أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ملف - بمناسبة 8 مارس/ اذار 2005 يوم المرأة العالمي - مؤسسة يطو - المغرب - تاريخ الحركة النسائية المغربية في علاقتها بمدونة الأسرة















المزيد.....



تاريخ الحركة النسائية المغربية في علاقتها بمدونة الأسرة


مؤسسة يطو - المغرب
الحوار المتمدن-العدد: 1131 - 2005 / 3 / 8 - 08:52
المحور: ملف - بمناسبة 8 مارس/ اذار 2005 يوم المرأة العالمي
    


تقديم

إن الحديث عن تاريخ الحركة النسائية في علاقتها بمدونة الأسرة لا يمكن أن يتم بمعزل عن تاريخ وصيرورة تطور المجتمع المغربي من اجل الديمقراطية والحداثة في كل مراحل المد والجزر والتقدم والانتكاسة التي عرفها·
وقد يتساءل القارئ عن مدى منطقية هذا الربط رغم الإقرار بأهمية إعطاء النضال النسائي خصوصيته التي تجعل منه غير قابل للتذويب وسط النضال الديمقراطي العام·
صحيح أن المعضلة الحقيقية التي عرفها نضال المرأة المغربية من اجل المساواة والمواطنة هي المحاولات التي كان هدفها تذويب هذا النضال في النضال الديمقراطي، العام ورفض الاعتراف بان هناك خصوصية واضحة لوضع المرأة يجب الانتباه إليها والدفع بها لكي تبرز كنضال خاص من أجل تغيير وضع غير طبيعي تعاني فيه النساء كل أنواع الحيف والميز والدونية والقهر وينظر إليهن ككائن من الدرجة الثانية مجرد من كل حقوق المواطنة سواء على مستوى التعليم والصحة والشغل أو على مستوى مدونة الأحوال الشخصية التي تعتبر بكل ما تعنيه الجملة من معنى : النقطة الأكثر سوادا في حياة المرأة المغربية لأنها الأكثر تجسيدا للعنف والقهر عندما جردت المرأة من أهليتها وحكمت عليها بالطاعة مقابل الإنفاق وساوتها بالقاصر والمعتوه الذي يملك زمام أموره السيد شرط أن يكون ذكرا عاقلا· لذا فان من يحكمه مثل هذا القانون لا يمكن إلا أن يكون وضعه خاصا والنضال من اجل تغييره يكتسي خصوصية اكبر· لكن هذه الخصوصية لا تعني بتاتا بأنه نضال خاص بالنساء، بل إن القول بأن النضال من اجل تغيير أوضاع المرأة لا يهم أحدا سواها والرجال غير معنيون به لمن اكبر الأخطاء التي يمكن أن تسقط فيه كل حركة ديمقراطية، تناضل من اجل مجتمع ديمقراطي حداثي، إذ أن أرقى مستوى يمكن أن ترقى إليه هذه الحركة في نضالها السياسي من اجل هذا المشروع المجتمعي الإنساني هو أن تعتبر المساواة وحقوق المواطنة لنسائها هو جوهر الديمقراطية والحداثة·

I – البدايات :

 لا يمكن الجزم بالمعرفة الدقيقة لتاريخ الحركة النسائية المغربية لاعتبارين أساسيين :
1 - ضعف ما دُوِّنَ وكتب في هذا المجال إلا ما حملته بعض البحوث الحديثة التي بدأت تعتبر هذا التاريخ ذا أهمية قصوى في السنوات الأخيرة خاصة بعد أن تطورت الحركة النسائية وصارت قوة لا يستهان بها·
2 - كون من أرّخوا لكل التفاعلات التي عاشها المجتمع المغربي كانوا رجالا أسقطوا عن قصد أو غير قصد دور نساء هذه البلاد في بناء التفاصيل الدقيقة لتاريخها. كما اسقط اسم عائشة القديسة والسيدة الحرة من كتب التاريخ التي تعتمد عليها لتدريس تاريخ بلادنا للأجيال من خلال المقررات المدرسية، لكن العودة إلى الشيء القليل الذي توفر حول هذه البدايات، تثبت أن للحركة النسائية المغربية جذورا ضاربة في عمق تاريخ النضال من أجل الكرامة والمواطنة للإنسان المغربي·
ورغم أن هذه البدايات كانت جنينية في شكلها ومتعثرة في أساليبها إلا أن المؤكد هو أنها كانت من اجل النهوض بأوضاع المرأة ومن اجل حثها في الوجود كمواطنة تضطلع بالدور الذي كان حكرا على الرجال· خاصة  وأن المجتمع المغربي يعرف تطورا مستمرا، وهذا التطور يقتضي حسب المنطق أن يتطور أفراده وعقلياته وثقافته·
فبعد أن كانت المرأة حبيسة البيت تحت وصاية الرجل، مهمش دورها فقد أصبحت تكتسح سوق العمل بأعداد هائلة بحيث بلغ عدد النساء العاملات في المناجم سنة 1931 3083 عاملة مقابل 6500 عامل، وفي معامل التصبير بالقنيطرة واكادير وأسفي والبيضاء 6782 عاملة مقابل 967 عامل فقط· بحيث أصبحت المرأة المغربية قوة منتجة ذات أهمية قصوى، هذا إضافة إلى انخراطها وبشكل كبير في الحركة الوطنية وفي النضال من أجل استقلال المغرب ليس فقط بدعم الوطنيين أو تسهيل تنقلهم ومدهم بالأسلحة ولكن بالانضمام إلى العمل المسلح فأثبتت أنها قادرة على الاضطلاع بكل المهام التي يظن البعض أنها حكرا على الرجال·
وبالتدريج انعكس هذا الانخراط الواسع في العمل السياسي والفدائي علي السواء على تصور القوى السياسي لتبدأ في الاهتمام بتنظيم النساء اللواتي بدأن ومن داخل هذه القوى يطرحن تصورهن للعمل النسائي في ظل طبيعة المجتمع المغربي آنذاك، مشكل العقليات، مشكل التعليم ومشكل القوانين أيضا· وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في تلك المرحلة لم تكن هناك مدونة أحوال شخصية بقدر ما كان وجود قانون الالتزامات والعقود وقانون المسطرة المدنية والقانون التجاري، وقانون التحفيظ العقاري، وقانون المحافظة على الغابة وهي قوانين صدرت كلها بموجب معاهدة الحماية بعد مارس 1912 وتناولت المرأة في مناسبات وأماكن عديدة وكان الميز والدونية يطبعانها بشكل واضح·
ورغم أن النضال النسائي في مرحلة الحماية جعل من النضال الوطني ضد المستعمر أولى الأولويات فقد تشكلت نواة الحركة النسائية بشكلها الجنيني استطاعت أن تعكس منظورا متقدما لالتحام النضال الوطني بالعمل النسائي بشقيه ألمطلبي والاجتماعي وإن لم يكن في تصور منظمة في حد ذاتها وإنما ينعكس في تكامل التصورات والبرامج فيما بينها بحيث نجد أخوات الصفا صبت عملها على العمل الاجتماعي بينما اتجه اتحاد نساء المغرب إلى العمل الخيري، لتتكون بعد أحداث الدار البيضاء سنة 1947 منظمة 7 أبريل وتستقي من أفكار وآراء الأستاذ علال الفاسي منهجا للعمل والمطالبة بتعميم تعليم الفتيات ومنع تعدد الزوجات·
وقد كانت كل هذه المبادرات ذات أهمية بالنظر إلى طبيعة المرحلة وإلى طغيان الهم الوطني إضافة إلى عامل أساسي وجوهري وهو غياب البعد الاستراتيجي حول المسألة النسائية·

II ـ مرحلة ما بعد الاستقلال : الخمسينات والستينات :

خلال السنوات الأولى من الاستقلال عرف العمل النسائي بعض التراجع سببه المحاولات التي كان هدفها اختزاله في العمل الاجتماعي الخيري حتى لا يكون له بعد آخر خاصة وأن بعض النساء المنتميات للأحزاب السياسية بدأن يطرحن بحدة وضع المرأة في مغرب ما بعد الاستقلال وربطن بين الدور الذي لعبنه في المعركة الوطنية وبين الحقوق الإنسانية سياسية كانت أو اقتصادية أو مدنية أو قانونية، ولكن نظرا لقلة هذه الأصوات ونظرا لطبيعة المرحلة والتناقضات السياسية في نهاية الخمسينات فقد توارت القضية النسائية لتطغى عليها حرب من نوع آخر دون أن يعي السياسيون آنذاك بأن تلك المرحلة الدقيقة كان يجب أن ينصب فيها النضال والبناء علي جميع المستويات والجبهات و الجبهة النسائية إحدى أهم هذه الجبهات لأنها قلب الديمقراطية وجوهرها·
إن الاستقلال لم يغير أي شيء في القوانين السابقة سواء منها ما يتعلق بالقوانين الاستعمارية أو ما يتعلق بالعلاقات الأسرية وكل ما فعله المشرع الجديد هو تلخيص بنوع من التعسف ما جاء به الفقه المالكي وحافظ على العرف والعادات في جانب واحد هو العلاقات الأسرية، معتبرا ذلك بمثابة مدونة الأحوال الشخصية· وكانت اللجنة التي ألقيت على عاتقها هذه المهمة العظمى مكونة من مجموعة من خريجي القرويين همهم الوحيد أن يكون النص الفقهي وليس العدل والمساواة الهدف الأساسي· و لم يراع نهائيا عامل أساسي وجوهري وهو معرفة الواقع بكل تدقيقاته وتفاصيله و تطوره وتم اللجوء إلى سلوك الصم في التعامل مع طلب مساواة الرجال بالنساء التي كانت ومنذ سنة 1947 موضوعة على طاولة المطالب التي أهمها منع تعدد الزوجات· وبدل أن تتم الاستعانة بذوي التخصصات في مجال القانون والاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية والأطباء وغيرهم بقدر ما اقتصرت تشكيلة اللجنة على خريجي القرويين·
إن مجرد إلقاء نظرة على الإجراءات والتدابير التي تم القيام بها سواء أثناء وضع مدونة الأحوال الشخصية أو محاولات تعديلها منذ سنة 1947 يُظهر إلى أي حد تحكمت العقليات المحافظة الراغبة في الزج بالمجتمع المغربي في مستنقع الجمود في وضع معالم هذا المشروع متجاهلة كل المتغيرات التي أصبحت بقوة الواقع أمرا موجودا لا يمكن لأية قوة أن تحجبه وأهم هذه المتغيرات الإقبال الكثيف للنساء على العمل كقوة منتجة بدا دورها واضحا في اقتصاد العائلة والمجتمع برمته·
لقد صدرت مدونة الأحوال الشخصية بموجب 5 ظهائر، أولها في نوفمبر 1957 وآخرها في أبريل 1958· سبقها إلى الوجود ظهير 19 غشت 1957 الذي تكونت بموجبه لجنة لدراسة مشروع مدونة الأحوال الشخصية إضافة إلى مذكرة إيضاحية قدمتها وزارة العدل التي كان على رأسها آنذاك الأستاذ عبد الكريم بن جلون· واعتمدت في اقتراحاتها على العلوم الحديثة مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعدد من الإحصائيات الميدانية لتعزيز خلاصاتها بضرورة توخي العدل والإنصاف ورفع الضرر عن المرأة المغربية وضمان استقرار الأسرة·
فهل اعتمدت اللجنة التي عينت من أجل وضع المدونة على هذا التقرير؟ لقد عقدت اللجنة ثلاث اجتماعات فقط أيام 06 و13 و14 نوفمر 1957 للموافقة على نصوص كتابي الزواج والطلاق اللذين يعتبران أكثر خطورة نظرا لارتباطهما بسمتقبل الأسرة المغربية واستقرارها الذي هو استقرار المغرب وبعد صياغة المقرر العام للجنة تدوين الفقه الإسلامي أورد فيه الاتفاق المبدئي على جواز الأخذ بأقوال الفقهاء على الصيغة التالية : "سواء كانوا من أصحاب المذاهب الأربعة أو غيرهم··· إذا كان في ذلك جلب للمصلحة ودفع للضرر والاحتكام للعقل··· الفقه يتعقل لأن الفقه ما هو إلا وسيلة لمعايشة الأفراد فيما بينهم، وهذه المعايشة أصبحت أهم مما كانت عليه من قبل لتشابك المصالح"· لكن النص النهائي للمدونة اقتصر على الأخذ بالتفسير المتشدد للفقه المالكي وفي الحالات القليلة التي تم الخروج عنه فللمزيد من التشديد على المرأة·
وأهم ما تمت مؤاخذته على مذكرة مقرر اللجنة ومذكرته التوضيحية هو التجاهل النهائي لمشروع وزارة العدل الذي سبقت الإشارة إليه أعلاه أربع سنوات بعد صدور مدونة الأحوال الشخصية وبالضبط في سنة 1961 تقدمت لجنة مكونة في مجملها من رؤساء المحاكم بمشروع للتعديل، وبعده وفي 26 يناير 1965 وعقب صدور قانون توحيد القضاء مشروع ثان، لكن المشروعان تم طمسها ولم يريا النور لسبب وحيد هو أنهما كانا جريئين ومنطلقين من المشاكل التي نتجت عن تطبيق مقتضيات المدونة ميدانيا، واعتمدا على إحصائيات وعلى تطور كبير لواقع الأسرة المغربية ولم يعد ما أنتجه الفكر المغلق من قوانين يستجيب لحاجياتها بقدر ما يلعب دورا خطيرا في تعقيد المشاكل وتوسيع الهوة بين أفرادها ومكوناتها·
فبالإضافة إلى الدور الذي قام به رؤساء المحاكم وأصحاب القانون في طرح المشاكل التي خلفتها مدونة الأحوال الشخصية آنذاك وتقديم المقترحات للتعديل فقد لعبت النساء دورا كبيرا في تحريك ملف القضية النسائية داخل أحزابهن وحتى من داخل بعض الجمعيات النسائية التي كانت نشيطة آنذاك، بل إن بعض المناضلين التقدميين بدأوا يدعمون النضال النسائي وخصوصية القضية في طروحاتهم وكتاباتهم ودعواتهم إلى جعل هذا النضال في إطار حركة نسائية قوية ذات استراتيجية واضحة وأساليب عمل تمكنها من انتزاع مكاسب حقيقية، بل إن الشهيد المهدي بن بركة أكد على ضرورة العمل على إفراز حركة نسائية جماهيرية مستقلة تكون لديها القدرة على الرفع من الوعي النسائي لدى الكم الهائل من النساء في البوادي والمدن ليصبح قوة ضاغطة ومتحركة لها ملفاتها وتحقق بالتدريج مكاسبها حتى يتأتى لها الانخراط بكل حقوق المواطنة في النضال العام من أجل الديمقراطية والحداثة·
وهكذا وفي بداية الستينات بدأ النضال النسائي يشق طريقة نحو اتضاح معالمه التنظيمية والمزيد من الوضوح على مستوى مطالبه خاصة المتعلق بتعديل مدونة الأحوال الشخصية في إطار المطلب الجوهري الذي هو المساواة بين النساء والرجال·
ذاك ما اتضح عند ما تم تأسيس الاتحاد التقدمي النسائي في سنة 1962 عندما عبأ النساء للمشاركة بمسيرة ضخمة في شوارع الدار البيضاء في فاتح ماي لنفس السنة، ولأول مرة صيغت شعارات المطالبة بالمساواة على لافتات سارت وراءها أعداد هائلة من النساء بمختلف مشاربهن وانتماءاتهن الاجتماعية والاقتصادية وفئاتهن العمرية·
لكن الظرفية السياسية التي عاشها المغرب منذ سنة 1965 والتي ازدادت قساوة وحدة على مدى العشر سنوات الموالية حالت دون تطور هذه الحركة التي عرفت جمودا كبيرا في مجال النضال النسائي ألمطلبي رغم تفاقم مشاكل الأسرة المغربية ومعاناة النساء بسبب الطلاق الأحادي وإشكالية تزويج الفتيات ومشاكل الطرد من بيت الزوجية وتشرد العديد من الأطفال فصارت شوارع المدن الكبرى خاصة تعج بظاهر أطفال الطلاق المشردين، المتسولين، الأطفال المتخلى عنه إلى آخر الكثير من المشاكل التي تسببت فيها من جهة الأزمة الاقتصادية التي تخنق واقع الأسر الفقيرة وكذا نصوص مدونة الأحوال الشخصية التي اتضح أن هناك شرخا عميقا بين إيديولوجيتها القائمة على الميز والحيف وبين الواقع الذي اصبح في حاجة إلى قانون يسايره ويجيب عن إشكالاته ومعضلاته إجابات تساير روحه·
جعل خروج المغرب من حالة الاستثناء التي فرضت عليه خلال العشر السنوات الماضية من القضية النسائية إحدى القضايا الهامة التي عادت إلى جدول أعمال النساء المناضلات اللواتي عملن على الانكباب على مدونة الأحوال الشخصية من جديد للمطالبة بتغييرها وجعل مقتضياتها تستجيب لمطلب المساواة بين النساء والرجال مع التركيز على 5 نقط أساسية :
1- منع تعدد الزوجات
2- منع الطلاق الفردي ليصبح بحكم يصدر عن المحكمة على أن تراعى هذه الأخيرة تصريحات كل من الزوجة لتبرير الطلاق·
3- رفع الولاية عن المرأة الرشيدة
4-  موضوع النفقة
5- موضوع الحضانة
هذه المطالب سطرها اللقاء الذي عقده القطاع النسائي الاتحادي في إطار التهييء للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي أيام 12/11/10 يناير 1975 ليصادق عليه المؤتمر، وتتم صياغتها على شكل ملف مطلبي من خلال ورشات العمل التي نظمها القطاع في بداية سنة 1976·
وقبل سنة 1975 فقد تبنى كل من الاتحاد النسائي المغربي والفدرالية الوطنية للنساء ذوات المهن الحرة أثناء الاجتماع التمهيدي للسنة الدولية للمرأة المنعقد أيام 15/14/13 دجنبر 1974 ضرورة التعديل بالمقتضيات المماثلة لما ورد في المجلة التونسية عرفت نهاية السبعينات تطورا كبيرا للاهتمام بالقضية النسائية سواء على مستوى التعريف بها، أو تأطير الفتيات داخل المؤسسات التعليمية والجامعات والكليات والمعاهد ومناقشة المطالب التي رفعتها النساء طيلة السنين التي مضت ولازالت ترفعها خاصة على مستوى تعديل مدونة الأحوال الشخصية، وقد ساهمت هذه النقاشات في إفراز العديد من الأشكال التنظيمية التي حاولت جادة تلمس طريقها نحو شكل ما يمكنها من تجاوز المعيقات التي حالت دونها ودون الارتقاء إلى حركة لها قدرتها على انتزاع مكاسب حقيقية لفائدة المرأة المغربية ورفع الحيف والميز والقهر عنها·
هذه الفترة بالضبط عرفت ولادة العديد من الأندية واللجن الخاصة بالمرأة في الجمعيات الثقافية والأندية السينمائية والنقابات والجمعيات التربوية والحقوقية، كانت نشيطة في مجال التوعية والتأطير ومحاربة الأمية لكنها اصطدمت مع الأسف بمعيقين أساسيين :
1 - كونها -ونظرا لطبيعتها- لا يمكن أن ترقى إلى مستوى حركة مطلبية لديها قوة اقتراحية باستقلال تام عن أي تأثير سياسي أو إيديولوجي، لأنها تبقى تابعة في عملها للتوجه العام للجمعية أو التنظيم الذي تعمل بداخله·
2- نظرا للدور الذي لا يستهان به الذي أصبحت هذه التنظيمات رغم صغرها وضعف إمكانياتها في نشر الوعي النسائي حتى وسط النساء الأميات عن طريق برامج محو الأمية، وتأطيرهن وجعلهن يقتنعن -ومن خلالهن المجتمع بأسره- بكون وضع المرأة المهين والمجحف ناتج عن ظلم القوانين، وخاصة مدونة الأحوال الشخصية التي يجب أن يلعبن دورهن في تغييرها. فقامت عدة جهات، لم يكن في صالحها ذاك التطور في الوعي الذي أصبح ينمو وينتشر وسط نصف المجتمع، ويهدد أسس ومقومات المجتمع الأبوي القائم على سلطة الرجل، وتدخلت بثقلها لإجهاض هذه التجربة بوضع حد لنشاطها متهمة إياها بمحاولات تسييس المرأة المغربية
 
ّIII ـ الحركة النسائية ما بين بداية الثمانينات إلى بداية التسعينات

استطاعت المرأة المغربية بنضالها رغم اختلاف توجهات الجمعيات المتواجدة في تلك الفترة، وبالرغم من التباين الواضح في برامجها ووسائل عملها، وفي إمكانياتها أن تفرض خروج عدة مشاريع للتعديل إلى الوجود رغم اختلاف مصادرها ومحركاتها، ففي شهر يونيو 79 تمّ تشكيل لجنة ملكية صاغت بدورها مشروعا للتعديل أعلن ممثل وزارة العدل آنذاك أمام لجنة منبثقة عن مجلس الإنعاش الوطني والتخطيط أن المشروع سيصدر عما قريب· إلى جانب ذلك، اقترح مجموعة من البرلمانيين المنتمين إلى الأحزاب الديمقراطية تعديل مواد معينة أهمها:
ـ رفع سن الزواج
ـ إخضاع التعدد لرقابة القاضي وهو مقترح يعتبر تراجعا عن المقترح الذي تقدم به العالم الأستاذ علال الفاسي أكثر من 20 سنة مضت والذي هو منع التعدد·
ـ خضوع مسطرة الطلاق لمقتضيات واضحة ومحددة·
- تقديم الطلاق إلى المحكمة طبقا لقواعد المسطرة العادية.
- استدعاء الزوجين لمحاولة التوفيق بينهما·
- إذا استحال التوفيق يستدعي حكمان من أسرتيهما لإعادة القيام بالمحاولة·
- إذا لم القاضي استحالة الصلح يصدر أمر بعدم التوفيق·
- إعطاء الحق للطرف المدعي متابعة المسطرة، ويمكن للقاضي البث في التدابير المؤقتة والتحفظية بصيانة حقوق المرأة والأطفال (النفقة والمنقولات الموجودة في بيت الزوجية·
- إذا تبين للقاضي عدم صحة الأسباب المدعى بها من طرف الزوج فإنه يلزم هذا الأخير بتعويض الضرر المادي والمعنوي الذي أصاب الزوجة نتيجة الطلاق التعسفي·
طبعا كل هذه المقترحات قوبلت بالرفض، وثارت عليها زوبعة خارج قبة البرلمان، واتهم المقترحون بالخروج عن الدين وبالكفر مما جعل أصحاب هذه الخطوة يسحبون مقترحاتهم بدل التمسك بها والدفاع عن مشروعيتها باعتبارهم حملة مشروع مجتمعي ديمقراطي لا يمكنه بدون حقوق المواطنة والمواساة بين نسائه ورجاله وحفظ حقوق أطفال أن يهزم نقيضه الذي بدون الدوس على حقوق المرأة والطفل وحتى الرجل وبدون إغراق المجتمع في دوامة الأفكار المنغلقة والمتطرفة المحافظة واعتقال العقل لن يستطيع ضمان وجوده·
رافقت كل هذه الحركة التي وإن لم ينتج عنها تغيير في القوانين وإنصاف للمرأة حركة موازية ساهمت بشكل إيجابي بواسطة النقاش والتفكير في تبلور عدة مبادرات ساهمت في المزيد من تسليط الضوء على المسألة النسائية وعلى مطالب الحركة النسائية التي بعث صدور جريدة 8 مارس في فبراير 1983 بعض الأوكسجين إلى رئتيها، بحيث كان ذلك عملا إيجابيا في الساحة النسائية لأن الجريدة كانت منبرا للنقاش والحوار ونشر المشاكل النسائية عبر محور "دعوني أتكلم" إضافة إلى تزويد الرأي العام نتائج وتحاليل البحوث والإحصاءات والاستطلاعات، فساهمت بذلك في نشر وتطوير الوعي النسائي وسط المجتمع خاصة عندما نشرت استبيانا للاستطلاع في عددها الثالث حول مسألة الطلاق، والتي أطلقت عليها "حملة وضع الطلاق بيد القضاء" كرست لها الأعداد 28، 27 و29 (مارس ـ أبريل ـ ماي 86) من الجريدة فخلفت الجريدة بذلك حركية جديدة وسط المجتمع المغربي بحيث كان القراء والقارئات يعبرون فيما يكتبونه ويوجهونه إلى هيئة تحريرها عن شغفهم بالإمكانية التي أوجدتها الجريدة لإثارة مشاكل وقضايا المرأة والأسرة المغربية بحيث قرأنا في عدد 27 مارس 1986 عريضة يطالب فيها موقعوها وموقعاتها بوضع الطلاق بيد القضاء "مرفوقا بحالات جد مؤثرة ضمن ركن "دعوني أتكلم" مما يكشف وبكل وضوح بأن القضية لم تعد قضية نساء وحدهن بل هي قضية نساء ورجال ومجتمع برمته·
لقد كان التطور الذي عرفته المسألة النسائية ارتباطا بملف مدونة الأحوال الشخصية في بداية الثمانينات جد هام وضع حدا لمحدودية الغطاء الذي اتسم به عمل الجمعيات السابقة ولجن المرأة، وذلك بولادة الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب وبعدها اتخاذ العمل النسائي وضع لبنة أساسية لبداية الوضوح في استراتيجية النضال النسائي :
- هل هو نضال يصب فقط في النضال السياسي للأحزاب، ويكتفي بتبني هذه الأخيرة للمطالب النسائية في برامجها؟
-  أم أنه نضال يتخذ بعدا آخر يعتبر الأول مكملا ومدعما له من أجل تحقيق المساواة والمواطنة؟
- وهل تعتبر قضية مدونة الأحوال الشخصية قضية محورية في هذا النضال؟
- أم أنها واحدة من جل القضايا التي تجد المرأة المغربية نفسها معنية بها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؟
لكن بالرغم من الارتباك الذي شاب في واقع الممارسة والتطبيق، الإجابة عن كل هذه الأسئلة وغيرها بسبب الاختلاف في المنظور بين مكونات الحركة النسائية خاصة في علاقتها بالتنظيمات السياسية، لكن النقاش في حد ذاته كان ذا أهمية وإيجابيا للغاية، بحيث كان من الطبيعي أن يكون لأن الأعداد الهائلة من مناضلات الحركة النسائية واللواتي ساهمن بمجهودهن وتضحياتهن وعبر سنوات في تأسيس هذه الحركة من أطر نشأت وتربت واكتسبت تجربتها في رحم الأحزاب الديمقراطية والجمعيات الحقوقية والثقافية والنقابات، وهن مطالبات بتطوير الحركة النسائية لينخرط فيها الكم الهائل من النساء اللواتي تختلف مشاربهن وانتماءاتهن الطبقية وطريقة تعاملهن مع الأشياء ومع الصيرورة التي يعرفها المجتمع المغربي في تطوره، إضافة إلى ضخامة شبح الأمية وتعاظم الدونية والميز والقهر المسلط على النساء بالقدر الذي تتسع الهوة بين الواقع ومدونة الأحوال الشخصية التي لا يمكنها نهائيا إدارة علاقات إنسانية لم تعد هي نفس علاقات القرن الثامن الميلادي·
لم تتوقف الحركة النسائية عن جعل ملف مدونة الأحوال الشخصية خلال فترة الثمانينات على واجهة الأحداث رغم كل النقاش الذي كان داخلها حول ضرورة تجاوز معيقاتها وتطوير إمكانياتها وتوسيع قاعدتها وإحداث تحول نوعي في حركيتها لأنها بدون أن تتحول إلى قوة ضاغطة في الزمان والمكان لن يكون أداؤها قويا.
في هذه المرحلة تظافرت جهود مكونات الحركة النسائية الجمعوية والسياسية في صياغة ملفات مطلبية التقت كلها حول أهم النقط هي بمثابة حد أدنى :
1 ـ إشراك المرأة في تغيير مدونة الأحوال الشخصية·
2 ـ جعل الطلاق بيد القضاء·
3 ـ رفع الولاية·
4 ـ منع تعدد الزوجات·
5 ـ مسألة النفقة والحضانة·
مع رفع شعار "التغيير الجذري" أو أحيانا "المراجعة الشاملة لمدونة الأحوال الشخصية" من طرف الجميع، بحيث نجد في المطالب التي رفعتها نساء حزب التقدم والاشتراكية في يوليوز 84 نفس تلك النقط مع إضافة اعتبار كناش الحالة المدنية وثيقة لكل الأسرة تحتل فيها المرأة مكانتها كزوجة وليس كأم فقط·
ـ تمتيع المرأة بحق الحصول على نسخة من الكناش خاصة في حالة حدوث طلاق·
أما الندوة الوطنية الأولى للقطاع النسائي لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي التي انعقدت في 25/24 دجنبر 83، فقد أكدت على نفس المطالب، أما المؤتمر الرابع للاتحاد الاشتراكي المنعقد أيام 15/14/13 يوليوز 84 فقد أكد على نفس المطالب داعيا إلى الاستجابة إليها لإنصاف المرأة، بينما في سنة 86 صاغت اللجنة الوطنية للعمل النسائي بحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي بعد تحليل وتشخيص دقيق لوضع المرأة مذكرة مطلبية تحت شعار: من أجل تغيير جذري وشامل لمدونة الأحوال الشخصية"·
أهم المطالب التي وردت فيها :
1 ـ صياغة قانون أسرة يضمن كرامة المرأة وإنسانيتها بتغيير النظر الدونية التي تكرسها مدونة الأحوال الشخصية، خاصة المادة 1 وحذف كل الألفاظ والمصطلحات التي تحط من كرامة المرأة·
2 ـ رفع سن الزواج إلى 18 سنة·
3 ـ منع تعدد الزوجات·
4 ـ إلغاء الولاية والاعتراف بأهلية المرأة·
5 ـ الحق المتبادل للزوجين في طلب وتوقيع الطلاق·
6 ـ إلغاء إحكام التطليق·
7 ـ إلغاء أحكام بيت الطاعة·
IV ـ الحركة النسائية منذ بداية التسعينات :
راكمت الحركة النسائية المغربية تجربة ليست بالهينة خلال سنوات مدها وجزرها قوتها وضعفها بتناقضاتها وتفاعلاتها التي بلغت بها في بداية التسعينات مستوى التحول من مستوى تقديم الملفات المطلبية كل تنظيم على حدة وتعميمها على الرأي العام والدفاع عنها أمام أصحاب القرار إلى مستوى إعادة النظر في تنظيماتها وهياكلها ووسائل عملها لتتخذ قرارا تاريخيا بشأن أسلوب عملها، فقد ثبت وتأكد لكل مكونات هذه الحركة ولو بشكل متفاوت في الاستغراب بأن عطاءها على مستوى الأداء وتدبير ملف مدونة الأحوال الشخصية لن يكون إيجابيا إلا بالاعتماد على أسلوب وحيد: توحيد صفوفها والدخول في عمل تنسيقي وحدوي يمكنها من أن تتحول إلى قوة ضاغطة لها وزنها في الساحة·
طبعا لم يكن إنجاز هذه الطفرة بالهين، فكل له تصوره للعمل الوحدوي، وكل له أهدافه ومحركه، وبما أن تاريخ المغرب النضالي نفسه لم ينجح فيه السياسيون في توحيد مقاربتهم للعمل الوحدوي، ولم يستطع مثل هذا العمل أن يرقى إلى مستوى إفراز قوة تنظيمية قامت بتجميع الكثير أو مجموعة من القوى آنذاك حول حد أدنى مكنها من تغيير ميزان القوى بشكل إيجابي داخل مجتمعنا·
لكن وبما أن الفكرة انطلقت وصارت قناعة لدى مكونات الحركة النسائية، وبالضبط بصدد ملف محدد وشائك هو ملف مدونة الأحوال الشخصية، فإنها مكنت من وضع لبنة العمل الموحد بانطلاق مجلس التنسيق لتغيير مدونة الأحوال الشخصية الذي قام بعمل جبار في مجال صياغة ملف مطلبي شكل حدا أدنى بين كل مكوناته بعد نقاش مستفيض وطويل أخذ بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الدقيقة التي اتسمت بالهجمة الشرسة التي شنت على الحركة النسائية من طرف من يرتدون معطف الدين الإسلامي لإعلان الحرب على كل من يقف في صف المساواة وحقوق المرأة·
فبعد انطلاق حملة المليون توقيع التي نظمها اتحاد العمل النسائي، والتي وجدت لها صدى إيجابيا وسط المجتمع المغربي قامت قيامة المحافظين الذين دأبوا على اعتبار أنفسهم أوصياء على الدين وما عاداهم، فالمجتمع المغربي كل كافر يجب إقامة الحد عليه، وبذلك أطلقوا العنان لفتاوي التكفير والحكم بالإعدام على كل من ساهم من قريب أو بعيد في صياغة مطالب تعديل المدونة أو قام بنصرة أصحاب هذه المبادرة·
في ظل هذا الإرهاب الفكري ومحاولات مصادرة حق الحركة النسائية والمرأة المغربية في المطالبة بإنصافها ورفع الضرر عليها، واصل مجلس التنسيق اشتغاله وعمل على تكوين لجنة مختصة مكونة من علماء وقانونيين وخبراء في مجال علم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد، عمد إليها بمهمة وضع مشروع مدونة بديل سيتقدم إليها إلى أصحاب القرار·
وبقدر ما يتقدم مجلس التنسيق بكل لجنه المختصة (لجنة المدونة ـ لجنة الإعلام ـ لجنة المقررات المدرسية، الخ...)، بقدر ما يزداد تخوف التيار المحافظ ويزداد مع ذلك تطرفه واجتهاده في أساليب إذكاء الفتنة والاضطراب، خاصة وأن انخراط الرجال والنساء في هذه المعركة أصبح بشكل مصدر القلق المريع، لأن الأمر أصبح يتضح، فالمعركة هي معركة المدونة ولكنها هي معركة المساواة وهذه هي جوهر المعركة من أجل المجتمع الديمقراطي الحداثي، ومن يقول بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي يقول اندحار المجتمع ألذكوري الأبوي المتخلف في كل مستوياته حتى النخاع الذي يضمن حق ذاك الرجل السلطة المحاط بالجرم والجواري يخدمنه كلما شاء وألا سلط السوط اللاسع على أعناقهن بمعنى آخر مجتمع الرقيق الذي يضع فيه آلاف العبيد أنفسهم رهن إشارة المالك السيد وهذا هو بالضبط خلفية الطاعة مقابل الإنفاق·
ومن ضمن الفتاوي على سبيل المثال لا الحصر : "···· اعتبار ملء الاستمارة وتوقيعها وبعثها من قبيل المساهمة في جريمة الردة، وهي جريمة تعاقب بالإعدام بعد الاستثابة لثلاثة أيام"، علما بإن مجمل المطالب التي وقع عليها الإجماع كحد أدنى داخل مجلس التنسيق :
ـ إلغاء الولاية في الزواج·
ـ حق المرأة في الولاية على أبنائها مثل الرجل·
ـ منع تعدد الزوجات·
ـ النفقة والحضانة·
ـ إقرار الطلاق القضائي·
ففي الوقت الذي نزل فيه التيار المحافظ بثقله في مواجهة مباشرة مع الحركة النسائية سنة 92، وتم استغلال انتشار الأمية، وبساطة المواطن المغربي وثقته وغيرته على الدين لنشر الرعب وتزييف المطالب النسائية وتكفيرها وتكفير المناصرين لها عن طريق استغلال كل المنابر حتى المساجد التي تعتبر مكانا للعبادة وليس لإشعال نار الفتنة·
لم تحرك الدولة ساكنا لإيقاف اشتعال فتيل النار التي إن اشتد لهيبها سيحرق كل المجتمع المغربي بدون استثناء·
وعندما كان تدخلها كان لأجل إضعاف الحركة النسائية والدفع بها وهي مازالت تتكون كقوة ضاغطة وتكتسح الساحة لتؤمن ميزان القوى لصالحها ولصالح انتزاع مكاسب حقيقية وجوهرية لفائدة المرأة المغربية التي ظلت المدونة قابعة بثقلها ومآسيها على صدرها درت حقها في التنفس وتسببت لها في ضخامة المعاناة والمآسي، وشردت موادها وفصولها أطفالا وشردت أسرا على مدى السنين وما قامت به الدولة آنذاك كان ينسجم بشكل منطقي مع كيفية تعاملها مع ملف مدونة الأحوال الشخصية ، فهي كانت دوما تدعم نموذج المجتمع الأبوي بحمايتها لهذا القانون وعرقلة كل إمكانيات إصلاحه وتعديله، أما تغييره فهذا كان من باب المستحيلات·
لكن غير المنطقي كان هو سقوط البعض الشرك والمساهمة بشكل أو بآخر في تضييع الفرصة على الحركة النسائية بمحاولة جر مجلس التنسيق لتغيير مدونة الأحوال الشخصية الذي كان مكسبا رائعا في ذلك الوقت رغم التباين الحاصل بين مكوناته إلى الإجماع حول ضرورة طلب التحكيم الملكي·· فكان بذلك إجهاض للمعركة في مرحلة حساسة تمر منها، مما أعطى تعديلات 93 التي لم تستجب للمطالب النسائية ولم ترق إلى مستوى طموحات المرأة المغربية·
إن التعديلات، كما تمت سنة 93 لم تمس نهائيا الجوهر المتخلف والغارق في القدم الذي تأسست عليه نصوص مدونة الأحوال الشخصية، بقدر ما زادت من تكريس الدونية والميز حتى وسط النساء أنفسهن عندما حافظت على الولاية على الرشيدة وأعطت الحق للفتاة التي لا أب لها لكي تعقد على نفسها· فكيف يعقل أن نقسم المواطنين إلى ذوي الأهلية ومن يفتقدون إليها بهذه الطريقة التعسفية؟
أما فيما يتعلق بتعدد الزوجات، فإن تعديلات 1993 قد حاولت در الرماد فى العيون وإيهام النساء وحتى بعض مكونات الحركة النسائية على أنه تغير شيء يصدده ناهيك عن مسطرة التطليق وأحكام بيت الطاعة والطرد من بيت الزوجية واستمرارية الأسرة تحت رعاية الزوج· باختصار، فقد بقي البناء، كما هو شكلا وجوهرا، بالرغم من أن البعض ومباشرة بعد الإعلان عن التعديلات، بدأ يهلل في شيء من المواساة، معتبرا أن أهم مكسب للمرأة المغربية هو رفع القدسية عن المدونة، وهذا أمر غير صحيح، لأن مجرد طرح هذه المدونة للنقاش منذ سنوات عديدة يعتبر في حد ذاته رفعا للقدسية ولو بشكل نسبي، أما إخراجها الحقيقي من خانة المقدس فيتجلى في اعتبارها مجرد قانون عاد الحسم فيه من حق كل المتخصصين من علماء الاجتماع وأطباء قانونيين وعلماء النفس والاقتصاد، والفقهاء الذين يحركهم الصالح العام ورفع الظلم والضرر وليست حكرا على بعض المحافظين الذين تحركهم الرغبة الجامحة في العودة بالمجتمع إلى مرحلة القرن الثامن الميلادي حتى توقف الاجتهاد وعم التشدد ولم يعد دور أصحاب الفقه تكييف قراءاتهم واجتهاداتهم لمسايرة التطورات التي عرفها العصر بقدر ما اعتبروا أ حكام الشريعة كلها قواعد ثابتة لا يمكن بتاتا زعزعتها·
إن اللجنة التي عهد إليها بإدخال تعديلات 93 في أواخر الخمسينات، لذا كانت النتائج مخيبة للآمال· وما كان من الحركة النسائية المغربية إلا أن تستفيق من الصدمة التي كانت كبيرة لتحاول البحث عن موطن الخلل، وتبدأ في تقييمات أولية لإعادة ترتيب أوراقها من جديد من خلال عدة تساؤلات يجب الإجابة عليها وبشكل واضح وموضوعي :
ـ لماذا كان العمل الذي قامت به الحركة النسائية جبارا لتأتي الحصيلة سلبية بذلك الشكل؟
ـ ماهي مواطن الضعف في استراتيجية الحركة النسائية التي ساهمت في عدم ارتقاء المكاسب إلى المستوى المطلوب؟
ـ ماهي التغييرات التي يجب أن تطرأ على برامج الحركة النسائية ووسائل عملها ومجالات تدخلها وطريقة أدائها؟
ـ هل ستستمر هذه الحركة في إدارة ملف مدونة الأحوال الشخصية بنفس النهج الذي سارت عليه في ماقبل تعديلات 1993؟
إن الجواب على كل هذه الأسئلة يقتضي تقييما جزئيا وشجاعا وموضوعيا لمواطن الضعف والقوة في كل العمل، لطبيعة التنسيقات، للتصور للعمل الوحدوي لمدى استقلالية مكونات الحركة سياسيا وتنظيميا، لمدى اعتبار ملف حقوق المرأة هاجسها الوحيد ومحرك نضالها وأدائها الأوحد بعيد عن كل الحسابات والحساسيات·
إن الجواب على كل هذه الأسئلة الجوهرية يقتضي من كل مكونات الحركة النسائية النظر إلى هذا الكم الهائل من النساء المغربيات اللواتي ينتظرن منها الكثير ويعلقن عليها الآمال الكبيرة لأجل انتشالهن من واقع الذل والمهانة والدونية والميز والقهر الذي تزج بهن في مستنقعه فصول مدونة الأحوال الشخصية.  فرغم ما أتت هذه المرحلة من إلغاء لشرط إذن الزوج للحصول على جواز السفر وإلغاء الفصل 726 من قانون الالتزامات والعقود والفصل 418 من القانون الجنائي وكذا الفصل 336 من قانون المسطرة المدنية، فإن شبح مدونة الأحوال الشخصية بقي قائما بكل ثقله، ولم يعمل المشروع الجديد على تجاوز تلك القطيعة التي تعمقت منذ قرون بين الواقع والتشريع فاحتفظ بالنموذج الأسري للأسرة التقليدية الابيسية، متجاهلا تماما مطالب الحركة النسائية المغربية·
هذا الواقع توقفت عنده التنظيمات النسائية في تقييم مستفيض في إطار لجنة المتابعة لإقرار المطالب المستعجلة للمرأة المغربية التي صاغت مذكرة مطلبية جديدة وجهتها لوزارة حقوق الإنسان والبرلمان ووزارة الشؤون الاجتماعية والعدل والتي كان على رأسها حق الأبناء في البقاء في بيت الزوجية حاضناتهم·
وسط كل هذه المخاضات التي سبقت تعديلات 9 شتنبر 1993، عرفت الحركة النسائية المغربية توسعا بحيث عزز صفوفها التأسيس القانوني لجمعيتين نسائيتين هما : الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء والرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، جمعيتان ساهمتا بشكل كبير وايجابي في فتح تطوير النقاش في الاستراتيجية المقبلة للحركة النسائية انطلاقا من تقييم حصيلة المكاسب الراهنة·
وهكذا دأبت كل تنظيم على صياغة ورقة عمل عبارة عن تصور دقيق لطبيعة العمل والملفات التي يجب عليها التركيز عليها في الظرفية وبالرغم من أن العمل انصب على ملفات ذات راهنية مثل الحملة التي انطلقت فيها الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة في ابريل 1994 حول تعديل قانون الشغل مركزة على إدماج قدم وخادمات البيوت في قانون الشغل والتي أفرزت تنسيقا كبيرا أطلق عليها متابعة قضايا المرأة والشغل، أو تركيز الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء عن التحرش الجنسي في أماكن العمل، لكن بقيت مدونة الأحوال الشخصية مركز اهتمام الحركة النسائية، لأنها فعلا مصدر كل المشاكل والويلات التي تعاني منها الأسرة، وبالتالي المجتمع المغربي· فاعتبرت الحركة معركة المدونة عبارة عن تحد يقتضي جعلها قضية المجتمع بكل مكوناته، بنسائه ورجاله، فقررت التكثيف من حملات التوعية وسط كل الفئات العمرية والاجتماعية، وتسطير برامج التحسيس بالمسألة النسائية الموجهة إلى كل النساء من ربات البيوت إلى الأطر العليا المثقفة إضافة إلى إشراك كل مكونات المجتمع المدني والمتخصصين في مختلف العلوم، وكذا الفقهاء المتنورين لتطوير باب الاجتهاد الذي ظل مغلقا على مدى السنين الطوال·
ومن التنظيمات النسائية من اتجه إلى الاختيار الصعب، بفتح عدة ورشات للتحدي ميدانيا وسط كل النساء لإدماجهن في النضال من أجل الحقوق في جميع أنحاء المغرب، في المدن والقرى والدواوير·
وهذا يعني الرهان على قوة ضاغطة واسعة منخرطة في صيرورة النضال من أجل تغيير مدونة الأحوال الشخصية. فالاعتماد على الدراسات وفتح ورشات النقاش والتوعية، والتركيز على ضرورة بلوغ النساء مواقع القرار السياسي، لكي يضطلعن بدورهن في تغيير مجريات الأشياء من داخله... كل هذا عمل ذو أهمية قصوى، لكن كل هذه الجهود يلزمها إبداع في مجال تحريك الرأي العام والتوسيع التنظيمي، والارتباط اليومي والمستمر بالجمهور العريض من النساء المعنيات بهذا النضال، فلا أحد يمكنه ادعاء القدرة على الحلول مكانهن أو التحرك بمعزل عنهن، وإلا فلن تبقى القضية هي قضية كل النساء. وهذا الاتجاه سارت فيه الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، وبشكل ملحوظ، إلى أن بلغ المناطق النائية من المغرب، ومكنها من فتح عدة ورشات للتوعية والتأطير وسط النساء بإشراكهن، حتى في صياغة المطالب والدفاع عنها بشكل مستميت، كما استطاعت بعض الجمعيات سلوك نفس النهج، بينما نهجت جمعيات أخرى أسلوب الدراسات والبحوث فقط، واعتمدت أخرى على أسلوب الترافع. وهكذا بدأت الحركة النسائية تبتدع أساليب متطورة في تعاطيها مع ملف مدونة الأحوال الشخصية، وتعتمد على التكامل بين وسائلها وطرق عملها وبرامجها رغم تخصص كل تنظيم في الأسلوب الذي يراه قمينا بتطوير النضال النسائي.
وهكذا ابتدع اتحاد العمل النسائي أسلوب محاكمة بنود مدونة الأحوال الشخصية، استفادة مما أنجز على مستوى العالم العربي من طرف المحكمة العربية للنساء، كما انطلقت الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة في القوافل الوطنية، من أجل حقوق المرأة. وبلغت بها المناطق الأكثر تأخرا في المغرب، ناهيك عن العمل في مجال تكوين الأطر النسائية لزرع دماء جديدة في جسم هذه الحركة من خلال البرنامج الذي اعتمدته داخل المؤسسات التعليمية، أو بشراكة مع الجمعيات الشبيبية والثقافية والتربوية وأندية حقوق الإنسان، لنشر ثقافة المساواة والتربية على المواطنة.
وقد لجأت الحركة النسائية المغربية في نضالها من أجل المساواة إلى الوحدة حول ملف مطلبي، أطره شعار مركزي هو "من أجل تغيير شامل وجوهري لمدونة الأحوال الشخصية"، مع التركيز على المطالب الأساسية التي تشكل العمود الفقري لهذا التغيير المطالب به هي :

1- إلغاء الولاية أثناء الزواج بالنسبة لراشدات ؛
2- منع تعدد الزوجات ؛
3 ـ رفع سن الزواج إلى 18 سنة ؛
4 ـ جعل الطلاق بيد القضاء مع إلغاء مسطرة التطليق ؛
5 ـ إلغاء أحكام بيت الطاعة ؛
6 ـ جعل بيت الزوجية من حق الأطفال والحاضنة ؛
7 ـ الاعتراف بحق إثبات النسب بالطرق العلمية الحديثة (ADN) لحماية حقوق الأطفال ؛
8 ـ التنصيص على المسؤولية المشتركة للزوجين على الأطفال ؛
9 ـ خلق صندوق لتغطية النفقة مباشرة بعد الطلاق ؛
10 ـ التنصيص على اقتسام الممتلكات المتراكمة أثناء الزواج بعد الطلاق.
هذه المطالب تقدمت به الحركة النسائية للحكومة المغربية في عدة مناسبات، مطالبة بتحمل الدولة المغربية لالتزاماتها الدولية خاصة تلك التي التزمت بها في مؤتمر بكين سنة 1995، والتي وضع لها سقف زمني يجب احترامه باتخاذ إجراءات وتدابير عملية على مستوى اقتصادي واجتماعي وسياسي وقانوني للقضاء على العنف الممارس ضد النساء ومواجهة الميز الجنسي وإقرار المساواة القانونية بإحداث تغييرات في كل القوانين التي تحول دون إدماج النساء في صيرورة التنمية المجتمعية·

وقد عقدت الحركة النسائية أملها في حكومة اليوسفي لكي تستجيب لمطالبها خاصة عندما تم الاشتغال مع كاتب الدولة السابق الأستاذ المناضل سعيد السعدي حول مشروع خطة للنهوض بأوضاع النساء، فتكلل العمل بوثيقة اعتبرت مجرد حد أدنى توصلت إليه الحكومة والحركة النسائية تحت عنوان "مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية"

وبالرغم من هذا المشروع لم يستحب لكل المطالب النسائية، فقد اعتبرته أغلب التنظيمات خطوة إيجابية نحو المزيد من المكتسبات المستقبلية، لكنه للأسف، اصطدم بصخرة الحرب التي أعلنها عليها التيار المحافظ مباشرة بعد الندوة الصحفية التي أعلن فيها الوزير الأول في 19 أبريل 1999، أنه سيتحمل مسؤوليته في تفعيل إجراءات الخطة، وقد أعلن الانقلاب على المشروع من داخل حكومة التناوب عندما ألَّبَ وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق المجالس العلمية للتصدي لنفس المشروع الذي ساهمت وزارته في صياغته دون أن تبدي أي اعتراض. ولم يقف الحد عند بيانات المجالس العلمية، بل انضمت إلى جيوش العداء للخطة بعض الصحف والأحزاب والجمعيات المعروفة بتطرفها ومعاداتها لحقوق المرأة وللديمقراطية والحداثة، وأعلنت وصياتها على الدين، وباسم الدين كفرت الحركة النسائية وكل المناصرين للعدل والمساواة.
أمام هذه الحملة الإرهابية التي لم تكن تستهدف فقط الحركة النسائية، بل كل مكونات المجتمع المدني، التي تحمل المشروع المجتمعي الحداثي، لم تقف المنظمات النسائية مكتوفة الأيدي، بل اعتبرت الحرب المعلنة حربا لمصادرة حقها في الوجود، حربا لعزلها عن المجتمع، بل إنها حرب لاعتقال الفكر والعقل والاختلاف والتطور والتقدم، للزج بالمجتمع المغربي كاملا في ظلام القرون الوسطى·
أفرزت هذه المرحلة تنسيقين مهمين :
- الجبهة من اجل حقوق المرأة
- وشبكة دعم خطة إدماج المرأة في التنمية.
 هذان التنسيقان كانا يتكاملان في تحركهما وفي طريق إدارتهما للملف ؛ ففي الوقت التي عمدت الشبكة إلى جميع الفعاليات المثقفة ورص صفوفها وضع برنامج عمل للتأثير على أصحاب القرار، وفتح أوراش عمل كبيرة على مستوى وطني لبلورة جبهة عريضة مدعمة لحقوق المرأة وللمساواة والمواطنة ؛ انخرطت فيها كل الفعاليات ومكونات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والنقابية والجمعيات الحقوقية في كل أقاليم وجهات المغرب، واستطاعت في وقت قياسي أن تتحرك على جميع الواجهات لإثبات أن الإشكالية ليست إشكالية حقوق المرأة فقط بقدر ما هي إشكالية صراع بين مشروعين مجتمعيين :
- المشروع المجتمعي الحداثي الديمقراطي الذي يعترف لكل المواطنين بالحق في المساواة والمواطنة ؛
- مشروع نقيض تقليدي على شاكلة مجتمعات القرون الوسطى لا وجود فيه للرأي والرأي الآخر، ولا إيمان فيه إلا بمسلمة وحيدة : "من اختلف معي يجب أن يجرد من حقه في الحياة"·
ومن أجل أن تثبت الحركة النسائية حق ما أعلنته، جندت كل طاقاتها واستعانت بالمتخصصين في مجال الفقه من العلماء المتنورين وبعض الدارسين والمثقفين وعلماء الاجتماع والقضاة والقانونيين والخبراء وفي وقت قياسي أيضا أنجزت الدراسات التحليلية والبحوث الميدانية التي دحضت كل تأويلات التيار المحافظ للشريعة ومحاولاته لتزييف المطالب النسائية وجعلها متعارضة مع الإسلام ودخيلة على المجتمع المغربي· كما كشفت للرأي العام مدى الإساءة التي يسيئها هؤلاء الدين وهم يقدمونه في صورة الرافض للعدل والإنصاف والمساواة·
إن وعي مناضلات الحركة النسائية بكل الضمانات التي توفرها لها استقلاليتها السياسية وقوتها التنظيمية· وبكل محاولات الاحتواء أو العرقلة والتفجير أو التشكيك في مصداقية نضالها، جعلهن يدرن ملف مدونة الأحوال الشخصية في السنوات الأخيرة بالكثير من الحذر لتفادي الانزلاق وبالكثير من الإصرار والشجاعة دون كلل، حتى لا تضيع الفرصة عن حركتهن لتحقيق نقلة نوعية في مجال المساواة· فاستطعن أن يرقين بالحركة النسائية من حركة مطلبية إلى حركة اجتماعية بكل المقاييس لديها قوة اقتراحية انتقلت من تحصين تنظيماتها وتوسيعها وفتح أوراش التوعية والتحسيس وصياغة المطالب والتوحد حولها في إطار تنسيقات فاعلة، والتفاوض مع أصحاب القرار، إلى أسلوب الوقفات أمام البرلمان والمحاكم في العديد من المدن المغربية، ثم وقفات الأطفال والشباب للمطالبة بمدونة تضمن حقوق الطفل واستقرار الأسرة وتنظيم الاحتجاجات والمسيرات، مثل المسيرة الضخمة التي عرفتها مدينة الرباط يوم 12 مارس 2000، إضافة إلى فضح أساليب التطرف الديني في مواجهته لحقوق المرأة (المناظرة الدولية التي نظمتها الرابطة في 26 يناير 2002) إضافة صياغة خطط إعلامية جد موجهة وتنظيم مناظرات وطنية ودولية حول تفعيل آليات الاجتهاد لتغيير مدونة الأحوال الشخصية (الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، مجموعة ربيع المساواة) بل عمدت أيضا إلى ربط الجسور بين النساء المغربيات داخل المغرب والمهجر باعتبار أن المدونة تتخطى الحدود بسهولة وبدون تأشيرة ليطال حيفها المرأة المغربية أينما وجدت، فكان للمؤتمرات الدولية مثل مؤتمر "النساء المغربيان هنا وهناك" في نهاية شتنبر 2003 دور هام في تعرية المآسي التي تتسبب فيها المدونة والتي يجب أن يوضع لها حد بقرار سياسي جريء·


إضافة إلى كل هذا العمل الجبار فإن دور بعض وسائل الإعلام المغربية المناصرة لقضية المرأة، ودور بعض الصحفيات والصحفيين في تنوير الرأي العام وتحريكه كان بمثابة الدعم الحقيقي الذي زاد من تصدر المسألة النسائية جداول الأعمال ضمن الاولويات والقضايا الشائكة.
دعم هذا رد فعل الحركة النسائية الذي كان رادعا في مواجهته لحملة التشويش على قضية المرأة باسم الخوف من المرجعية الدينية، فالأمر لا يتعلق بتاتا بها، بل بما تخفيه من أهداف، لأن المرجعية هي المساواة، ولتحقيقها يتحتم الاعتماد على مقاصد الشريعة في تحقيق العدل. وعلى كل ما أنتجته الإنسانية، والمسلمون ضمنهم، من اتفاقيات ومواثيق لحفظ كرامة الإنسان رجلا كان أم طفلا أم امرأة ولتمتيعهم بكامل حقوق المواطنة·
هذا ما أكدت عليه الحركة النسائية حتى أثناء مرافعتها أمام اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية بعد تعيينها في 2001، وهذا ما صاغته في كل مذكراتها التي صاغتها في إطار مجموعة ربيع المساواة منذ تكوينه في 16 مارس 2001، سواء المذكرة التي وجهتها لأصحاب القرار من حكومة وبرلمان، أو في مذكرة الترافع أمام الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الحقوقية، أو تلك التي وجهتها للملك في يونيو 2003. والحركة النسائية انطلاقا من مصداقيتها ومشروعية نضالها لا تغلف تحركها بأي غلاف من أي نوع، لأنها أساسا ليس لديها ما تخفيه أو تحجبه عن العيون، والمعروف أن حامل هموم المظلوم الذي يئن من ويلات الضرر يكون أوضح من الوضوح· وأظن بأن ما استطاعت الحركة النسائية إنجازه على مستوى مدونة الأحوال الشخصية، حصيلة لا يمكن الاستهانة بها، فالتعديلات الأخيرة قد استطاعت في جزء منها الاستجابة لجزء مهم من المطالب النسائية وأركز على المكتسبات الجوهرية :

1 ـ الإقرار بمبدأ المساواة في المسؤولية المشتركة على الأسرة·
2ـ رفع الولاية على الرشيدة·
3 ـ رفع سن الزواج إلى 18 سنة·
4 ـ الطلاق الاتفاقي·
5 ـ التخلي عند مبدأ القوامة والطاعة مقابل الإنفاق·
6 ـ تقسيم الممتلكات المتراكمة أثناء الزواج بعد الطلاق·
7 ـ الحرص على حماية حقوق الأطفال·
8 ـ جعل بيت الزوجية من حق الأطفال والحاضن·


وأهم إنجاز تم هو جعل مدونة الأسرة بأكملها قانونا عاديا من ضمن كل القوانين الوضعية الأخرى، ومن اختصاص البرلمان مناقشتها، وهنا يكتمل رفع القداسة عليها·

خلاصة القول :

إن الحركة النسائية في هذا الوقت بالضبط تنتظرها مهام عظمى في مقدمتها :
ـ العمل على تحصين المكتسبات بالحرص على التطبيق السليم للمقتضيات الجديد للمدونة·
ـ متابعة كل المشاكل التي يطرحها هذا التطبيق على أرض الواقع·
ـ مواصلة كل أوراش التوعية والتحسيس والتأطير لتهييء أجيال جديدة تتبنى القضية النسائية وتحتضنها وتسير بها من أجل المواطنة والمساواة الحقيقية لأن معركة المدونة لم تنته بعد فلازالت النواقص، ولازالت تحمل بين موادها وفصولها الكثير من التناقضات يجب الانكباب عليها بكل جدية حتى لا يبقى الإنجاز ناقصا· لأننا خطونا خطوة على درب التقدم بالرغم من كل العراقيل والمعيقات، لكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أن المجتمع المغربي يتطور بخطى سريعة يجب أن يسايرها معالجتنا لقضاياه وعلى رأسها تغيير القوانين بشكل يساير العصر وتحولات الأسرة المغربية التي صارت عبارة عن الأسرة النووية ولم تعد تلك الأسرة التقليدية الممتدة في شكلها ومتطلباتها·

مؤسسة يطو
Ytto Fondation
Ytto-Fondation@menara.ma





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- ترقب في عدن لتداعيات خلاف صالح والحوثيين
- شويغو يطلع في معرض -الجيش-2017- على أسلحة مصادرة من المسلحي ...
- القاهرة تأسف لخفض المساعدات الأمريكية
- وفاة السفير الروسي في العاصمة السودانية الخرطوم
- عمر موسكو أكبر من 870 عاما!
- دمشق تدعو مجلس الأمن لإيقاف التحالف الدولي عند حده
- تركيا قلقه من دعم الولايات المتحدة لمسلحين أكراد
- موقع يوتيوب يحذف فيديوهات للحرب في سوريا
- أنصار الحوثي يصفون صالح بالغدار والامارات تغازل المؤتمر الشع ...
- الادعاء الفرنسي: أعضاء خلية برشلونة لم يزوروا باريس لمجرد ال ...


المزيد.....

- المشاركة السياسية للمرأة في سورية / مية الرحبي
- الثورة الاشتراكية ونضـال تحرر النساء / الاممية الرابعة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ملف - بمناسبة 8 مارس/ اذار 2005 يوم المرأة العالمي - مؤسسة يطو - المغرب - تاريخ الحركة النسائية المغربية في علاقتها بمدونة الأسرة