية .
لأن الديمقراطية لا تعني مجرد انتخاب وإنما هي منهج وقيم وحالة ثقافية لا تلقينية ، إنها تفترض تأطير وكبح النوازع السلطوية البدائية ، وهذه عملية تتحقق بالتمرين والمراس وتقود إلى نظام حكم يقوم على الترتيبات المؤسسية والاجتماعية الأساسية التي تشيّد هيكلية آليات الحكم وتحدد وسائل ومضمون العلاقات بين الدولة والمجتمع على أسس ديمقراطية .
لكننا في التجربة العراقية أفتقدنا مثل هذه السياسة وحل محلها تقاسم وظيفي للسلطة والثروة والنفوذ وكل ذلك إلى جانب التدخلات الخارجية قادنا إلى فشل مشروع إعادة بناء الدولة بسبب قيامه على ركائز هجينة للمحاصصة الاثنو – طائفية ، مما صاغ معادلة ومقايضة تقوم على سكوت الشعب وتخليه عن حرياته وخضوعه لحكم مجموعة تستأثر بالسلطة وتدعم الفساد والإثراء غير المشروع مقابل شعارات زائفة وخطوات ظاهرها ديمقراطي ، كالانتخابات وفق قانون جرت صياغته على مقاس الحكام ، وتعددية سياسية شكلانية وإغراق المجتمع بالتسليع والنزعة الاستهلاكية بفعل الاقتصاد الريعي الناتج عن الثروة النفطية ، ولكن ذلك لم يفلح في ضمان صمت العراقيين بل قاد إلى التوتر والسخط والتذمر الشعبي الذي تجلى بصورة واضحة في النشاطات الاحتجاجية في بغداد والمحافظات خلال شهر شباط من العام 2011 ... ومن هنا نجد أن العملية السياسية تواجه مخاطر جدية .

مشكلات التحول الى الديمقراطية
قاد تعثر العملية السياسية والأزمات المتلاحقة إلى مأزق وطني شامل وأدى إلى زيادة المشكلات وتعزيز المخاوف التي برزت بحالات عدّة أقف عند اثنين منها :
الأولى : في الأعوام 2005 – 2007 التي شهدت تصاعد الصراعات المذهبية أو ما سمي بحرب الطوائف خاصة السنية والشيعية التي رغم أنها خمدت إلا أن جذورها مازالت قائمة .
الثانية : في شباط 2011 عندما واجهت السلطة الحركة الاحتجاجية الناقمة على المحاصصة والساخطة على فقدان الأمن ونقص الخدمات فواجهتها بالعنف .
ويمكننا الإشارة هنا إلى بعض المخاوف التي تدور في أذهان الكثير من العراقيين وأبرزها :
- استمرار حرب النفوذ وصراع الزعامات في العراق .
- الخوف من تفجر النزاعات الطائفية والمذهبية وتصاعد الاستقطاب الطائفي .
- اتساع الهوة بين الحكومة والمحافظات وإشكاليات تشكل الأقاليم .
- ضعف المؤسسات وقوة الشخصانية والفردانية .
- المشكلات القائمة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية .
- الخلافات الحادة بين الكتل السياسية وتعمق حالات فقدان الثقة .
- نقص الخدمات واستشراء الفساد بكل أنواعه .
- ضعف الهوية الوطنية وغلبة الولاءات الفرعية .
- ضعف الثقافة الديمقراطية
هذه المخاوف والمشكلات وغيرها الكثير ترافق العملية السياسية وتهددها بالفشل الكلي وتضع حاضر ومستقبل العراق في مخاطر كبيرة خاصة إذا ما أضيف لها مستويات تدخل القوى والدول المجاورة في الشأن العراقي .
فالمشكلات والمخاوف التي رافقتها دلت على درجة التوتر الذي شهده المجتمع والنظام السياسي . وأثبتت التجربة أن التوافقية السياسية اختزلت في المحاصصة السياسية ولم تقد إلى الاستقرار ، ومن هنا فالتعديلات الدستورية التي نصت عليها المادة (142) لم تنجز في ظل الدستور الجامد والتجاذبات السياسية (( نصت المادة 142 على ما يأتي :
(( أولاً : يشكل مجلس النواب في بداية عمله لجنة من أعضائه تكون ممثلة للمكونات الرئيسية في المجتمع العراقي مهمتها تقديم تقرير إلى مجلس النواب خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور وتحل اللجنة بعد البت في مقترحاتها )) . كما أن العديد من القوانين مؤجلة انتظاراً للتوافق .
أما قضية تشكيل مؤسسات الدولة فهي الأخرى مرت وتمر بتعقيدات لاحصر لها . . فمنذ الانتخابات البرلمانية في 7/3/2010 حتى الآن مازالت هذه المسألة بين شد وجذب ، حيث تم الاتفاق على توزيع المناصب في الرئاسات الثلاث ومجلس السياسات استنادا إلى مبادرة رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في 8/11/2010 ، وتم انتخاب رئيس البرلمان في 11/11/2010 ، وفي 24/11/2010 كلف رئيس الجمهورية جلال طالباني نوري المالكي بتشكيل الحكومة التي تم تقديم تشكيلتها من 43 وزيراً في 21/12/2010 وبقيت ناقصة حتى يومنا هذا من الوزراء الأمنيين . وإشارتنا إلى التواريخ هنا نريد منها التذكير بأن الفارق الزمني بين الانتخابات وتشكيل الحكومة استغرق تسعة أشهر .
ويبرز السؤال هنا : هل الخلل في التوافقات السياسية أم في عدم ممارستها بشكل صحيح ؟

اشكالية الطائفية والولاءات الفرعية
مع تنامي طائفية النظام السياسي الذي يجد في ترسيخ الانقسامات المجتمعية و الطائفية مصلحة جوهرية له ومن خلال علاقة الطائفية السياسية بالسلطة و الثروة و النفوذ .تؤلب الطائفية المحرومين من طوائف مختلفة ضد بعضهم و تصنع ضرباً من وحدة حال غير عقلانية بين نخبة الطائفة و عموم المنتسبين لها، حيث تصبح القبيلة و الدين قاعدة للتحزب الضيق .
و تعود جذور هذه الاشكاليات الى ما قبل 2003 فقد كانت التنشئة السياسية للسلطة المنهارة خاطئة اذ بنيت بالقوة و الاكراه و الشعارات الفارغة .
و لذا وجدنا ان المواطنة في العراق كانت ضعيفة و ان الولاءات الجزئية كانت اعمق من ولاءات المواطنة ، كالعشيرة و الطائفة و غيرها و عدم معرفة ماهو نافع و ماهو ضار للوطن سمة لكثير من العراقيين (12) .
و بالتالي نجد ان الطائفية اصبحت في العراق مصدر علة و ليس مصدراثراء ، و هي طوائف بعصبيات خاصة مغلقة على نفسها و سادت المحسوبية الطائفية التي اصبحت بمثابة نظام سياسي في العراق و باتت الطبقة السياسية تتصرف اولاً و قبل كل شيء بناءاً على مصالحها الضيقة حتى لو كانت على حساب المصالح العليا للشعب و الوطن ومن هذا المنطلق تعمل النخب الحاكمة على التوظيف السياسي للطائفة وللدين عبر شعارات وطقوس وممارسات ، تغذيها وتدعمها مادياً ومعنوياً لكسب المعركة مع الآخر. ولذا فان العقد المنصرم لم يفرز لنا قوى فاعلة عابرة للاثنيات والطوائف بل وحمل لنا نذر التفكك الاجتماعي من خلال الباس الانقسام الاجتماعي شكلاً سياسياً عبر حركات وتنظيمات وكيانات مختلفة .
كل ذلك جعل العملية السياسية تتميز بتعدد مراكز القوى دون اتفاق على قواعد لادارة ذلك التعدد او لمنعه من الانحدار الى النزاع . فالسلطة مجزأة للغاية و يحتمل ان تصبح اكثر انقساماً في المدى القصير ( فالصراعات ليس فقط بين المكونات او بين القوى بل باتت داخل المكون الواحد و تشتد الان داخل البيت الشيعي – بين المجلس الاعلى الاسلامي و حزب الدعوة و بين التيار الصدري و حزب الدعوة و بين جماعة السستاني و جماعة الصرخي .)
وفي العراق ثمة اشكال عديدة للتعددية . فالمجتمع تعددي في مجالي الدين و الاثنية، كما ان كلا من الدين و الاثنية مسيستان الى حد كبير . و بدأتا تصبحان اكثر تخندقاً و تنافراً . اذ حالما تصبح الهويات مسيسة تميل الى ان تصبح جلية و نافرة . وفي هذا النسيج المعقد للمجتمع العراقي تتعزز التقسيمات الجغرافية التقليدية بالحدود الطائفية والعرقية ويصبح التقسيم الطائفي قابل للانفجار لاسباب سياسية ودينية (13).
ان هذا المشهد التعددي المعقد لم يكتمل بعد و هو قيد التحول اسوة بالظواهر الاخرى غير المكتملة . و بات الجميع ينظر الى الجميع بعين الشك – تجسيداً لاطروحة هوبس حرب الكل ضد الكل – واصبحت ازمة الثقة داخل المؤسسات نفسها . و بالتالي لايزال العراق يعاني من دوامة المشكلات و الازمات السياسية الحادة الناجمة عن الانقسامات العميقة بين قطاعات السكان و غياب الاجماع الموحد لها . ان هذه الظواهر و العوامل و الاسباب الكامنة ورائها عمقت الانقسامات الاجتماعية التي اتخذت طابعاً حاداً و مارافقها من توترات و نزاعات ، و الجدير بالذكر هنا ان التنوع بأشكاله المختلفة سمة اساسية لكافة المجتمعات البشرية ، وان الدول و أنظمتها السياسية تتميز بكيفية التعامل مع هذا التنوع و ادارته . و تكمن اسباب التوترات الطائفية في مجموعة من القضايا و اهمها :
1- ارتباط المجتمعات سلبياً بالموروثات التأريخية.
2- ضعف ثقافة التعددية و التنوع .
3- غلبة المصالح الضيقة و الولاءات الفرعية على المصلحة العامة .
4- غياب العدالة في توزيع موارد لدولة .
5- الشحن العاطفي و اذكاء التوتر اعلامياً .
6- التفسير الخاطيء للدين و توظيفه لخدمة المصالح السياسية .
7- التدخلات الخارجية و ثأثيراتها .
كل هذه العوامل و غيرها قادت و تقود الى توترات و صدامات و احتمال نشوب حروب تقوم على العصبية اضافة الى تكريس الانقسام الاجتماعي مما يشكل تهديداً خطيراً للوطن و المواطن (14) .
فالتعصب بوصفه اتجاهاً يتميز بالانحياز و السلبية. و يتكون لدى الفرد و الجماعات من محصلة تجارب و خبرات و تفاعلات اجتماعية تزوده بها التنشئة الاجتماعية (15) ، و لذلك يمكننا القول ان المشكلة الاساسية في الازمة الحالية تتمثل بالطائفية السياسية التي هي "عصبية تستبد بسلوك الفرد و تصرفاته و علاقته بالاخر و هي مصدر توتر و عدم استقرار في المجتمع التعددي و عامل مفكك لوحدته " (16).
و في العراق تحول مشروع المصالحة الوطنية الى مشروع سياسي يستهدف التصالح بين الفرقاء السياسيين و اهمل الالتزام الاخلاقي ازاء الضحايا ( ضحايا حقوق الانسان) من خلال الترابط بين الحلقات الثلاث : المصالحة و العفو و العدالة. حيث نجد في التجربة العراقية لما بعد 2003 ضعف التعاطي مع مفهوم العدالة الانتقالية و التركيز على المصالحة الوطنية دون تحديد لشروط المصالحة وآليات تطبيقها والقواعد التي تستند اليها ، مما ادى الى عرقلة عملية اعادة بناء الدولة الوطنية والانتقال السلس للديمقراطية ، و تجلى ذلك في الانقسامات و المحاصصة و التوافقات اضافة الى ضعف الوعي بالعدالة و ضعف ثقافة التسامح و الاعتذار مما عزز الانقسامات الاجتماعية و خلق "معوقات للتعايش بلا اضطرار تكرست في ثقافة فقهية و قومية ، تشتد تأثيرها بدوافع سياسية ، مثلما هو الحال اليوم " (17) في حين يحتاج العراق بتجربته الجديدة الى اشاعة ثقافة التسامح التي تعني"القبول بالتعددية و الاحترام و التنوع الثقافي و لاشكال التعبير عن الصفات الانسانية . و لهذا فان التسامح يفترض المعرفة و الانفتاح عليه و الاتصال و الحرية في التعامل و التعايش معه "(18) .
لم نجد مثل هذا في واقعنا اليوم حيث حلت المناكفة السياسية و المكابرة و الاستعلاء و تزايد الشحن الطائفي و العاطفي مما زاد من قلق الاقليات بانواعها المختلفة – القومية و الدينية و السياسية- و بهذا الصدد يقول ويل كيملكا "و تفهم حقوق الاقلية كوسائل لحماية الاقليات من الخطر الحاضر و الواضح : خطر استخدام الاغلبية المسيطرة لسلطتها على الدولة لدمج الاقليات او استبعادها " (19).
و هكذا تحقق في الحالة العراقية تطبيق جزئي لمفهوم الديمقراطية كونها تعني حكم الاغلبية مع اغفال الجزء الاخر و هو ضمان حقوق الاقلية ، في حين من الضروري التاكيد على " ان كل فرد يساوي كل فرد امر يذهب الى ابعد من مجرد اعلان الحق بالكرامة والامن والعيش للاشخاص كأعضاء في جسم واحد . انه التكافؤ بين الافراد الذي يبني العلاقة الاجتماعية " (20) .
و لذا فان غياب مثل هذا الفهم سيقود الى التفاوت و الصدام بين مكونات المجتمع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و يكرس حالة عدم الاستقرار و انتاج و اعادة انتاج الازمات السياسية خاصة مع تعدد الفاعلين والمؤثرين في المشهد السياسي وصنع القرار واختلافهم في الوقت نفسه اضافة الى تعدد مرجعياتهم . ولذلك فالناس باتوا اكثر تشككاً بالسياسيين وفي المؤسسات باشكالها العديدة واكثر احساساً بخيبة الامل والاحباط بشأن قدرة السياسات على حل المشكلات الملحة ، واصبحت العملية السياسية قبل ان تخرج من مأزق تدخل الى آخر اعمق في حين المطلوب ليس فقط الاعتراف بالتعددية والتداول السلمي واحترام حقوق الانسان وانما ايضاً التوافق على ادارة الاختلاف سلمياً من خلال العدالة والديمقراطية . والمطلوب ايضاً كما يقول آلان ج غانيون : (( مأسسة الفضاء التواصلي الذي يجيز لمجتمع تعددي ايجاد لغة موحدة ( مشتركة ) عبر تعزيز سياسة التسوية التي تقود الى ابرام العهود بما يخدم مصلحة العيش المشترك . )) (21) . و ان افضل مدخل للعدالة الانتقالية يكمن في التركيز على القضايا التالية :
1- الحاجة الى مفكرين احرار
2- الحاجة الى نخبة متنورة
3- الحاجة الى صحافة حرّة
4- الحاجة الى رأي عام مساند .
5- توسيع نطاق المهتمين بالعدالة الانتقالية .
ولذلك فأن النجاح في المجال السياسي وميلاد سلطات سياسية جديدة ليس كافياً مالم يقترن ذلك بتحول اقتصادي سليم يصون المكاسب الديمقراطية ويدفع المجتمع الى مزيد من الانجازات لذلك يجري الاهتمام بخلق نمط جديد من التعاقد الاجتماعي يتجاوب والحاجات التنموية المقترحة ويتمثل بما يسمى ب (( المساءلة المتبادلة )) بين الدولة والمجتمع وهي تدور اساساً حول الالتزامات المتقابلة بين المواطنين من ناحية والسلطات الحاكمة من ناحية اخرى (22). ومن شأن توفير و تلبية تلك الحاجات و تشكيل و تعزيز دعم مراكز علمية متخصصة للبحث و الدراسة و الاستشارة يؤدي الى انجاح مهام اهداف العدالة الانتقالية و المصالحة الوطنية و يقود كل ذلك الى انسنة السياسة في العراق.

تحديات ما بعد الانسحاب الامريكي من العراق
كشفت فترة مابعد الانسحاب الامريكي وضعية العراق على انه بلد غير مستقر وتسوده التنافسات القاسية ، و للمرة الثانية تبرز التهديدات و مخاطر عودة التوتر الطائفي المنذر بالصدام – في المرة الاولى خلال فترة 2005 – 2007 والان خلال الفترة 2011 – 2012 .
و افرز الوضع العراقي ظواهر عدة ابرزها التدهور السياسي و فقدان الامن و غياب الخدمات و استشراء الفساد و تصاعد الازمات السياسية وضعف المؤسسات و كثرة ثغرات الدستور و تقوية نفوذ رئيس الوزراء نوري المالكي وتعزيز سيطرته من خلال التوجه نحو تشديد قبضته من طرف واحد عبر اعتماد خيار الازمة و التصادم لاخيار الحوار و التهدئة . ورافق ذلك تحولات بنيوية في طبيعة الحكم قادت الى تبلور طبقة سياسية منفصلة عن بنية المجتمع نفسه . طبقة سياسيين يعيشون حياة خاصة و منها نجد فقدان ثقة المواطن بالنخبة و فقدان الثقة بين النخب و فقدان الثقة بين المكونات و لعل ما قاله عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية السابق بالغ الدلالة و يختصر الحالة"سقط الطاغية لكن عقليته و مؤسساته تجدد نفسها " (23) .
و لنتوقف عند مثال واحد يعبر بصورة جلية عاما اشرنا اليه ففي يوم الخميس الموافق 23/2/2012 شهد العراق (22) تفجيراً في (7) محافظات راح ضحيتها (500) شخص بين قتيل و جريح و في نفس اليوم يصوت مجلس النواب على تخصيص (60) مليار دينار لشراء (350) سيارة مصفحة لاعضائه... بدلاً من ان يقف – على الاقل – دقيقة حداد على ارواح الضحايا ، و يتخذ الاجراءات اللازمة لمنع تكرار مأساة الموت اليومي .
ان الاحداث الاخيرة التي شهدتها العراق ، بعد الانسحاب الامريكي تمثل حالة نموذجية للكيفية التي تنجح فيها الخطابات السياسية بانتاج استقطاب طائفي و اعادة ترصين الحدود بين الجماعات الطائفية عبر شبكات ظل يحكمها الاقصاءالقبلي و المناطقي و الطائفي اضافة للدور الذي اداه الاحتلال في تفكيك الدولة (24) .
و هكذا انسحبت القوات الامريكية في 18/12/2011 لتترك مجتمع منقسم، فوضى سياسية ، هشاشة مؤسساتية و قلق على المستقبل في ظل غياب مرجعية متفق عليها بما في ذلك الدستور الذي له عدة قراءات مختلفة و في ظل طبقة سياسية تتصرف بناءً على مصالحها الضيقة و هي الارث الاسوأ الذي خلّفه الامريكان مع المحسوبية الطائفية في حين ان العراقيين كانوا بحاجة الى دولة المؤسسات الحديثة و المجتمع المدني و ليس الى دولة ابجدية الطوائف .
ان ما يجري في العراق اليوم ما هو الاّ نتاج للتأسيس الدستوري الطوائفي الذي صاغه الاحتلال الامريكي للعراق ، حيث بنى نظام الحكم اساساً على قاعدة المحاصصة الطائفية ، القومية بدءاً من مجلس الحكم الانتقالي الذي تشكل في 13/7/2003 حتى يومنا هذا . حيث لايزال العراق يعاني من ازمة وطنية شاملة تتمثل ملامحها الرئيسية في تعثر العملية السياسية القائمة على اساس التقاسم الوظيفي الاثنو – طائفي و استمرار العنف وهما عاملان يعيقان عملية اعادة بناء الدولة و المجتمع الذين دمرا نتيجة سياسة النظام الشمولي (نظام صدام حسين ) و ممارسات الاحتلال الامريكي الذي تمثلت ابرز دروسه في كون الحديث عن ادخال الديمقراطية في العراق ليس الاّ اطلاق شعارات فارغة في اطار الطموحات العالمية الامريكية(25) . ثم جاء نهج النخب الحاكمة بعد 2003 ليعمق و يكرس تلك الحالة في ظل غياب مشروع وطني جامع .

أ – تحديات
تبرز مجموعة من التحديات التي يتوقف نجاح العملية السياسية والمصالحة الوطنية على طريقة التعاطي معها . سواء القديمة او الجديدة ومنها :
1- قضية المساءلة والعدالة – من الاجتثاث الى الاصلاح .
2- قضية الطائفية والطائفية السياسية .
3- قضية الخدمات والتنمية
4- قضية الهوية – الولاءات الفرعية واشكالية المواطنة
5- قضية العنف والارهاب والمليشيات
6- صراع النخب الحاكمة والاحزاب
7- قضية التوافقات السياسية – الالتزام والتنصل
8- التدخلات الاقليمية والدولية
فالاجراءات المتخذة على صعيد كل واحدة من هذه التحديات و غيرها لم تفلح في تقديم حل او تنفيذه بل ادت الى خلافات سياسية و مجتمعية بالغة الحدة ، في حين ان اية مصالحة في الظروف الراهنة لا يمكنها ان تقوم دون معالجات سياسية و وطنية و دستورية و قانونية و لابد ايضاً الاشارة الى البعد الاخلاقي في المعالجات و المتعلق بمراعات الجانب الانساني و معالجة الاثار الناجمة عن الاستبداد و انصاف الضحايا و اعادة بناء الدولة و المجتمع على اسس جديدة . و ان الفشل في حل هذه القضايا و التحديات سيديم امد الازمة و يدفع العراق نحو المزيد من العنف و احتمالات الحرب الاهلية . و هذا يتوقف على استراتيجيات و اّليات ادارة الصراع و فاعليتها و نتائجها . و قد وصف اسامة النجيفي رئيس مجلس النواب في كلمة له بمؤتمر عقدته لجنة المصالحة الوطنية في مجلس النواب بتاريخ 19/2/2012 وصف الوضع كالتالي : "ان التناحر و غياب المسؤولية في ادارة الدولة و تشظي القرار بين كتل تتنافر اكثر مما تتوافق ، يخرج البلاد من مرفأ الامان الى عصف التهافت" (26) .

ب- مشكلات
في السياق ذاته تتعدد المشكلات الراهنة والتي يمكن الاشارة الى البعض البارز منها وهي تواجه الدولة والمجتمع بعد تسع سنوات على التغيير :
1- فشل عملية بناء الدولة الجديدة ارتباطاً بالفشل في انتاج المجتمع كجماعة انسانية منسجمة والفشل بانتاج الدولة كجماعة سياسية .
2- نهج المحاصصة الطائفية والاثنية والمذهبية – تحول هذا الامر من (( حل )) الى مشكلة . حيث اصبحت المحاصصة مشروع نخبوي بديلاً عن ادارة الدولة التي نظمها الدستور .
3- أزمة الطبقة السياسية ( النخب السياسية ) وتأثيراتها السلبية في عملية الانتقال والتحول وما رافق ذلك من تضارب رؤى واردات مشاريع بناء الدولة والمجتمع وغياب القدرة على انتاج التوافق الفاعل الذي يقود الى الاستقرار لا الى الازمة .
4- عجز الدولة عن انجاز الحد الادنى من واجباتها ووظائفها على الصعد الاقتصادية والخدماتية والامنية ، سواء من خلال الاعتراف بمواطنيها على قدم المساواة وتأمين الحماية لهم او توفير الخدمات على تنوعها .
5- الانقسامات الاجتماعية وصعود الولاءات والهويات الفرعية وتراجع الهوية الوطنية التي هي بالاساس ضعيفة .
6- استشراء العنف والارهاب والاغتيال سواء الذي جاء تحت مبرر وجود الاحتلال او بعد رحيله حيث استمر العنف .
7- ازدهار الفساد بكل انواعه ، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي والاداري والاخلاقي والقيمي ويغذى ويدعم من هرم السلطة التي تحميه .
8- التدخل المباشر اليومي من قبل المؤسسة الدينية ، رجالها ، احزابها في شؤون ادارة الدولة وفي الشؤون السياسية تحت آليات التحريم والتفكير .
9- عدم الفهم لطبيعة ومضمون الدولة الفيدرالية التي اقرها الدستور وانشاء الاقاليم وعلاقتها بالدولة الاتحادية .
10- اخطاء وخطايا الاحتلال وسياساته منذ 2003- 2011 وفشل شعاراته عن بناء نظام ديمقراطي مستقر في العراق . (( فالاحتلال – لم يستند الى خطة مستقبلية لحفظ النظام والاستقرار السياسي او بناء مؤسسات حكومية جديدة ، بل ساعدوا في ان تعم الفوضى سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .))(27)
11- التدخلات الاقليمية والدولية المتزايدة في الشأن العراقي بوسائل سلمية وعنفية ، سياسية واقتصادية . وكما يقول يوست هلترمان نائب مدير برنامج الشرق الاوسط وشمال افريقيا في مجموعة الازمات الدولية : (( ما دامت الدولة العراقية ضعيفة فان قبضة نفوذ القوى الاقليمية كأيران وتركيا ستبقى مطبقة عليها . ومع ان احتمال التدخل المسلح غير وارد على المدى القصير ، الا ان من شأن التنافس على النفوذ والحروب بالوكالة ان تبقيه في حالة عدم استقرار لزمن طويل وتمنعه من استعادة قوته ، وتدخله في حلقة مفرغة )) (28).
هذه القضايا و غيرها تفسر و لا تبرر النتائج التي تميزت بها العملية السياسية و مارافقتها من ازمات و استعصاءات و تعثر في عملية التحول الديمقراطي و في بناء التحالفات السياسية بما في ذلك بين القوى الفائزة في الانتخابات و هو ما اطال المدة الزمنية التي استغرقها تشكيل الحكومة (9اشهر) بعد مفاوضات مضنية انتجت اتفاقاً هشاً على تقاسم السلطة وعدم التزام القوى النافذة بالاتفاقيات المبرمة فيما بينها مثل اتفاقية اربيل في 11/11/2011 والتي بموجبها تشكلت الحكومة – دون ان تعلن نصوص او مضامين الاتفاق – ذلك الاتفاق الذي سرعان ما انتج ازمات متتالية نتيجة عدم تطبيقه وفقدان الثقة بين اطرافه ولذلك فالصراعات السياسية تبدو اكثر عنفاً واكثر عمقاً وجذرية مما كان متوقعاً . فالقضية تجاوزت اقامة نظام ديمقراطي جديد محل نظام استبدادي قديم ، الى صراعات على السلطة من ناحية وعلى الدولة من ناحية اخرى . حيث تسعى القوى السياسية الى اثبات وجودها وحجز (( حصتها )) في النظام الجديد ليس فقط من خلال آليات التحول القائمة على المنافسة السياسية وانما الاستمرار في الحشد والتعبئة بل واعمال العنف والتي من شأن التمادي فيها ان يؤدي الى اجهاض العملية السياسية التي تتحول من الاستقرار الى الاستثمار .

ج – توافقات
الوفاق الوطني في مجتمع تعددي شرط اساسي للحفاظ على وحدته و استقراره ، غير ان الوفاق يجب ان يقتصر على الامور الاساسية التي يتوقف عليها مصير الوطن و الدولة . عكس ذلك يؤدي الى شلل المؤسسات و عجزها عن القيام بوظائفها و هذا ما حدث فعلاً في العراق .
ان الديمقراطية التوافقية في المجتمعات التعددية تهدف الى تحقيق الديمقراطية في مجتمع لا يمكن ترك امور الحكم فيه للعددية ، بسبب قوة الانتماء للجماعات و العصبيات التي لاتزال تفعل فعلها في العملية السياسية ، و بالتالي في تحديد خيارات المواطنين في الانتخابات . فالديمقراطية التوافقية وسيلة لمنع الهيمنة في المجتمعات التعددية و تهميش الجماعات الاقلوية و بخاصة ان الهيمنة و التهميش لا تتفقان و الديمقراطية مع العلم انه يبقى للعددية دور اساسي في الديمقراطية و لكنه ليس دور المهيمن و المهمش (( فالتوافقية تلطف التعددية و لا تؤدي الى زوال مفاعيلها )) (29). من حيث علاقتها بالانقسامات القطاعية المميزة للجماعات التعددية و التعاون السياسي القائم بين النخب القطاعية. و اذا كانت الديمقراطية التوافقية تستخدم – حسب رأي ليبهارت - في المقام الاول لتفسير الاستقرار السياسي في عدد من الديمقراطيات الاوربية، فتكون في حالات مثل اوضاع البلدان النامية بمثابة ستراتيجية في ادارة النزاعات من خلال التعاون و التوافق بدلاً من الصدام واتخاذ القرارات بالاغلبية (30) و يطلق ليبهارت مصطلح الهندسة التوافقية التي تعبر عن مضمون الديمقراطية و التي يلخصها كالتالي :
1- ينبغي للمهندس السياسي ان يقبل بالديمقراطية هدفاً اساسياً.
2- ان توصف البنى والاجراءات التوافقية بوضوح .
3- ان يكون تطبيق النموذج التوافقي اداة ضرورية لبلوغ ديمقراطية مستقرة .
4- ان تكون الديمقراطية التوافقية وسيلة كافية لغاية الديمقراطية المستقرة .
5- ينبغي ان تكون النتائج الاخرى للديمقراطية التوافقية معلومة وحصيلة محاسنها ومساوئها مقبولة .
ولو اعتمدنا هذه المعايير الخمسة لتقييم حصيلة تجربة التوافقات في العراق منذ 2003 لامكننا القول انها غير متوفرة بدرجة كافية بل وابعد من ذلك وجدنا توافقات دون ان نجد ديمقراطية . كما ان تلك التوافقات قادت الى محاصصات و بدورها انتجت ازمات و توترات خاصة في ظل التعارض
( التناقض) بين الرغبة المعلنة بالتوافق و تبني سياسات سليمة و بين الالتزام بها ، فضلاً عن غياب الادوات و الوسائل و الضمانات الضرورية لتنفيذها. و بالتالي لم تفلح التوافقات في منع اندراج الاحزاب و وسائل الاعلام بل و حتى النظام السياسي في الانقسامات واحياناً الصادامات ارتباطاً بتعدد مراكز السلطة و مراكز القوى اضافة الى ظاهرة توزيع الولاءات و الحصيلة ان نظام الحكم في العراق بني اساساً على قاعدة المحاصصة الاثنو – طائفية.
ان ذلك بدوره انتج و ينتج بلداً ضعيفاً تتواصل فيه الازمات وحل التفرد محل التوافق و تواصلت هذه السياسة بعد انسحاب القوات الامريكية الى درجة ان تقرير حقوق الانسان الذي اصدرته منظمة هيومن رايتس ووج في 22/1/ 2012 وصف العراق بانه ينزلق نحو الدولة الاستبدادية ارتباطاً بممارسات السلطة وتضييق الهامش الديمقراطي من جهة وتنامي الاحتقان المذهبي الفئوي من جهة اخرى .
في 22/1/2012 وصف العراق بانه ينزلق نحو الدولة الاستبدادية ارتباطاً بممارسات السلطة و تضييق الهامش الديمقراطي من جهة و تنامى الاحتقان المذهبي الفئوي من جهة اخرى .
كما اعرب الامين العام للامم المتحدة بان كي مون في تقريره عن العراق في نيسان 2012 عن القلق من تدهور الاوضاع السياسية ودعا الى تفعيل المصالحة الوطنية .
ان فشل التوافقات السياسية في تحقيق الاستقرار السياسي في العراق جراء اختزالها في المحاصصة لا يدعونا لرفض فكرة التوافقات بل تصويبها و فق اسس ومعايير علمية و موضوعية و ربط كل ذلك بالمصالحة الوطنية و العدالة الانتقالية و هذا يتطلب جملة من القضايا المهمة و من بينها :
1- صياغة اسس وقواعد واضحة حول التوافقات مقرونة بآليات وضمانات .
2- اشراك المجتمع وعدم تغييبه – مثلما هو الحال الآن – عن حقائق الامور .

د- معالجات
في ظل هذا الوضع المأزوم تطرح الاسئلة : ما هو الحل الامثل للخروج من الازمة ؟ هل القوة الحاكمة مستعدة لتقديم تنازلات متبادلة؟ هل سيتوقف الشحن الطائفي و تأثيره السلبي على النسيج العراقي ؟ هل سيتم التخلص من نفوذ الاطراف الاقليمية و الدولية و اجندتها غير المتفقة مع قيام عراق مستقر مما ادى الى اذكاء التناقضات و الصراعات و افتعال الفوضى و الحروب الاهلية ؟ هل يمكن بناء عراق ديمقراطي مستقر يعتمد المصالحة الوطنية وسيلة للتنمية و البناء؟ اسئلة كثيرة اكبر من الاجوبة ومن هنا تبرز الحاجة الى اعتماد اَليات واضحة باتجاه ارساء المصالحة الوطنية لتطبيع الاوضاع السياسية و اعتماد الحوار الوطني الشامل و بناء و تعزيز ثقافة البناء المؤسسي و الادارة المؤسسية (وليس الشخصانية ) لاجهزة الدولة .من هنا تأتي ضرورة ادارة التناقضات وفق اّليات عمل سليمة بدلاً من منهجية المواجهة العنيفة و تقترن ذلك بتوافق مشترك وطني يهدف تقريب وجهات النظر و تقليص الفجوات بين الاطراف المتخاصمة صوب صياغة مشروع مجتمعي مشترك يقوم على الاعتراف بتعددية المصالح و تعددية تمثيلها الفكري و السياسي و الاجتماعي و الثقافي ، لتصبح المعالجة، المصالحة اكبر من مجرد اّلية بل وسعي مشترك نحو الغاء عوائق الماضي و عوائق الحاضر و استمراريتها السياسية و التشريعية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و تصحيح ما نتج من اخطاء و خطايا و جرائم و القطيعة – من كل الاطراف – مع الحلول العنفية. و بالتالي فالمصالحة كمشروع وطني مجتمعي طويل الامد يقترن بانجاز توافق وطني بين مكونات المجتمع وفق خطة و برنامج عمل شاملين و مسترشدين بتجارب العالم و العراق في فض النزاعات سلمياً و يخضع كل ذلك لمباديء و قواعد القانون الدولي و اجراءاته الاّمرة . فالمصالحة هي بين المكونات بما يؤدي الى تحقيق التوقعات و المصالح و الاهداف التي تعبر عنها الجماعات و هي ليست تسويات او صفقات بين احزاب او جماعات او افراد و يصبح الحوار هو الوسيلة لتحقيق المصالحة من خلال القبول و الاعتراف بالاخر و نبذ العنف .
ضمن هذا السياق تأتي دعوة رئيس الجمهورية جلال الطالباني في بداية العام 2012 لعقد مؤتمر وطني بهدف تطويق الازمة و تفاعلاتها و شكلت لهذا الغرض لجنة تحضيرة رغم ان فرص نجاح المؤتمر تبدو محدودة .
و المهم في الامر ان يكون المؤتمر الوطني مناسبة لاجراء مراجعة نقدية للعملية السياسية لمعالجة نواقصها رغم ان بعض النخب الحاكمة تريده مؤتمراً شكلياً يقوم على اقتسام الغنائم و تهدئة الاوضاع و لكن ذلك لن يؤدي الاّ الى اعادة صياغة و انتاج الازمات ليبقى العراق في دوامة من المشكلات و المخاطر .كما و ان معالجة الازمة يتطلب مجموعة من الاجراءات و الاّليات اضافة الى التشريعات و منها تشريع قانوني للاحزاب ينسجم مع مباديء الديمقراطية و المواطنة و ان ينص القانون على حظر تأسيس اي حزب على اساس ديني او مذهبي و تعديل قانون الانتخاب الحالي و كذلك "الدعوة الى حملة من اجل التسامح و السلم الاهلي و السبيل الفعلي الى ذلك لا يتم عبر السلاح بل من خلال مصالحة وطنية و ما يتمخص عنها من ارادة مشتركة لوقف العنف بكل اشكاله"(31) . و هذه القضايا المهمة ينبغي ان تقترن بتشخيص المعوقات التي تقف بوجه المصالحة الوطنية و التسوية السلمية للمشكلات المختلفة .
ان ما يحتاج اليه العراق اليوم هو نخبة سياسية جديدة تطور مشروعاً خالياً من نزعة الثأر والانتقام والاقصاء وتتخذ من التوافق السياسي اساساً له . وتستطيع هذه النخبة التعامل مع اشكاليتين :
- الاشكالية الاولى : خاصة بميراث عدم الثقة الذي ورثته القوى السياسية منذ ما قبل وما بعد 2003.
- الاشكالية الثانية : تتعلق بكيفية صياغة عقد جديد بين هذه الاطراف يكون مختلفاً عن ذاك الذي صاغه بول بريمر – الحاكم المدني الامريكي للعراق – ظل الاحتلال وورثته الحكومات المتعاقبة بشكل او بآخر فأسس نوع من الاستقطاب الطائفي الذي انعكس في تشكيل التحالفات السياسية ، لان الاساس في السلطة لم يعد من يحكم ولكن كيف يحكم ؟
وبالاستناد الى الدستور الذي يمثل خريطة لتنظيم الحياة السياسية – رغم ما فيه من ثغرات وتناقضات – من الضروري التأكيد على القضايا التالية :
1- ضرورة واهمية الارتقاء بمشروع المصالحة الوطنية ونقل خطوات وقرارات المؤتمرات الى حيز التطبيق .
2- ضرورة توفر ارادة سياسية لدى الاطراف تنطلق من مصالح الوطن وبعيداً عن الولاءات الفرعية الضيقة والاهتمام بقضايا الامن والخدمات ومحاربة الفساد والافساد .
3- تفعيل مجموعة الاجراءات ولاسيما المتعلقة بالمليشيات وعدم توظيف الاجتثاث باتجاه الانتقام ونزعة الثأر .
4- اعتماد خطاب اعلامي وسياسي يقوم على العقلانية والتسامح وعدم تأجيح المشاعر والكراهية .
5- دعم وتطوير مؤسسات العدالة الانتقالية وتطبيق مباديء انصاف الضحايا وجبرالاضرار .
6- تفعيل المشاركة السياسية وكسر حالة اللامبالاة السياسية وتشجيع دور منظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية والرأي العام .
7- تهيئة دعم المشروع واسناده عربياً واقليمياً ودولياًً .
8- الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في مناطق العالم المختلفة .
ان مجموعة التحديات في قضية اعادة بناء الدولة تشترط اعادة هيكلة مؤسسات الدولة من خلال تصميم مؤسسي جديد عن طريق اقامة مؤسسات جديدة والغاء مؤسسات قائمة ودمج مؤسسات يتداخل عملها في اخرى بأتجاه رسم حدود السلطات والصلاحيات بما يؤدي الى تعزيز الديمقراطية . كما ان اعادة هيكلة مؤسسات الدولة تشمل انهاء الصراع بين البيروقراطية القائمة على قدر كبير من الفساد وبناء نظام جديد قائم على ترسيخ سيادة القانون والديمقراطية الحديثة وقيم الشفافية والحكم الرشيد . ويعتمد دور الديمقراطية في منع العنف الطائفي على قدرة العمليات السياسية الاستيعابية والتفاعلية على كبح التعصب المسموم لفكر التفرقة الطائفية . وكما يقول آمارتياسن : (( ان نجاح الديمقراطية ليس مجرد امتلاك اكمل هيكلية مؤسسية يمكن ان نتصور . فهو يعتمد حتماً على انماط سلوكنا الفعلي واثر التفاعلات السياسية والاجتماعية . )) (32)
ان تحقيق هذه القضايا يرتبط بتحليل الارتباكات والثغرات التي نتجت على صعيد الممارسة ثم اعتماد المعالجة المسؤولة التي تقترن بالاصلاح وكما يقول مارسيل غوشيه (( ان اداة الاصلاح ، ادخال العقل في الفوضى ، هي القانون. ))(33) وبالتالي فان حكم القانون هو المدخل الفعلي والعملي للمعالجة . ان بناء الديمقراطية عمل دؤوب وشاق ولا توجد وصفة جاهزة لانتقال ناجح ولا يمكن تحديد الهدف بجدول زمني قصير ولكن النجاح في عملية البناء تعتمد بدرجة كبيرة على كيفية التعاطي مع المشكلات ، اضافة الى مستوى الجدية في اتخاذ وتطبيق الاجراءات والآليات .

خاتمة
تشكل العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية احدى الآليات الاساسية العملية اعادة البناء في العراق الذي يتميز بالتعدد القومي والديني والمذهبي والسياسي والاجتماعي والثقافي .
ان نجاح هذه الآلية يتطلب توفر شروط ومقومات تساعد في تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي ولذلك ينبغي ايلاء الاهتمام للقضايا التالية :
1- اعداد مرتكزات عمل للمصالحة الوطنية عبر الحوار الوطني الشامل لتحقيق التعايش السلمي المشترك . فالعملية لا تتحقق عفوياً بل يتطلب ذلك البدء بصفحة مصالحة مبنية على وعي حقيقي بما ينفع العراق وشعبه .
وان لا تكون المصالحة مجرد آلية فوقية بل تكون اضافة الى ذلك عمودية من الاعلى الى الاسفل وتكون سياسية وشعبية ودينية وثقافية .
2- اعتماد اجراءات عملية لتحقيق الوحدة الوطنية ووضع اولوية المصالح الوطنية من خلال تقديم حلول الوسط والتنازلات المتبادلة وخلق ثقافة تقوم على احترام التعدد والتنوع وضمانته دستورياً وقانونياً وسياسياً .
3- الاعلاء من شأن المواطنة المتساوية على اسس ديمقراطية وقانونية دون انكار للخصوصيات والهويات الفرعية بل توفير وسائل تكفل حقوقها وتعزيز ما هو مشترك فيما بينها . اي الدعوة للتفكير في الهوية الوطنية من وجهة نظر التعددية والتنوع والتحول والمرونة في ظل سيادة القانون والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة واحترام وكفالة حقوق الانسان .
ان دولة المواطنة المتساوية هي التي تصنع الاستقرار وتحافظ عليه وتستوعب الهويات الفرعية وتجعلها شريكة فعلية في صناعة القرار الوطني . وبالتالي تحقق الديمقراطية بدل الاستبداد ، ودولة المؤسسات بدل سلطة الافراد والهوية الوطنية بدل تنازع الهويات والتنوع والتعدد الثقافي بدل هيمنة مكون او ثقافة واحدة . ومن هنا تنشأ التعددية التفاعلية .
4- تعزيز وتفعيل الديمقراطية التوافقية – بعد تخليصها مما لحق بها من ثغرات – كوسيلة وليس هدف ضمن آليات محددة وشفافة وان لا تختزل بالمحاصصة السياسية والحزبية والقومية والمذهبية لان ذلك سيؤدي الى اعادة انتاج الازمات وتغذية عوامل ديمومتها .
5- الاستفادة من تجارب الدول والمنظمات التي قدمت امثلة ناجحة في تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية . فهناك العديد من التجارب التي تمت فيها معالجة اثار الدكتاتوريات والانظمة الاستبدادية والحروب الاهلية بهدف تحقيق الوفاق الوطني .
وبفعل فشل عملية اعادة بناء الدولة العراقية على اسس صحيحة بما يؤمن الاستقرار والتنمية والسلم الاهلي ، يحتاج العراق الى رؤية متجددة تعتمدها نخبة تستطيع التعاطي المسؤول والواعي مع الازمات والمشكلات القديمة منها والجديدة وتقع على عاتقها مهمة محاربة مثلث الاستبداد والعنف والفساد .
ورغم صعوبة هذه المهمة الا ان المدخل لها يكمن في معالجة ميراث عدم الثقة الذي ورثته القوى السياسية والمجتمع عموماً منذ ما قبل 2003 وما بعده ، وسيساعد هذا التوجه في الادارة الصحيحة للمشكلات والتحديات واعادة هيكلة الدولة وبسط نفوذها وتطبيق الدستور في اقامة عراق ديمقراطي تعددي اتحادي بعيداً عن الطائفية والعرقية لا ناكراً لها .
كما سيساعد ذلك في صياغة عقد جديد بين القوى السياسية لا يقوم على المحاصصة او التقسيمات الاثني و- طائفية ولا على التحالفات السياسية المستندة الى الاستقطابات الطائفية ، وبذات الوقت يتم اعتماد توافقية جديدة لحل القضايا الخلافية وضمان تمثيل جميع الحكومات ، حيث دلت تجربة العراق ومعها تجارب ثورات الربيع العربي ان المطلوب ليس فقط هدم قواعد واركان الاستبداد وانما الاهم هو السعي لبناء دولة العدالة والمواطنة والمساواة والحرية .
والسؤال الذي نتركه برسم الاجابة : هل هناك امكانية لوجود – تشكيل – نخبة سياسية جديدة تعتمد مشروعاً سياسياً بعيداً عن نزعات الثأر والانتقام والمحاصصة والولاءات الضيقة ، وبعيداً عن اقصاء الآخر وتتخذ من التوافق السياسي منطلقاً لها ومن الدستور وتصويب ثغراته اساساً وتقيم علاقات متوازنة ومتكافئة مع دول الجوار والعالم ، ويكون مضمون هذا المشروع خدمة الانسان واحترام حقوقه وتعدديته ومشاركته وبناء دولة المؤسسات والقانون القائمة على التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة والفصل بين السلطات .
المستقبل سيجيب على هذا السؤال – الاسئلة ولكنه باعتقادنا افضل الحلول لبقاء العراق متماسكاً وقوياً وموحداً ومستقراً ومزدهراً . . ان مضمون الجواب سيحدد مستقبل الصراع والاستقرار في العراق .
وكما يقول مارك فلورباييه في كتابه الرأسمالية ام الديمقراطية خيار القرن الواحد والعشرين : ( ان الديمقراطية ناقصة بشكل مستمر ولا يجب اعاقة البحث عن توسيعها مطلقاً .) (34) فالديمقراطية افضل الحلول والديمقراطية التوافقية تقوم على الرضا لكنها لا تولده .

ان نجاح التحول الديمقراطي وبناء الدولة المدنية يستلزم عدة شروط مجتمعية وسياسية اهمها :
1- سيادة حكم القانون المستند الى دستور ديمقراطي .
2- استقرار مؤسسات الدولة وحياديتها .
3- المشاركة السياسية الفاعلة للمجتمع في اعادة بناء الدولة على اسس ديمقراطية .

________________________________________
(*) أستاذ العلوم السياسية في جامعة صلاح الدين . أربيل / العراق
(2) د . رياض عزيز هادي : الديمقراطية ، دراسة في تطورها ، مفاهيمها وأبعادها ، بغداد ، 2008 ، ص 92 .
(3) د. عصام سليمان : مدخل الى علم السياسة ، الطبعة الثانية ، دار النضال ،بيروت ،1989، ص 216.
(4) Joseph Schumpeter ; Capitalism, Socialism and Democracy ( New York, Harper, 1950 ) 259
(5) تشارلز تيللي : الديمقراطية ، ترجمة محمد فاضل طباخ ، المنظمة العربية للترجمة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، الطبعة الاولى ، بيروت ، تموز ، 2010 ، ص 192 .
(6) . المصدر نفسه ، ص 67 .
(7) د. عصام سليمان : الانظمة البرلمانية بين النظرية والتطبيق ، دراسة مقارنة ، منشورات دار الحلبي الحقوقية ، الطبعة الاولى ، بيروت ، 2010 ، ص 12 .
(8) د . غسان سلامة : نحو عقد اجتماعي جديد ، بحث في الشرعية الدستورية ، طبعة ثانية منقحة ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ايلول 2011 ، ص 28 .
(9) راشيل كوفلد – ديبرا دلائيت : آليات الديمقراطية في عصر عولمة الحكم ، مجلة الديمقراطية ، القاهرة ، العدد (45) ،يناير ، 2012 .
(10) علي او مليل : سؤال الثقافة ، الثقافة العربية في عالم متحول ، المركز الثقافي العربي ، الطبعة الاولى ، 2005، الدار البيضاء – بيروت ، ص 67 .
(11) Gabriel Almond and Sidney Verba , The Civic Culture ( Boston ; Little 41, Brown and Co , 1945
(12). د. رباح مجيد الهيتي : انهيار سلطة الدولة في العراق ، دار العرب ، دمشق ، 2010 ،
ص 330 .
(13) ليام اندرسن ، غاريث ستانسفيلد : عراق المستقبل : دكتاتورية ، ديمقراطية ام تقسيم ، ترجمة رمزي ق . بدر ، شركة دار الوراق للنشر ، الطبعة الاولى ، لندن ، 2005 ، ص 27.
(14) كاظم شبيب : المسألة الطائفية تعدد الهويات في الدولة الواحدة ،بيروت ، لبنان ، دار التنوير ،ط1، 2011، ص 21
(15) د. أحمد ابو زيد : سيكولوجية العلاقات بين الجماعات – قضايا في الهوية الاجتماعية وتصنيف الذات ، سلسلة كتب عالم المعرفة ، العدد 326، أبريل ،2006 ، ص 78 .
(16) د. عصام سليمان : الجمهورية الثانية بين النصوص والممارسة ، بيروت ، 1989، ص 191.
(17) رشيد الخيون : المجتمع العراقي ، تراث التسامح والتكاره ، معهد الدراسات الاستراتيجية ، الطبعة الاولى ، 2008، بيروت ، أربيل ، بغداد ، ص 8
(18) د. عبدالحسين شعبان : فقه التسامح في الفكر العربي الاسلامي الثقافة والدولة ، الطبعة الثانية ، دار ئاراس ، اربيل ،2011، ص155.
(19) ويل كيملكا : اوديسا التعددية الثقافية ، سير السياسات الدولية الجديدة في التنوع الجزء الثاني عالم المعرفة ، آب ، 2011 ص 378
(20) بيار روزا انفالان : انتصار المواطن ترجمة سليمان الرياشي ، دراسات عراقية ، ص 20
(21)الآن ج . غانيون : دفاعاً عن الاتحادية التوافقية ، فك النزاعات بين الهويات والمواطنة ، بيروت 2010، ص19
(22) د. مهدي الحافظ : العراق والنموذج الجديد للتنمية ، جريدة الصباح ، العدد 2493 بتاريخ 24/3/2012
(23) عادل عبدالمهدي ، افتتاحية جريدة العدالة البغدادية ، في 18/1/2012.
(24) حارث الحسن : الطائفية والوطنية المزيفة في العراق ، جريدة الاخبار البيروتية ، 24 شباط ، 2012.
(25) جيف سيمونز : عراق المستقبل – السياسة الامريكية في اعادة تشكيل الشرق الاوسط ، ترجمة سعيد العظم ، دار الساقي ، الطبعة الاولى ،2004 ، ص 97
(26) أنظر جريدة الشرق الاوسط اللندنية ،العدد (12137) ، بتاريخ 20/2/2012، كلمة اسامة النجيفي .
(27) انتوني كوردسمان : نحو استراتيجية امريكية فعالة في العراق – مجلة المستقبل العربي ، العدد 313، اذار 2005، ص 35 .
(28) يوست هلترمان : ما وراء الانسحاب الاميركي من العراق ، جريدة الصباح الجديدة ، العدد 2173 ، بتاريخ 22/12/2011
(29) د. عصام سليمان : الانظمة البرلمانية بين النظرية والتطبيق ، دراسة مقارنة منشورات الحلبي ، الطبعة الاولى ، بيروت ، 2010، ص 296
(30) آرنت ليبهارت : الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد ، ترجمة حسني زيني ،معهد الدراسات الاستراتيجية ، الطبعة الاولى ، 2006 ، بغداد – بيروت ، ص 12-17
(31) د. عامر حسن فياض : العراق وشقاء الديمقراطية المنشودة ، دار اسامة – عمان ، الاردن ، الطبعة الاولى ، 2009 ، ص 15.
(32) امارتياسن : فكرة العدالة ، الدار العربية للعلوم ناشرون ، الطبعة الاولى ، بيروت 2010، ص 498.
(33) مارشيل غوشيه : نشأة الديمقراطية ، الجزء الاول – الديمقراطية الحديثة ، ترجمة جهيدة لاوند ، دراسات عراقية ، الطبعة الاولى ،2009 ، بغداد ، بيروت ، اربيل ، ص 90.
(34) مارك فلورباييه : الرأسمالية ام الديمقراطية خيار القرن الواحد والعشرين ، ترجمة عاطف المولى الدار العربية للعلوم ، ناشرون الطبعة الاولى ، بيروت ،2007 ، ص 43






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,690,618,054





- في هذا الفيديو.. من يطارد الآخر.. سائقو الدراجات أم الشرطة؟ ...
- هل تصدق؟ هذه ليست صورة بل رسمة بقلم تلوين
- جنون التسوق لحظة افتتاح متجر في بريطانيا يوم "الجمعة ال ...
- رئيس الجمهورية يهنيء نظيره الموريتاني في الذكرى ال 54 لاستقل ...
- بالفيديو.. دب قطبي يحمي -حدوده الأقليمية- بلطف
- نواب برلمان -دونيتسك الشعبية- يؤدون اليمين
- برلمان تايلاند يبدأ مساءلة رئيسة الوزراء السابقة
- الروبل يستمر بالتراجع مع انخفاض أسعار النفط بعد قرار -أوبك- ...
- اغتيال ضابط طيار تربطه صلة مصاهرة باللواء حفتر
- سوني تكشف عن أحد منتجاتها الجديدة.. -ساعة الحبر الإلكتروني- ...


المزيد.....

- وظائف الدولة / وسام حسين علي العيثاوي
- النظام الأبوي الذكوري وهيمنته على المجتمع والسلطة / إبراهيم الحيدري
- في ذكرى اكتوبر - المآثر التاريخية لثورة اكتوبر الاشتراكية ال ... / سعيد مضيه
- الانتخابات التونسية و مستقبل تونس: قراءة اجتماعية- سياسية و ... / بيرم ناجي
- مساهمة أولية في نقد -الميثاق الوطني للتربية والتكوين- / حسام عزيز
- خارطة اليسار العربي - كتاب / خليل كلفت
- كتاب طرق الحصول على مقالات انجليزية حصرية 100% / اشرف خلف
- الدروس المستخلصة عربيا من مسار التحول الديمقراطي عالميا-مع ا ... / ابراهيم قلواز
- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهدي جابر مهدي - اشكالية تعثر الديمقراطية في العراق بعد 2003