أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حبيب يوسف الخوري - خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغليّة















المزيد.....



خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغليّة


حبيب يوسف الخوري

الحوار المتمدن-العدد: 3887 - 2012 / 10 / 21 - 23:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


القسم الأول من أربعة أقسام


إنّ هذه المقالة عمل فلسفيّ بحت، فهو لا يدور حول موضوعات رياضياتيّة أو فيزيائيّة أو كيميائيّة أو بايولوجيّة أو سايكولوجيّة أو سوسيولوجيّة و لكنّه يشملها. و في الوقت الّذي ينفي تلك الموضوعات فهو يحتويها. إذ في البدأ تظهر جميع الأشياء و موضوعات جميع العلوم معرفيّاً ككينونة، و الكينونة مقولة فلسفيّة.

بصدد فلسفة تطوّر الفلسفة

هناك حاجة بشريّة طبيعيّة و منطقيّة، أجتماعيّة و بيؤيّة، علميّة و تعليميّة، صحيّة وأخلاقيّة، سياسيّة وإنسانيّة، أن يستعيد الذهن البشريّ وحدته المعرفيّة التي نفيّت عن طريق تعمّق تنوّعه المعرفيّ. فكان قد قاد الوعيّ الفلسفيّ عند الأغريق على وجه الخصوص وحدة العمليّة المعرفيّة، و ذلك أدّى بالضرورة الى نقيض تلك الوحدة أي الى بروز التنوّع المعرفيّ الذي كانت تحمله في داخلها و ارتقائه الى معارف و علوم متخصّصة. فأنقلب الحال رأساً على عقب و حلّ التعدد و التخصّص العلميّ محل الوحدة المعرفيّة، و بات يتعذّر رؤية الغابة بسبب الأشجار. و أساساً و بدءاً، لم تكن تلك إلّا حالة كميّة أي شكليّة و خارجيّة في المعرفة. و لكن تعمّق و تطوّر التمايّز و التنوّع و تشكّل العلوم و التخصّصات المختلفة أدّى الى نشوء حالة ثقافيّة و فكريّة جديدة نوعيّاً. فتجاوز الوحدة المعرفيّة و فقدانها يعني حالة إغتراب و تشتت أصابت و تصيب الذهن البشريّ. و مع ذلك فأن الذهن المغترب يضلّ حاملاً ضمناً في داخله حالته الطبيعيّة و التي هيّ وحدته الانطولوجيّة. فنفيّ الوحدة المعرفيّة ليس أنطلوجياً بل فينومينولوجياً أي ليس اجتثاثاً لها من الذهن بل تحوّلها من فاعل الى كامن.
إنّ الوعيّ الفلسفيّ، الذي كان قد قاد العمليّة المعرفيّة الى تنوّعها و نفي وحدتها، هو الوحيد القادر تأريخيّاً و الملزم علميّاً و أخلاقيّاً على قيادة عمليّة إعادة توحيدها و محققاً بذلك تكامل الذهن و استعادته لذاته.
إنّ غياب رؤية كونيّة و فلسفة رائدة ساهم و يساهم في إغراق المعرفة بالتفاصيل و الحيلولة دون رؤية الصورة الكاملة للأشياء. وهذه مسألة حسّاسة للغاية لضرورتها المنطقيّة والعلميّة وإلحاحيّتها الأخلاقيّة. إذ فاق تطوّر واقعنا التكنلوجيّ والاقتصاديّ تطوّر وعينا في إجماليّته بدرجات خطيرة، و أصبحنا كمراهقين في حوزتهم وسائل دمار عالميّ، ومحرومين من الوسائل التي تجعلنا في وئام مع الطبيعة، كما و ضعفت قدرتنا على التحكّم بعواقب أفعالنا إلى درجة مرعبة.
فهناك عمليّة تسميم للعقل الفلسفيّ المبدع و الوعيّ الباحث عن الحريّة من النمط السقراطيّ، و ذلك على وجه الخصوص منذ بداية القرن الـ20 . و تأخذ هذه العمليّة مجراها في إطار مؤسسات ايديولوجيّة و ايديولوجيّات النظام الأقتصاديّ-الأجتماعيّ العالميّ القائم. كما و تجري عمليّة تحويل حرفيّ بيروقراطيّ للفلسفة و تقولبها عن طريق أدلجة معاييرها و أهليّتها فضلاً عن أدلجة الجهات الرسميّة التي تشرف على تلك العمليّة. و تنسحب عمليّة الأدلجة هذه على مختلف الأصعدة الثقافيّة و الأعلاميّة. و ذلك كلّه يزيد من ندرة التفاعل الفلسفيّ بين عموم الناس والتي بدورها تعزى لأسباب تتعلّق بالجوع و الجهل و الخوف من السقوط ضحيّة للفقر و المرض و الأعتقال و الأغتيال و التعذيب و البطالة. و كلّ ذلك يصبّ في مسعى النظام الأقتصاديّ-الأجتماعيّ العالميّ القائم لأخفاء الحقيقة حول موضوعيّة طبيعته الأحتكاريّة و اللاديمقراطيّة و كون تفاقم أزماته لا بدّ و أن يؤدّي إلى إنهياره. فلا بدّ له من محاربة الحقيقة، و الفلسفة هي علم الحقيقة.
إنّ الفلسفة كعلم تمثّل حقيقته المطلقة. و بهذا فهي مطابقة لمفهوم العلم كمعرفة المطلق. فمفهوم العلم فلسفيّاً و علم الفلسفة هما وجهان لعملة أو عمليّة واحدة، و هي إكتشاف ماهيّة الأشياء و كيفيّة وجودها كما هي في ذاتها من خلال البحث في تلك الأشياء كما تظهر لنا، أي معرفة المطلق الكامن في نسبيّة الأشياء، أو معرفة إطلاقيّة الحقيقة في نسبيّتها.
و تتنوّع المجالات العلميّة، فوفق الجانب النوعيّ للظواهر المحددة هناك العلوم الطبيعيّة و مطلقاتها و الأجتماعيّة و مطلقاتها، و وفق الجانب الكميّ للظواهرهناك العلوم الرياضيّاتيّة المتخصّصة و مطلقاتها. أمّا وفق الوحدة الكونيّة للظواهرالمتنوّعة فهناك، بالطبع، الفلسفة و مطلقاتها.
تتطوّر الفلسفة و جميع العلوم الأخرى عن طريق إنتقاد النظريّات التي تفرز أكثر الأشكاليّات تطوّراً و طرح حلّاً لتلك الأشكاليّات و بديلاً لتلك النظريّات. و في المنطق الجدليّ للتطوّر تمثّل النظريّات القائمة الطريحة التي تحمل في داخلها نقيضها و إشكاليّاتها، أمّا البديل فهو تركيب الطريحة و النقيضة في وحدة أرقى من كليهما، و التي بدورها تمثّل طريحة تحمل في داخلها نقيضها و هكذا إلى أن يحقق البحث العلميّ في ظاهرة معيّنة هدفه في إكتشاف حقيقتها المطلقة أي جوهرها أو قانون وجودها.
و تتداخل و تتكامل الفلسفة مع جميع العلوم الأخرى و لذا فهي تتميّز عنها. فخصوصيّتها تتمثّل بشموليّة إشكاليّاتها التي تتناقض مع خصوصيّة إشكاليّات العلوم المختلفة و تظهر فيها.
رغم إختلاف الفلاسفة، فأنّ الفلسفة تمثّل علميّاً منظومة من ثلاثة عناصر مرتبطة عضويّاً. فتهتم الفلسفة بمعرفة ماهيّة و كيفيّة وجود الأشياء كما هي في ذاتها، أو كونيّة الأشياء، و ذلك يمثّل عنصرها الأنطولوجيّ. و في حين تعني العلوم المتنوّعة بمعرفة الأشياء في مختلف المجالات الفيزيائيّة و الكيميائيّة و البايولوجيّة و النفسيّة و الأجتماعيّة الخ، تهتمّ الفلسفة بمعرفة مالذي يعني أن نعرف، أي بماهيّة المعرفة و حدودها و كيفيّة وجودها، و هذا هو عنصرها الأبستملوجي (المعرفي). أما عنصرها الميثودولوجيّ (المنهجيّ) فيمثّل شكل صيرورة الوجود و المعرفة و كيفيّة تحقيق حركتهما كحقيقة و واقع، و بذلك فهو يعبّر عن وحدة و تناقض الأنطلوجيا و الأبستملوجيا. و هكذا إكتمل تأريخيّاً و يكتمل نظريّاً نضوج الفلسفة كثالوث أنطلوجيّ-أبستملوجيّ-ميثودولوجيّ، ثلاثة في واحد و واحد في ثلاثة.
فعلى ذلك المنوال النظريّ للفلسفة إتّسم تأريخها بتعاقب الهيمنة الميثودولوجيّة-الأنطلوجيّة و الميثودولوجيّة-الأبستملوجيّة وصولاً إلى إكتمال نضوجها في الثالوث الأنطلوجيّ-الأبستملوجيّ-الميثودولوجيّ. إذ أنّ البحث في ظاهرة ما لا بدّ و أن يبدأ موضوعيّاً من كينونتها، حيث لا يوجد ما هو أكثر مباشرة و بدائيّة من ذلك، فالأشياء في ذاتها تبدأ بالظهور لنا ككينونة. و بما أنّ هذا يصحّ لأيّ علم، فهو إذاً حقيقة فلسفيّة و يستوجب إنطباقها على نظريّة الفلسفة ذاتها قبل أيّ علم اَخر. كما و ينطبق ذلك على البدايات التأريخيّة للفلسفة، فابتدأ تأريخ عمليّة البحث الفلسفيّ بالكينونة بمعنى الشكل الحسّي للفكر لدى طاليس و ما تلى ذلك كان إمّا وحدتها مع اللاكينونة في صيرورتها الماديّة كتغيير و حركة لدى هيراقليطس أو وحدتها المثاليّة الخالصة كثبات و سكون لدى برمانيدس.
و هكذا فأنّ بداية الفلسفة كانت أنطلوجيّة، إذ أنّ البحث في الكينونة أنطلوجيّ. إلّا أنّ تطوّر الطريحة الأنطلوجيّة للفلسفة التي إستهدفت معرفة طبيعة الوجود، حملت في داخلها، بالضرورة، نقيضها الأبستملوجيّ، و الّذي بدأ يتّضح لدى سقراط و أفلاطون و أرسطوطاليس، في بحث طبيعة المعرفة و إمكانيّاتها. و مع ذلك دامت الهيمنة الأنطولوجيّة حتى نهاية القرون الوسطى أي حتى أن بدأ الفكر الفلسفيّ تحرره من قيود و عبوديّة السلطات التقليديّة الدينيّة و السياسيّة و المؤسسات الأكاديميّة في تلك الفترة و إبتداء ما تسمّى بالمرحلة الحديثة. إنّ ما تحقق من تحرر الفكر وضع الذهن أمام ضرورة معرفة نفسه و مدى إمكانيّاته على المعرفة. و إبتدأ الفيلسوفان فرانسيس بيكون و رينيه ديكارت محاولة تحقيق ذلك. و بذلك شقّا الطريق إلى هيمنة أبستملوجيّة دامت حتّى ظهور فلسفة هيغل الّتي قامت بتركيب الطريحة الأنطلوجيّة و نقيضها الأبستملوجيّ في منظومة فلسفيّة عن طريق منهجها الديالكتيكيّ.
يمثّل الأنتقال من طريحة الهيمنة الأنطلوجيّة إلى نقيضتها الهيمنة الأبستملوجيّة و ثمّ وحدتهما الديالكتيكيّة في الفلسفة الهيغليّة، زبدة فلسفة تطوّر الفلسفة. و فيما يلي بعض الجوانب الرئيسيّة في تأريخ ذلك التطوّر مع التركيز على العنصرين الأبستملوجيّ و الميثودولوجيّ إنسجاماً مع هدف هذه المقالة في التحقيق المنهجيّ للوحدة الفلسفيّة و التحقيق الفلسفيّ للوحدة المعرفيّة.

بداية الفلسفة و الهيمنة الأنطولوجيّة

بعد حوالي 3000 عام منذ بدء الحضارة على كوكبنا، و ذلك في بلاد الرافدين و مرورا بالهند والصين و أمريكا الجنوبية وتواصلاً مع بابل (كمركز للتبادل الفكريّ بين الشرق و الغرب) و مصر و الكلدانيين، ظهرت بدايات الفلسفة كعلم في المدن الأغريقيّة غرب آسيا الصغرى (ايونيا) في أفكار طاليس (حوالي 634 ق.م.-543 ق.م.) و في الفلسفة الداويّة للاو تزو (ما بين القرنين الـ6 و الـ4 ق.م.) و حوارات كونفوشيوس (حوالي 551ق.م.-479ق.م.) في الصين، و في أفكار بودا في الهند (حوالي 563ق.م.-483ق.م.).
ويمكن وصف الفكر ما قبل الفلسفيّ حول طبيعة الأشياء بالأسطوريّ و الخرافيّ والدينيّ، أي قائم على أساس الخيال و الأيمان و المعتقدات. فالأساطير عبارة عن قصص تدور حول أشخاص (والّذين قد يكونون آلهة أو أبطالاً أو أناساً عاديين) تعتبرهم فوق الطبيعة و وراء ظواهرها، أي إنّها تفسّر الطبيعة بقوى خارقة من خارج الطبيعة. و عموماً فتفكير كهذا لايتّسم بأنتظام داخليّ وتماسك منطقيّ، و هو في نفس الوقت محافظ تجاه التقاليد و متعصب إزاء الخروج عنها و لا يحبّذ النقاش و الجدل و يميل للفرض و ذاتيّة التبرير بدلاً من موضوعيّته.
أما الفكر الفلسفي، و بدءاً بطاليس، الذي أعتبره أرسطوطاليس الفيلسوف الأول، فظهر كبديل علميّ يستند إلى المعرفة و يسعى، على رأس العلوم الأخرى، إلى تفسير الظواهر الطبيعيّة عبر الظواهر الطبيعيّة ذاتها.
كما و كان ظهورالفلسفة موضوعيّاً و حتميّاً، أي لم يكن عمليّة إعتباطيّة أو إختياريّة بل تلبيّة لحاجاتنا الأجتماعيّة و الطبيعيّة و طبيعة ذهننا التوّاق لمعرفة حقيقة الأشياء ليس تفصيلاً فحسب بل و جملةً كذلك.
إتّسمت الأشكاليّات الخلّاقة و المعالجات الأوليّة التي ميّزت البدايات التأريخيّة للفلسفة، كما ذكر أعلاه، بهيمنة أنطلوجيّة أي إنّها دارت حول ماهيّة الأشياء و كيفيّة وجودها. أمّا أبرزها فكانت:

- مصداقيّة و إطلاقيّة الصيرورة و الحركة، و وهميّة و نسبيّة الكينونة و السكون لهيراقليطس (حوالي 535ق.م.-475ق.م.)
- مصداقيّة و إطلاقيّة الكينونة و السكون، و وهميّة و نسبيّة الصيرورة و الحركة لبرمانيدس (بداية القرن الـ5ق.م.) و زينون (حوالي 490ق.م.-430ق.م.)
- مثاليّة الفيثاغوريين الموناديّة (القرن الـ5ق.م.)، أتباع فيثاغورس (حوالي 570ق.م.-495ق.م.)

- ماديّة ديموقريطس (حوالي 460ق.م.-430ق.م.) الذريّة
- جدليّة سقراط (حوالي 469ق.م.-399ق.م.)
- عقلانيّة أفلاطون (429ق.م.-347ق.م.) و مثاليّته الموضوعيّة

-تجريبيّة أرسطوطاليس (384ق.م.-322ق.م.) و فلسفته الروحيّة الملموسة

و كما تمّ ذكره سابقاً، فبالرغم من النشاط الابستملوجيّ و المنهجيّ و خاصة لدى سقراط و أفلاطون و أرسطوطاليس، إستمرّت هيمنة النشاط الأنطولوجيّ حتّى نهاية القرون الوسطى.

أزمة الفلسفة و بعث القرون الوسطى في الواقع الراهن

إنّ نزعة تسلطيّة غير فلسفيّة في تطور الفلسفة، شبيهة بالّتي إبتدأت في القرن 20، كانت قد حصلت في القرون الوسطى. هذه الأخيرة كانت ذات محتوى دينيّ و عقائديّ و شكل سياسيّ و أيديولوجيّ في ظلّ إحتكار الأقطاع و مصالحه، أمّا التي تحصل في المرحلة المعاصرة فهي ذات محتوى سياسيّ و أيديولوجيّ و شكل دينيّ أو أكاديميّ في ظلّ أحتكار رأس المال. و بالرغم من محاولة بعض الفلاسفة في القرون الوسطى، و خاصة أغسطينوس هيبونيسيس (354م-430م) و أبن رشد (1126م-1198م)، و بلباس دينيّ في ظلّ السلطتين المسيحيّة و الأسلاميّة ، إستخدام الفلسفة الأفلاطونيّة-الجديدة و الأرسطوطاليسيّة و القيام ببعض النشاطات الفلسفيّة، إلّا أنّ البناء الفوقيّ تتوّج في هيمنة عبوديّة فكريّة هائلة في خدمة الأتجاهات و التعاليم اللاهوتيّة.

عصر النهضة و المذهب الأنسانيّ

و بحلول عصر النهضة (القرن الـ14-القرن الـ17) في اوربا، بعد قرون من السبات و القهر الفكريّ، ظهرت محاولات متعددة للقيام ببداية فكريّة جديدة من خلال رفض الأعتماد على المنظومة الفكريّة المهيمنة و أركان السلطة و التسلّط في مجالات التعليم و العلوم. فجرت محاولات تثوير التعليم و رفض التسلّط الأكاديميّ و تجديد التركيز على الحريّة الفرديّة. و عبّر أتباع ما سمّي بالمذهب الأنسانيّ (القرن الـ14-القرن الـ17) عن ثقة عالية بجبروت العقل كمصدر لفهم الطبيعة البشريّة و مكانة الأنسان في الطبيعة. كما و منح المذهب الأنساني بعض المفكّرين الثوريين كجيوردانو برونو (1548-1600) فرصة دمج تطوّرات العصر الفكريّة مع بعض العناصر الفكريّة الكلاسيكيّة في وجهة ميتافيزيقيّة (فلسفيّة) جديدة. و أدّى ظهور تلك الوجهة إلى تغيير هامّ في اَفاق معرفة العالم الطبيعيّ. فدافع كوبرنيكس، و على أرضيّة نظريّة، عن رؤية مركزيّة الشمس بدلاً من مركزيّة الأرض، و دعم كبلر ذلك بتأويلات و قوانين فيزيائيّة-فلكيّة-رياضيّاتيّة، و أضاف غاليليو سلسلة من الملاحظات الأرضيّة و الفضائيّة المباشرة و جهداً جديّاً لتفسير تلك الرؤية. و بالتركيز على أهميّة الملاحظة شرع علماء عصر النهضة بوضع الأسس لرؤية تجريبيّة عميقة للعالم.
و بينما قام عصر النهضة بتشجيع التخلّي عن النظام السكولاستيّ في التعليم، لم يستطع هو نفسه تقديم أكثر من وعد بأمكانيّة إستبدال ذلك النظام، يوماً ما، بطرق تفكير جديدة. و إلى جانب الاَمال الكبيرة التي علّقت على المعرفة و قدراتها، و بالضدّ منها، نمت شكوك بالغة حول إمكانيّة المعرفة أساساً. و بالعثور على عمل الفيلسوف الأغريقيّ سكستس أمبيريكس (حوالي 160م-210م)، أدخل بعض ممثلي المذهب الأنساني تقليد مذهب الشكّ الكلاسيكيّ كعنصر في تفكير عصرهم.

فلسفة المرحلة "الحديثة" و الهيمنة الأبستملوجيّة

و على خلفيّة متكوّنة من المذهب الأنسانيّ و التوّجه العلميّ الجديد و تحديّ مذهب الشكّ، إهتمّ فلاسفة ما تسمّى بالمرحلة "الحديثة" (نحو نهاية القرن الـ15 - نحو نهاية القرن الـ19) بمحاور فلسفيّة مختلفة: أبستملوجيّة و أنطولوجيّة و منهجيّة و أخلاقيّة. و تميّزت هذه الفلسفات عموماً باستقلال متزايد عن السلطات التقليديّة الدينيّة و السياسيّة و المؤسسات الأكاديميّة، و ذلك في ظلّ ليبراليّة التعدديّة البرجوازيّة و حداثة الحريّات الحقوقيّة الشخصيّة للقوى العاملة.
فبعد سبات عميق و عبوديّة فكريّة جائرة طوال القرون الوسطى، عاد الذهن الفلسفيّ للنشاط ليحرر نفسه من الجمود العقائديّ و الأملاء الفوقيّ و الأغتراب الفكريّ، و أبى أن يتقبّل أيّة كانت من التصوّرات و المفاهيم و الأفكار كحقائق دون التأكّد من صحّتها و مصداقيّة مصدرها (العقل كان أم الحس) و تبيان ضرورة تلك الحقائق (أي قوانين وجودها). و شرع الفلاسفة في البحث في طبيعة الذهن و ماهيّته و كيفيّة وجوده لمعرفة إمكانيّته على التوّصل إلى حقيقة ماهيّة الأشياء و كيفيّة وجودها قبل الشروع أو الأقرار بمعرفة تلك الحقيقة. أي و بأختصار جرى ترديد التفلسف السقراطيّ و التأكيد على ضرورة معرفة الأنسان لذاته قبل موضوعه.
و لذلك إتّسمت هذه المرحلة "الحديثة"، و خاصة منذ القرن الـ17، بهيمنة أبستملوجيّة إتّخذت شكل تناقض بين العقلانيّة و التجريبيّة. و ضمن أبرز ظواهرها و محاورها الفلسفيّة يمكن أدراج:
-عقلانيّة ديكارت (1596-1650) و إطلاقيّة التضاد بين المادّة و الوعيّ

-عقلانيّة سبينوزا (1632-1677) و إطلاقيّة وحدة الروح و الطبيعة

-تجريبيّة لوك (1632-1704) الحسيّة

-عقلانيّة لايبنتز (1646-1716) و المونادات (الجواهر) المتعددة

-تجريبيّة بيركلي (1685-1753) و أحاديته المثاليّة

-تجريبيّة هيوم (1711-1776) و مذهبه في الشكّ، ونفيّ الطبيعة الجوهريّة للوعي والمادة على حدّ سواء

-هدف كانط (1724-1804) في تجاوز الأنقسام التقليديّ بين العقلانيّة و التجريبيّة


الفلسفة ما بين العقلانيّة و التجريبيّة
زعم الفلاسفة العقلانيّون أمثال ديكارت و سبينوزا و لايبنتز أنّه بأستطاعة العقل إنتاج مفاهيم فكريّة خالصة، غير مستمدّة من التجربة، و بأمكانها تزويدنا بمعرفة عن الكون و الأشياء المختلفة. أمّا الفلاسفة التجريبيّون و على النقيض من العقلانيين، فأعتقدوا أنّ المصدر الأصليّ للأفكار و المعرفة يكمن في التجربة الحسيّة. فحاجج كلّاً من الفيلسوفين الماديّ لوك و المثاليّ بيركلي ضد زعم العقلانيين بصدد قدرة الأنسان على الحصول على معرفة سلفيّة عن العالم (بمعزل عن التجربة)، كما و رفضا أمكانيّة وجود أفكار فطريّة، مصرّان على أن مصدر الأفكار الأساسيّ هو التجربة الحسيّة.


يستخدم الأنسان أصول العقل الفطريّة أمّا الحيوانات فتعتمد كليّاً على التجربة العمليّة

أعرب الفيلسوف العقلانيّ لايبنتز عن أهميّة تحليل الفيلسوف التجريبيّ لوك و علّق عليه في كتابه "أبحاث جديدة في العقل الإنساني". و هو من حيث الشكل حوار بين فيلاليثيس (محب الحقيقة) الذي يمثل لوك، وثيوفيلوس (حبيب الاَلهة) الذي يمثل لايبنتز نفسه. والمسألة المطروحة للبحث يعرضها لايبنتز كالتالي: نريد أن نعرف ما إذا كانت النفس في حدّ ذاتها خالية تماماً، كالصفحة التي لم يكتب عليها شيء بعد، طبقاً لما قالا به أرسطوطاليس و لوك، و إنّ كلّ ما يسجّل عليها يأتي فقط من الحواس والتجربة، أم تحتوي أساساً على أصول من الأفكار والمبادئ التي توقظها الأشياء الخارجيّة، كما إعتقد أفلاطون (و لايبنتز نفسه كذلك). ومن رأيّ لايبنتز فالذهن ليس وعاءاً سلبياً للتجربة، بل عضواً مركّباً يحوّل بمقتضى تركيبه و وظائفه معطيات الحسّ إلى متطلبات المعرفة، مثلما أن الجهاز الهضميّ ليس مجرّد كيساً فارغاً، بل جهازاً لهضم الطعام وتحويله إلى متطلبات الجسم. و أشار لايبنتز الى أنّه تنبع في الذهن أفكاراً مبدأيّة كـ "الوجود" و "الجوهر" و "الوحدة" و "السبب" و "الأدراك الحسيّ" و "العقل" وانطباعات كثيرة أخرى لا يمكن أن تعطيها الحواس، بل أنها فطريّة كأعضاء للهضم العقليّ، و ذلك بغض النظر عمّا إذا كنّا نعيها أم لا، و بمعنى أنّها جزء من التركيب أو الكيان الأصليّ، أو "الاستعدادات الطبيعيّة" للذهن والتي بدونها لاتوجد أفكار، بل مجرد تعاقبات مهوّشة من الأحاسيس، كالطعام الّذي بدون عمل المعدة وعصاراتها الهضميّة لا يغذّينا و لذا فهو ليس طعاماً.
والأصول الفطريّة، في رأيّ لايبنتز، تشمل كل الحقائق الضروريّة، مثل تلك الموجودة في الرياضيّات الصرفة، و إنّ الّذي يزوّدنا بها هو العقل و ليس الأحساس. وإنّ كلّ شئ حسيّ هو فرديّ طارئ أو أحتماليّ، و يمكن أن يمدّنا بتعاقب متكرر و لكن ليس بتعاقب ضروريّ أو علّة ضروريّة. واعتبر لايبنتز أنّ كلّ غرائزنا وكلّ قوانين العقل فطريّة، بالرغم من أنها لا تصبح واضحة إلّا بالتجربة. و مثال على ذلك مبدأ عدم التناقض (لا يمكن لبيان و نقيضه أو الأثبات و نفيّه أن يكونا صحيحين في الوقت ذاته)، وكذلك مبدأ السبب الكافيّ (لا يحدث شيء دون سبب لحدوثه على النحو الذي حدث فيه). وذهب لايبنتز لتبيان أنّ الذكاء البشريّ يختلف عن الذكاء الحيوانيّ في أنّه يستنتج أفكاراً عامة من تجارب معيّنة عن طريق استخدام أصول العقل الفطريّة، أما الحيوانات فهي تعتمد كليّاً على التجربة العمليّة.


الردّ العلميّ للتفلسف هو الشكّ و الردّ العمليّ للشكّ هو الأيمان

ناشد الفيلسوف التجريبيّ هيوم نشاط الذهن لمعالجة إشكاليّة الفيلسوف العقلانيّ أفلاطون بصدد مصدر الأفكار الرياضياتيّة، و استخدم نفس المثال حول التساوي الذي كان قد استخدمه أفلاطون في مؤلّفه "فيدو"، و أشار الى أنّ التساوي ليس فكرة سلفيّة أو فطريّة بل علاقة بين أشياء، موضّحاً أنّ فكرة التساوي تنشأ عندما يقوم الذهن بالمقارنة بين تلك الأشياء. و لذا فأنّ التساوي ليس "شكلاً أفلاطونيّاً" نتذكره لأننا كنّا قد عرفناه في "حياة سابقة"، بل أنّه فكرة يوّلدها الذهن من التجربة الحسيّة.
بيد أنّ هيوم إختلف كذلك مع تجريبيّة أرسطوطاليس، و ذلك حول المعرفة المستقاة من التجربة (أي الأستقراء)، إذ إنّه لم يعتقد بقدرتنا على التعميم أو إستقراء ما هو شامل من الأشياء الخاصة. فأشار هيوم إلى أنّنا في تفكيرنا الأعتياديّ و العلميّ، نطّبق الماضي على المستقبل، فنعتقد، مثلاً، أن الشمس ستشرق في اليوم التالي لأنّها دائماً كانت قد شرقت في الماضي. و لكن رغم أنّ التفكير بهذه الطريقة الأستقرائيّة، أي الأنطلاق من اطٌّراد ظاهرات معيّنة في الماضي للخروج بتعميمات و أستنتاجات حول المستقبل، هو عادة بشريّة بحتة، إلّا أنّ تبريره الفلسفيّ غير مؤكّد، أي أننا لا نستطيع أن نثبت منطقيّاً صحة هذه الطريقة في التفكير و حتميّة إستنتاجاتها. فرغم شعورنا بوجود ترابط ضروريّ بين الماضي و الحاضر، إلّا أنّ ذلك الشعور لا يأتي من إدراكنا لعلاقة ضروريّة في العالم الخارجيّ بل مجرد توّقع و ربما إيمان موجود في أذهاننا التي إعتادت على ملاحظة تكرار تعاقب ظاهرات معيّنة. إنّ ضرورة ذلك التعاقب التي يفترضها الذهن بحكم العادة و الفطرة السليمة لا يمكن إثباتها لا عن طريق العقل و لا عن طريق التجربة.
و لكن رغم وضوح و قوّة مذهب الشكّ لدى هيوم فأنّه حاجج ضد راديكاليّة مذهب الشكّ الديكارتيّ. فأعتبر إرجاء الحكم على أيّ إفتراض، لا نستطيع و دون أدنى شكّ برهنة يقينيّته، بمثابة سخافة و إستحالة نفسيّاً و عمليّاً. و أوضح هيوم أنّ طبيعة الأنسان، كالحيوان، تطرح الأيمان كبديل غريزيّ، موضوعيّ، لاإراديّ لذلك الأرجاء و لتلك اليقينيّة. فيرى هيوم كما أنّ الشكّ هو الردّ العلميّ للتمنطق و التفلسف و التنظير، فأنّ الأيمان هو الردّ الطبيعيّ و الموضوعيّ للشكّ. و نسبة لهيوم فأنّ مذهب شكّ مخفّف و غير راديكاليّ هو الوحيد الممكن عمليّا. فعلينا تبنّي تلك الشكوكيّة بحذر و أعتدال، و إدراك قابليّتنا على إرتكاب الأخطاء، و تجنّب الخرافات و الدوغمائيّة.
و في نهاية مؤلّفه "بحث في الفهم البشريّ" زعم هيوم أنّ تمييزه بين العلاقات بين الأفكار من جهة و أمور الواقع من جهة أخرى، يمكنه أن يخدم التفكير الأنتقاديّ، فيقول "إذا تناولت أيّ كتاب، لاهوتيّاً كان أم ميتافيزيائيّاً (فلسفيّاً)، مدرسيّاً في سبيل المثال، عليك أن تتساءل: هل يحتوي على تمنطق مجرّد بصدد الكم أو العدد؟ و هل يحتوي على أيّ تمنطق تجريبيّ بصدد أمور الواقع و الوجود؟ فأن كانت الأجابة على كِلا السؤالين بكلّا، فأرميه في النار، إذ لا يمكنه أن يحتوي على غير سفسطة و وهم". و بهذه التصريحات الحادّة جدّاً كان هيوم قد إستبق الفلاسفة الوضعيين المنطقيين في عصرنا، و الّذين أيضاً يرفضون جميع البيانات غير التجريبيّة أو غير المنطقيّة البحتة بأعتبارها هراءاً و بلا جدوى.


المراجع الرئيسيّة

Leibniz, G.W. “New Essays on Human Understanding, 1704” Translated by J. Bennett, 2010.
Hume, David “Essays Concerning Human Understanding, 1777” London.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,653,960,595





- العاهل المغربي محمد السادس يهنئ الرئيس الجزائري المنتخب عبد ...
- موسكو في انتظار رقم قياسي جديد في درجات الحرارة
- مجسم لـ -نجمة داوود- وسط بيروت والمحافظ يأمر بإزالته (صور)
- نجل بولسونارو: نقل سفارة البرازيل إلى القدس سيكون خطوة طبيعي ...
- الملك الأردني يستقبل رئيس جمهورية أديغيا الروسية ويشيد بدور ...
- الكرملين: حالة العلاقات بين موسكو وواشنطن لا تبعث على التفاؤ ...
- تقرير: واشنطن طردت سرا دبلوماسيين صينيين حاولا التسلل إلى مو ...
- الآلاف من الديدان البحرية "أسماك القضيب" تغزو شواط ...
- الآلاف من الديدان البحرية "أسماك القضيب" تغزو شواط ...
- صحتك من أظافرك.. وهذا ما تكشفه من أسرار


المزيد.....

- في التمهيد إلى فيزياء الابستمولوجيا - الأسس الفيزيائية - ... / عبد الناصر حنفي
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حبيب يوسف الخوري - خطوة إلى الوراء خطوتان إلى الأمام: بصدد تحديث الفلسفة الهيغليّة