أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حبيب يوسف الخوري - خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغليّ القسم الرابع و الأخير















المزيد.....



خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغليّ القسم الرابع و الأخير


حبيب يوسف الخوري

الحوار المتمدن-العدد: 3890 - 2012 / 10 / 24 - 22:12
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


القسم الرابع و الأخير



لم يفعل كانط سوى أن صنّف الأحكام بيد أنّ أهميّتها تكمن في ترابطها التطوّريّ


بدلاً من مجرّد تصنيف الأحكام كتجريدات منعزلة واحدة عن الأخرى كما فعل كانط، ينبغي أن لا ننسى أنّ تلك ليست سوى تجريدات و يجب أن تكون مؤقّتة فقط، و أن نعيد الأحكام إلى أصلها (نظريّاً بالطبع) أي إلى العمليّة المعرفيّة الّتي جرّدناها عنها في مرحلة البحث، و أن نتحدّث عن المعرفة كتطوّرللأحكام المترابطة عضويّاً في عمليّة واحدة، و ذلك على النمط التالي:
1. الأحكام الأستتباعيّة التركيبيّة: و هي تركيب المعطيات الحسيّة في التجربة الحسيّة، تحت تأثير الصنف الرابع المذكور أدناه و عنصري الذهن البايولوجيّ و النفسيّ.
2. الأحكام الأستتباعيّة التحليليّة: و هي التي إعتبرها كانط مستحيلة، إلّا أنّها في الواقع تمثّل تحليل الظاهرة في مرحلة البحث، و تتسم بالسلبيّة إذ تعبّر عن عمليّة نفيّ، و هو نفيّ أحتوائيّ و مؤقّت للعناصر غير الجوهريّة في الظاهرة الحسيّة.
3. الأحكام السلفيّة التركيبيّة: و هي تمثّل إعادة تركيب الظاهرة في مرحلة العرض، أي نفيّ النفيّ.
4. الأحكام السلفيّة التحليليّة: وهي تمثّل تفسير لمفاهيم قائمة سلفاّ، إلّا أنّها ليست معرفة علميّة بالمعنى الدقيق للكلمة بل معرفة تعليميّة أو معلوماتيّة ما بعد مرحلة العرض، و هي تؤثّر على جميع أصناف الأحكام و بضمنها صنفها ذاته.


بدء العمليّة المعرفيّة بالمعطيات الحسيّة مستحيل و لكن ضروريّ

يتّضح الاَن أنّ ما يعتقده العقلانيّون بداية سلفيّة أو عقليّة للمعرفة هو ليس إلّا بداية المرحلة الثانيّة من العمليّة المعرفيّة أي مرحلة العرض أو بداية ما بعد العرض أي العمليّة التعليميّة. كما و يتّضح أنّ عمليّة المعرفة لا بدّ و أن تبدأ بالظاهرة المطلوب معرفتها، أي بالتجربة. و بالرغم من أنّ ذلك كان فعلاً ما إعتقد به التجريبيّون بيد أنّهم لم يكونوا تأريخيّاً مسلّحين بالمنهجيّة الّتي تؤهلهم للصمود أمام إنتقاد العقلانيّين و الشكيّ هيوم و كانط و هيغل.
و هكذا يتجلّى أمامنا كما تجلّت أمام هيغل حلّ معضلة نقطة إنطلاق العمليّة المعرفيّة، فهي لا بدّ و أن تبدأ بالتجربة و لكنّها لا يمكن أن تبدأ بالتجربة. إلّا أنّه و بالضدّ ممّا رءاَه هيوم و يراه الفلاسفة المهيمنون في عصرنا في ذلك التناقض من أستحالة حلّ تلك المعضلة و إستحالة الفلسفة كعلم، نستطيع أن نرى و كما رأى الديالكتيكيّ هيغل أنّ مفتاح الحل يكمن في ذلك التناقض نفسه تحديداَ. فبما إنّنا لا نستطيع أن نبدأ بالتجربة أو الظاهرة الحسيّة و مع ذلك لا بدّ و أن نبدأ بها، فأننا لا بدّ و أن نبدأ بنفيّها، مع ملاحظة أنّ على ذلك النفيّ أن يكون مؤقتاً و إحتوائيّاً. فنقوم بنفيّ عناصر الظاهرة واحداً بعد اَخر، بحثاً عن جوهرها النظريّ (أي نقيضها) حتى أن نكتشفه، كأفراد أم أجيال.

فعندما يدرك الذهن الفلسفيّ و العلميّ عدم صلاحيّة المعطيات الحسيّة في أن تكون البداية في تفسير الظاهرة، لا يعلن إستسلامه و إفلاسه، كما فعل رسمياَ أو عمليَاَ هيوم و فلاسفة بارزون في أوكسفورد (أيير و رايل) و كيمبريج (رسل و فيتغنشتاين) و فريبيرغ (ويبير و هايدغر و كارناب) و ماساتوسس (جومسكي) و هارفورد (كواين و بتنام) في سبيل المثال لا الحصر، بل يقوم بنفيّ تلك المعطيات إحتوائيّاً أي ديالكتيكيّاً. فالجوهر النظريّ هو النفيّ المثاليّ الديالكتيكيّ للظاهرة الحسيّة. إنّه نفيّ ديالكتيكيّ و ليس عدميّ، أي إنّه يحتفظ ضمناً (مثاليّاً) بجميع عناصر الظاهرة التي تمّ نفيّها فيه، و لذلك فهو مؤهل للتحوّل من هدف عمليّة البحث في ظاهرة معيّنة إلى بداية و أساس عمليّة عرض و تفسير تلك الظاهرة.


مرة أخرى حول رحلة تحطيم قيود الجهل و ظلامه و العودة مسلّحين بالعلم و نوره

وهكذا، و مع بعض التكرار و لكن بتفصيل أكبر، فأن رحلة أو حركة الفكر الديالكتيكيّة في عمليّة الأكتشاف العلميّ للحقيقة تمرّ في المراحل الثلاث لمنطق التطوّر:
أ. الطريحة: و هنا فهي منطلق مرحلة البحث (أو رحلة الذهاب)، حيث يظهر الشئ كمعطيات حسيّة. فبدءاً ينفي الذهن الشئ إستيعابيّا أو ديالكتيكيّا فيظهر ذلك الشئ كشيئيّة أو كينونة كونيّة شاملة خالصة، كحسّ مجرّد عن أيّ تحديد و تنوّع و تعدديّة إلّا أنّه يحتويهم ضمنيّاَ. و لذا فظهور الأشياء بدءاً لا يشكّل نوعاً و مضموناَ بل كمّاً و شكلاَ إيجابيّاً بمعنى المكان. إلّا أن مجرد بروز الشئ كحسّ موضوعيّ و إستفهام ذاتيّ يعني موضعة الشئ و تذويت الذهن أي تحوّل الشئ في ذاته إلى شئ للذهن أي تحوّله إلى موضوع للمعرفة أي ظهوره كاَخر محدّد بالوعي الذاتي. و ذلك التحديد يعني نفي شموليّة كينونة الشئ و خلوصها. أمّا النفيّ فهو كمّ سلبيّ بمعنى الزمان، ويؤدّي إلى الشعور بالتعدديّة و التنوّع بمعنى الشعور بالاَخر. و هذه هي بداية صيرورة الموضوع المعرفيّ و مضمونه، أي عمليّة الأنتقال من لاكينونة الموضوع إلى كينونته مروراً بالشعور الحسيّ و وصولاَ إلى الأدراك الحسيّ، أي حضور خصائص الشئ مثاليّاً كوجود ذاتيّ فرديّ في الأدراك الحسيّ و تبلوّرها كموضوع متميّز للمعرفة، حيث تمثّل الكلمة أو التعبير اللغويّ "حامله" أو "غلافه" المادّي (و هكذا في البدء كانت الكلمة!). إلّا أنّ سطحيّة الحسّ و فرديّته تحول دون منطقيّته و شموليّته و تجوهره. فيبقى موضوع المعرفة مبهماً و جوهره غامضاَ و ماديّته (أو ماديّة مصدره و موضوعيّته) موضع شكّ، و تبقى ذات المعرفة جاهلة لما هو ضروريّ في الموضوع و بالتالي عاجزة عن التفاعل الحر معه و تحت رحمة الأيمان به أو قلق الشكّ فيه. إنّ هذه الطريحة هي عبارة عن تراكمات حسيّة تحمل في داخلها ضدها المتمثّل بضرورة البحث عن جوهر الظاهرة و يمكنها أن تسفر عن تحوّل نوعيّ نحو تحقيق ذلك الضدّ.
ب. النقيضة: و هنا فهي مرحلة البحث عن الجوهر (أو رحلة الذهاب). فالعنصر الأول و المبدأيّ في منظومة حقيقة الأشياء لا بدّ و أن يكون جوهرها، و به يبتدأ تبيان ماهيّتها و عليه تستند معرفة المرء لها. و لذا يضع الذهن هدفاً مرحلياً له والذي يكمن في البحث عن تلك البداية و ذلك الجوهر. و يقوم الذهن بذلك و هو ذاته في مرحلة تأريخيّة معيّنة و لحظة معيّنة من تطوّره الأجتماعيّ-الثقافيّ و البايولوجيّ و النفسيّ و محيطه الأجتماعيّ و الثقافيّ في مرحلة تأريخيّة من تطوّره. فيقوم في البحث تحديداً في كينونة الظواهر الحسيّة ذاتها إذ أنها تحمل في داخلها ضدّها أي جوهرها أو قانون وجودها و الذي هو، في الأطار النظريّ، ليس إلّا تعبيراً عقلانيّاً مكثّفاً عن ماهيّتها و كيفيّة وجودها و العلاقة المنظوميّة بين عناصرها. و لذلك يتطلب بدءاً نفيّ تلك البدايات و الظواهر الملموسة حسيّاً (أي ظاهريّاً) و لكن مجرّدة عقلانيّاً (أي جوهريّاً)، و ذلك نفيّاً إستيعابيّاً و ليس عدميّاً، عن طريق تحليلها عقلانيّاً و الأستمرار في التحليل والنفيّ الأستيعابيّ حتى أن يصل الذهن في طريقه السلبيّ هذا الى إستحالة الأستمرار في التحليل و الى الحقيقة العارية و الخالصة لجوهر الأشياء. و تلك تكون أعمق نقطة في موضوع البحث و أشمخ نقطة في ذاته حيث يتمّ تجوهر المظهر و إستيعاب المعطيات الحسيّة للظاهرة، الّتي تمّ نفيّها، في جوهرها النظريّ. و هكذا فأنّ التراكمات سلبيّة لعمليّة النفيّ العقلانيّ للمعطيات الحسيّة يمكنها أن تتتوّج بتحوّل نوعيّ يتمثّل بأكتشاف ذلك الجوهر الملموس. و لكن ملموسيّة الجوهر تلك هي عقلانيّة فقط، فالجوهر النظريّ يبقى مجرّداً عمّا هو حسيّ أي لا يظهر حسيّاً. و لا بدّ من الأشارة أنّ عمليّة النفيّ في هذه المرحلة ترتبط بالتفاعل مع مختلف النظريّات الّتي يعتقد الباحث أنّها ضروريّة لتحقيق هدف البحث.
إنّ إكتشاف هيغل لهذه المرحلة و طبيعتها و المكانة الجذريّة لموضوعة الجوهر في الأكتشاف العلميّ للحقيقة و مسعاه لأيجاد ما هو أعمق من مجرّد أشكال الوعيّ الذاتيّ في مفهوم الكينونة، كلّ ذلك بات مصدر قلق أعداء الحقيقة و هدف إفتراء المتفننون في محاربتها (بوعيّ أو بدونه) بدءاً بشلينغ، الّذي شغل موقع هيغل في الجامعة بعد وفاته، و مروراً بكيركيغارد و نيتشه و هوسرل و هايدغر و مدرسة “ما بعد الحداثيين” و الوضعيّين و جميع الفلسفات الرسميّة المعاصرة.
ج. التركيب: و هنا يتحوّل الجوهر المكتشف، الّذي كان هدفاَ للبحث، إلى منطلق لتفسير ضدّه المتمثّل بالظاهرة التي تمّ نفيّها و إستيعابها فيه، و التي بدورها تتحوّل من منطلق للبحث إلى هدف للعرض و التفسير. فهنا يتمً نفيّ الجوهر النظريّ أو نفيّ النفي، بمعنى نفيّ لنفيّ كينونة الظاهرة، و ذلك عن طريق تراكمات إيجابيّة (بالضد من التراكمات السلبيّة الّتي كانت قد حصلت في مرحلة البحث) تؤدّي إلى تحوّل نوعيّ يتمثّل بإعادة ظهورها أو تمظهر جوهرها. و هذه هي رحلة الأيّاب من الجوهر الّذي تمّ إكتشافه عقلانيّاً و لكن كمجرّد عمّا هو حسيّ، إلى الشئ الّذي إبتدءنا بدراسته، مع فرق جوهريّ إذ إنّه ما بات ظاهرة حسيّة مجرّدة عمّا هو جوهريّ و غامضة مشتتة المضمون و كينونة فقيرة معرفيّاَ، بل ظاهرة ملموسة نظريّاً مضاءة بنور الجوهر و مضمونها منظّم على أساسه، و كينونة غنيّة بالتحديدات المعرفيّة لمكوّناتها تعرف بـ (المفهوم). فجوهر المعرفة هو ثابتها، و ثابت المعرفة يتحرّك إنتقاليّاً من الكينونة (الظاهرة الحسيّة) إلى المفهوم. و المفهوم هو وحدة و تناقض الظاهرة الحسيّة و جوهرها النظريّ، و هما لحظتان في صيرورته.
و ينبغي التأكيد هنا على أنّ هذا الجوهر هو جوهر نظريّ، أي ليس في ذاته و لا لذاته بل من خلال الاَخر أي إنّه خارجيّ و إنعكاس مجرّد، و الاَخر هنا هو الـ “أنا”. إنّ إغفال النقطة الأخيرة عنصر جوهريّ في الفلسفات المثاليّة الذاتيّة، و تلك هي موضوعة أنطلوجيّة بالدرجة الرئيسيّة تخرج عن إطار هذه المقالة.



الشئ في ذاته مطلق يتجلّى لنا كنسبيّ مجرّد حسيّاً ثمّ يتجوهر كمطلق و ملموس عقلانيّاً


كان هيغل محقّاً عندما دعى إلى التخلّي عن الرأيّ الّذي يعتبر المادّة الحسيّة ممثّلاً لما هو جقيقيّ و ملموس على النقيض من المفهوم و الّذي ينظر له كمجرّد لا غير. كما و أعتبر هيغل أنّ نبذ ذلك الرأي ليس شرطاً للتفلسف فحسب بل و لفهم معنى التديّن و الشعور بالحاجة للديانة.
إنّ الفلسفة توّفر نظرة منطقيّة في واقع الكينونة الحسيّة؛ إنّها تفترض مراحل الشعور و الحدس كسابقة للفهم بقدر ما إنّهما شرطان من شروط سفر تكوينه، و هو مشروط بهما. فالتفكير المجرّد ليس مجرّد إلغاء للمادة الحسيّة، بل إنّه نفيّ ديالكتيكيّ (أي إستيعابيّ) و إختزال مؤقّت لها (أي لما هو ظاهريّ) إلى ما هو جوهريّ و الّذي يتجلّى في المفهوم.
فالجانب الحقيقي في موضوعات الحسّ هو الكليّات، و الأحساس لا يظهر موضوعاته في كليّتها بل في جزئيّتها. و لذا فأن كانت تلك الجزئيّات حقائق فهي نسبيّة، و إنّ النفيّ العقلانيّ لذلك الأحساس و الأستيعابيّ لتلك الجزئيّات هو كذلك نفيّ لنسبيّتها و الّذي يؤدّي إلى إنتاج حقيقتها المطلقة أي جوهرها و إعادة إنتاج تلك الكليّات بشكل تصوّرات و مفاهيم و نظريّات عن طريق الخيال و التجريد أو الأستدلال، و بالتالي إنتاج حقيقتها الملموسة نظريّاً، فالحقيقة الملموسة هي كليّة الشئ كوحدة و تناقض جوهره و مظهره. و هكذا فأنّ معارضة إطلاقيّة الحقيقة و نسبيّتها هي مسألة ضروريّة، و لكن ليس بالمفهوم المنطقيّ الصوّريّ الّذي يعاملهما كتجريدين منعزلين و يجبرك على أن تختار ما إذا كانت الحقيقة مطلقة أم نسبيّة، بل وفق المنطق الجدليّ (الديالكتيكيّ) حيث إنّ الحقيقة هي مطلقة و نسبيّة في اَن واحد. فالنسبيّ هو ظهور المطلق أي تحوّله من شئ في ذاته إلى شئ لنا. و المطلق هو تجوهر الظاهرة أي تحوّلها من شئ لنا إلى شئ في ذاته.
أوضح هيغل أنّ شكل اللحظتين في صيرورة المفهوم يتحدد من قبل العلم المعيّن قيد الأعتبار. فهو في المنطق الخالص الكينونة و الجوهر و مستقل عن صيغته النفسيّة، و في علم النفس فهو الشعور و الحدس و من ثمّ التفكير عموماً، و في الأبستملوجيا فالأرتقاء إلى عمليّة الفهم -المفهوم- يتمّ من خلال الأنتقال من الوعيّ الحسيّ إلى الأدراك. إلّا أنّ المفهوم و في كلّ الأحوال هو حصيلة تراكمات تأريخيّة. و أشار هيغل إلى أنّ تركيز كانط، أو إقتصاره إلى حدّ بعيد، على الشعور و الحدس يظهر أحّد النواقص بالغة الأهميّة التي عانت منها فلسفته.
إضافة إلى ذلك، فأنّ المفهوم العلميّ على هذا النحو غير مكتمل بعد، إذ عليه أن يرتفع إلى مستوى الفكرة العلميّة و التي هي وحدها تمثّل وحدة المفهوم و الواقع، أي وحدة الشئ لنا و الشئ في ذاته.
إنّ لاأدريّة كانط كانت قد قامت على أساس إدّعاء عدم إمكانيّة معرفة الأشياء كما هي فعلاً في ذاتها و إنّه يتعذّر الوصول إلى الحقيقة عن طريق القوى المعرفيّة للمنطق، و إنّ الحقيقة المشار إليها أعلاه و الّتي تتكوّن من وحدة موضوع المعرفة و المفهوم هي في نهاية المطاف، برأيّ كانط، ليست سوى مظهر و إنّ المضمون ليس سوى تنوّع حدسيّ في إطار التجربة. إلّا إنّ واقع الحال الّذي إكتشفه هيغل هو العكس تماماً، ففي المفهوم تحديداً يجري إحتواء التنوّع و عن طريق المفهوم يجري إختزال موضوع المعرفة إلى طبيعته الجوهريّة و المطلقة و ليس العرضيّة و النسبيّة. إنّ تلك الطبيعة الجوهريّة تدخل مجال المظهر و لذلك فالمظهر ليس خالياً و مجرّداً من كينونته الجوهريّة بل إنّه تجليّ لها.


الفكرة الّتي لا تتوافق مع الواقع العمليّ وهْم، و الواقع الّذي لا يتوافق مع الفكرة العلميّة وهْم أيضاً

إنّ الفكرة كوحدة المفهوم و الموضوعيّة، أي كحقيقة، لا يمكن أن تعتبر مجرّد هدفاً علينا التقرّب منه، بل على العكس إذ علينا أن نعترف أنّنا لا يمكن أن نعزو أيّة فكرة بالعلميّة فقط بقدر ما تعبّر عن الواقع فحسب، بل و إعتبار أيّ شئ واقعيّاً فقط بقدر ما يعبّر عن الفكرة العلميّة. كما و أنّه لا ينبغي على العالمين الموضوعيّ و الذاتيّ عموماً أن يكونا في إنسجام مع الحقيقة فحسب، بل إنّهما ذلك الأنسجام ذاته، أي إنسجام المفهوم و الواقع؛ إنّ الفكرة الّتي لا تتوافق مع الواقع العمليّ ليست سوى وهماً، كما و إنّ الواقع الّذي لا يتوافق مع الفكرة العلميّة ليس سوى وهماً و مظهراً و ذاتيّاً و عرضيّاً و متقلّباً.

إنّ الفكرة الذاتيّة هي في المقام الأول دافع، و بخلاف شوبنهاور (الّذي حاضر في نفس الجامعة الّتي حاضر فيها هيغل و في نفس الفترة، إلّا أنّه ترك التدريس إذ لم يحضر لمحاضراته سوى عدد قليل من الطلبة في الوقت الّذي كانت محاضرات هيغل دوماً مكتظّة) فالطبيعة الخاصّة لهذا الدافع ليست رغبة بلا منطق كما شاء شوبنهاور أن يعتقد، بل و وفق الفيلسوف هيغل فهي نفي الدافع لذاته إستيعابيّاً و جعل من واقعه المجرّد واقعاً ملموساً يملأه مضمون العالم المفترض من قبل ذاته. فهذا الدافع هو إذاً دافع نحو الحقيقة بقدر ما إنّها الحقيقة بالمعنى الدقيق للكلمة أي وحدة الفكرة النظريّة و الفكرة العمليّة.
إنّ المفهوم الذاتيّ في الفكرة النظريّة، كالشامل الّذي يفتقر إلى أيّ تحديد نابعاً منه ذاتيّاً، يقابل العالم الموضوعيّ و الّذي يستمدّ منه مضموناً محدداً، و لكن في الفكرة العمليّة فالمفهوم الذاتيّ واقعيّ إلى درجة إنّه يتفاعل مع ما هو واقعيّ.
بالرغم من كون الفكرة النظريّة أكثر ملموسيّة و إطلاقيّة من أيّة فكرة أخرى إلّا أنّها لا تزال تعاني من بعض التجريد و النسبيّة، و هو تحديداً تجريد عن الفكرة العمليّة، و الشئ في ذاته لا يزال في الأطار النظريّ فقط أي في نهاية المطاف شيئاً لنا. إنّ الفكرة النظريّة أو المعرفة تفهم أو تفسّر ذاتها (الّتي تتضمّن المعطيات الحسيّة) فقط، فالموضوعيّة بالنسبة لها هي عبارة عن معلومات، أمّا ما هو جوهريّ و واقع حقاً فهو الواقع الّذي يجابهها بشكل مستقل عن الأفتراضات الذاتيّة، و الّذي منه يمكنها أن تستمدّ علميّتها، أي من خلال تجوهر الظاهرة.
أمّا بالنسبة للفكرة العمليّة (أو التطبيق) فبالعكس، إذ أنّ ذلك الواقع الّذي يجابهها يعتبر بدون قيمة جوهريّة و الّذي يجب أن يحصل على قيمته (البشريّة) من خلال أهداف إنتاج الخيرات الماديّة أي تمظهر الجوهر.
و لذا فأنّ الأرادة العلميّة هي تجليّ الفكرة النظريّة في طريقها لتحقيق هدفها، و الأرادة العمليّة هي تجليّ للفكرة العمليّة و هي الوحيدة الّتي تقف في طريق الفكرة العمليّة لتحقيق هدفها. فالفكرة العمليّة تفصل نفسها عن الفكرة النظريّة، و الواقع الخارجيّ بالنسبة لها لا يحظى بشكل الكائن الحقيقيّ. و لذا فأنّ الفكرة العمليّة أو فكرة إنتاج الخيرات الماديّة تجد تكاملها في فكرة الحقيقة فقط. إنّ الخلل في الفكرة العمليّة هو إفتقارها للفكرة النظريّة.


موضوع الفلسفة هو المطلق و منهجيّة تجلّيه حصراً و قصراً


في وحدة النظريّة و التطبيق تختفي فرديّة الموضوع كظاهرة مسلّم بها، و يكتسب الموضوع هويّته الذاتيّة الشاملة و تضفى على المفهوم موضوعيّة لا تقلّ حقيقة عن معرفة الذات لذاتها، كمفهوم محدّد في ذاته و لذاته و هكذا ففي هذه النتيجة، حيث تتوحّد النظريّة مع التطبيق العمليّ، فأنّ الواقع المعطى هو في الوقت ذاته الهدف المحقٌّق؛ و لكن بينما في عمليّة البحث تتجلى الموضوعيّة كعالم موضوعيّ بدون ذاتيّة المفهوم، فهي تظهر في نهاية عمليّة العرض، كعالم موضوعيّ يحتوي في أرضيّته الداخليّة و وجوده الفعليّ على المفهوم. و في هذا تحديداً يتجلى أمامنا المطلق (أو الفكرة المطلقة أو الروح المطلقة كما شاء لهيغل أن يسمّيه).
و هكذا فالمطلق هو وحدة النظريّة و التطبيق، أمّا كلّاً منهما على حدى فيعاني من أحاديّة الجانب و تحتوي على المطلق كهدف غير متحقق.
إنّ المطلق هذا هو موضوع الفلسفة الوحيد. فهو كونيّ شامل يمكنه أن يستوعب جميع التحديدات إطلاقاً، وطبيعته الجوهريّة هو العودة إلى ذاته من خلال تحديده الذاتيّ أو تخصصه، و ذلك يشكل العمليّة التأريخيّة للتطوّر. فالمطلق يعود ليتجلّى ككينونة في مستوى أرقى، و الّتي هي بدورها تتطوّر إلى المطلق في مستوى أرقى من الّذي سبقه. و هكذا فالمطلق يتحرّك على شكل تطوّر حلزونيّ تأريخيّ، لا بل و أنّه تلك العمليّة التأريخيّة ذاتها. و بما إنّه ذات أشكال متنوّعة، فمهمّة الفلسفة تكمن في معرفته في تنوّعه هذا.
و لأزالة بعض الغموض عن بانلوجستيكيّة الفلسفة الهيغليّة في إعتبار هيغل الطبيعة و النفس شكلان لوجود الفكرة المطلقة، ينبغي العمل على بلورة فكرة إعتبار اللوغوس الهيراقليطيّ الجوهر الأنطلوجيّ للمطلق. و اللوغوس الهيرقليطيّ هو عبارة عن القوانين الكونيّة أو الشاملة للكون و بضمنه العمليّة المعرفيّة (إلّا إنّ ذلك ليس من مهام هذه المقالة).
و ربّما من الأدّق التأكيد على أنّ الفكرة المطلقة تتّخذ أبستملوجيّاً شكل وحدة و تناقض الفكرة النظريّة و الفكرة العمليّة، فليس الطبيعة و النفس في ذاتهما و وجودهما الخالص بل في صيرورتهما الأجتماعيّة، حصراً، يمكن إعتبارهما شكلان لوجود الفكرة المطلقة تلك. و ذلك يعني أنّ الفكرة المطلقة ليست العملية التأريخيّة لتطوّر الطبيعة و النفس أو تأريخيّتهما فحسب، بل تأريخيّة معرفة تلك التأريخيّة و وفق المنهج التأريخيّ لحركة الفكر، و ذلك من الشئ لنا كملموس حسيّاً و لكن مجرّد عقلانيّاً إلى الشئ في ذاته كملموس عقلانيّاً و لكن مجرّد حسيّاً و من ثمّ الرجوع إلى الشئ لنا و لكن كملموس، حسيّاً و عقلانيّاً، أي كشئ في ذاته، نظريّاً و عمليّاً. و ذلك تحديداً هو ضربة فنيّة قاضية للعقليّة الكانطيّة و جميع الفلسفات المهيمنة في عصرنا الراهن.
إنّ الفنّ و الدين هما شكلان مختلفان لفهم المطلق، أمّا الفلسفة فلديها نفس محتوى و هدف الفنّ و الدين، إلّا أنّها أرقى شكل لفهم المطلق، و ذلك الشكل هو المفهوم العلميّ؛ و هكذا فهي تشمل الأشكال ذات المحدوديّة النوعيّة (كموضوعات الفيزياء و علم الأجتماع) و كذلك الأشكال الكميّة اللانهائيّة (موضوعات الرياضيّات)، و إنّ معرفة تلك الأشكال هي من مهمّة تلك العلوم الخاصّة (و الفلسفيّة في جوهرها). و لذا فالّذي ما يزال ينبغي أخذه بنظر الأعتبار كموضوعة فلسفيّة خاصّة هو ليس المحتوى في ذاته بل الجانب الشامل لشكل ذلك المحتوى، و ذلك هو، أنطلوجيّاً، القوانين الشاملة لحركة الأشياء و الفكر أي الأسلوب الكونيّ للوجود أي اللوغوس الهيراقليطيّ، و الّذي يتجلّى أبستملوجيّاً كمنهج شامل موّحد لجميع الموضوعات و العلوم في شخص الفلسفة كثالوث أنطلوجيّ و أبستملوجيّ و ميثودولوجيّ، و كشكل حركة الذهن و إسلوب وجوده كثالوث إجتماعيّ- ثقافيّ و بايولوجيّ و نفسيّ.

و هكذا فأنّ موضوع الفلسفة ليس الشئ في ذاته فحسب كما في الأنطلوجيا المهيمنة في المرحلة ما قبل الحديثة، كما و إنّه ليس الشئ لنا فحسب كما في الأبستملوجيا الكانطيّة، بل إنّه وحدة و تناقض الشئ في ذاته و الشئ لنا، و ذلك هو المطلق.


الخوف ليس الحالة الطبيعيّة للشعب المتحضّر

يرى اَينشتاين، الّذي بلغ عقله سرعة الضوء، “أنّ الخيال أهم من المعرفة. فالمعرفة محدودة، أمّا الخيال فيحيط بالعالم" (The Saturday Evening Post, October 26, 1929). إنّ الخيال يلبّي طلب الأرادة الذاتيّة لتجاوز ما هو معروف و كسر حاجز اللامعروف، بالرغم من بقائه محدوداً باللامعروف و مستعبد من قبل المعروف. فيتمتع الخيال بحريّة تمكنّه من تجاوز الحدود الموضوعيّة للحظة الراهنة في رحلته نحو الأكتشاف و الأختراع، منطلقاً من الوضع القائم للمعرفة و ما يعتبر حقيقة راهنة نحو حقيقة جديدة. و لكن و لكي يكون الخيال واقعيّاً ينبغي على الواقع أن يكون موضوعيّاً.
و يتّفق جميع الفلاسفة، و كما بيّن هيغل و بحق في مقدمة الجزء الأول من موسوعة العلوم الفلسفيّة، أنّ الفكر لن يرضى بأي شيئ أقلّ من تبيان ضرورة حقائقه و إثبات وجودها الموضوعيّ.
و هكذا يصبح هدف الخيال تطابقه مع تلك الموضوعيّة. فالخيال الّذي لا يجد موضوعيّته يدخل في متاهة و يصبح وهماً و خيالاً غير واقعيّ و حريّة مزيّفة، و في كثير من الأحيان يؤدي إلى الشعور بالخوف و إنعدام الثقة و الحزن و الكاَبة. أمّا الخيال الّذي يجد موضوعيّته و يطابق نفسه معها، فهو خيال واقعيّ يتحوّل إلى معرفة، و الّتي تتمتع بحريّة أكثر حقيقيّة، إذ أنّها بدورها تعبيراً عن ضرورة وجود موضوعاتها (أي القوانين الموضوعيّة لوجود تلك الموضوعات)، ممّا يؤدّي إلى شعور الفرد بالأمن و الثقة و السعادة، و يمكّنه من الفعل في محيطه و التفاعل معه بحريّة أكبر. كم قويّة هي كلمات أونغ سان سو شي إذ تقول في 1991 في برقيّة قبولها لجائزة زاخاروف 1990 لحريّة الفكر “إنّ الخوف ليس الحالة الطبيعيّة للشعب المتحضّر”.


اولى بوادر ميلاد الفلسفة

كما رأينا فأنّ العمليّة المعرفيّة تبدأ بالنفيّ العقلانيّ للمعطيات الحسيّة. و الذهن البشريّ، و الّذي هو هادف بطبيعته، يتأثّر بجملة عوامل تأريخيّة إجتماعيّة-ثقافيّة و بايولوجيّة و نفسيّة في عمليّة النفيّ العقلانيّ تلك، ضمن عمليّة تحديده و إدراكه و فهمه لموضوع معرفته، إن كان شجرة في سبيل المثال أم غصن أم ورقة أم ثمرة أم موقع طيور معيّنة أم منظر للرسم أو لألتقاط صورة أم موقع رومانسيّ للتقبيل أم مصدر ظلّ أو وقود أو غذاء أم ملجأ إختفاء أم نموذج بحث علميّ أم مجرّد خيال أم مجموعة خلايا حيّة أو جزيئات أم ذرّات أم ألكترونات أم فوتونات أم كجزء من هذا الكون ام بضاعة أم عائق أمام مشروع ما أم أحد العوامل المؤثّرة في البيئة أم مثال مطوّل كهذا أم مجموعة من هذه الأحتمالات أم جميعها سويّة. و بناءاً على ذلك تأخذ عمليّة النفيّ العقلانيّ الذاتيّ مجراها لتحدد طبيعة موضوع المعرفة المعيّن في إطار معيّن ضمن مختلف الأصعدة الفيزيائيّة و الكيميائيّة و البايولوجيّة و النفسيّة و الأجتماعيّة، فلا توجد موضوعيّة خالصة. و كما بيّن هيغل أنّه بينما تكون عمليّة الفهم في تحديد معيّن لموضوع المعرفة فهي تنسى أو تحجب مؤقّتاً التحديدات الأخرى، و بذلك فقط يمكنها أن تكون في إنسجام مع هدفها في تحديد هويّة الموضوع المعرفيّ. و عندما نقول “مؤقّتاً”، فذلك قد يعني لحظات في تأريخ الفرد، أو ألفيّات في تأريخ البشريّة، و هو ما تمّ ذكره في بداية هذه المقالة بصدد تنوّع العلوم و حجب الفلسفة و عدم رؤية الغابة بسبب الأشجار.
عندما يصبح الكون بأجماليّته، و ليس فقط عناصر أو أجزاء أو جوانب منه، موضوعاً للمعرفة، و يجري التفكير به ككلّ واحد موحّد في تنوّعه، و عندما يحيط الخيال بالكون بأكمله بما فيه الخيال ذاته و ذهن ذلك الخيال، حينها تظهر أولى بوادر ميلاد الفلسفة.


ثلاثة قوانين تهزّ العالم

و عندما يحقق الذهن الفلسفيّ في بحثه عن جوهر الكون تراكمات كميّة لعمليّات نفيّ إستيعابيّ لجميع الظواهر الكونيّة إطلاقاً، لسبب بسيط هو أنّها ظواهر و ليست جوهراً و مضامينها خاصة و ليست كونيّة شاملة، يحدث تحوّل نوعيّ حيث تتحوّل الظواهر الفرديّة إلى ضدّها في شخص جوهرها الكونيّ و الّذي تمّ نفيّها فيه. لتبدأ عمليّة العرض الفلسفيّ لنتائج البحث في شكل تراكمات كميّة لعمليّات نفيّ إستيعابيّ للجوهر المكتشف (أي نفيّ النفيّ السابق) تؤدّي إلى تحوّل نوعيّ عن طريق تفسير الظواهر الّتي كانت مبهمة. ففي أطار ما هو شامل تجري عمليّة تشكّل المقولات الفلسفيّة، و في أطار الظواهر الخاصّة تجري عمليّة تشكّل العلوم الخاصّة بتلك الظواهر (فيزيائيّة، بايولوجيّة، إجتماعيّة و غيرها) و فلسفات تلك العلوم و مناهجها الخاصّة و تطبيقاتها العمليّة.
ذلك هو المنهج الفلسفيّ العلميّ . و في إستخدام هذا المنهج لأكتشاف جوهرالكون بأسره تتجلّى “المعجزة” أو الروعة الفلسفيّة. فبعد نفيّ شموليّ لجميع المضامين لا يتبقّى سوى الشكل الشامل و هو المنهج ذاته! و هذه هي الميثودولوجيا. و المنهج هو حركة الفكر، و منطق تلك الحركة هو بالجوهر حركة الأشياء ذاتها أي إسلوب وجودها! و هذه هي الأنطلوجيا. و المنهج هو تذويت الموضوع و موضعة الذات! و هذه هي الأبستملوجيا. و في الوحدة العضويّة لتلك العلوم الثلاثة تتجلّى الفلسفة.
و مما ذكر أعلاه و بأستخدام المنهج ذاته لن يكون صعباً إستنتاج أنّ قانون وحدة و صراع الأضداد و قانون التغيّرات الكميّة تؤدّي إلى تغيّر نوعيّ و قانون نفيّ النفي هي القوانين الديالكتيكيّة الّتي تحكم حركة الأشياء و حركة الفكر (المتمثّلة في ذلك المنهج الفلسفيّ ذاته!) و تمثّل أنطلوجيّاً جوهرها الكونيّ الّذي يتجلّى لنا أبستملوجيّاً كحقيقة مطلقة.



اللوغوس أصالة هيراقليطيّة و رشد هيغليّ

إنّ الحقيقة هي الكلّ الملموس. و مع ذلك فالكلّ ككامن ليس إلّا الجوهر أي المطلق، الّذي يشمل جميع الظواهر الّتي تمّ نفيّها فيه خلال مرحلة البحث أي خلال عمليّة صيرورته المثاليّة. و ذلك الجوهر هو اللوغوس و الّذي يعود فيكمّل ذاته عن طريق تطوّره الذاتيّ خلال مرحلة العرض. و ذلك يعني ظهوره نسبياً. و ظهوره نسبيّاً يعني ظهوره نسبة لكلّ من تلك الظواهر و فيها و الّتي كان قد تمّ نفيّها فيه، و كذلك نسبة للمقولات الفلسفيّة وفقاً لوجهة النظر المعيّنة. و يقوم الجوهر بتنظيم ظهور جميع عناصر الظاهرة قيد البحث في منظومة نظريّة تعبّرعن كليّة تلك الظاهرة. و حيث أنّ تلك الظاهرة هي الكون بأجمعه، فاللوغوس هو القوانين الديالكتيكية الشاملة، و المنظومة هي منظومة العلوم بأجمعها.
و في التطبيق العمليّ و التأريخيّ للمنظومة النظريّة المعيّنة يتحقق التجليّ النسبيّ للوغوس كفكرة مطلقة، أي التجلّي النسبيّ للشئ في ذاته كشئ لنا، أي تجلّي الحقيقة المطلقة لشئ معيّن نسبة لهذا الفرد أو ذاك أو لهذه الأشياء أو تلك. فالمطلق و النسبيّ يشترطان واحدهما الأَخر.
و هكذا فبعد حوالي 2300 عام من تجلّيه كمبدأ أنطلوجيّ لدى هيراقليطس ترعرع اللوغوس عبر التأريخ في خضم تفاعلات أنطلوجيّة و أبستملوجيّة ليبلغ سن الرشد ميثودولوجيّاً لدى هيغل و يتّخذ فلسفيّاً شكل المطلق.
كان لا بدّ لهيغل أن ينتقد ديالكتيكيّاً أرقى الفلاسفة تطوّراً في تأريخ الفلسفة، و من بينهم كان كانط، و أن يبرهن إمكانيّة وجود الفلسفة كأنطلوجيا، و ليس فقط كأبستملوجيا و ضرورة وحدتهما منهجيّاً. إلّا أنّه لا بدّ و إنّ يكون كانط معذوراً حينما أعتقد خطأً، كما سبق ذكره، أنّه “إن كان المطلق (أي الشئ في ذاته) معروفاً لكان نسبيّاًّ، و ذلك لا يجوز كونه تناقضاً”، إذ أنّ ذلك كان قد إستبق إكتشاف المنهج الديالكتيكيّ. أمّا “الفلاسفة” بعد هيغل و المهيمنون في عصرنا، فكيف يمكن معذرتهم؟



متعة الأيقاع الفلسفي بدلاً من الخاتمة

إنّ خاتمة هذه المقالة هي تجلّي لبدايتها لتعود و تتجلّى في بداية جديدة وفق ذات المنهج الّذي إستعرضناه. و لو نظرنا فنيّاً إلى هذا المنهج لرأينا أننا إنطلقنا من التجربة العمليّة (و هي مجرّدة عن الجوهر) فخطونا خطوة إلى الوراء و رجعنا إلى الأصل أو الجوهر (و هو مجرّد عن التجربة العمليّة) و ثمّ تقدمنا خطوة إلى الأمام فعدنا إلى التجربة العمليّة (و هي موحّدة مع الجوهر). و هكذا فمرّة أخرى خطونا خطوة ثانية إلى الأمام و بحركة حلزونيّة تصاعديّة إتخّذنا من جديد خطوة إلى الأمام إلى التجربة العمليّة و ثمّ رجعنا مرة أخرى خطوة إلى الجوهر و ثمّ تقدّمنا خطوة إلى التطبيق و هلّم جرى.
و بنفس الرؤيا رجعنا خطوة إلى هيغل ثمّ تقدّمنا خطوة إلى عصرنا من جديد و أخرى قدماً نحو التوحيد الفلسفيّ للعلوم بمختلف أنواعها.
و كأنّها قواعد رقصة على إيقاع فلسفيّ و ألحان علميّة متنوّعة: خطوة إلى الوراء و خطوتان إلى الأمام في مسار حلزونيّ تصاعديّ.


يا فلاسفة العالم إتّحدوا و وحّدوا التنوّع المعرفيّ!!!



المراجع الرئيسيّة

Leibniz, G.W. “New Essays on Human Understanding, 1704” Translated by J. Bennett, 2010.
Hume, David “Essays Concerning Human Understanding, 1777” London.
Kant, Immanuel “The Critique of Pure Reason, 1781” Translated by J. M. D. Meiklejohn.

Hegel, G.W.F. “Phenomenology Of Spirit, 1807” Translated by Terry Pinkard.

Hegel, G.W.F. “The Science Of Logic, 1832 , 1813, 1816” Translated by George di Giovanni.

Hegel, G.W.F “Encyclopaedia of The Philosophical Sciences, 1830” Part I, Transl. by W. Wallace
Part II Transl. by A.V. Miller
Part III Transl. by W. Wallace





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,650,634,688
- خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغل ...
- خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغل ...
- خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغل ...


المزيد.....




- رامز جلال -يُرعب- محمد هنيدي من تحت الطاولة.. شاهد ردة الفعل ...
- الانتخابات الرئاسية الجزائرية: أدنى مشاركة في انتخابات تعددي ...
- الانتخابات التشريعية البريطانية: فوز بوريس جونسون بالأغلبية ...
- اليونان ترد على تركيا بالتواصل مع خصومها في ليبيا!
- الداخلية التركية تدرج القيادي الفلسطيني محمد دحلان على قائمة ...
- تشيلي.. لا ناجين من حادث الطائرة المنكوبة
- عزل ترامب.. مناقشات حادة في مجلس النواب الأميركي وتأجيل التص ...
- اختيار حرف "ري" أول رمز حروف "كانجي" الص ...
- مؤتمر للمانحين الأوروبيين لإعادة إعمار ألبانيا بعد الزلزال ا ...
- أقلّ من 40% من الناخبين الجزائريين أدلوا بأصواتهم في الانتخا ...


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حبيب يوسف الخوري - خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغليّ القسم الرابع و الأخير