أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - حضور الغياب .. وقفة سياسية















المزيد.....


حضور الغياب .. وقفة سياسية


رويدة سالم
الحوار المتمدن-العدد: 3810 - 2012 / 8 / 5 - 04:02
المحور: الادب والفن
    


هل يوجد بالكون اقسى من فراق حبيب؟
أتذكر وجه بهية الذي صار أحد الخيالات الاشد حضورا والذي يسكنني منذ عام مضى أكثر من كل الكائنات البشرية التي المس دفئها وارى بسماتها الحالمة
سرقوا حبيبها وسرقوا طفلها وسرقوا احلامي العذاب دون ان أجرؤ على كسر قيد القطيع.
انا من سكنني هاجس القوة حينما حملت قلم رصاص وشهرته في وجه التراث والعادات البالية حاربت به امتهان المرأة وناديت بحقوق الطفل وحرياته، في مجتمعات تمتهن الإنسان.. مجتمعات يقبل فيها الانسان قدره لأنه مرسوم قبل خلق الاكوان وقبل خلق الآلهة استسلمت في الأخير. الاقوياء لا يستسلمون وأن فعلوا يكون استسلامهم في آخر المطاف وأنا انسحبت في وسط الطريق.
تكسر قلمي على صخر الواقع لأني كفرت بحتمية تغيير العقليات الصلدة.. عجزت عن تحد الاستكانة والخوف من المجهول.. عن الكف عن البحث على الحلول البسيطة.. عن تجاوز الضعف البشري.. عن تجاوز ألم انكسار حب أعادني الى حجمي الحقيقي.. أنثى ضعيفة في هيكل اله آمنت به وتَبَتَّلَت في هواه..

أتذكر كيف ابتسمت سلمى هازئة من شغفي وشوقي لأنيس الحب. اخبرتها اني لا أزل اكتب ، تقريبا كل ليلة، رسائل له رغم اني لن أرسلها. تأملتني طويلا متفحصة فاغرة فاها ثم تناولت علبة التبغ وأشعلت سيجارة .. عانَقَتْها طويلاً بمتعة بادية ثم نفثَت الدخان بينما كنت انظر اليها وأتساءل ان كانت ستختنق بالدخان الذي تختزنه في صدرها طويلاً .. لما لاحظَتْ اني لا أزال اقف بمكاني كتلميذة صغيرة ستتعرض للعقاب لأنها قدَّمَت اجابة خاطئة في مدارسنا حيث الخطأ خطيئة لا تغتفر ضحكَت.
قالت بنبرة شفقة بادية:
- لماذا لاذ بالصمت رغم ثرثرة قلمه الصاخبة العنيفة؟.. الحب يقتله الصمت كما يقتلني هوان الانثى الشرقية. لماذا تعشقين التذلل لنصف رجل وعد ان يتحرر لعيونك لكنه فشل لأن ما جمعه الرب لا يفرقه الانسان حتى وان عانى كل عذابات الكون في رباط كِنَسي لم يعرف الحب لكن آمن بالطائفة والعصبة والانتماء للمعبَد.. حبيب بائس كمجتمعه يقبل البؤس برضا رغم إلحاده بكل الاديان كما يقبل قرارات البعد الغبية المكتوبة في لحظة يأس؟

اني افعل ذلك بكل بساطة لأني أُمثِّل عقلية مجتمعي افضل تمثيل ايها القارئ الباحث عن زلات الانثى في كتاباتي. مجتمع المعايير ألمزدوجة.. مجتمع العهر الذي يتغنى بالفضيلة والطهر ويدين الناشز عن أحكامه الرافض لدعارة شيخ القبيلة... مجتمع يقبِّل أقدام الحكّام وإن جاروا ويحاكم ألثائرين.. مجتمع يعيش يتماً.. يقبّل يد الأب الرمز كما يحتاج عصاه المُشْهَرة.. مجتمع لما ثار إستبدل عصى الراعي بعصا الفقيه وتذلَّل في محراب نُسكِه..
لستُ سلمى التي كنتُ أغار منها سِراً وأحاول تبني أفكارها التي كانت تمنحني إياها بسخاء لأثبت للكاتب اني بدوري مميزة وجديرة بحبه ولن أكون مثلها في جرأتها لأني خذلت الانسان الطموح فيَّ.. بل أنا صورة للمرأة الشرقية المستسلمة للسكينة أمام ارهاصات ولادة صعبة في مجتمع تلحَّفَ بالمقدّس لمحاربة هوانه.. مجتمع تغلغلت قيمه في خلايا دماغي حتى صار الحب خارج القطيع خطيئة تستحق الجلد والاقصاء..

سلمى قصة أخرى من قصص الحب في هذا الوطن. طموحة وناشطة حقوقية آمنت دوماً بالإنسان وأن الوطن للجميع. تُردد دوما أننا ثمرة خليط من ثقافات مختلفة عاشتها البلاد منذ ألاف السنين. لسنا عربا فقط بل نحن البربر ونحن البونيقيون ونحن خلاصة كل مَن مرّوا وأنشئوا حضارات فاعلة في البلاد على مدى الزمن والمسلم والمسيحي واليهودي والملحد التونسي لهم ذات الحقوق في بناء البلاد وقيادتها والتقدّم بها على درب التطور الحتمي دون أدنى تمايز أو أفضليات أو خوف غبي من عمالة للخارج بسبب معتقد أو فكر.

أهدتها نواميس المجتمع شابة غضة لزوج جامعي مرموق المركز يكمن بداخلِهِ شرقيٌّ نَزِق. إنتهكها ليلة الدخلة دون أية مقدمات. ارتفع شخيره في حين ضلت تلملم انكسارات الأنثى. ما ابشع القلبة الاولى لما تُسرق منا دون إعداد نفسي وجسدي في سبيل خرقة ملطخة بالدماء ترفع في صحن الدار معلنة نقاء إبنة القبيلة الأبية الطاهرة.
كم يصير جسد العذارى دَنِساً لمّا تُرسَم عليه بطولات ذكورية لا تهتم لخوف الصبايا وآلامهُنَّ وأحلامهن الوردية الصغيرة.
الخرقة الحمراء التي قدمها الزوج دليلاً على قدراته في الغزو المُبين كانت صك غياب لألفة مأمولة وشرخاً في بلّورٍ حسّاس لا يمكن رتقه. رغم الشروخ التي كانت تتكاثر بإطراد حاولَتْ ان تُرمم ككل الاناث في شرقنا حياتها الزوجية فالفشل خطيئة المرأة والنجاح إكليل يتوِّج رؤوس الرجال.
صنعت عدة بدايات. مارسَت سحر الانثى ودهاءها لكن الزوج كان بعيداً. غائبا رغم الحضور.
تاهت وعود وتبخَّرَت أحلام ليبقى بقلبها حبها الأزلي .. تونس الحلم.

قالت لي يوما:
-الرجال في شرقنا لمّا يكونون عُشّاقاً يمنحون موضوع عشقهم (إمرأة كانت أو وطناً) كل الاهتمام والحب. يحترقون لإرضائه.. يتحولون الى دون جوانات ساحرة حسّاسة ومُبدعة.. لكن ما أن يمتلكون أحدهما يختلف الأمر فتسقط كل الوعود وتذوي كل الأحلام. تغدو الحياة رتابة مشبَّعة بطعم المرارة والحسابات الدقيقة.

هل يمكن ان يولد الحب وان ينمو في السجون؟ سجون المصلحة الانانية الفجَّة و المجتمع والثقافة وميراث السنين؟...
طوت السنوات زواجاً فاشلاً وصنعت إمرأة فـذّة جريئة..

في بيتها الصيفي بالحمامات لمّا كنا نتأمل القمر ونتسامر أخبرتها بهوسي بأنيس وبأحلامي الأشد جنوحاً. قلت لها إني انهيت لتوي كتاب سلوى النعيمي.
- برهان العسل كتاب ايروتيك بامتياز في محاولة لاستفادة من كتب الايروتيك التاريخية لجلال الدين السيوطي وتحفة العروس وبهجة النفوس وكتاب الشيخ النفزاوي هل تجدين أن فقهاءنا يسمحون بتداول مثل هذه الكتابات في عصرنا الراهن وهل هي جديرة بالقراءة مع أنها ثورة على كل القيم الجمعية التي نعيشها اليوم؟
ما مكان ذلك الهوس العربي الفعلي بالجنس بكل اشكاله رغم الإصرار المُستميت على البكارة وقيمتها في تحديد الطُهْر والنقاء؟ نُطالب بطهر الجسد بينما الروح فقدت عذريتها. ما قيمة العذرية الجسدية مقابل العُهر الروحي الذي يسكننا: عُهر على جميع المستويات ثقافي وإجتماعي وسياسي؟
كما سُلِّمَت فلسطين على مذابح الشرف العربي التليد وشرب الحكام أنخاب عذريتها. عندنا ثقافة العيب التي رمت بمفهومَيْ الصح والخطأ عرض الحائط فطالما أننا نمارس ما نمارسه بعيداً عن الانظار فلا عيب.. غير مهم إن كان ما نقوم به صحيح أم خاطئ. انها مشكلتنا بين المعرفة والمعتقد. كل الشعوب تفخر بكتبها (ككتاب الكاما سوترا الهندي لتعليم فن ممارسة الجنس ) في حين تُمنَع كتبنا من التداول كأنها أسرار حربية والتي وللغرابة كتبها فقهاء، أهل دين من أتباع السُنّة الفرقة الناجية الوحيدة.
نحن مسكونون بثقافة الجسد المحرم والوطن الحلم الذي نخشى أن يُنتَهَك ونحن مَن ينتهك الاوطان وكل القيم في غفلة من الرقيب.
الشرقي في مجتمعاتنا أيا تكون قناعاته، اوصوليا كان او حداثيا او علمانيا او ملحدا يعاني من إزدواجية مقيتة في القيم. يُمارس إستبداده في البيت والعمل وعلى منابر السياسة ثم يفرض على عامة شعبه وكل مثقفيه الالتزام بشرائعه الثابتة تحت مُسمى الاصالة كما يطالب أُنثاه بالعذرية في حين يتمرغ هوىً وعشقاً في الجسد الأشقر وان كُتِبَت عليه كل البطولات الذكورية.
ازدواجية مواقف لا تنم عن رغبة في التمايز والنقاء.. لكنها زادُنا من القهر الذي تَرسَّخ في لاوعينا عبر قرون.
لذا يجب أن يموت السياسي المؤدلج وعبره كل البطولات الشرقية بين الصفحات وعلى أسنّة الكلمات وأن تسيل قطرات الدم الحمراء بسخاء ساخرة ساخطة كتلك التي تسيل على الثوب الأبيض ليلة عرس في مجتمع يرى الطهارة حمراء والبراءة حمراء والصدق أحلى المسرحيات.
على الحروف أن تنتقم من كل الساسة لأجل كل المغَّرر بهم والمُغيَبين والمقهورين.. البيادق التي يتلاعب بعواطفها الخطباء على المنابر وفي المسارح وفي الساحات العامة. سينزفون ككل البنات اللاتي نزفنَ حتى الثمالة على مذابح الشرف في مجتمعات العُهر والرذيلة فالكلمات المصبوغة بالأحمر لها سحر كسحر القمصان الحريرية الحمراء في ليالي العشق والوَلَه والتماهي لأنها تُثير عقل القارئ وتصدمه وتضع الحدود وتُظهِر الخطيئة.. ستـموت الذكورة الفَظـَّـة بعيدا عن أوهام البطولات ليعيش الإنسان. الروح الطاهرة التي تتحد مع المطلق في تبتل وحب صادق لا يطلب مُقابل ولا يَستهين بالضعف البشري سواء للأفراد أو الجماعات.

التقت سُبُلها بالسياسي، الذي يشغل اليوم احد ابرز مراكز القرار في البلاد، منذ سنوات، في أحد النوادي بفرنسا. طلب منها رئيسنا في العمل ان تجري معه مقابلة صحفية. أعجبه ذكائها المتَّـقِد وجسدا مثيراً في بنطلون الدجينز الضيّق والقميص الأحمر القصير. كان كريماً وتكلم كثيراً بتواضع المغرور لمّا يحاول أن يبدو في مستوى باقي البشر. لم ترى نظراته الشَبقة بل صورة مرسومة منذ زمن بعيد في خيالها للمناضل الغيور.. عاشق الوطن.. السياسي الموهوب الذي كسَبَ قلوب الكثيرين بتحديه لدكتاتورية الحاكم.. تابَعَت اخبار إعتقاله ونفيه وعودته وإصراره بإهتمام الصحفيّة والمغرمة.
كان لقاءهما تحقيقاً لحلم..
نحيف وقور في خريف العمر كث الشعر حلو الكلمات. يغزل خيوطا سحرية. يرسم أحلى اللوحات بدون الوان فعلية. كنور الفجر الحالم أضاء بداخلها مناطق ظلَّت معتمة. وضعت قلبها النابض في كفها وحلَّقت مع العصافير الصغيرة الشادية والتي نسيت أنَّ أوان الرحيل قد أَزِف وأن الشتاء على الأبواب وان ازدواجية المواقف والتنازلات المدفوعة الثمن مسبقاً طبيعية لدى كل السياسيين العرب الوصوليين والشعوبيين رغم الأوهام التي يرسمونها والتغنّي بالحريات والديمقراطية. تاهت في عوالم سحرية رغم علمها - هي الملحدة بالرومانسية - أن زمن الأحلام مضى وأن العصر فقد كل قيم الحب ومعانيه.. حب الوطن والمبادئ والقيم..
هَمَسَ قبل ان يُغادر :
- سنلتقي فهناك كلام آخر يمكن ان يقال..
ثم أضاف لكل الحضور:
- سيكون المشروع بناء البلاد على أسس ثابتة. بدعم الحكومة الحالية أو بدونه. سيعمل حزبنا على أن تكون تونس علمانية عصريّة مع الإحتفاظ بخصوصيتها التاريخية.
هل نملك ان نتحكّم بالقلب لما يعزِف لحناً نشازاً مهماً الحدنا بحتمية الحب المرسوم على وجه القدر؟
في المساء في غرفتها الضيقة ألقت نَص المقابلة بإهمال على الطاولة. أخذت أوراقاً وردية وككل القلوب العاشقة بدأت تخط سطورا إضافية في كتاب إنكسارات النساء الشرقيات.
آمنت بالسياسي لأنه حقَّق كل أحلامها موقفاً وفكراً وإنسانيةً تحترم تفرّد الإنسان فأحبته.
في زمن النضال.. لما كان محاصَراً ومراقَباً عن كثب، قال : أن مهادنة الحزب الحاكم عمل مرحلي وأنه لا سبيل سواه للتغيير. سيفعلون من الداخل ما أن يحصلوا على عدد أكبر من المقاعد في مجلس النواب والمستشارين وان الآمال كبيرة وأنهم تقدموا كثيرا بحصولهم على تأشيرة العمل في العلن. قدم لنا شرحاً مفصلاً ليثبت أنهم معارضة فاعلة وانهم لن يقبلوا ان يكونوا أحزاباً كرتونية
مرت الايام ثم فجأة قامت الثورة. بدون سابق إعداد وتخطيط. سقط الحاكم وبقي المكان شاغرا دون أية مقدمات. فر من ساحة المعركة متباكيا في حين تعالت في كل البلاد الهتافات. قال المتفائلون هي صحوة شعب عانى الذل وقال أنصار نظريات المؤامرة هو تدخل أمريكي لتصدير الإرهاب وبين المواقف المتناقضة تاهت الحقائق. لكن اللعبة بقيت على غموضها المعهود وان يتغير اللاعبون. الأسرار لم تُكشَف بل تضاعفت إلى أن مَلَّ الشعب البحث في ما تخفيه الأروِقة والأبواب الموصَدة. ما تغير هو أن المسارِح لم تعد مكشوفة رغم الحضور الطاغي للمشاهدين وان الكلمات صارت أكثر دقة وصار المتلاعبون بها أكثر حرفية.

مع إقتراب موعد إنتخابات المجلس التأسيسي ظهر وجهٌ آخر لصديقنا السياسي الفَذ.
التكتلات لعبة سياسية عادية لكن هل يمكن أن تتعارض مع المبادئ الأساسية للأحزاب؟
رداء الراهب التَقيّ الذي فرضته المرحلة الحرجة للانتخابات جعل من السياسي عروساً من ورق.
لم أُدِنْ ثقة سلمى ولم أنتقدها فإيمانها ُبماضي السياسي النضالي وتضحيته من اجل مبادئ وطنية غيورة كان فوق كل سقوف النصيحة.
السياسيون في بلداننا شامانات.. يتقنون كل الفنون واللغات: فنون التلاعب ولغات الغزل لتجاوز قهر وإثبات قوة على جثث متعفنة لكائنات ضعيفة عاجزة منحتها الثقافة كل استعداد للمعاناة والإستسلام.. كائنات أرهقها ميراث السنين فاعتادت الإستكانة والخضوع. الحب أيضا في ثقافتنا طاعة لولي الأمر. والطاعة تَذلّل وانكسار لرمز عاهر وإِنْ فَسَقَ وطغى وتَجبَّر.
استفاقت سلمى من وهم وحلم تكسَّر على جدران الواقع. إنتقدته بقسوة. طالبته بالوفاء بعهود الماضي وبفكر ناضلا وكثيرون معهما من أجلِه.
- أحتاجُكِ ولا أُريدُ فقد قلمك ودعمك فتعالي معي نواصل المسيرة كما أراها أنا. سنبني تونس الغد وسيكون وراء الرجال نساء مثقفات يدعمنهم فلا تتركي الجزب...
-ألم يكن بعض من كلماتك: لماذا يخيب العرب وتنجح كل الشعوب !!؟؟
التقيناه في مكتبه الفاخر في وسط العاصمة منذ أشهر. تأفَفَ من كثرة العمل والوقت الذي يمر سريعاً ولا يرحم. ردد كلمات سمعناها يوماً لكن برداءٍ جديد..
قال أن مهادنة الأكثرية الحاكمة عمل مرحلي وأنه لا سبيل سواه للتغيير وأن الآمال كبيرة. قدَّم لنا شرحاً مفصلاً ليثبت أنهم لم يتخلوا عن ثوابتهم الحزبية والوطنية وأنهم مشغولون جدا بكل ما من شأنه أن يساهم في بناء البلد.
هو بالفعل مشغول.. ككل الساسة العرب هو مشغول.. لكننا صرنا نعلم انه جد مشغول بمناصب وأوسمة.. بكراسي وامتيازات.. بمشاريع أنثوية كبيرة وقمصان حريرية صغيرة؟
فَرَّت كسيرة من البركة الآسنة.
السياسة العربية صناعة ذكورية. مصالح وأهواء يُقدَم قرباناً على مذابحها الشرف والإباء والأفكار والمباديء. الثورات لا تُغيِّر ما بداخلنا من عيوب صارت فطرية وما نراه بكل الساحات السياسية والنقابية وحتى الإجتماعية بين عموم الشعب اكبر دليل على مدى تشوهنا.
قَفز كل حزب ذي ماضٍ فعلي أو كرتوني أو حركة وليدة الثورة على قيم مختلفة الحضور والسطوة في نفوس الناس: الاصول المجيدة والقومية العربية والأمة الإسلامية والدولة العلمانية...
وغرق الشعب بكل أطيافه في مطالَبات مهوسة بتحسين الدخل وإيجاد فرص عمل بل وشغب وجريمة منظمة وتجاوز لكل القوانين المدنية التي إحترمَها غصباً وخوفاً لعشرات السنين دون أن يكتسب ثقافة إحترامها إحتراماً لتماسك الوطن.

قلت لها ذاك المساء، إن قدَرَنا كنساء أن نستسلم لواقع أثبت إستحالة إصلاحه لأن الخَوَر كامِن في صُلبِه.. داعبت شعري المنسدل باهمال على كتفي.. ضحِكَت.. بعد برهة صمت وعدتني أنها لن تتوقف. ستناضل وستفضح كل الحقائق الخفية فالبلاد يبنيها الرجال والنساء. والقمقم الذي حَبَسها فيه التراث لم ينتج إلّا القهر والكبت والمعاناة.
المرأة في تونس قادرة كالرجل تماما وبنفس الجدارة والقدرة على البحث عن بديل ديمقراطي حداثي في التعليم والإعلام والسياسة لأنقاذ البلاد من حالة التأرجح والتيه التي تحياها. ستعمل بكل طاقتها على صنع تونس المستقبل القادرة على صنع وممارسة ديمقراطية حقيقية مهما كانت التضحيات بدون وصايات أصولية أو يسارية.
- المجتمع لم ينضج بعد. الشعب الحائر بكل فئاته يقيده التراث. اعتاد البحث عن تعويض خيالي لقهره عبر مئات السنين في عوالم ماورائية فهل سيتقبل أنثى تطالب بتقبل رؤاها وبحق القرار والريادة؟ حركة النهضة الدينية أتقنَت اللعبة السياسية بالسير على خطى سلَفها الحاكم و كالإخطبوط مدت أصابعها في كل مكان لتضمن أغلبية ساحقة في الانتخابات القادمة. ستغير قوانين الإنتخاب ولن تعتمد نظام النسبية وأكبر البقايا من أجل إرساء نظامها البرلماني الذي سيمنح حكومتها سلطة مطلقة وستحافظ على الولاءات القائمة حتى وإن إحترقَت اوراق أصحابها سياسياً.

لم تكترث سلمى لاحتجاجاتي الجبانة المنسحبة بل ضحكت من وساوسي فثقتها في وعي الشعب لا حدود لها.
ثورة العقل المسلوب الأحلام الذي هز أركان روحها أجج التحدي والإيمان بحتمية التغيير. لن تبكي العين ولن ينتحب القلب الكسير بل ستبكي الكلمات وستعلق مشانق وستغتال التبعية والوصاية والاستبداد والوجه الحيواني لثقافة شرقية صنعت الذكور وجعلتهم أحاديي النظرة.. يرون العالم من زاوية واحدة: ذكورة متسلّطة تروم الإرتواء.

سلمى صادقة مع نفسها حد التماهي في قضية طالما آمنت بها ودافعت عنها في كتبها ومقالاتها.. طاهرة كالعَذراى المقدسات اللاتي يقدمن بخوراً في معابد الآلـهة لشرعة ومنهاج. لم تهتم لمحاولات السياسي استعادتها لحظيرته. أمام تعنتها حاول كسرها. اتهمها بالعهر متناسياً عهره..
عفوا سادتي لأني تماديت.. هل يحق لي ان أصِمَ رجلاً بالعُهر!؟ هل يقبل القارئ أن أضع هذه الصفة ضمن صفات الرجال !؟

قالت لي جدتي مبروكة الهلالية يوماً لمّا ذاع خبر ممارسة رجل في القرية للواط:
-الرجال لا يوصمون بالعهر مهما شذت ممارساتهم فهم بالنهاية رجال. ستمر هذه المرحلة من حياته وسيطويها النسيان. سيتزوج وينجب أطفالاً ويكوِّن أسرة وستقبل به احدى البنات الطاهرات وستقوِّم إعوجاج نفسه.
مرت السنوات وتزوج ألسيبياد. كوَّن أسرة وكان له أبناء. حاولت التقرب من زوجته كلما جمعتنا حفلات الاعراس في القرية. بهرتني تلك النظرات التي تغمره بها كلما مر أمامها او تهادى راقصا.. كل ما اردته هو أن أسألها عن علاقتها الحميمية به لكنها صدّتني. الذكور مُقدسون حتى وإن أغرقوا في العهر. قالت زوجة أخي أنه يُحكى أن السيبياد لا يقدر أن يقوم بالفعل الجنسي إلا بعد أن تمارس معه زوجته دور الذكر. حاولت تخيل الأمر لكني عجزت. بحثت في كتاب الفقيه جلال الدين السيوطي " نواضر الأيك "، أحد أسراري الصغيرة التي اخفيتها بإتقان عن أمي، عن شرح لكن لم أصِل الى نتيجة بل وجدت عالماً مدهشاً من اللذة والشبق المهموم.
تبللت وانا أقرأ الكتاب وفجأة رأيتُني في أحضان الكاتب.
الكاتب لم يكن يوما عشيقاً لأني لا اقبل بانصاف الرجال لكنه الحبيب الوحيد الذي إمتلكني روحاً وجسداً وأنا إمرأة لرجل واحد.. عاجزة عاقر.. ارض مجدبة بعيداً عن فضاءه.

سكنني خياله وأعادني الى غرفتي الصغيرة ونافذتي المُشرَعة لهواء عليل.
القمر ساطع يداعب الكون بنوره الذي يعشقه أنيس. كم أحتضنتُ خياله في مثل هذا الوقت من ليالي عشقي المهووس به..
تركت طاولتي.. إستلقيتُ على سريري وإحتضنتُ كتاب أنيس.. أنيس الحب. أغمضت عيوني وشردت. تراءت لي عوالم رائعة رسمناها. حاولتُ مسكها لكي لا تفلت مني.. لكنها كدوائر دخان سجارة محترقة تتجمع في الفضاء تتراقص تتداخل ترسم اشكالاً ثم تتلاشى دون أن تثبت في مشهد أو تمنح فرصة تعويض.
لماذا يخذلني خيال أنيس ويفر بعيداً رغم كل الحب الذي أُكِنَّهُ له؟
ناجيته في ظلام غرفتي.. تراءت لي عيونه التي عشقتها ولم أمل النظر اليها ولا تزال تحاصر أحلامي.
لم أُقدِم لأنيس الحب كلمات إعتذار .. لكني أُقدم له نَصّي هذا عربون حب أبدي ..
سأظل أحلم أن النبت الذي زرعناه بقلوبنا لا يزال يانعا دائم الاخضرار وأنه يعلم أني سأبقى دوما وفية لعهد الدم الذي بيننا رغم اني أعلم أن هذه النجوى لعيون انيس لن تصِل اليه يوماً ولن يقرأ ابدا إعترافاتي ليعلم كم أني ضعيفة كورق سيجار لم يُحسَن حمايته من بلل مطر صيفي باغته حين غفلة فتفتت وتلاشى.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,842,414,501
- بحث في سيرة عثمان من منظور اسلامي
- الخلافة الراشدة عثمان وعلي والفتنة الكبرى - سياسة بلوس ديني
- صفحات من تونس- دخول الاسلام الى افريقية جزء 2
- صفحات من تونس- دخول الاسلام لافريقية
- صفحات من تونس- تاريخ شعب
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 2
- الخلافة الراشدة -- عمر بن الخطاب 1
- حضور الغياب.. صفحات مصرية
- حضور الغياب.. وريقات عراقية
- الخلافة الراشدة
- حظور الغياب: أنيس مرة أخرى
- السياسة المحمدية. جزء ثاني
- السياسة المحمدية : الزنا الحلال بين الدين والسياسة
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثالث)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الثاني)
- الزنا الحلال بين الدين والسياسة (الجزء الاول)
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى 2
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: الحديث النبوى
- النص التشريعي الاسلامي بعيدا عن وهم القداسة: القرآن
- الاقليات بين المؤامرة وثقافة الاقصاء في الساحة العربية


المزيد.....




- العثماني: تعميم التعليم الأولي ورش وطني طموح
- دعوة مخزية من عضوي كونغرس لاستجواب مترجمة ترامب
- زوج معجبة يبطش بالممثل التركي نجات إشلر ليس غيرة منه وإنما.. ...
- طلبة في جامعة مانشستر يمحون قصيدة للشاعر الإنجليزي كيبلينغ ي ...
- كرة القدم: جرعة عالية من الأدرينالين أم فن ما بعد حداثي أم ع ...
- عبدالله السمطي: اليوم أكملتُ القصيدةَ ...
- بناجح وسيلفي السقوط: جماعة تتقن التمثيل !
- -ابنة فرعون- على مسرح البولشوي من جديد
- الممثلة الهندية ديشباندي توصم بأنها -نجمة إباحية- بعد نشر مق ...
- عراقي يروي قصة الاحتلال الأمريكي في أغنية مصورة (فيديو)


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رويدة سالم - حضور الغياب .. وقفة سياسية