أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسن عماشا - أزمة اليسار العربي: اللبناني نموذجاً وضرورة ولادة جديدة















المزيد.....



أزمة اليسار العربي: اللبناني نموذجاً وضرورة ولادة جديدة


حسن عماشا
الحوار المتمدن-العدد: 1135 - 2005 / 3 / 12 - 11:21
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


مقدمة:
بات التنصل من الماركسية وتشويهها، يشكل مقدمة لكل حركة أو مجموعة، سبق لها أن انضوت تحت رايتها. يوم كان مجرد الإعلان عن "تبنيها" يحقق مكسباً مادياً ومعنوياً.
فقدت الماركسية بريقها ولم تعد "شيوعية الموضة" تشكل مظهراً تقدمياً وحل محلها موضة جديدة لا تتميز بلون أو طعم أو رائحة، ولا تحدها حدود، ولا تلازمها عقيدة أو نهج، وهي تصلح لكل زمان ومكان!. أما التاريخ فأصبح حكايات من طراز "ألف ليل وليلة" أو "الإلياذة والأوديسة".
هي "الديموقراطية تحل كل المعضلات في المجتمع؟! والتاريخ، كان الإنسان هو نفسه، ذاك الذي كان يقبع في كهوف العصر الحجري، هو عينه الذي يسبح في الفضاء بالمحطة الفضائية.
"الديمقراطية"، تريحنا من عناء البحث في الصيرورات، التي انتقل فيها الإنسان من الكهف إلى الفضاء، كأن عصراً جديداً اطل علينا!! في جيل واحد تنتقل البشرية من الوحشية إلى الحضارة!! ولم يعد أمامنا سوى كنس بعض رواسب العصور الغابرة عند بني البشر من: "الأصولية والسلفية، الظلامية، التي تحكمها غريزة العنف. هذا كنه ما تدعونا اليه " حركة اليسار- الجديد" (القديم) في عالمنا اليوم، بأسمائها وأشكالها المتعددة.
رحم الله "اوجين دوهرنج" الذي سبق أصحابنا هنا بخطوة على الأقل، حيث وضع "مخططاً للواقع" ورسم آلية للوصول إلى عالم من هذا النوع، بعد أن كشف العيوب التي يعيشها العالم الواقعي في عهده. والتي تستمر حتى يومنا هذا، رغم انف أصحابنا الذين يريدون لنا أن نتجاهل العالم الواقعي، الذي نعيش فيه. وننساق خلف أوهامهم وسذاجتهم.
ويبشرنا هؤلاء، بأن صدر "حركتهم" مفتوح لتقبلنا نحن الماركسيين في صفوفها! بجانب غيرنا من أصحاب العقائد الأخرى.
لو قدر لنا أن نعيد إلى الحياة كلاً من: " سان سيمون" و "فورييه" في فرنسا، و"آدم سميث" في المملكة المتحدة، و"هيغل" في ألمانيا، وعرضنا عليهم هذه الدعوة بما أن الخيال هو الأساس عند أصحابنا- فهل يمكن أن نتنبأ بما سيكون جوابهم؟ بالطبع، ستجتاحهم الحسرة! إذ كيف نعيدهم إلى الحياة في عصر سابق لعصر الذي عاشوا فيه بمئات السنين!!.
بقدر استحالة أن يكون هذا التصور واقعياً واستحالة عودة هؤلاء العظماء إلى الحياة، فإن عقائدياً منسجماً مع عقيدته- أياً كانت- لا يرض لنفسه أن يكون في عداد هذه "الحركة". وبعيداً عن النوايا، الطيبة أو الخبيثة، فهكذا "حركة" ساذجة وسطحية، نحذر في وصفها بالعقم- لأن هذا داء قد يؤدي التطور إلى علاجه- لأنها أشبه بزواج "مثيلي الجنس" وهو انحراف عن سنن الطبيعة والحياة، هذا في الوقت الذي تتجلى فيه كل العقائد- الدينية أو القومية- حيث أن وجه الصراعات في عالم اليوم يتخذ من العقائد مادته التعبوية، وتعبر عن نفسها بكل ما تملك من أشكال ووسائل التعبير لتثبت لنفسها وأقرانها، جدارتها في الحياة.
ما نريد قوله هنا: إن هذه "الحركة" لا تخدع إلاّ نفسها، وهي واحدة من نماذج الإفلاس الفكري- السياسي، والخضوع لمقولات الفلسفة الرأسمالية الحديثة. مثل: "نهاية التاريخ" و "سقوط الأيديولوجيا" و "العالم قرية صغيرة" الخ….
أن هذه "الحركة" التي تقدم نفسها، باعتبارها فوق "التشكيلات الاجتماعية"- السياسية، الطبقية، وتتسع للجميع (اختزال المجتمع). ما هي إلاّ "أفيون" المرحلة، الذي لن يتأثر به سوى كافر بعقيدته لم يهتدِ إلى إيمان جديد، أو جاهل بها. وفي الحالتين "فاقد الشيء لا يعطيه"- الكافر عديم- والجاهل فقير.
بما تقدم وبناء عليه، لا نرى جدوى من التوقف كثيراً عند ما يسمى: "حركة اليسار الديموقراطي" وأقرانها، ليس في لبنان وحسب بل في المنطقة العربية وفي الدائرة الأوسع، سواء تلك المنضوية في إطار "الاشتراكية الدولية" أو المتمحورة في إطار "الأممية الرابعة". وذلك لسببين:
- الأول: هو أن هذه "الحركات" جماعة ومتفرقة، لا تمثل أية فعالية سياسية، سواء على المستوى الدولي- العالمي. أو على المستويات المحلية، كلاً في بيئتها الاجتماعية.
- الثاني: هو أنها لم تقدم أية قيمة فكرية جديرة بالاهتمام، تغني الفكر الإنساني أو تشكل دليل نضال في سبيل تحقيق التقدم والارتقاء على أسس علمية- تاريخية.

وبالنظر إلى عدم وجود معطيات ملموسة وذات قيمة علمية للبحث، تحت يافطات هذه "الحركات"، وأن أية ظاهرة اجتماعية- سياسية، تنضوي في دائرة هذه "الحركات" ولها وجود ملموس، لا بد من البحث حولها انطلاقاً من واقعها في التركيب الاجتماعي الواقعي وليس من خلال العناوين والشعارات التي ترفعها، مثلاً عن البحث تحت يافطة "الحزب التقدمي الاشتراكي" في لبنان، انطلاقاً من أدبياته السياسية أو أدواته التنظيمية، سوف نصل إلى استنتاجات مضللة حتماً. ولا تمت للحقيقة الموضوعية بصلة. في حين أن التدقيق بالقاعدة الاجتماعية التي يمثل سوف نجد تحت هذا العنوان العريض والعضو في "الاشتراكية الدولية" عباءة الزعامة التقليدية لطائفة "الموحدين الدروز".
من هنا نرى أنه من الأجدى بذل الجهود في اتجاه "العمل الإيجابي، حول العالم وما يدور فيه". وتعيين التحديات الموضوعية والذاتية، و"التحليل الملموس للواقع الملموس". في هذه المرحلة من تاريخنا حيث تواجه امتنا ومنطقتنا اعقد التحديات الخارجية والداخلية على حدّ سواء وما فيها من معضلات استراتيجية وتكتيكية. تحتاج إلى تضافر جهود جبارة علمية وتاريخية لإيجاد الحلول لها. والدخول في الألفية الثالثة كأمة جديرة بالحياة والتفاعل الحضاري مع باقي الأمم.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، إن "عملاً إيجابياً واحداً قام به فرد واحد، مثل قيمة علمية وتاريخية، أهم من كل نعيق الحركة السياسية اللبنانية، بكل أطيافها وعلى مدى نصف قرن ونيف. حول لبنان "الهوية والتاريخ" ونعني به كتاب "بيت في منازل كثير"، للباحث والمؤرخ كمال الصليبي، وإن كنا لا نتفق معه تماماً في منطلقاته واستنتاجاته، فإن هذا لا يفقده قيمته العلمية.
ولكن بسبب ضعف "الثقافة الاشتراكية" والتاريخية في مجتمعاتنا والتأثير الطاغي للدعاية الرأسمالية في "أعلى مراحلها"، من جهة، وما علق في أذهان جيل كامل من تشويهات حول الماركسية والشيوعية. خصوصاً من قبل أولئك الذين كانوا حتى الأمس القريب، "الناطقين الرسميين" باسمها من جهة أخرى، لا بد من تبيان ماهية الماركسية وجوهرها وإزالة ما اسقط عليها من تحريف وتزييف، ولو بالحدود التي تدحض المقولات المتداولة في أوساط "اليسارية- الجديدة". والغاية هنا ليس الدفاع عن "أصولية" ماركسية- لا ننكر الإيمان بصوابيتها- بل هي من أجل الاسترشاد بمنهجها العلمي- الجدلي، لمواجهة التحديات، باعتباره المنهج الثوري الوحيد الذي يعيّن أقصر الطرق لتحقيق التقدم والارتقاء، وتفسير التحولات العالمية الأخيرة التي طالت التجربة السوفياتية بضوء الظروف والخصائص التاريخية، ودحضاً للتعسف القائم على اعتبار هذه التحولات دليل فشل وإفلاس الماركسية.

دحض التحريف والتزييف
ينطلق معظم المتنصلين من الماركسية من حقيقة بديهية مفادها: إن ماركس وانجلس صاغا أعمالهما قبل أكثر من قرن، وأن حجم ونوع المتغيرات والتطورات العلمية والتكنولوجية أملت معطيات جديدة، لم تكن قائمة في عهدهما. ويزعمون أن هذه المعطيات- من دون تحديد- لم تعد تتفق مع الأدوات المفهومية التي سادت على ضوء تلك الأعمال. وهكذا يعتبر هؤلاء انهم أرسوا قاعدة منطقية، بحيث يصبح ما يلوكونه بعدها، من أفكار ومفاهيم، هي تجديد يتماشى مع مقتضيات "العصر"؟!. بعضهم تورط وحدد تصوراً بناء على أبحاث حول القوة العاملة في الدول الصناعية، بقوله ما معناه: "إن تطور القوى المنتجة اتاح للرأسمالية إمكانيات تجديد نفسها باستمرار… بسبب أن الإنتاج لم يعد يعتمد على "الطبقة العاملة"! التي حل محلها "طبقة المهندسين والإداريين" والتي توسعت واحتلت دوراً اكبر من "الطبقة العاملة" في عمليات الإنتاج ما افقد هذه الأخيرة دور الطليعة؟! في المجتمع.
وبنى بعض آخر على هذا التصوير مفاهيم منها: "إن البرجوازية الرأسمالية أُجبرت على القبول بمبدأ المشاركة. بالنظر إلى درجة وعي وثقافة "طبقة المهندسين والإداريين". فحدّ من درجات الاستغلال، وتحول الصراع من الأساليب العنيفة، "الانقلاب الثوري، إلى الأساليب "الديموقراطية" و "النضال التراكمي لتحقيق المساواة".
هذا بشكل مقتضب، ما يستند إليه أصحابنا "المجددون" في أيامنا، وهذا كله محض افتراء ليس على الماركسية وحسب، بل على كل مبادىء علم الاقتصاد والسياسة والاجتماع، وتدحضه الحقائق التي نعيشها يومياً، فضلاً عن تحريف وابتذال الماركسية، حيث أن ماركس لم يطلق مصطلح "الطبقة العاملة" من دون تعريف، الذي هو عند ماركس: "البروليتاريا" العاملين بسواعدهم وأدمغتهم، الذين يبيعون قوة عملهم لقاء أجر معلوم ولا يملكون وسائل إنتاجهم، وفكرة ماركس عن تطور الإنتاج الرأسمالي في مراحله المتقدمة، وأنه يؤدي إلى دفع الأعداد المتزايدة باطراد من البروليتاريا إلى جيش العاطلين عن العمل، وتقلص دور الرأسمالي في عمليات الإنتاج بحيث لا يعود بمقدوره الزعم بأن "هذا من صنع يدي- هذا ملكي"ويجعل من الرأسمالي قوة آفلة في المجتمع. أما حول "الطليعة"، لم يكن ماركس أو أي ماركسي آخر يعتبر أن "الطبقة العاملة" هي الطليعة. بل أن الطليعي هو ذاك البروليتاري المثقف الذي يحيط بمعارفه وعلومه بحركة التاريخ. ويقول لينين: "تصبح شيوعياً فقط حين تختزن في ذاكرتك ما أنتجته البشرية من علوم في كافة المجالات".
وهناك فرق شاسع في اعتبار "الطبقة العاملة". الطبقة الثورية حتى النهاية، كونها صاحبة المصلحة في القضاء الكلي على كل أشكال الاستغلال، وبين اعتبارها الطليعة.
وإذا ما أوحت بذلك حركة شيوعية في ظروف تاريخية معينة فهو أمر مشروع من الناحية السياسية التعبوية. أما من الناحية العلمية- الموضوعية، فهذا شأن آخر. كل حركة سياسية- اجتماعية، تاريخياً، اعتمدت في إطار التعبئة السياسي. شيئاً من التوصيفات المجردة لأنها في لحظة معينة تكون الحركة من خلال الدور التاريخي الذي تلعبه يأخذ طابعاً طليعياً تاريخياً. كالقول في اليهودية "انتم شعب الله المختار"، وفي المسيحية "انتم أبناء الله"، وفي الإسلام "كنتم خير أمة أخرجت للناس".
أما القول، بأن الرأسمالية تمتلك القدرة على تجديد نفسها باستمرار، فهذا ضيق أفق وسذاجة- الماركسية والتاريخ منهما براء، فلا أحد بإمكانه الزعم أن التاريخ الاجتماعي يمكن أن يتوقف عند صيغة اجتماعية بعينها، إن الرأسمالية مرحلة تاريخية لها أطوار متعددة كأي ظاهرة طبيعية، تولد، تنمو، تشيخ، وتضمحل، ولم يمضي على نشوئها أكثر من قرنين في الزمان، سبقتها مراحل تاريخية أخرى ومرت بأطوار مختلفة وآخر سابقاتها "الإقطاعية" التي دامت مئات السنين.
وبعد هذا نسأل: هل التطور المحقق ومساره هو خارج شعاع الرؤية الماركسية؟ ومن لا يشهد في أيامنا الأزمة البنيوية التي تعيشها الرأسمالية وانسداد آفاقها وفي عقر دارها. وتكشف عن خباياها الحروب المتنقلة التي تقوم بها الولايات المتحدة بكونها تمثل مركز الرأسمالية العالمي. سعياً وراء مصادر الطاقة والخامات وخطوط المواصلات الدولية لاحتكارها، بل والتحكم بالمنظومات الاجتماعية والسياسية والحقوقية، وإخضاع العالم كله بما فيه الرأسماليين دولاً ومؤسسات بعد أن استهلكت الرأسمالية ما كسبته في حروبها السابقة من استغلال الموارد المادية والاجتماعية للمستعمرات. والتي غطت كل المعمورة وباتت عاجزة عن توسيعها ما سوف يؤدي إلى الإشباع والتكدس للناتج الفائض من جهة وانعدام القدرة الشرائية من جهة أخرى لدى الفعالية العظمى من السكان. فهل ستقوم الرأسمالية بتوزيع الإنتاج مجاناً؟! أم أن مرحلة تاريخية جديدة توشك أن تولد؟ وهل قال ماركس بهذا الشان غير ذلك؟.
إن ما نشهده اليوم من حروب وهيمنة تطاول كل الأمم والشعوب وإن بدرجات متفاوتة، والنزاع بين الكارتيلات العالمية فيما بينها وعلى الأسواق هو بداية النهاية لمرحلة الرأسمالية وليس كصيغة ونظام اقتصادي وحسب إنما بكل ما تشكله من مضامين أيديولوجية- حقوقية- اجتماعية وأخلاقية.
بقي أن نشير إلى مسألة لها علاقة أكثر بالفكر السياسي. يتشدق بها "المجددون" لتغطية انحرافاتهم السياسية الوطنية.
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، يبدو أن الكثيرين من الكتاب والسياسيين الذين كانوا يستنسخون أبحاثهم ومقالاتهم وأفكارهم عن وكالة "نوفوستي" و "البرافدا".
تحولوا الآن إلى وكالات وصحف الغرب، يعيدون إنتاج الأفكار الواردة فيها.ويعملون على توطينها، ولا فرق إن كانت "يسارية" أم "يمينية"- "الفرنجي- برنجي". ونتيجة الذيلية الفكرية، لا يلحظون الوحدة المنهجية في التفكير الغربي بين "اليسار" و "اليمين" وشكلية التمايز تجاه قضايانا وقضايا العالم الأخرى. تبهرهم مساحة "الديموقراطية" الغربية التي يتعايش فيها اليسار واليمين. ويعمون أعينهم من المحرمات التي يمنع بالقانون تناولها وأن كانت حقائق تاريخية داحضة يثبتها البحث العلمي. كالتضخيم الذي نالته "محرقة الهلوكوست"، وكل مل يمس العنصرية الصهيونية وإرهابها المنظم بحق الأمة العربية عموماً والشعب الفلسطيني خصوصاً. وبالجرائم الأميركية التي لا يسلم منها شعب ومنطقة في العالم.؟ نعم بعض الغربيين يكسرون القاعدة، لكن السؤال ما هو مصيرهم في ظل هذه "الديموقراطية"؟ الجواب عند "المجددين" لم نقل "الديموقراطية" كاملة. نعم "من يأكل السياط ليس كمن يعدها"، واللافت أيضاً في الذيلية الفكرية لهؤلاء "المجددين" الاكتشاف العظيم حول تاريخية الماركسية، وهم يجهلون أو يتجاهلون أن ماركس نفسه أكد على تاريخية مذهب، في أكثر من نص وبحث منها:" الفلسفة الألمانية" و "الصراع الطبقي في فرنسا" وانجلس هو القائل:" إن كل مؤلف هو محدود بحدود العصر الذي يتألف فيه، والخصائص الذاتية لمؤلفه (راجع ضد دوهرنج) كذلك لينين قال:" أن ماركس وانجلس لم يفعلا غير أن وضعا حجر الزاوية لهذا الصرح العظيم" (الاشتراكية العلمية)، (راجع: "في أيديولوجيا والثقافة الاشتراكية"- لينين).
بهذه الجمل القصيرة والمؤكد عليها في كل التراث الماركسي تشير إلى طابع الماركسية التاريخي، لكن هل تنتهي المسألة بالنسبة للماركسيين الحقيقيين هنا، بالطبع لا، على عكس أصحابنا الذين لا نجد لديهم تتمة لقولهم بتاريخية الماركسية. وهي عندهم تعني شيئاً من الماضي لا فائدة من العودة إليه. ما يعني أن العلم يبدأ دائماً بصفحة بيضاء، أو كما لاحظ بشكل مبكر الشهيد مهدي عامل لدى العديد من رموز "اليسار" اللبناني اليوم. "إن كل شيء يبدأ عندهم من الصفر (راجع: "نقد الفكر اليومي"- مهدي عامل). وليس بسلسلة غير متناهية من المعارف السابقة، أما عند الماركسيين المسألة غير ذلك إذ انهم على حدّ قول لينين: "إن ماركس وانجلس أوصيا بتطوير هذا العلم وتعميمه بكل الاتجاهات، لمن شاؤا ألا يتأخروا عن موكب الحياة". و "منذ أن غدت الاشتراكية علماً. يجب أن تعامل عما يعامل العلم، أي يجب أن تُدرس وأن تُطبق بضوء الخصائص التاريخية المحددة. حيث تطبق تعاليمها في ألمانيا مثلاً، غير ما تطبق في فرنسا وفي فرنسا غير ما تطبق في بريطانيا وهكذا دواليك.
فإذا كان ماركس، أضاء منارة لكل المستغلين تنير الطريق أمامهم إلى الحرية والتقدم، فنسأل هنا "مجددي" النضال التقدمي عندنا: أين هي الشمعة أو بصيص الضوء الذي يدعوننا إليه بعد زعمهم أن منارة ماركس قض عليها الزمن، وانطفأت- (ومن كان منهم يعتبر أن تلك المنارة كانت سراباً و يريدنا اليوم منحه باسم تاريخه النضالي ثقتنا على سيره فيما مض خلف "سراب"!!). غير هذه التي تدعونا إلى وضع الغلال على عقولنا بعد أن كانت في أيدينا، والخضوع "للعم سام" سيد "العصر". وأن نقتل أبناءنا بأيدينا الذين يقاتلون العدو الصهيوني- الاستيطاني والاحتلال الأميركي- الغربي لبلادنا. ودعوتنا للوحدة تحت راية الخضوع والاستسلام.
نعم نريد التجديد، وليس "الجمود العقائدي" من مبادئنا. ولا التراث الأصيل للماركسية، يشكو منه، نريد التجديد الذي يمدنا بالعزيمة والذي يمكننا أن نختار أدوات النضال بكل أشكاله- العنيفة أو السلمية التي تلائم طبيعة ما يواجهنا من تحديات، نعم نرفض العنف الأعمى، بوجه المواطنين العزَّل- وطنيين أم أجانب- ولكن لن تخرج دبابة محتل أو "جزمة" جندي. بعريضة احتجاج أو تظاهرة استنكار. والامتنان للتظاهر المتضامن مع مآسينا في الغرب لا يعني أن نتراصف خلف القوى المحركة لها بدوافع إنسانية "متحضرة". وأن ننسى أصل المأساة بحجة التقرب منها. والجديد الذي نريد نحو الحرية والاستقلال في خياراتنا للتنمية المتماهية مع قيمنا الاجتماعية- التاريخية. وليس في الاستجابة للبنى الاقتصادية- الغربية التي تريد لنا أن نكون مجرد مستهلكين لمنتوجاتها. لأن الإلحاق والتبعية الفكرية والاقتصادية لا يقيمان تفاعلاً حضارياً. ونحن أمة جديرة بقيمها وتراثها في القيام بالتفاعل الحضاري مع باقي الأمم.
هذا قسطنا من المسؤولية تجاه أجيالنا والعالم باتجاه الانتقال إلى طور اجتماعي وإنساني جديد. وأن تعيش عصرك يعني: أن تعي الدور التاريخي المناط بك في إدراكك الكتلة الاجتماعية صاحبة المصلحة في السير قدماً نحو تحقيق الانتقال من طور هي فيه إلى طور أعلى عدالة ورقياً وتقدماً.

في التجربة التاريخية: الطليعة والتكوين الاجتماعي
أن لكل حركة اجتماعية عبر التاريخ رواداً يجسدون روح الحركة. كانوا في المسيحية الرسل والكهنة، وفي الإسلام الأئمة والولاة، وفي الشيوعية الطليعة الثورية.
حتى الآن كان وجود الرواد، يعفي الاتباع من عناء البحث في مآل الحركة التي ينتمون إليها. ويكفيهم الإيمان بما تنقله الرواد إليهم حتى يحيوا سعداء ويعيشوا الحلم الذي يوحدهم ويجعل منهم قوة اجتماعية فاعلة ومؤثرة تقود "الكتلة التاريخية" التي تكون قد تكونت بفعل صيرورات حدثت خلال حقبة تاريخية تحول فيها "المعقول إلى غير معقول" و "العدالة إلى تعسف". وبات ما كان عند جيل سابق "طبيعياً"، غير طبيعي، نحو خلاصها من الوضاع القائمة.
وحاجة كل حركة سياسية- اجتماعية إلى روح موحدة ضرورة لا مناص منها، لتصبح حركة حية، "فالاشتراكية العلمية تجد في البروليتاريا قوتها المادية، وتجد البروليتاريا في الإشتراكية العلمية قوتها الروحية"- كارل ماركس.

إن وجود روح للحركة لا يضمن وحده ديمومتها ونموها، فضلاً عن حمايتها من التمزق والتشتت في العواصف والمنعطفات، فإن لهذا آليات- تنظيمية وسياسية مركبة وليست عفوية، وبقدر ما تكون متوافقة مع الخصائص التاريخية وطبيعة التحديات التي تواجهها، تكون قادرة على تأمين عملية الانتقال من طور سياسي- اجتماعي إلى طور جديد، أعلى والدليل عن التخلف في تحقيق هذا التوافق. هو تراجع وانفكاك الكتلة الاجتماعية عن آليات الحركة السياسية- التنظيمية. ولأنه ليس في الواقع الموضوعي فراغ، لا تنتظر الكتلة الاجتماعية تبلور آليات الحركة، بل إنها تعود إلى الموروث التاريخي وتستبدل البنى الفوقية بأخرى جديدة من نفس الطبيعة. برهان يستبدل التغيير، بالتأصيل ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الصرورات التي تستدعي التغيير بسرعة اكبر لكن بظروف أكثر تعقيداً من الظروف السابقة. ما يجعل "الكتلة التاريخية" في حالة قلق وتشتت وتشكيك. تفرض شروطاً مركبة ومعقدة تشكل معضلات لا بد معها أن ترتقي الحركة إلى مستوى حل هذه المعضلات، واستعادة ثقة "الكتلة التاريخية". وبالتالي إعادة توحيدها تجاه تحقيق عملية الانتقال.
وعندها فقط تولد المعطيات الجديدة الموضوعية والذاتية التي بدورها تحمل في طياتها الخصائص التاريخية وما يواجهها من تحديات جديدة.
إن المقاربة التي جمعنا فيها الدين والشيوعية، بوجهين منه: المسيحية والإسلام، لا تمليها فقط طبيعة هذين الوجهين من الناحية الحركية- الاجتماعية، تاريخياً بل إن التجربة المحققة "للحركة الشيوعية" وعلى المستوى العالمي كانت إلى حد كبير تجمعها عناصر الشبه، بالحركة الدينية، (الشيوعية تعني المسيحية الأولى- انجلس) في بداياتها. وأن كان الاختلاف في المنطلقات والأبعاد كبيراً جداً بين الشيوعية والدين عموماً، كما أنها لم تكن قليلة بين المسيحية والإسلام.
إنما عنينا بهذه المقاربة ملاحظة طريقة الانتظام العام، من جهة، وطبيعة البنى التحتية الاجتماعية العامة من جهة أخرى، فكان دور "الطليعة الثورية" يتماهى والى حد كبير مع الدور الذي قام به الرسل والكهنة أو الأئمة والولاة في الحركة الدينية تاريخياً.
وكان هذا أمراً طبيعياً في ظروف وخصائص المرحلة التاريخية السابقة والتي لم تتجاوزها بعد أمم وشعوب كثيرة في الاجتماع الإنساني. حيث كانت إمكانية تعميم الوعي- العلمي التاريخي محدودة للغاية وليس سهلة المنال، وتقتصر على شرائح صغيرة نسبة إلى الجمهور العام. وحيث كان الوعي الديني. (غيفارا: حتى اليوم بنظر جمهور عريض في أمريكا اللاتينية قديس) أما في هذه المرحلة التاريخية حيث اتسعت وبشكل هائل مصادر المعرفة وسهولة تحصيلها وبالتالي إمكانية تعميمها من جهة، وازدياد الإحساس بالوجود الفردي للإنسان- وعي الذات الفردية- وحيث أصبحت قيمته الاجتماعية تتحدد على ضوء الدور الذي يلعبه في عملية الإنتاج الاجتماعي بمعزل عن النسب الذي ينحدر منه أو الأسرة والشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها. وسقوط الحاجز النفسي لدى الفرد- أي فرد، يريد التصدي للشان العام. وبالتالي لم تعد في هذه الحالة تكفي عملية الانتظام بمجرد استبدال السيد "النبيل" الذي تحول إلى مستبد، والكاهن الذي تحول من راعٍ يحيا التقشف، الحكيم والعالم، إلى سلطان يبيع قطعاً من الجنة لرعيته وينعم بالرفاه ويعتلي عرشاً وعلى رأسه تاج وبيده بدل العصا، صولجان الملوك. والإمام أو الوالي الذي تحول من زاهد متعبد مجاهد في سبيل الناس والدين، إلى عالة اجتماعية غير منتجة وطفيلي متخمٍ ومتعالٍ …. بالمناضل "الطليعي- الثوري"، بل باتت تستدعي تكوين وعي علمي ينقل الفرد من مجرد تابع، إلى حالة فاعلة يوعي مع أقرانها في عملية تاريخية من دون أن يعني ذلك ما يذهب إليه "المجددون" عندنا تجاوز شروط التكامل القائمة على أسس علمية- معرفية، باسم "الحق الديموقراطي" الذين لا يرون فيه سوى حق الرفض أو القبول، أو حق التصويت والاعتراض، وبعضهم من الفوغائيين يدعون إلى "حق" رفض الاحتكام إلى أية ضوابط. بل أن يكون التفاعل على أساس مشروع شامل يغطي مرحلة تاريخية وليس تفاعلاً تكتيكياً يلهث خلف الأحداث بدون رؤية استراتيجية. وإلا ما قيمة الانتظام العام إن كانت الأهداف تلبي حصراً حاجة آنية. تختلف تبعاً لمزاج الأفراد أو شريحة هنا وأخرى هناك.
إن كل ظاهرة سياسية- اجتماعية، تولد وتتكون في ظروف تاريخية محددة وتحمل في سماتها خصائص تلك الظروف وكل تجاوز لتلك الخصائص- الموضوعية أو الذاتية، سواء كان التجاوز لجهة التماثل مع بني اجتماعية أكثر تقدماً باسم الارتقاء، يحتم لا فعالية الظاهرة. أو كان لجهة التخلف عن محاكاة التحديات الفعلية يحتم رجعية الظاهرة بغض النظر عن تاريخ رموزها أو حُسن خطابها. ويتحدد موقعها من خلال طبيعة المسائل التي تواجهها والأساليب التي تعتمدها.
وتنشأ على هامش الظواهر الحية شراذم عاجزة عن تحديد موقعها وهويتها بشكل واضح، وذلك يعود لطبيعة هذه الشراذم التي تنتمي بغالبيتها إلى شرائح البرجوازية الصغيرة. التي تلهث في تقليد البرجوازية المهيمنة من حيث نمط العيش، وتخشى باستمرار الانحدار إلى مستويات معيشة الفقراء والمعدمين. وأياً كان حجم أو سعة انتشار هذه الشراذم تبقى ذيلية عاجزة عن رسم خيارات تاريخية حتى ولو أتيحت أمامها الفرص للامساك بدفة القيادة في ظروف اجتماعية معينة. تبقى مترددة، فتضيع من بين أيديها الفرص، وكلما ازدادت الأوضاع السياسية- الاجتماعية تعقيداً تنتقل هذه الشراذم من موقع إلى آخر تبعاً لرؤيتها السطحية لموازين القوى. وبحكم تذبذبها هذا تختبىء خلف شعارات ملتبسة تمكنها من الالتحاق بأي من الموقعين اللذين يمثلان قطبي التناقض.
رغم هامشية "الحركات- اليسارية"، في هذه المرحلة من مسيرة التطور والصراع لأمتنا، نجد أنفسنا مكرهين في البحث حولها. بالنظر إلى كونها تقدم نفسها كحركة يسارية في الوقت الذي تعيش فيه قوى اليسار التاريخي أزمة حادة على صعيدي الفكر والممارسة من جهة والصوت المرتفع للمرتدين والتحريفيين والمتنصلين، والمتاح لهم منابر طاغية، عديدة ومتنوعة، يعبرون فيها عن رؤى ومواقف تؤدي إلى تشويش وتضليل الوعي العام وخصوصاً عند جيل من الشباب يفتقر إلى المعرفة التاريخية ويكتسب معارفه من خلال تلك المنابر، ما يوحي بان هذه "الحركات" ورموزها هي نفسها، حركة اليسار التاريخي، الذي احتل الدور الريادي في حركة التحرر الوطني في مواجهة الاستعمار الإمبريالي وبأشكاله المختلفة.

في روح الماركسية وجوهرها
إن القيمة العلمية- التاريخية للماركسية لا تتمثل في اكتشاف ماركس لمصدر "القيمة الزائدة" والتي تشكل أساس تراكم رأس المال، فحسب، إن العديد من الباحثين الاقتصاديين الرأسماليين يقرون بهذه الحقيقة، التي أصبحت بديهية في هذه المرحلة التاريخية. إنما هي في كشفها لقوانين التطور الاجتماعي من خلال "المادية التاريخية" أو "علم التشكيلات الاجتماعية". الذي يبقى يمثل الحقيقة الموضوعية والتي تتداعى أمامها كل سفسطائية الفكر الاجتماعي البرجوازي، وإنشائيته الفارغة والديماغوجية. رغم كون هذا العلم لا يشكل سوى موضوعات توجيهية عامة. والذي يملي على كل من يزعم لنفسه أنه عاملاً في سبيل تطوير مجتمعه. أن يكشف عن القوة الاجتماعية صاحبة المصلحة في الانتقال. وإلا يكون مجرد لاعب يبحث لنفسه عن مساحة له في ملاعب النفوذ السياسي- الاجتماعي، ضمن أطر ومؤسسات الواقع القائم، تلك الحقيقة التي يوظف لطمسها كل ألوان التعبئة والاستغلال والتأثير الدعائي، بغية تأبيد السيطرة والاستغلال لشريحة ضيقة في المجتمع تريد أن تستمر بالعيش والرفاهية على حساب باقي الشرائح، من دون أن يكون عليها أي قسط من المسؤولية تجاه صيرورة التطور والتقدم الاجتماعي.
وإذا كانت هذه الشريحة، المستغلة، تتقلص باستمرار من جهة وتتوسع رقعة سيطرتها من جهة أخرى. استندت فيما مض على دور لها ساهم إلى هذا الحد أو ذاك في رفع مستويات الحياة لدى البشر. فإنها في عصرنا الراهن باتت عبئاً اجتماعياً خالصاً. ما يجعلها تتقبل موضوعياً إشراك شرائح أخرى، تشكل لها قاعدة تؤمن ديمومة سيطرتها. بمساهمة هذه الأخيرة في تفكيك آليات انتظام الفئات الاجتماعية الأكثر عرضاً للاستغلال، وتشويش وعيها، مقابل حصولها على بعض فتات مما تنهبه الشريحة المهيمنة، والدخول في دوائرها وأدواتها السلطوية، من هنا يتأتى السباق المحموم بين شرائح البرجوازية الصغيرة لنيل رضى البرجوازية المهيمنة- الليبرالية المتوحشة، وتبني مقولاتها الفلسفية- الاجتماعية. وتوطين تلك المقولات تبعاً لخصائص الأوضاع السياسية- الاجتماعية في الدوائر المعنية.
مع إقرارنا المسبق بالتقصير في القيام بالدور التاريخي المناط بنا على صعيدي الفكر والممارسة، وإننا في إطار الدفاع السلبي عن تراث نفخر بالانتماء إليه، نأبى على أنفسنا الوقوف مكتوفي الأيدي بوجه هذا الزيف الذي يمارسه حفنة من المرتدين ويحتلون الواجهة باسم هذا التراث.
وأردنا أن نبيّن في ظل التحديات الكبيرة والمعقدة التي تواجهها امتنا ومنطقتنا التخوم والحدود بين قوى تزعم أنها قوة تقدمية وهي مجرد أدوات- من حيث الدور الذي تلعبه في واقعها الملموس وبمعزل عن تاريخها أو نوايا المنضوين في صفوفها. وقوى أخرى بارزة تواجه تلك التحديات في وجوهها المباشرة. بطرق سلبية وتأبى أن ترتقي إلى مستوى التحديات- المباشرة وغير المباشرة, وانتخاب الأدوات والأساليب الناجعة في خوض الصراع، وتستند حصراً إلى الموروث التاريخي بدون النظر إلى الظروف التاريخية المختلف. وعدم إقرارها بقيمة الدور الذي تلعبه بنى اجتماعية تختلف عنها من حيث أدواتها المفهومية ووعي التحديات. ولكن لا تقل عنها صلابة في التصدي لتلك التحديات وقدرة على التأثير الحاسم في مواجهتها. وإذا كان بعض هذه القوى يقر لفظاً بأهمية ووجود وفعالية هذه البنى، إلا أنه لا يبذل أية جهود حقيقية لبلورة الصيغ والآليات التي تكفل تضافر الجهود بعيداً عن منطق الإلحاق والتغيب لكل ما هو خارج دوائرها العقائدية، في حين أن طبيعة التحديات تستدعي التكامل والتكافل الاجتماعي لمواجهتها والتغلب عليها، مع إدراكنا العميق بأن النضال المسلح في مواجهة الاحتلالات وأدواتها المحلية المباشرة، لا بد أن يكون في مقدمة عمليات النضال كافة، على قاعدة التكامل مع الأشكال النضالية الأخرى.

في أسباب الإفلاس السياسي
لقد شكل حدث انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك "المعسكر الاشتراكي" نقطة تحول تاريخية، في الاصطفافات السياسية، لدول وأحزاب كانت تدور في فلك ما كان يسمى:" المنظومة الاشتراكية". إلا قلة منها لم تفقد ايمانها في حركة التاريخ، وأن قلصت طموحاتها واتخذت جانب الحيطة والحذر في ممارساتها السياسية- الاقتصادية. في ظل اختلال موازيين القوى على الصعيد العالمي، لصالح المعسكر الإمبريالي، واندفاع مركزه العالمي ممثلاً بالولايات المتحدة الأميركية، للسيطرة على العالم والهيمنة على مقدراته، وفرض إرادتها السياسية والأيديولوجية ليس على الدول والشعوب التي كانت خارج دائرة نفوذها التاريخي وحسب، بل أن الحلفاء التاريخيين هم أيضاً ليسوا في منأى عن مخططاتها وبرامجها لمزيد من الاستئثار والتحكم بمسارات تطورها.
وهي في سبيل ذلك تسخر كل طاقاتها وإمكاناتها الاقتصادية- السياسية و العسكرية والتكنولوجية والثقافية، متجاوزة كل قواعد وأعراف وقيم المجتمع الإنساني، وكل الصيغ الحقوقية القانونية التي أرستها البشرية بعد سلسلة من الحروب الطاحنة دفعت خلالها كل الأمم والشعوب أثماناً باهظة لتثبتها.
أن الولايات المتحدة التي تسعى لفرض قيمها الزائفة بالقوة الجبرية ولا تتورع عن استخدام ابشع واخطر ما أنتجته تكنولوجيا الحرب من أسلحة دمار نووية وبيولوجية في سبيل تحقيق غايتها، وتصنف الأمم والشعوب في درجات تحضرها في حين أنها كتشكيل اجتماعي هجين لا يتجاوز تاريخ تكونه قرنين. من الزمن إلا قليلاً وقام على إبادة السكان الأصليين للقارة التي تكون عليها.
غير أن هذا رغم ما يطرحه من تعقيدات ومعضلات تشكل تحدياً لم يسبق له مثيل في تاريخ الإنسانية ومواجهتها لأعتى الإمبراطوريات- لا يعني أبداً أنه لا سبيل إلا بالخضوع لهذه القوة المتفلتة من عقالها. حيث تندفع العديد من الدول والقوى باسم العقلانية واعتبار أية مواجهة مع أمريكا محكومة سلفاً بالهزيمة، وهي مغامرة انتحارية!.
إن ما تكشفه الأحداث الجارية في العالم. لا تعني أبداً أن الطريق معبد أمام القوة الأميركية. والشواهد التي تشير إلى عجز هذه القوة عن أحكام سيطرتها أكثر من أن تحصى، وأن قدرتها رغم جبروتها على تحمل تبعات غزواتها باتت محدودة وإنها في المدى المنظور سوف تكون عاجزة عن الاستمرار في منحاها العدواني. لقد كان واضحاً خلال آخر حربين قامت بهما الجيوش الأميركية وحلفاؤها في أفغانستان والعراق، وما جرى بينهما من تحديات حقيقية في وجه الإرادة الأميركية: التحدي الصيني المتمثل في إسقاط طائرة التجسس الأميركية واعتقال طاقمها وإجراء التحقيقات معهم. والتحدي الكوري في إطلاق برنامجها النووي. والتحدي الإيراني بعدم الخضوع للاملاءات الأميركية والتي تقف حجر عثرة في وجه برنامج الولايات المتحدة الموضوع للمنطقة. والسقوط المريع السابق لتلك الحربين في الصومال- أن الولايات المتحدة بإداراتها المختلفة و"البنتاغون" على وجه الخصوص باتت عاجزة عن خوض حرب حقيقية أياً كانت قدرات القوة التي تواجهها. وأن التمعن في دراسة مقدمات وصيرورات الحرب في أفغانستان والعراق يبين أن الولايات المتحدة لن تخوض حرباً ما لم تكن إدارة هذه الحرب تحت سيطرة كاملة من قبل البنتاغون. أي أن يكون ممسكاً بالمفاصل الأساسية لدى الخصم ليس فقط من الناحية التقنية العسكرية بل من الناحيتين السياسية والاجتماعية أيضاً. ما يعني أنه لو توفرت الإرادة السياسية- الاجتماعية بعدم الخضوع لها فلن تكون الولايات المتحدة قادرة على خوض الحرب.
وتجاوز للتجارب التاريخية السابقة، أن الانقسامات في صفوف الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، والتوسع الملحوظ لقوى عالمية لا تقل عنها قوة وقدرات مثل: روسيا- الصين- اليابان وأوروبا الموحدة الرافضة لغطرستها، بجانب الممانعة والصمود لدى دول أخرى، مثل كوريا- إيران- سوريا وغيرها.
وأخيراً وليس آخراً تنامي أشكال المقاومة المباشرة في المواقع التي غزتها ونشرت فيها قواتها العسكرية. وغير المباشرة في البلدان التي ترفض الخضوع من قبل الحكومات لإرادتها وإملاءاتها.
في ظل هذا الوضع العالمي كان من الصعب على قوى تفتقر إلى الحلم والإيمان بحركة التاريخ أن تحتفظ بتوازنها وأن تقرأ بشكل موضوعي طبيعة هذه التطورات. وتعجز عن تفسير مواقف الدول خصوصاً تلك التي في دائرة الاستهدافات الأميركية. والتي استدعت العقلانية السياسية أن تغير في مفردات خطابها العام وأظهرت مرونة تجنبها التصادم المباشر والعنيف مع الولايات المتحدة، لكنه بات واضحاً لمن لم يفقد توازنه الفكري والسياسي من هي الدول التي تحفظ خياراتها الاستراتيجية في مواجهة الهيمنة والغطرسة الأميركية والدول التي أفلست بسبب تبعيتها وخضوعها وباتت تتضاءل قدرتها على التماهي مع السياسة الأميركية.
هذا فضلاً عن الانقسام الواضح داخل التركيب السياسي- الاجتماعي للولايات المتحدة نفسها، رغم براغماتية الدول البعيدة عن الاستهداف المباشر من قبل الولايات المتحدة. إلا أنها في نهاية المطاف ستقف حتماً بجانب الدول والشعوب المستهدفة بشكل مباشر. شرط أن تثبت هذه الأخيرة قدرتها على الصمود والتصدي الحقيقي وعدم ارتهان إرادتها. ما يجعل الدول البراغماتية تراهن عليها وتدعمها.
ونحن في قلب هذه اللوحة وفي المربع الأول الأكثر تأثيراً وتأثراً في الاستهداف ليس بكوننا نخالف الولايات المتحدة أخلاقياً أو أيديولوجياً. بل لأن منطقتنا ومواردنا تمثلان حجر الزاوية في مشروع الهيمنة الأميركية على العالم.
ولهذا تسعى أميركا لإعادة صياغة الخارطة السياسية والنسيج الاجتماعي والتاريخ الحضاري لمنطقتنا وفي هذا السياق لا بد من النظر إلى كل ظاهرة سياسية- اجتماعية، في بلادنا وطبيعة دورها في مواجهة هذا التحدي التاريخي وموقعها منه- بمعزل عن النوايا أو تاريخ الظاهرة، حيث أن طبيعة التحدي واستهدافاته تفرض علينا تجاوز الاعتبارات الذاتية لهذه الشريحة الاجتماعية- السياسية، أو تلك، وحيث يمكن لشريحة صغيرة أن تشكل في هذه الظروف خطراً تاريخياً لو أنها شكلت مجرد موطىء قدم ونقطة ارتكاز مادية للعبث في مصير المنطقة برمتها. حتى ولو كان لحق ظلم لهذه الشريحة من قبل النظام السائد في منطقتنا. وأن تحررها من ظلم سابق أو مستمر لحق بها لا يمكن أن يكون على حساب تفتيت المنطقة وإلحاق الظلم والقهر بكل شرائحها، وحيث أن الولايات المتحدة لا تستهدف تحقيق عدالة- منقوصة في منطقتنا- إنما هي لا ترى فيها سوى شراذم بشرية متخلفة ومواقع استراتيجية للتحكم في العالم وآبار نفط. وأنها بكونها تمثل أعلى مراحل الرأسمالية. فهي بنهاية المطاف ليس لها من عقيدة ثابتة سوى "الربح" وكل ما يؤدي إليه وهي لذلك كانت في كوسوفو "الحامية للمسلمين" ها هي في فلسطين يهودية- صهيونية، وفي العراق كردية، وفي لبنان مارونية، بل اقل من ذلك، هي فصيل من "التيار الوطني الحر" (التيار العوني)!.

في أسباب العجز الفكري
إذا كانت أزمة "اليسار" عموماً تعود في جانب منها إلى انهيار مركزها العالمي، والانحرافات الأيديولوجية التي وجدت لها ملاذاً في كنف الرأسمالية الأوروبية، واستقطبت شرائح واسعة نسبياً من البرجوازية الصغرى، والتي لعبت دوراً تاريخياً ساهم إلى حد كبير في اختراق حركة التحرر الوطني في بلادنا وصرفها عن مساراتها الطبيعية في تحقيق الحرية والاستقلال الحقيقيين، إلى دفعها باتجاه المساومة وتقويض تضحياتها، لصالح طبقات الحكم الاستعماري.
فإن جوهر الأزمة بالنسبة لحركة اليسار في بلادنا بأطيافها المختلفة يعود إلى علاقات الإنتاج السائدة في مجتمعاتنا والتي هي علاقات متخلفة، تعود إلى مرحلة ما قبل الرأسمالية وهي علاقات إقطاعية- بطريركية، ومنظومات قبلية وعشائرية، بجانب ظروف نشأت هذه الحركة تاريخياً في منطقتنا، حيث تكونت طلائعها من أوساط الاقليات القومية والدينية، ما طبع هذه الحركة بطابع اقلوي افقدها القدرة على التماهي مع الإحساس القومي العام وتجاوزها المصالح القومية الكبرى بوهم التناغم مع المصالح الأممية الذي انعكس في الوعي العام للغالبية العظمى من السكان باعتبارها هذه الحركة شكلاً من أشكال الاختراق الاستعماري للنسيج الاجتماعي.
رغم كل مظاهر المدنية ونسبة التعليم العالية بالمقارنة مع طبيعة التركيب الاجتماعي والطور الذي نعيش فيه، فإن حركة اليسار عندنا تفتقر إلى الحدّ الأدنى الذي يؤهلها للعب الدور التاريخي المناط بها. وهنا تكمن الأسباب الموضوعية والذاتية للازمة القائمة لكن هذا لا يعني استحالة تجاوز هذه الأزمة وحل معضلاتها. اقله على المستوى النظري لأن في التراث التاريخي الذي تنتمي إليه على الصعيد العالمي تجارب عديدة وغنية نجحت في إيجاد الحلول للمعضلات الذاتية والموضوعية، وكان لماركس الفضل في تقديم الحل النظري.
لا شك في أن أي مطَّلع ولو بالحدود الدنيا على التراث الماركسي، يذكر جواب ماركس لروزا لوكمسبورغ حول إمكانية قيام ثورة اشتراكية في بلد متخلف مثل روسيا. وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عسر، أي قبل الثورة في روسيا بعشرين عاماً على الأقل. حيث ردّ بما معناه: إن الاتساع المطرد للأسواق وانتقال الثقافة مع السلع يوفران الأساس المادي للأمم المتخلفة للحاق بالأمم المتقدمة، إذا ما توافرت لها الشروط الذاتية لتحقيق الانتقال من الطور الاجتماعي الذي هي فيه إلى الطور الأعلى بشكل ثوري.
ولم تتأخر نبؤة ماركس هذه حتى توالت الثورات، فكان نجاح الثورة في روسيا والصين وكوبا وفيتنام الخ… ما يؤكد هذه النظرة الصائبة لماركس، (قبل أن يسارع ضيقو الأفق عندنا إلى الاستنتاج بان هذه التجارب فشلت؟! بدليل انهيار الاتحاد السوفياتي، وعودة روسيا إلى الرأسمالية، والصين تجري إصلاحات تنحو باتجاه رأسمالي وفيتنام وكوبا على الطريق؟!!! الخ…). نقول أن ماركس لم يقل بان الاشتراكية تتحقق في مجتمع متخلف. فالاشتراكية هي مرحلة تاريخية تلي المرحلة التاريخية للرأسمالية. وكل واحدة لها أطوار متعددة، والفارق بين التحويل الثوري للمجتمع والانتقال الستاتيكي من طور إلى آخر. والاشتراكية ليست مخططاً ناجزاً يتحقق دفعة واحدة بمعزل عن الظروف المادية- الموضوعية والذاتية- والتاريخية للمجتمع المعني. وكما قال لينين:" عن الاشتراكية في روسيا تعني: كهربة البلاد وتوزيع الأرض على الفلاحين"، في حين أن فرنسا والعديد من البلدان الرأسمالية أنجزت هاتين الخطوتين بزمن سابق عن روسيا بدون أن تكون هناك اشتراكية، السذج وحدهم يأخذون كلام لينين هنا بحرفيته وعزله عن السياق التاريخي الذي جاء فيه، خصوصاً وأنه شرح بشكل مفصل طابع الثورة في روسيا وكرس لذلك نصاً متكاملاً تحت عنوان "خطتا الاشتراكية في الثورة الديمقراطية" وخلاصتة أن: "طابع الثورة هو ديمقراطي- برجوازي، لكن بأداة بروليتارية".
والسياسة في روحها لا تخلو من الحلم الذي يتحول إلى شعارات تعبوية تحشد القوى وتتجسد محركاً لتحويل المجتمع بشكل ثوري.
ما أردنا قوله هنا، إنه يمكن لحركة اليسار في بلادنا أن تتجاوز أزمتها وأن تحل المعضلات التي تواجهها، شرط أن تتوفر لها القيادة التاريخية، التي تتحلى بالصفات الثورية والمعارف الضرورية التي تمكنها من الإحاطة بحركة التاريخ وتكرس نفسها لدرس الخصائص التاريخية لمجتمعاتنا وقيادة النضال في مواجهة التحديات الاستراتيجية والتكتيكية.
أما من لا يؤمن بضرورة القيادة التاريخية ولا يقر بإمكانيات التحويل الثوري للمجتمع، لماذا إذن يخرج من المنظومات الفكرية- الاجتماعية التاريخية. ويخرج من الزمن الذي يعيش فيه. لأن هذا المنحى ما هو إلا طريق إلتفافي حول المؤسسات القائمة في المجتمع وذات الطابع التقليدي- والذي يقتصر الدخول فيها على العائلات السياسية وأبناء جلدتهم الذين يستطيعون دفع ثمن المقاعد التي يطمحون إلى امتلاكها أو استئجارها بغية المشاركة في مغانم السلطة ونعميها، في إطار الواقع القائم. وتأتى بعد ذلك وتشكو من أن "الإقطاعية المتبرجزة" تعيد إنتاج نظامها.
وإذا كانت "اليسارية" الأوروبية اكتسبت نظير ما قدمته من خدمات للطبقات الحاكمة تاريخياً بعض المكاسب في المجالات السياسية والاجتماعية- بالمناسبة عادت هذه الطبقات في أوروبا لتنقض على ما قدمته سابقاً من بعض المكاسب الاجتماعية للطبقات الوسطى والفقيرة نتيجة انتفاء الحاجة إلى الدور الذي لعبته سابقاً هذه الطبقات عبر الأطر السياسية التي كانت تمثلها وفي مقدمتها الأطر "اليسارية"- فهل يطمح "اليسار- الجديد" عندنا إلى لعب دور الوكيل الذي لعبه سابقاً "اليسار الأوروبي"؟؟.

تشكيلات حركة اليسار في لبنان

لمحة تاريخية:
نشأت حركة اليسار في لبنان، بالتزامن مع نشوء هذا التيار من الحركة السياسية العربية في المنطقة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ منه وترتبط به بشكل عضوي، وتتبنى رؤى وبرامج واحدة، خصوصاً في بلاد الشام. وهي تنتمي في غالبيتها العظمى إلى المذهب الماركسي- بل إلى الاتجاه السوفياتي- وكانت في طليعة القوى الشعبية المتصدية للاستعمار العثماني ومن ثم للغزو الغربي، البريطاني- الفرنسي للمنطقة العربية.
وبعد تقسيم المنطقة إلى مجموعة من الدول بناء على اتفاقية سايكس- بيكو، تبعاً لنفوذ كلٍ مهما (البريطاني- الفرنسي) وتنفيذ وعد بلفور بمنح الحركة الصهيونية حق إقامة دولة يهودية في فلسطين، برزت أولى معضلات تيار اليسار في المنطقة حيث كان أمام تحدي التعبير عن هوية المنطقة والتماهي مع تطلعات شعوبها من جهة. وولائه للاتحاد السوفياتي الذي كانت ترى قيادته في الكيان الصهيوني عامل تطوير للمنطقة. وتشجيعها القبول بالتقسيم للمنطقة بالنظر إلى أن الحركة القومية كانت تتسم بطابع يميني- رجعي تؤسس لبناء أنظمة حكم إقطاعية ملكية متخلفة. فضلاً عن التبعية والخضوع لقوى الاستعمار وانقسام الولاء فيما بينها. ما أدى إلى عجز تيار اليسار عن أن يكون تياراً شعبياً بجانب أن قيادة هذا التيار كانت في غالبيتها تنتمي في أصولها إلى تشكيلات اجتماعية تمثل أقلية في النسيج الاجتماعي للمنطقة فكانت من أصول: كردية ويهودية وأرمنية. ما افقدها القدرة على التعبير عن الطابع العربي- الإسلامي للغالبية الكبرى من السكان. وجعلها تميل إلى التماهي مع الرؤية السوفياتية. فتقدم التيار القومي- الديني، وساد في أوساط الجماهير التي تتوق إلى التحرر الوطني- القومي. وهذا بدوره أدى إلى تخلف تيار اليسار عن الدور التاريخي التحرري المناط به وكان الحدث الأبرز في هذه الحقبة والذي كشف بطلان الذريعة السوفياتية من أن التيار القومي- الديني تتصدر القيادة فيه قوى رجعية تابعة للمستعمر وغير شعبية ألا وهو انطلاقة الثورة الشعبية في فلسطين بقيادة الشيخ عز الدين القسام. التي وضعت تيار اليسار أمام التحدي المباشر لتحديد موقف ملموس من مسالة الكيان الصهيوني. الذي باتت تتسارع عناصر تكونه وجعله أمراً واقعاً. وبالتالي لم تعد مسألة نظرية مجردة. لأنه أمام هذا الوضع الذي يشكل منعطفاً تاريخياً كان لا بد لتيار اليسار أن يحسم خياره بين أمرين: أما التعبير عن هوية المنطقة والنضال مع الجماهير في سبيل التحرر والوحدة، وإما التزام الخيار السوفياتي وبالتالي التصادم مع المزاج العام لشعوب المنطقة. وكان الميل العام في هذا التيار نحو التزام الخيار السوفياتي. أما بعض الرموز فكانت ترى في طليعة الاهتمام للشيوعيين. والآخر يرى في التماهي مع المركز الأممي هو أساس الانتماء للشيوعية.
فكان أن انعزل هذا التيار عن حركة الجماهير ونجح التيار القومي- الديني في احتلال الواجهة والدور القيادي. وقام بتصفية المناوئين له في قلب الحركة السياسية. وبالنظر إلى ضعف تيار اليسار عموماً في المنطقة وعزل القيادات العروبية في هذا التيار من قبل المركز العالمي، ما أدى إلى فقدان هذه القيادات الحصانة وسهل عملية تصفيتها.
وبما أن قيادة الاتحاد السوفياتي كانت ترى في التيار القومي- الوحدوي حركة رجعية، فإنها ساهمت بشكل غير مباشر في تعزيز الاتجاه لتقسيم المنطقة، الأمر الذي أدى بدوره إلى تقسيم التيار اليساري تبعاً للخارطة السياسية الجديدة في المنطقة. ما أتاح أيضاً اختراق هذا التيار. من قبل اليسار الأوروبي الذي بدوره أيضاً عزز المنحى الانفصالي ولعب الدور الأكبر بما كان متاحاً له من إمكانات للتحرك وتنظيم البعثات من والى المنطقة في ظل الانتداب الذي تولاه كل من فرنسا وبريطانيا. حيث ساهم بما كان يتمتع به من هامش حركة وعبر اتصاله بالنخب المحلية من يساريين وغيرهم في تأسيس الجمعيات الأهلية والنقابات المهنية والصحافة. ( وهذا الدور، الذي يبدو في ظاهره خطوة متقدمة في اتجاه تطوير البنى الاجتماعية للمنطقة، كان في حقيقته عملية تقويض لوحدة المنطقة ونسيجها الاجتماعي حيث أطلقت العنان للاتجاهات الانفصالية ومأسسة التشكيلات الاجتماعية الطائفية والمذهبية، واذا كانت الديكتاتوريات العربية قضت بإلغاء هذه المؤسسات بعد "الاستقلال" نتيجة رغبتها بالتفرد بالسلطة، فهي حصنت المجتمع من التشرذم وعززت الوحدة الشعبية في الإقليم الذي حكمته، على عكس ما جرى في لبنان حيث قامت السلطة التي ورثت الحكم من الانتداب بتعزيز هذه المؤسسات وتبين بالنتيجة أنها أفقدت الشعب عناصر وحدته وتماسكه وأقامت الحواجز الاجتماعية والنفسية بين فئاته ما دفعها إلى الارتهان الدائم للخارج خشية من شركائها من فئات الشعب الأخرى!!).

اليسار في لبنان
كان ابرز حزبين يساريين في لبنان: "الحزب التقدمي الاشتراكي" العضو في "الاشتراكية الدولية" و"الحزب الشيوعي اللبناني" العضو في "الأممية الشيوعية".
وتقوم بين الحزبين "علاقات تحالف استراتيجية" منذ أن نال الحزب الشيوعي ترخيصاً له في لبنان على يد كمال جنبلاط الذي كان يرأس الحزب التقدمي الاشتراكي وكان وزير للداخلية وبصفته ممثلاً للطائفة الدرزية.
إن كمال جنبلاط رغم الدور الوطني الذي لعبه وما تمتع به من صفات شخصية جعلت منه رجلاً ذا مكانة عالمية مرموقة، إلا أنه لم يخرج عن حدود التمثيل السياسي الطائفي. والحزب الذي أسسه (الحزب التقدمي الاشتراكي) والذي كان يرأسه لم يكن سوى حزب للطائفة الدرزية- أو لجناح منها بالدقة- رغم كونه في مرحلة التأسيس كان يضم في قيادته شخصيات من طوائف مختلفة، غير أنه لم تكن هذه الشخصيات بوجودها في إطار الحزب تعبيراً عن امتداد وطني على مساحة الدولة، بقدر ما كانت عبارة عن كتلة نيابية تمثل منطقة تسود فيها الطائفة الدرزية.
وهذا لا يشكل ميزة تجعل منه حزباً وطنياً لجهة القاعدة التمثيلية والبرنامج السياسي. فإن القاعدة الاجتماعية لهذا الحزب تقتصر على الطائفة. وكان كمال جنبلاط يتبنى فكرياً "الاشتراكية الطوباوية". وبعد الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان، حيث قضى كمال جنبلاط اغتيالاً في مرحلتها الأولى عام 1976. تعزز هذا التمركز الطائفي للحزب في ظل قيادة وريث كمال جنبلاط ابنه وليد. الذي يقدم نفسه أولاً كممثل لطائفة الموحدين الدروز. وبالنظر إلى ضعف حجم هذه الطائفة بالنسبة إلى الطوائف الأخرى يلجأ وليد جنبلاط إلى الخطاب "الاشتراكي" ليقيم بعض التوازن المفقود تجاه الطوائف الأخرى وذلك إلى حين تتحقق المصالح الطائفية- المناطقية التي يسعى إليها. ورغم الصوت المرتفع أحياناً في خطابه الوطني- القومي، لم يسجل في تاريخ هذا الحزب أية خطوات عملية على صعيد المواجهة مع الاحتلال الصهيوني. إن انخراط الحزب التقدمي الاشتراكي في أي من التحالفات الجبهوية كان دائماً متحركاً تبعاً لمقتضيات السياسة، أما الثابت الوحيد في حياة هذا الحزب وعقيدته فهو المصالح الطائفية- المناطقية التي ينتمي إليها. وهو دائماً تعامل مع كل ظرف انطلاقاً من هذه الخلفية.

قبل الشروع في البحث حول الركن الثاني لحركة اليسار في لبنان، ونعني به "الحزب الشيوعي"، نتوقف قليلاً عند حقبة غنية حملت في طياتها العديد من التشكيلات اليسارية والتي لم يتبقى منها حتى يومنا هذا سوى بضع شراذم، لم تمثل أي حضور فعلي في الحياة السياسية اللبنانية. وهذه الحقبة تمتد من العام 1967 حتى العام 1990.
بعد هزيمة العام 1967 التي لحقت بالجيوش العربية في المواجهة مع العدو الصهيوني، الذي استكمل احتلاله لكامل فلسطين وبعض الأجزاء من أراضي الدول العربية المحيطة، وانكشاف عجز الأنظمة وإفلاس إمداداتها الشعبية، لجأت العديد من المجموعات التي كانت تنضوي في إطار حركة القوميين العرب إلى تبني "الاشتراكية" والماركسية، تأثراً بالانتصارات التي حققتها قوى ماركسية في آسيا وأمريكا اللاتينية في وجه الإمبريالية.
من هذه المجموعات من نجح في بلورة إطار سياسي- تنظيمي، ومنها من عجز عن تكوين الحد الأدنى، فالتحقت في إطار عدد من الفصائل الفلسطينية، وعملت تحت مظلتها.
أما المجموعات التي استطاعت أن تكوّن لنفسها شخصية مستقلة بهذا القدر أو ذاك، وبنت لنفسها قاعدة في أوساط الجماهير، منها: "منظمة العمل الشيوعي" و "حزب العمل الاشتراكي العربي". ففي حين كانت المنظمة تتماهى إلى حدّ كبير مع "الجبهة الديمقراطية"، كان "حزب العمل" أكثر ارتباطاً بـ"الجبهة الشعبية" بزعامة جورج حبش.
ومع ظهور "الحركة الوطنية اللبنانية" تعزز دور "المنظمة" بزعامة محسن إبراهيم الذي وثق علاقاته مع كمال جنبلاط والحزب التقدمي الاشتراكي. ووصل إلى حدّ منافسة الحزب الشيوعي اللبناني في عدد من المواقع والتحالفات المحلية والعربية. أما حزب العمل، الذي حاول بزعامة هاشم علي محسن، إقامة مسافة ما بينه وبين الجبهة الشعبية فقد كان يسجل حضوراً نضالياً في المحطات المفصلية من الصراع في مواجهة العدوانية الصهيونية إلا أنه سرعان ما كان يخبو نجمه. ولم ينجح في تحقيق حضور ذي طابع جماهيري في المؤسسات النقابية- الاجتماعية. وبعد وفاة المناضل هاشم علي محسن، اخذ هذا الحزب يضمحل واقتصر حضوره السياسي على بعض النشاطات السياسية في إطار الأحزاب والقوى الوطنية اللبنانية- الفلسطينية.
أما "منظمة العمل الشيوعي"، فقد غابت نهائياً عن الحياة السياسية مع مغادرة منظمة التحرير الفلسطينية، إثر الغزو الصهيوني للبنان في العام 1982.

الحزب الشيوعي اللبناني
يحتفل الحزب الشيوعي اللبناني، هذه الأيام، بذكرى مرور ثمانون عاماً على تأسيسه لقد مر منذ تأسيسه في طورين أساسيين. في مرحلة التأسيس، كان جزءاً من تيار اليسار- الشيوعي. في المنطقة العربية. وهو يمثل حالة نموذجية لتلك المرحلة، وكان تعبيراً مصغراً لما مرت به تجربة اليسار في المنطقة. فبين المؤتمر الأول التأسيسي عام 1924 (مرحلة العمل السري) حين كان في صيغة واحدة تنظيمية مع الحزب الشيوعي السوري، قبل الاستقلال لكل من سوريا ولبنان، والمؤتمر الثاني المنعقد عام 1968، كان عاجزاً عن تلمس طريقه ويخلو تاريخ الحركة السياسية اللبنانية من دور مؤثر لهذا الحزب. أما في الفترة ما بين المؤتمر الثاني والمؤتمر الثالث عام 1972، سجل حضور الحزب في الحركة النقابية والنضالات المطلبية، واحتل إلى جانب الحزب التقدمي الاشتراكي، الدور القيادي في النشاطات الجماهيرية. كما سجل مرشحو الحزب في انتخابات العام 1972 النيابية حضوراً لافتاً وشكل مرشحو تهديداً حقيقياً لقوى التقليد السياسي في بعض المناطق، من دون أن يخرج الحزب عن حدود الهامش الذي كان يحتمله التوازن السياسي الهش في تلك المرحلة. علماً أن أعوام 69- 70- 71 و 72، كانت حافلة بالأحداث الاستثنائية في لبنان والمنطقة، خصوصاً على صعيد الصراع العربي الصهيوني. وحين كانت منظمات حديثة العهد في لبنان تسجل حضوراً وفعالية بجانب الثورة الفلسطينية في مواجهة العدو الصهيوني، كان الحزب الشيوعي اللبناني يرى في هذه المنظمات قوى مغامرة ويراهن على التغيير في لبنان عبر النضال الديموقراطي في حين كانت ترى فيه تلك المنظمات حزباً إصلاحياً.
إلا أن أصبحت الثورة الفلسطينية قوة فاعلة ومؤثرة في الساحة اللبنانية، وشكلت إمداداتها في أوساط الجماهير اللبنانية حضوراً يطغى على معظم التشكيلات السياسية اللبنانية. ما أعاد إحياء الجدل القديم- الجديد. حول قضية فلسطين والكيان الصهيوني حيث لم يتغير نوعياً وجوهرياً موقف الاتحاد السوفياتي. يسجل للحزب الشيوعي اللبناني موقفه الحاسم باتجاه الانحياز لمصالح الأمة تجاه الموقف السوفياتي. إلا أنه لم ينخرط في ممارسة الكفاح المسلح إلى جانب الثورة الفلسطينية في مشاركة فعلية. في الوقت الذي كان فيه عدد كبير من اللبنانيين ينخرطون في صفوف الثورة الفلسطينية- بالمناسبة: إن عميد الأسرى اللبنانيين سمير القنطار الذي ما زال يقبع في سجون العدو الصهويني كان ملتحقاً بصفوف أحد الفصائل الفلسطينية. فرغم اعتبار الحزب الشيوعي اللبناني في أدبياته أن معاهدة سايكس- بيكو تهدف إلى منع وحدة المنطقة، فهو في سياساته وممارساته يلتزم الحدود التي رسمتها تلك المعاهدة ويخضع إلى التجزئة التي أنتجتها؟!!. لقد حاول الحزب أن يمارس الكفاح المسلح إثر تمدد العدوانية الصهيونية تجاه الجنوب اللبناني منذ العام 1969، من خلال تجربة محدودة تحت عنوان "الحرس الشعبي"، لكنها لم تسجل حضوراً فعلياً وتأثيراً حقيقياً في المواجهة التي استمرت وبشكل شبه يومي في التعرض للقرى والبلديات الحدودية، حتى قبل انتشار قواعد الثورة على الحدود، بل إن هذا الانتشار بات مطلباً شعبياً في حينه.

وحيث كان الحزب يقدم القضايا المطلبية- السياسية الإصلاحية للنظام السياسي، كانت تتقدم في أوساط الجماهير القضية الوطنية- القومية على ما عداها من القضايا، ما كان يدفع بأعداد متزايدة من الشباب اللبناني للانخراط في صفوف الثورة الفلسطينية.
بل إن العديد من القيادات التقليدية في لبنان كانت ترفع شعارات تصب في تعزيز المنحى العام باتجاه الكفاح المسلح. وأبرزها شعار السيد موسى الصدر "السلاح زينة الرجال" الذي وفر الحصانة السياسية للمناضلين، حيث كانت السلطة تقوم باعتقالهم على خلفية النشاطات المسلحة والانتظام في العمل العسكري لمواجهة العدو الصهيوني. ونشأ في هذا المناخ ما يمكن تسميته بالجناح العسكري لغالبية القوى السياسية اللبنانية ذات الاتجاه الوطني- القومي. مثل: الناصرية- البعث. واستمر الحزب الشيوعي رغم كل هذه التطورات تحت سقف البرنامج السياسي التقليدي، إلى أن انفجرت الحرب الأهلية والتحق الحزب بجانب الأحزاب والقوى المتحالفة مع الثورة الفلسطينية تحت شعار الدفاع عن الثورة. ثم جاء كمال جنبلاط وبادر إلى طرح مشروعه السياسي تحت عنوان "برنامج الإصلاح السياسي" للنظام اللبناني، الذي سبق وطرحه في مجلس النواب. فتبنته مجموعة من الأحزاب والشخصيات وتشكلت على أساسه "الحركة الوطنية اللبنانية" في مواجهة "الجبهة اللبنانية"، التي كانت تضم أحزاب وشخصيات اليمين الطائفي- اللبناني، والذي كانت له المبادرة في تفجير الحرب الأهلية. وتبنت الحركة الوطنية ممارسة الكفاح المسلح حيث اتسعت رقعة الحرب. واحتلت فيها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الدور القيادي بالنظر إلى اتساع القاعدة السياسية- الشعبية المنضوية في صفوف الفصائل والتنظيمات الفلسطينية، ومعها الأحزاب والقوى التي كان لها السبق في الانخراط بالعمل العسكري بجانب الثورة الفلسطينية.
وفي العالم 1979، كان الحزب الشيوعي قد انخرط بشكل كبير في النشاط العسكري الذي تنامى مع بدايات الحرب، وتكرس لأول مرة في برنامجه السياسي حيث أضاف إلى شعاراه السابق، الذي أطلقه في المؤتمر الثالث "الحزب الشيوعي الجماهيري"، "المقاتل" في مؤتمره الرابع, حيث اتخذ منحى بناء تشكيلات عسكرية منظمة، ساعده في هذا التحول السريع علاقاته الأممية التي وفرت له إرسال البعثات للتدريب والدعم والتسليح. مكّنه ذلك من احتلال مواقع متقدمة بجانب الثورة الفلسطينية وطغى حضوره على العديد من القوى والمنظمات التي سبقته في ممارسة العمل العسكري. إلا أن "العسكرة" تقدمت في الحزب على حساب عملية البناء الحزبي، وبدل من أن يشكل هذا التطور أساساً لقيام حركة تغيير ثوري ترتقي بمستوى الكفاح المسلح من جهة وتؤسس لحركة عربية جديدة تعيد طرح قضايا حركة التحرر العربية من جهة أخرى، استمر الحزب بنهجه القديم حيث بقي على الصعيد الوطني تحت سقف البرنامج السياسي الإصلاحي، والارتباط الذيلي بالحزب التقدمي الاشتراكي. وعلى الصعيد القومي، تحت سقف القيادة النافذة في الثورة الفلسطينية يميل معها كيف ما تميل، وخصوصاً في صراعاتها مع أقرانها في الأنظمة الرسمية العربية. بل أكثر من ذلك، يوم كان لبنان يشكل ملاذاً للمناضلين العرب المضطهدين في بلدانهم وكانوا يجدون الحماية عند بعض فصائل المنظمة، كان الحزب الشيوعي يعجز عن التعبير عن مجرد موقف تضامني مع هؤلاء. ورغم اتساع القاعدة الشعبية للحزب، والتي فاقت من حجمها وانتشارها حجم وحضور الحزب التقدمي الاشتراكي، ظل الحزب الشيوعي يتحرك تحت سقف هذا الأخير، ويحل محله في مواجهة أطراف لبنانية أخرى لا تختلف عنه من حيث طبيعتها الطبقية وخلفياتها السياسية. وتوصيفه الزائف له باعتباره قوة وطنية ديموقراطية واعتبار الأخرى قوى طائفية ومذهبية؟!!.
ما افقده المصداقية السياسية سواء تجاه الشيوعيين العرب، أو تجاه القاعدة الاجتماعية خارج نفوذ الحزب التقدمي الاشتراكي. وبدون أن يحقق له أي نفوذ شعبي في مناطق نفوذ وسيطرة " الحزب التقدمي". ومع تفاقم الأزمات الداخلية نتيجة الحرب الأهلية وتعميق الانقسامات الطائفية والمناطقية، كان الحزب يخسر حضوره الشعبي بسبب التحاقه الذيلي بالقيادة المساومة في الثورة الفلسطينية على المستوى القومي- وتبعيته الذيلية أيضاً للزعامة الدرزية على حساب مصالح القاعدة الاجتماعية الأوسع التي لم تجد بديلاً من الزعامات الطائفية التي تنتمي إلى مناطقها.

الحزب الشيوعي والمقاومة
مما لا شك فيه أن الحزب الشيوعي اللبناني ساهم بشكل فعال في مقاومة الاحتلال الصهيوني قبل الاجتياح واحتلال العاصمة بيروت عام 1982 وبعده. إلا أن إصرار الحزب على أبوة المقاومة افقده ويفقده التقدير والاحترام الذي يستحق من جانب كل مراقب أو مناضل عايش ولا زال مراحل الصراع المختلفة مع العدو الصهيوني. فهو بإصراره هذا يطمس أدوار الآخرين مناضلين وقوى لم تأخذ خيارها في المقاومة تبعاً لذاك البيان الموقع من قبل جورج حاوي ومحسن إبراهيم والداعي إلى مقاومة الاحتلال. وهو بالمناسبة بيان قاصر من حيث مستوى الخطاب فيه، وطبيعة الظروف الذي أعلن فيها. يكفي أن نتساءل كيف لبيان يحمل دعوة للمقاومة أن يكون جاداً في حين أنه يتضمن الترحم على بشير الجميل الذي جاء إلى رئاسة الجمهورية على دبابات العدو الصهيوني. وعدم الإعلان عن الجهة التي اغتالته في حينه لا يبرر الجهل بأن اغتياله شكل محطة تاريخية تبين أن المقاومة لم تهزم، وأن بشير الجميل كان يمثل فاتحة لعهد إسرائيلي في لبنان جرى إغلاقها. هذا فضلاً عن السذاجة السياسية- العسكرية التي احتواها مضمون البيان- لن ندخل هنا في تفنيد مضمون البيان والظروف التي أعلن فيها. لأنه يكفي لأي مراقب أن يرجع بالذاكرة إلى أيلول من العام 1982 حتى يلحظ أنه في هذا الشهر بالذات من ذاك العام جرت أحداث وعمليات قبل وبعد تاريخ 16 أيلول كفيلة بتحريك كل مواطن للقتال ضد العدو الصهيوني وعملائه، ولا نعتقد أن أحداً تسنى له أن يقرأ هذا البيان في حينه، بالنظر إلى حجم الأحداث التي سبقت وتلت يوم 16 أيلول. يكفي أن نذكر فضلاً عن اغتيال بشير الجميل، مجزرة صبرا وشاتيلا حيث كان الدم الفلسطيني- اللبناني يسيل نهراً قبل أن يجف حبر البيان ويجد طريقه إلى الطباعة.
لكننا نقر للحزب الشيوعي اللبناني أنه استعاد التوازن السياسي الذي كان كما غيره من القوى- افتقده إبان الاجتياح، وعاد لتنظيم صفوفه والانخراط في المقاومة، ونجح في عدد من العمليات النوعية في اختراق مواقع العدو.
وكان في محطات التسابق على العمليات الاستشهادية في الصفوف الأولى ولا سعنا هنا إلاّ أن نذكر أبناء شعبنا الفلسطيني البطل الذين قاتلوا الاحتلال كجنود مجهولين، من دون أن يكون حتى للمنظمات التي كانوا ينتمون إليها علماً بعملياتهم في حينها. ولم يكن يعنيهم من يعلن عن عملياتهم يوم كان السباق محموماً على تبني تلك العمليات.
إلا أن الحزب الشيوعي اللبناني الذي نجح حيث عجز الآخرون في المرحلة الأولى من المقاومة ما بين عامي 82- 87 في تنفيذ سلسلة من العمليات النوعية التي تتطلب دقة في التخطيط والتنفيذ منها عملية محطة الإرسال لإذاعة العميل انطوان لحد، ومحاولة اغتياله التي اخترقت منزله المناضلة سهى بشارة، وغيرها…
لم يرتقِ في دوره المقاوم لمواكبة تطور المواجهة مع العدو الصهيوني حيث كان العدو يرفع دائماً مستوى جهوزيته من جهة ويبادر في توجيه الضربات إلى مراكز القيادة للأطراف المشاركة بالمقاومة. أما الحزب الشيوعي من جهته لم يستلهم العبر، وظل عند حدود العمل الحرفي التكتيكي الذي لم يعد يتلاءم مع مقتضيات تطور الصراع. ما جعل عمله العسكري في حدود رد الفعل التكتيكي. في حين أن قوى أخرى أقل شاناً من حيث التجربة نجحت في اعتماد أشكال وأساليب عمل عجز الاحتلال عن احتوائها.
ولا نعني هنا "حزب الله"، فله شأن آخر يحتاج إلى بحث منفصل- بل المقصود "حركة أمل" التي نجحت بجانب أنها نفذت عمليات عسكرية في تنظيم انتفاضات شعبية أيضاً.
إن الحزب الشيوعي يرى في أسباب انحسار دوره في المقاومة- بل فقدانه- يعود إلى انقطاع مصادر الدعم وتعرّض قواعده للتنكيل والاعتقال من قبل القوة التي هيمنت على الجنوب بعد الانسحاب الصهيوني من معظم المناطق في الجنوب.

لا شك أن الدعم يلعب دوراً هاماً في نشاط قوة ما، ولا علم لنا أن حركة مقاومة قامت بدون أن يتوفر لها دعم مادي وسياسي في التاريخ. وليس بالضرورة أن تكون مصادر هذا الدعم خارجية. لو سلمنا جدلاً أن هذا هو السبب الرئيسي، فالحزب الشيوعي وضع هذه المسألة في إطار المعادلة المستحيلة، أولاً، لا مقاومة بدون دعم ولا يقبل دعماً مشروطاً. إذن، لا مقاومة. لأنه لا يمكن أن يقدم أحد دعماً بدون أن يكون له مصلحة يفديها بما يقدمه. هذا من حيث المبدأ.
أما في الواقع الملموس، يلوم الحزب الشيوعي سوريا ضمناً باعتبارها الراعية لمشروع المقاومة، والدولة الثانية التي تدعم المقاومة هي إيران والأصدقاء التاريخيين من الدول للحزب الشيوعي- "المنظومة الاشتراكية" التي تفككت وليبيا التي غيرت وجهتها. ولم يبقى غير سوريا وإيران لهما مصلحة في دعم مشروع المقاومة. وبالطبع، ليست أية مقاومة بل المقاومة التي تجمعها معهما مصلحة مشتركة. تلك هي الطبيعة والتاريخ ودروسهما. إذن إما أن يكون الحزب الشيوعي اللبناني جاهلاً بالطبيعة والتاريخ (…) وإما أن يكون قرر بشكل مسبق وقف المقاومة.
أما الأسباب الأخرى، لا يسعنا إلا أن نتضامن مع كافة المناضلين الذين خضعوا للآسر والاعتقال عموماً ونخص بالذكر أولئك الذين اعتُقلوا أو عُذبوا في معتقلات القوة التي هيمنت على الجنوب بعد التحرير. لكن لا شك أن هؤلاء بالذات يذكرون أن كان معهم في هذه المعاناة مجاهدو المقاومة الإسلامية، والذين تضاعفت معاناتهم في مواقع كثيرة تفوق ما عاناه الرفاق الشيوعيون.
يقول الشيوعيين إن التفاهم السوري- الإيراني حل المشكلة بين حركة أمل وحزب الله. وهنا نضطر آسفين إلى شرح بديهية سياسية: إن التفاهمات تقوم بين أنداد ثبتت وجودها الفعلي في ميدان الصراع، والقوى التي يسهل محوها لا حاجة إلى تفاهمات معها.
برأينا إن الأسباب الحقيقية لتوقف الحزب الشيوعي اللبناني عن ممارسة فعل المقاومة يعود إلى:
1- غياب رؤية استراتيجية واضحة لخيار المقاومة، والخضوع لإملاءات الاتجاه العالمي السائد، واعتبار المقاومة ورقة تحسين شروط التفاوض ما يؤدي إلى فقدان الحافز للتضحية.
2- سعي الشيوعيين إلى المشاركة في السلطة بعد الحرب، الذي لا يتماشى مع تطور مستوى المواجهة مع العدو الصهيوني والذي أصبح يستهدف الكوادر والقيادات. في ظل فقدانه القدرة على الردع تجاه العدو، فضلاً عن عدم استعداد هذه القيادة للتضحية.
3- الأوهام السياسية حول قرب إنجاز التسوية للصراع العربي- الصهيوني.
4- حل جهاز المقاومة ودفع التعويضات للمحترفين منذ العام 1989.
5- الأزمة التي تعصف به منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وعجزه عن حسم خياراته الفكرية- السياسية- التنظيمية.

آخر معاقل اليسار اللبناني يتشظى
إذا كان المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي اللبناني الذي عُقد في العام 1987. محشواً بالكثير من أوهام البطولة والإنجازات الوطنية. حيث تقهقر العدو الصهيوني واندحر عن مناطق واسعة تحت ضربات المقاومة. وسقوط اتفاق السابع عشر من أيار. واندحار قوات الحلف الأطلسي، عن لبنان، محملة بأشلاء جنود مشاة البحرية الأميركية (المارينز) وجنود القبعات الخضر الفرنسيين.
وما حملته الساحة اللبنانية من ملابسات في تلك الفترة حيث كان بجانب الإنجازات العظيمة، العديد من الاخفاقات والمآسي الخاصة والعامة والتي لم تنجُ منها شريحة واحدة من المجتمع اللبناني- إضافة إلى المآسي التي لحقت بالشعب الفلسطيني، ليس فقط على يد العصابات الصهيونية وأدواتهم المحلية العميلة، بل بفعل الحرب على المخيمات والحصار المضروب حولها والذي لا زال مستمراً.
فكان للشيوعيين نصيب من تلك المآسي. وهذه المرة أيضاً استهدف من الشيوعيين خيرة المناضلين والكوادر المثقفة. حيث تم انتقائهم بعناية استهدفت فيهم وعيهم المتقدم وخبراتهم النظرية والعملية. نعني بهم الشهداء الذين اغتيلوا غدراً منهم: حسين مروة، حسن حمدان (مهدي كامل)، سهيل طويلة، خليل نعوس، وشهيد الشباب ميشال واكد. والعشرات من كل المناطق والطوائف. اختيروا بعناية رغم كل الفوضى التي كانت تعصف في البلاد. وكما أشرنا أعلاه لم يسلم منها شريحة واحدة في لبنان مواطنين أو مقيمين من أتون هذه الحرب التي أضحت عبثية تأكل كل شيء، وتساوت فيها كل القوى- عجزاً أو تماهياً- وأدلى كل منها بدلوه، بحيث بات يصعب التمييز بين الفاشية والديموقراطية، بين الجيش والمليشيا، بين الثوري والرجعي، بين المناضل والمافيوي، بين الوطني والعميل.

وتمر السنوات التي يئس فيها العالم من ما آل إليه الوضع في لبنان. وقرر بعد أن احترقت أصابع الجميع فيه وقف هذه الحرب ووضع سقف للصراع بين اللبنانيين. كانت معه قوى قليلة لم تفقد وجهتها ولم تضيع بوصلتها. رغم كونها حديثة العهد، كانت تعرف ما تريد وأملت شروطها حيث استطاعت على الصيغة التي تنظم علاقاتها بالوضع الناشىء. كما كانت فيه قوى ظنت أنها أقوى من الآتي، لم تنحنِ فتكسرت واندثرت، وأخرى اشتبهت لكن سرعان ما فهمت وتكيفت. إلا واحدة وقفت على رصيف الانتظار تنفذ ما يتلى عليها. وشيئاً فشيئاً اكتشفت أن لا مكان تذهب إليه، ولا نادٍ فيه مقعد شاغر.
في هذا الوقت انعقد مؤتمر الحزب الشيوعي السادس، قيل وبحق أنه مؤتمر الأزمة وأن اختلف توصيفها. وأطلق الحزب العنان لمحازبيه ليدل كل منهم بما عنده، وفتحت صحيفة "النداء" صفحاتها، الكل يكتب، يطرح المعضلة والحل، ولا رابط يجمع. من الصغر يبدأ كل نص، لا علم، وتجارب، ولا قواعد، ولا معرفة، الكل صاحب رأي؟!!. ولا تكفي "النداء" وهي أسبوعية صفحاتها محدودة بحدود الميزانية. وفجأة تصبح جريدة "النهار" منبراً للشيوعيين!! كان الحزب اشترى اسمهمها. كان ذلك يسمى حواراً وانفتاحاً وديمقراطية. وفي هذا الوقت بالذات يطلق "حاوي" قنبلته الصوتية: يقدم استقالته من الأمانة العامة للحزب، لأنه يسعى إلى حركة أوسع من الحزب !! "لا يكون من فيها مجرد برغي في ماكينة الحزب"!! في الوقت الذي أصبح فيه الحزب نفسه لا يحوي "برغي وعزقة" متناسقي الأسنان. وحاول "حاوي" جاهداً تأسيس "الحركة"، فلم يجد عزقة واحدة تتناسب مع برغيه، فحاول قلوظة "برلمان الشعب" فلم يفلح، ولم يدرك أن برغيه نفسه ملّص. عاد إلى الحزب حيث كانت تيارات العرائض. الموقعة عبر الهاتف. العديد من أصحاب التواقيع تجدها في أكثر من تيار إلا من كان بينهم رابطة رحم أو مصاهرة أو مصدر رزق واحد.
والحزب ينبش في تاريخه عن لمحات مضيئة تساعده على تلمس طريقه، وكان يسعفه إنجازات المقاومة- "الإسلامية" فتحرِّر أسيراً أو رفات شهيد ليلتقطها ليقيم بها الشاهد على أمجاد صنعها. لعل السامعين يعطونه اجر من نعيم السلطة ولا من مجيب.
تمضي الشهور والسنين، وتتكرر اللأزمة، الموقف المتميز الرمادي دائماً يصلح في كل المناسبات مع وضد في آن، مع سوريا وضد تدخلها مع المقاومة، لكن "لا بد من استراتيجية عربية واحدة" (رحم الله بيار الجميل).
كل القيادات في الحركة السياسية اللبنانية تبرر عدم الحسم بخياراتها السياسية بعدم قدرة قاعدتها على استيعاب المواقف الحاسمة. إلا في الحزب الشيوعي، فالمسألة هنا مقلوبة. فالقاعدة لا تهتم بما تقوله القيادة. لديها ثوابت "الحزب دائماً على حق" وهي دائماً تتمتع بحس جماهيري مرهف مثلاً: أياً كانت درجة التقارب في موقف ما مع "القوات اللبنانية" أو "حزب الوطنيين الأحرار" مثلاً "لا يمثل عندها أي قيمة أو رد فعل، لكن مجرد لقاء مع دوري شمعون، تكون القاعدة على استعداد أن ترجم من أجرى اللقاء بتهمة الخيانة. زد على ذلك، أن هذه القاعدة غير موحدة تماماً، فإن التأثير الحاسم بها يعود إلى المزاج الشعبي كل في منطقته. إما ما يبدو من وحدة جامعة في النشاطات المركزية فهي تغطية موهومة في وعي القاعدة، حيث تعتبر المنطقة المضيفة من جاءها من الخارج امتداداً لها في وعيها، والزائرة تعتبر المضيفة امتداداً لوعيها هي وتظهر المفاجئة عند أول نقاش تتيحه المناسبة بين ضيف ومضيف، ولو راجع أي منهما مسؤول المنطقة، الجواب بسيط: حالة غير واعية.
أمام هذا الوضع كان من الطبيعي أن يتشظى هذا الحزب في ظل المراوحة وعدم وجود برنامج سياسي يحدد المهام ومقاييس العضوية والمعايير النضالية. والاستمرار بقوة العادة قد تبقي هذا الحزب، طالما الاسم والتاريخ موجودان، ويبقى دائماً حول هذا الحزب أناس، طالما هم غير ملزمين بمهمام يحضرون في مناسبات موسمية احتفالاً هنا أو مهرجاناً هناك، وطالما ليس هناك بديل من نفس التراث يجد فيه المناضلون ضالتهم.
أما من له طموحات فعلية، سوف يسعى لتحقيقها ولن ينتظر على قارعة الطريق. وأن بعض الحيوية التي تظهر في مناسبات معينة قد تترك بعض الأوهام للبعض، لكنها لن تدوم طويلاً، خصوصاً كلما اجترت المناسبات تفقد بريقها وتخبو ألوانها المضللة. كما أن الرهان على استحقاق ما أو تحول ما يغير الوضع القائم في الحزب والحالة التي يعيشها هو أيضاً لن يدوم طويلاً، ما لم يواجه الحزب مهامه والتي فيها فقط ينمو ويحيا.

"تيار اليسار الديموقراطي"
لعلها المرة الأولى التي يخرج فيها من صفوف الحزب الشيوعي اللبناني تيار منظم كتلة واحدة في تاريخه الحديث. حيث كانت عمليات الخروج تتم فرادة أو على الأقل غير منظمة، واللافت أن هذا التيار، الذي يتزعمه اثنان من أعضاء المكتب السياسي في الحزب هما الياس عطا الله ونديم عبد الصمد، خرج من الحزب ليؤسس حركة مستقلة اسماها "حركة اليسار الديموقراطي"، قضى ما يقارب العشرة أعوام في محاولة دفع الحزب لتبني مواقف حاسمة تتناول كافة القضايا الفكرية- السياسية- التنظيمية. فلا هو نجح في التأثير على مواقف الحزب، ولا الحزب استطاع أن يأخذ موقفاً جاداً تجاه هذا التكتل، الذي كسر كل الأعراف وأقام وهو في الحزب تحالفات سياسية تخالف الموقف العام للحزب، ولم يقم بمحاسبة جادة ومسؤولة تجاهه. وعجز عن اتخاذ أي موقف من هذا التيار، إلى أن خرج بنفسه بعد أن عجز هو الأخر عن إملاء إرادته داخل الحزب. ما يكشف زيف ادعاء هذا التيار بالديموقراطية الذي لا يحترم ابسط قواعدها. فكيف سيتعايش في الإطار الجديد، إذا كان حقاً سوف يضم في صفوفه عناصر وتيارات مختلفة في خياراتها الفكرية أن كان عاجزاً عن التعايش مع أناس تجمعه معهم تجربة مشتركة تاريخية وتكوين فكري متشابه.

على العموم إن هذا التيار بما عبر عنه من خلال الوثيقة التي أعلنها كمشروع لتأسيس حركته الجديدة المسماة "حركة اليسار الديموقراطي" لا يضعه إلا في مصاف "الحزب التقدمي الاشتراكي"، مع فوارق شكلية من الناحية النظرية التي لا تملك قوة حياة ذاتية، وتنكشف ضحالة طروحاته في أول منعطف في الحياة السياسية.
وإذا كان الحزب التقدمي الاشتراكي يستمد قوة الحياة من خلال كونه تعبيراً سياسياً عن حالة اجتماعية- طائفية راسخة، فإن "حركة اليسار الديموقراطي" لا تعدو مجرد ظاهرة هامشية، لها في مجتمعاتنا العربية نظائر ثبت هشاشتها وزيف فكرها. ولنا في النموذج العراقي أقرب مثال: جماعة احمد الجلبي وأقرانه.

في ضرورة اليسار الجديد
تصفية المرحلة السابقة:
بعيداً عن الجدل العقيم الدائر في المنابر والمقاهي حول تعريف اليسار وتوصيفه. واختراع المعضلات والحلول في آن من خارج السياق العام للواقع الموضوعي والقضايا الحقيقية التي تواجه مجتمعنا وسبيل تطوره، وبعيداً عن محاولات الظهور بمظهر "العقلانية" التي تتعامل. بعدمية للتنصل من المسؤولية تجاه مواجهة التحديات الواقعية الملموسة، باتخاذ مواقف عامة وسلبية في الوقت الذي يتطلب مواقف محددة وملموسة. والخنوع أمام الدعاية الأميركية- الغربية، والخشية من توصيفها لحالات المقاومة في وجهها بالإرهاب، أو التخلف لمن يعترض على سياساتها وهيمنتها.
إن الإقرار بجرائم الغزو الأميركي للمنطقة والتدخل السافر في حياة الأمة وشعوبها كجزء من الهيمنة على العالم لا يمثل أية قيمة فضلاً عن افتقاره للصدقية، عند ربط هذا الإقرار بالذرائع التي تتيح للولايات المتحدة الغزو والتدخل، من قبل بعض القوى والأنظمة في امتنا ومنطقتنا.
لأن تخلف القوى الثورية التقدمية عن القيام بالدور المناط بها في مواجهة الغزو الأميركي- الغربي يتيح المجال لظهور أشكال من المقاومة متخلفة في أساليبها، ولا تتوافق مع التطور الهائل في وسائل الإعلام بغض النظر عن استغلال العدو الغازي لها ليظهر هو بمظهر المتحضر في مواجهة الوحشية والتخلف. وإذا كانت أشكال وأساليب عمل القوى المقاومة لا تتفق مع طبيعة العصر ولا تضع في حسبانها أهمية الدعاية والتأثير في الوعي العام العالمي عبر تقديم قضيتها التي تقاتل من اجلها باعتبارها قضية عادلة، فذلك لن يلغي بأي حال من الأحوال مشروعية المقاومة بكل الأشكال والأساليب بما فيها المقاومة العنيفة.
إن إدانة بعض الأشكال والأساليب التي تمارسها قوى ذات طبيعة خاصة وهي من نسيجنا الاجتماعي والمرفوضة حضارياً وأخلاقياً لا تشكل في جوهرها سوى خدمة للعدو الغازي. وإذا كانت العمليات البشعة تفيد العدو بالدعاية ضد المقاومة فإن الإدانة من قبل قوى لا تقوم بأي فعل ملموس بالمقاومة يشكل أيضاً وجهاً آخر من الفائدة للعدو. وإذا كانت الأولى توفر مادة الدعاية، فإن الثانية توفر الذريعة للتدخل والاحتلال. فيظهر التدخل والاحتلال كمنقذ للمجتمع المستهدف من "الإرهاب" و "العنف".
فإذا كان العالم سوف يلومنا في المستقبل على ممارسة أشكال وأساليب وحشية ومتخلفة من العنف، خير لنا ان كنا موجودون في المستقبل من أن ينظر إلينا كما ينظر العالم اليوم لبقايا قبائل وشعوب القارة الأميركية الأصليين. لكن بالطبع ليس هذا ما ندعو إليه، أردنا فقط ها هنا أن نضع الأمور في نصابها.
إن مهمة التصدي للعدوانية الأميركية- الغربية بكل الأشكال والأساليب الملائمة والتي تتفق مع طبيعتنا الأخلاقية- الإنسانية وقيمنا التاريخية، يجب أن تكون في طليعة الاهتمام عند الشيوعيين- اليساريين، الديموقراطيين الحقيقيين، لأن المنتمين إلى هذا التراث التقدمي- الحضاري، هم الأكثر أهلية لمواجهة التحديات الراهنة بما تقتضيه طبيعة المرحلة التاريخية. أما التخلف عن هذه المهمة التاريخية لا ينسجم مع هذا التراث وموقعه التاريخي من جهة، ويجعل المنتمين لفظاً إليه حالة متخلفة ليس فقط عن الدور المناط بها، بل حتى عن تلك القوى السلفية والظلامية من جهة أخرى.
وإذا كنا لا نرى ما يذهب إليه البعض باعتبار هذه الحالة اختراقاً خارجياً ثقافياً- سياسياً، فهذا لقناعتنا بان العاجز عن لعب دور تاريخي له مشروعيته الحضارية- التقدمية هو اعجز من أن يشكل حالة اختراق، لأنه والحالة هذه بحكم الميت، إن ظهر لحظة في الواجهة، فلننظر إلى الوتد الذي يحمله.
من هنا تنبع الضرورة لولادة يسار جديد منسجم مع التراث التاريخي الثوري، لكن لا بد أن يكون هذا اليسار مولوداً طبيعياً يحمل هوية وخصائص هذه المنطقة وهذه الأمة، لا أن يكون لقيطاً مجهول الهوية. والوهم السائد باعتبار "اليسار" هوية بذاته توحد المنتمين إليه من كل الأمم والشعوب هو سذاجة فكرية لا تتفق مع الطبيعة والتاريخ. حيث تتفاوت درجات التطور بين أمة وأخرى، وتختلف مشكلات وتحديات أمة عن أخرى. وإن وجود قواسم مشتركة على صعيد الفكر والمفاهيم لا يعني أن هناك وحدة.
وهذا الوهم تسرب إلى وعي "الشيوعيين" السائد من خلال الوعي الديني، الذي لا يرى سوى نوعين من البشر: مؤمن وكافر، بمعزل عن الظروف التاريخية وطبيعة الطور الاجتماعي والتشكيلات التي تتصارع فيه، والتي تحولت إلى علم على يد كارل ماركس.
حسن عماشا
تشرين الثاني 2004





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- النداء الصامت.. ساعة آذان تضيء قبب مساجد العالم في مكان واحد ...
- الحريري لأنصاره: أنا باق معكم للدفاع عن لبنان وعروبة لبنان ...
- السلطات الفرنسية توقف برلمانيا روسيا وموسكو تحتج
- دي ميستورا يزور موسكو الجمعة للقاء لافروف وشويغو
- راغب علامة يستقبل الحريري بأغنية
- زلزال بقوة 4.6 درجات يضرب جنوبي اليمن
- قمة سوتشي.. بوتين يدعو أردوغان وروحاني إلى وضع برنامج لإعادة ...
- الحمام المصري.. على الأسطح وفي الأطباق
- ردود فعل متباينة على الحكم بحق راتكو ملاديتش
- بنك الإمارات المركزي يدقق حسابات سعوديين


المزيد.....

- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي
- أسطورة الفاتح أو المنتصر - ماكسيم رودونسون / مازن كم الماز
- كلمة افتتاح المؤتمر الوطني 11 للحزب الشيوعي اللبناني / خالد حدادة
- وضع المصريين المسيحيين بعد ثورتين / محمد منير مجاهد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - حسن عماشا - أزمة اليسار العربي: اللبناني نموذجاً وضرورة ولادة جديدة