أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - كتب وأسفار






















المزيد.....

كتب وأسفار



أفنان القاسم
الحوار المتمدن-العدد: 3645 - 2012 / 2 / 21 - 14:20
المحور: الادب والفن
    


الأعمال الكاملة
المجموعات القصصية (5)


د. أفنان القاسم


كتب وأسفار


قِصْرِوَاية
ما بين القصص والرواية



الطبعة الأولى بالعربية الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 1990
الطبعة الأولى بالفرنسية دار لارماطان باريس 2003
تحت عنوان كتب مقدسة مذكرات انتحاري



إلى مبدعي الانتفاضة
إلى أبي...
الذي حمل على كتفيه هموم فلسطين حتى العام 1967
ثم هموم التعريب في الجزائر حتى العام 1987
وكانت مكافأته على جهده الكبير تنكر أولي الأمر لشيخوخته
تبقى له مودة الأجيال التي تربت على يديه
وحدب فلسطين



الكتب


الكتاب الأول
كتاب النسر


ولأن جحيم اليشب لن يبقى اللعنة يا ملكة الورد ونور العقل

ولأن جحيم اليشب لن يبقى اللعنة يا ملكة الورد ونور العقل، هكذا كنت تقولين للنحل وللظلام. ويوم قتلوا أبي، وأخذوا اللَعْلَ والموج، نظرتِ إلى الوراء نظرة حقل إلى قمحه الذي التهمته كتائب الجراد، وقلتِ لي لن يدوم الفِراقُ طويلاً متى تكبر... لم أعد اليوم طفلاً، لكن رَوْدَ البيت، الموت، والمسافات، امتدت رغم أنك تصرين على ما قلته لي لما كنت صغيرا، إن الفِراقَ متى أكبر لن يدوم طويلا! وهذا ما لم يشأه النسر لك بعد أن تزوجك، ما لم يشأه عمي لنا. لم تفهمي أن الغد هو الأمس في المنفى، وأنه غروب اليوم السابق، ولم تعرفي أن النسر خائن، وأنه كالجِرْمِ لم يسقط في الوحل إلا بعد أن سقطتِ بين مخلبيه. في الظاهر، كان عمي يريد أن يسترك وأولادك لأن أبي مات في الحرب، وفي الباطن، كان يريدك لأنه يشتهي سورًا انهدم في خاصرتك، فكيف وثقت برجل خان جدي يوم باع من حصصنا في الأرض حصة، وجعلها لنا قصة، ومن دون البشر قصة وقِصاصا؟ لم يكن ذنبك، لم يكن ذنب الثعالب، كان ذنب النسور، فقد كانت المحنة أقوى منا كلنا. وكان العقاب أن نسعى في الليل الدامس سبع سنين أو سبعين سنة، والقمر المحاق كان قمرنا، فأنشأنا نبحث في الأرض عن التي صارت الفكرة المهلكة، فصب من جباهنا العرق، وعانينا من التعب ما لم يعانه سفحٌ ربض عليه جبل، وجرفنا طوفان الهلاك. ولعوننا على ما نحن عليه مما لا أحد عليه أبدا، رحت تنادين في الطرقات، فما شاء أن يسمعك أحد، أحد ما شاء أن يصغي إليك لا من الطير ولا من البشر. ولتعرفي الطريق إلى سُرّتك، رحت ترسمين بعض علامات في الطين، كانت تمحوها أمطار الشتاء. ولم تكوني تعرفين الطريق إلى الحجارة، ولا تقرأين ما جُبِلَت عليه من نواميس الإمارة. كان الحرام طريق السيف إلى قمر السماء الساخطة، وبريق اللذة في العيون العمياء. وكان الندم مستقبل الدمعة المالحة، وجوهر المكعبات المتداخلة، المتخارجة، المتراكمة، المتساحقة، المتقاربة، المتباعدة، المتحطمة، المتهشمة، المتناهية، اللامتناهية. مكعبات على مكعبات على مكعبات كان مخيمنا، ملقى على طرف العالم، ومهملاً، ومقاءً، جناحاً مقطعاً، وقلباً مفتوحاً دون خفق، دون حراك، كل شيء فيه قد توقف، يقف في الفراغ، قوانينه قوانين الجحيم. وأنت لهذا أشفقت علينا في ضياعنا من ضياعنا، وعزمت على أن تأتي بالرحمة إلينا على جناح حمام أبيض من فحم مزقه النسر الكاسر، ولم أكن أملك لا يأسك ولا إرادتك، كانت ريح الشتاء تعصف بقلبي، وبنجمي، فبقيت أهلك هلاك خُلْدٍ أضاع الطريق إلى جحره، وأغرق في بحور الطين، وأتعب تعب الهارب من قدره الجبار، ولم أجرؤ على دخول الحرب القادمة لا ريب. كنت أبحث في خيالي المريض عن نسر الماضي، وعن النسر في الماضي السحيق. كنت أبحث فيه عن مِخلبِ عدلٍ بينا يصم أذني نباح كلبٍ صرعه المخلب قبل أن يرفع رأسه تجاه ظِلِّ جدي الذي ظَلَّ يصيح بي ويصرخ أن امنعهم قبل أن تقتلهم الفكرة المنقذة، وحلال عليك دم النسر القاتل والنسر القتيل.



الكتاب الثاني
كتاب السيف


أتذكرين ذلك اليوم الذي لن تنساه الرياح ولا الفصول؟

أتذكرين ذلك اليوم الذي لن تنساه الرياح ولا الفصول؟ يوم صاح جدي في وجه السماسرة مقسمًا أن يقتلهم بسيفه الذهبي إذا ما عادوا إليه، فهبت الريح في الربيع لغضبه، وتساقط الثلج في الشمس على سفوح الجبال. تذكرين جيدًا، فأنا أذكر ذلك رغم أني كنت صغيرا، وأنا أذكر ذلك رغم أني صرت كبيرا. السنون تمضي، وحكاية كهذه لا تمضي. عندما ذهب السماسرة، استل جدي سيفه، وسأل عني، وجسده يرتعش ارتعاش القادم من جنازته. وضعني في حضنه، ووضع السيف في حضني، وكأني به يريد للسيف أن ينقل رعشات جسده إلى جسدي. وعندما لم يفلح النصل معي، تركني أعبث بشعره، وتركني أعبث بلحيته، شعره الأبيض كثلج الصباح، ولحيته البيضاء كعشب الحياة. كان العالم كله يقف على حافة السيف، وينظر إليّ، وكان الكلب الذي يحبه مثل ابنه يدور من حولي قلقًا عليه... قلت له عندما سأكبر، وأغدو كلبًا سأعض كل من يغضبه، فابتسم لي كما لم يبتسم من قبل، وعلى ابتسامته قفز الكلب الغيور، وراح ينبح من شدة الحبور نباح الجريح المشتاق. نهض جدي بعد أن رمى السيف عنه بعيدا، وذهب بي إلى الحقل حيث يعمل أبي من الصباح إلى المساء، والحقل ثدي أخضر ينبض بعرق وجهد المخلبين الحنونين اللذين دوما يعطيانه. لم يكن عمي هناك، وعندما سأل جدي أين ذهب عمي، قال أبي ذهب ليعين جارنا في حفر الآبار. لم يعلق جدي بل راح ينظر من حوله والأرض من حوله تنظر إليه، صامتة، فهدة، هادئة، قطرة دم بعد معركة، وبقعة ظل قديم، فكأنه يريد في قلب الهدوء الشامل أن يتأكد من أن الأرض ليست حلما. رأى كيف تشتعل الروابي بالألوان والأقواس، وكيف تتقد في صدورنا جمرًا وعناقا. وقتها، دخن جدي كثيرا، أكثر من عادته، ثم همس في أذني كلمتين ما زلت أذكرهما، قال لي: كل هذا لك متى تكبر! الحقل والبيارة والانتظار، وسقاني عصير البرتقال.

في المساء، عدنا معًا أنا وأبي وجدي وسقوط الشمس الأبدي في البحر، وعاد جدي يسأل أين ذهب عمي ذلك المغضوب عليه، فأعاد أبي ما قاله قبل أن يعترف بعد يومين طويلين بطول عامين من الشك والغياب أين ذهب عمي بالفعل. وليُبقي جدي هذه المرة على غضبه، ولا يعطيه للرياح، أخذ السيف وكسره، وغدا أفعى عجوزا، ومرض بعدها، ومات بعدها. وعندما كبرت قليلا، عرفت أن عمي ذهب ليعمل مع الإنجليز. وعرفت أن هؤلاء، مع شياطين جهنم التي لم تكن جهنمنا، يعملون في صناعة ملائكة ترضيهم ولا ترضينا، وإلا كان السيف بيننا وبينهم لا بيننا وبيننا. وكان ما أرادوه عندما حاول البعض منا أن يرفع رأسه، فقط أن يرفع رأسه، ويفحص بعينيه ما يجري حوله. استل عمي السيف الذهبي بعد أن لحمه، ضرب من ضرب، ونفى من نفى، وأدمى من أدمى، وفي تلك الأيام غدا ذهب الدم رخيصا، وراحت في الليل تمضي ببابنا قوافل ومشاعل ومرايا معتمة توغل فيها الطرقات، بعضها يهبط إلى جهنم، وبعضها يصعد إلى جنة جدي العليا التي جعلها عمي ببطشه أعلى من قمم هضاب الكرمل لئلا يصل أحد إليها، فتعود المرايا والمشاعل والقوافل إلى الهبوط، وتجعل من جهنم منزلا، ومن نار جهنم متاعا. غدا الروع أمنا وأبانا، فسقيتنا يا أمي الماء لئلا نجف من الخوف، ونغدو هياكل طير يقذفون بعظامنا إلى المجمرة، فالنار جرم وإن غدت غير نار، وجهنم من غير جدي الذي مات غير جهنم! صارت الحياة لنا نهارًا يتبعه ليلٌ وليلاً يتبعه ليلٌ وهلمجرا. وكنت كالمبهور بكارثة لم تقع بعد، بما لا يقع، فكل ذلك لم يكن سوى ما قبل الكارثة. أخذني رعد الصمت في النهار العابس، وأدهشني برق السيف في الظلام الدامس، مطر السيف، ذهب السيف، زلزاله، وظننت أن لا نهاية من بعده وأن لا بداية من قبله.


الكتاب الثالث
كتاب البندقية


وكنت تقولين لي الفأس صديقتك الوحيدة بين كل تلك النسور والنجوم

وكنت تقولين لي الفأس صديقتك الوحيدة بين كل تلك النسور والنجوم، لكن طموح طفولتي كان أكبر، فجعلت من الفأس عاشقة والمحراث وحصاننا الأكحل، إلى جانب أني كنت صديقًا للصغار وللكبار الذين ظلوا صغارا.

أتذكرين لما كنا نجتمع في الحقل والطير وباقي الفلاحين؟ كنت أنتقل من ذراع لذراع إلى أن أسقط في حرارة ذراع أمين! يوم مات جدي رمى أمين عني الفأس بعيدا، وقال لي جدك لم يمت، جدك كالجذع، كالصخرة، كالموجة، وأخذني إلى مكان بعيد. أذكر أننا مشينا كثيرا، وأنه مكان بعيد. قال لي سنتفقد معًا كنزًا ثمينا، فتلون خيالي بشتى الألوان، وتظلل فؤادي بشتى الظلال. وعندما ضم أمين بين ذراعيه البندقية، ثم نفضها، وانتفض، فهمت ماذا يعني لأمين الكنز الثمين، ولم أفهم ماذا تعني البندقية. غدوت حزينا. لاحظ أمين أثر مخلبها الجارح عليّ، فقال لي هذه هدية! سألته من أعطاك إياها؟ قال لي جذع السنديان! وابتسم بقوة أذهبت عني كل الأحزان. قال لي أعرفت لماذا لم يمت جدك الآن؟ وبعد أن خبأها بعناية، أخبرني أن لأبي أختًا مثلها، وسيأتي يوم يخرجون فيه البنادق من مخابئها...

ذلك يوم أتى، وأتى قبل اكتمال الوعد وعدًا في جحيم خيانة الشجر للحجر ووفاء الشوك للتين! كان أمين يعرف، وكان أمين لا يعرف. كان يعرف مصير الرصاصة، وكان لا يعرف مصير البندقية. كان يعرف أن المعركة خاسرة للأمين على الرصاصة، وكان لا يعرف أنه جعل مني الأمين على الأمانة. لم أنم في تلك الليلة، وبعدها لم أنم كما يوجب النوم في كل الليالي الباقيات من عمري، صرت صبيًا مهمومًا بصور البندقية، وصرت صبيًا مغرمًا بمريم المجدلية، فتركتني الطفولة أو إني تركتها قرب ثدييك لتحميها مني، والفأس للشقوق. دخلت زمني قبل أواني، وتأخرت عن الوصول إلى رجولتي. بقيت أراوح بين عمرين، وبين جسدين. صرت أجمل من غراب، وأبشع من حديقة. ولما أفزعك شكلي، قلت لي يا أمي عساك ألا تكبر قبل أخيك، عساك ألا تتركني بعد أبيك، عساك ألا تجد طريقك إلى البندقية، وعسى البندقية ألا تجد طريقها إليك، فلا تتركني مثلما سيتركني غيرك دون أن يفي بوعود العودة. وبكيتِ، فلم أفعل شيئا.


الكتاب الرابع
كتاب البشر


وكن أنت غير سيفٍ لا يعرف الدم أو جسدٍ لا يخشى العناق

وكن أنت غير سيفٍ لا يعرف الدم أو جسدٍ لا يخشى العناق، ولا تدعني للوحدة أو للندم بعدما عرفتَ أن على هذه الأرض ستموت بشر، فلا تذبحن قربانًا بعد أن سقتها من دمها، وأن على هذه الأرض ستقوم بشر، فلا تقتلن ثمرًا بعد أن رعتها من يدها عنبًا وكمثرى، وأن على هذه الأرض ستقتل بشرٌ بشرًا أخرى وبشرٌ أخرى ستقتل بشرًا أخرى وبشرٌ أخرى وأخرى ستقتل بشرًا أخرى وأخرى في يأس الجسد وأمل الدم بعد سبع سنين أو سبعين سنة.

كانت هذه كلماتك أيتها الألم الذي ليس قناعًا والذي أخلع من أجله وجهي! لولا خيانة القمر في تلك الأيام لما عرفنا الآلام. أتانا عمي في حلته الجديدة، شاويشًا في زي إنجليزي بمسدس وعصا، وبصحبته بعض اليهود. كان يريد أن يبيعهم من الأرض حصته، وأن يترك باقي الحصص للقبور. وباعهم حصته من غير باقي الحصص بعد أن أطلق الرصاص عليك، وأحرق العالم على عتبة خصرك. أراد أن يقتل أبي، فقتل أمين، وقتل العريس والعريسة، وقتل القُبلة والقبيلة، وقتل الإمرة والأميرة، وقتل الخطوات الآتية إلينا من شتى أنحاء الدنيا. كنت أعرف أن لون الحداد أخضر، وأن البشر بشر ورصاص، وكنت أنظر في المساء إلى صورتي المنعكسة في بئر الماء. لم أكن أخشى ما تخشون، كنت أعرف أين خبأ أمين البندقية، وكنت أذهب كل صباح لأصبّح على البندقية... فلا أنا بشر ناكر ولا أنا بشر نكير، لا أنا بشر خادع ولا أنا بشر خديع! إني أفي بالوعد، وأقدس العهد، وأقدر الخطب، فأردأ عن قمحةٍ هولَ دمار جحافل النمل. لست الجبان كما قالوا، ولا الجبن قمر لون رسوم الماء، لا ولا النذالة نجمة ليل سيوف الحطب.

وقالوا عنا بشرًا غير بشر، دوابًا نزحف على أربع، أقسى قلبًا من الحجر، وأصلب رأسًا من الحديد، بشرًا نفضل شرب الدم على الحليب، نغتسل ببولنا، ونصنع من لحمنا لحكامنا التماثيل، ونحن لشرهنا بعنا أرضنا، وتوجبت رشوة كل كبير عائلة منا، وعلى حدة، ثم أُخذت بصمات سكان القرية كلهم بمن فيهم الرُّضَّع والأطفال والمجانين والبهاليل والقردة.

وقالوا أيضا ما نسيته الآن، وما سأتذكره إن تذكرت في كتاب الوردة.



الكتاب الخامس
كتاب روزالي


وبعد أن التقيتها جئتك ببراءتي التي ستغدو جرما

وبعد أن التقيتها جئتك ببراءتي التي ستغدو جرما، وقلت لك اسمها روزالي، وقلت لك لعبنا سويًا والنحل الغيور مني إلى أن جاءت أمها ومنعتها عني، لكنا في الغد التقينا. أطفالاً كنا، وكنا أيضًا إخوة للعصافير. أبوها الذي ليس أباها أخذ منك الأرض، وأمها التي ليست أمها أخذت مني أجمل لحظات طفولتي، أنا وعصافير الحقل وذهب الشمس وبرتقال المساء الذي يطلع بعد الغروب على شبابيك قريتنا.

وفي إحدى المرات، رأيت غلامًا بدا لي شقيًا عندها، سألتها أن تأتي به، فرفض أن تأتي به في البداية، وطلب أن تبقى معه. وعندما أصرت أطاعها وأتى، فرأيت عينيه الفاحمتين، ولا أدري لم حزنت من أجله. أمسكت بيده إشفاقا، وهو يحني رأسه طيعا، وقال لي اسمه ريمي، ثم سحب يده بقوة، وانتصب جافا، ولم يشأ أن يلعب معنا، لكني لعبت وروزالي كثيرا، وسرنا في الطريق الذاهب إلى البحر طويلا.

في الطريق الذاهب إلى البحر والدم سألتها:

- أتحبين البحر؟

قالت:

- أحب البحر والبحر يحبني.

وسألتها:

- أتحبين الأمواج؟

قالت:

- أحب الأمواج والأمواج تحبني.

- أتحبين الأسماك؟

- أحب الأسماك والأسماك تحبني.

- أتحبين الأصداف؟

- أحب الأصداف والأصداف تحبني.

ثم سألتها:

- لم تحبين الأمواج والأسماك والأصداف والأمواج والأسماك والأصداف تحبك؟

فلم تجبني.

ولم أر روزالي في اليوم التالي، لكني سمعتها تصرخ من شدة الضرب، وتبكي، فلماذا كانوا يسومونها خسفا؟ وسألتك يا أمي، فقلت لي ربما ارتكبت ذنبا. وكنت أعلم إذا كان الأمر صحيحًا كما تقولين أن لا ذنب لها إلا أنا.

كان أبي قد ترك لرعايتك الحقل، فلا أحد غيرك يرعاه، وترك لك الفأس ومتعة الألم والفصول. اعتلى صهوة الأكحل، وراح يعدو في الطريق الضارب في البراري إلى أن غيبه الفضاء. ركضت في أثره قليلاً ثم جلست على عتبة باب بيتنا منتظرًا عودته، وما عاد.


الكتاب السادس
كتاب الحصان


وعندما انطلق الأكحل تكحل الليل كامرأة تتحضر للارتماء في حضن يتشوق للتدمير

وعندما انطلق الأكحل تكحل الليل كامرأة تتحضر للارتماء في حضن يتشوق للتدمير، وامتلأ الكون بإيقاع الحوافر والصهيل. كان الإنجليز قد انتشروا بحثًا عن أبي بعد أن امتلأ الكون بإيقاع الحوافر والبنادق، وجاءوا إلى قريتنا، جاءوا إليك يا أمي... سألوك عن الرجل الذي يطلق الرصاص على الدوريات إذا كنت تعرفينه، وسألوك عن العيارات النارية التي تضيء كالشهب عندما تنطلق من بندقية الرجل إذا كان لها معنى. وحاول أحدهم أن يلمسك، فيعتم النهار في حقلك. وحاول أحدهم أن ينثر جديلتيك، فيختصر الليل في شعرك. وحاول أحدهم أن يجعلنا غرباء عن ظلالنا، فيسلبنا ظلك. لكن القرية وقفت معك، وغادر الإنجليز بيتنا مهددين. بعد عدة أيام، جاء عمي، وقد خلع بزته العسكرية، لكنه احتفظ بمسدسه وعصاه، وقال لنا إنه الآن الساعد الأيمن للمفتي، وهو قد ندم وتاب. استغفر واستعفى، وطلب يدك، فجن جنونك... كيف يطلب يدك، ونحن لا نعرف إذا ما كان أبي حيًا أم ميتا، ورددته على أعقابه خائبا.

في اليوم التالي، عرفنا أن أبي كان حيا، فالحصان ترك آثاره من حول بيتنا، وجعل من حوافره رسالته إلينا. تحول العالم إلى صهوة بقدر ما كنت سعيدة، وقلت لي الأكحل يصهل ألا تسمعه كيف ينادي علينا؟ الحصان زوجي، قلت لي، واحمرت من الخجل وجنتاك، وأنت لهذا حمّلتني بعض الزاد، وطلبت مني أن أكون حذرا، وألا أتأخر. كان أبي ينتظرني خلف الرابية قرب الأكحل، فاستقبلني الأكحل بالصهيل وبضرب حوفره بالصخر وبزلزال العشق. جمعني أبي كالصيف بين ذراعيه، فهبت رائحة العشب الجاف والتراب الأحمر. كانت الشمس قد سكنت وجهه، فغدا إلهيا، والريح قد لسعت ساعده، فصاحت بالحرية، وكانت قبضته لا تغادر أبدًا خصر البندقية. طلبتُ منه أن أبقى معه في ظلال المعارك القديمة قرب أنفاس القتلى التي لم تزل حية وجنون التاريخ وحراب التاريخ ومشانق التاريخ، فقال إني وحي ضوء لما يزل صغيرا، وهناك أنت يا أمي، وهناك إخوتي من الثعالب الرضيعة، فكيف نترككم دون رجال! هكذا قال أبي، وهكذا شهد الحصان. بعد ذلك، صار لي قلب الرجال؟ بحثت عن روزالي، فلم أجدها، وامتلأت عيناي بالغرباء.



الكتاب السابع
كتاب الدمع


وبقيت عيناك جميلتين رغم لآلئ الموت وأنصال البكاء

وبقيت عيناك جميلتين رغم لآلئ الموت وأنصال البكاء، كانت براءة طفولتي قد صادرتها الدموع والسيوف، وكنت أعيش في عينيك رغم الجراح بعضًا من أروع كوابيسي. ونحن نتمزق بين قوافل الراحلين من جحيم إلى جحيم، ومن قتل إلى قتل، ومن عنب مر إلى عنب مر، أتاك عمي، ولغب حتى لغم جسر العبور إلى دمعك. قال أقول لك أن تقبلي أو أذهب إلى الأبد، أن تتزوجيني، وكساك بالنقود وبالوعود. في هذه المرة، كنا نعرف أنهم قتلوا أبي، وإلا فكيف عرفنا الطريق إلى دمع العرب؟ التفتِّ نحونا، وأنت تنظرين إلينا بعيني ذئبة رحيمتين، وبكيت، وذرفت دمعًا دمويا، دمعًا وحشيا، دمع ملائكة غلاظ القلوب، وتنهدت مثل قافلة ثعابين تائهة متجبرة، وثنيت رأسك إلى حيث يكمن الوطن، والوطن وكر، وعدت إلى النشيج والبكاء، وهذه المرة بانت الذئبة التي فيك على حقيقتها، قاسية القلب، بربرية، تبكي دمًا من جَرْحِها لمقلتيها، وكأنها تبكي من أنيابها، وتذرف الدم من شدقيها! حن قلب عمي عليك، وأشفق، وقال عن الوكر إنه سيعيده لك، فقط لتعطيه يدك، ولتعطيه فرصة. أعطيته يدك، فأخذها، وعندما أخذوا الوطن، اعتبرك تعويضا، وضاعت الفرصة، ولم يبق لنا ما نبقيه غير دمع جثثنا. كان المطر قد سقط علينا دمعًا أسود، ومن الدمع سقينا الخيول الميتة، فنهضت، وتحولت إلى خيول صغيرة بحجم الفراش لا تقدر على حملنا، ولا تقدر على الطيران، وانسحقت كالنمل تحت أقدامنا. رحنا نبكي عليها في الليل، والليل يقهقه بحلق عمي الشارب للدمع في كوب حور الدم، فأين الدم؟ وأين الدمع؟ وأين أنت وأنت دمي القادم؟ أين خطوتك إلى النهار المجرم؟ لكنه نهارُ يومٍ أسودُ من سوادِ عينيْ حبيبتي روزالي التي تحب البحر مثلي ولا تعرف لماذا، فبكيتُ عليها وبكيتِ عليّ وبكينا علينا دمعًا مالحًا ما أحلاه!


الكتاب الثامن
كتاب الضرير


وكنت تعرفين أن روزالي ماتت قبل الدم بكثير

وكنت تعرفين أن روزالي ماتت قبل الدم بكثير، أتذكرين يوم منعتها أمها التي ليست أمها أن تلقاني؟ يوم علمتها أمها أن تكرهني؟ ألا تحب إلا البحر؟ قتلت أمها فيها الطفولة لتكبر بلا طفولة، وغزتها بالموعظة الجبانة. وكأن الهداية أن نسير في طريق الموت الدميم، وأن لا نرى الشمس أو أن نراها كما يراها الضرير. وكأن الهداية قنديل الضلال ونرجسًا يزرعه الشعراء الكبار في سجن القصيدة. وكأن الهداية مقبرة الجمال وحلزونٌ تقطفه ربات الفن من عظام الجنرالات، فأين جمال الموت؟ أين جمال الجنازة؟ أين جمال آخر قصيدة؟ أين جمال آخر سوط؟

وكنت تعرفين أن روزالي ماتت قبل اليوم الذي ماتت فيه، وبعد أن سكت صوت طفولتنا سنين وسنين صعد صوتك في الجحيم الأخرس، فعمي قد هجرك بعد أن امتصك كالمحار، وصار حذاء للنظام، والناس من حولك، أولئك الذين انتظروا وانتظروا، بدأوا يتململون ويتذمرون. كان صوتك صوت الخبز بعد اقتسام الرغيف لأول مرة، لكن الوحل أقوى، والعصا في قبضة عمي أيضا، فأسكتوك مثلما سيسكتون بالمدافع غيرك في وهران، وفي صنعاء، وفي الجنة، وأنا من ظننت أسمع في صوتك طفولة روزالي تنادي طفولتي، وأنا من ظننت أسمع في صوتك طفولة الريح تنادي الطفولة المتمردة والشباب الجريء والشيخوخة المتنكرة للشيخوخة. كان قد خدعني ظني، فسألت عن زمن ضيعه القلم في الكتاب، وأخذت أبحث بين سطوره عن حكاية القتيل الذي لم يمت، وإذا بالسطور تنفتح، ويخرج منها رجل يشبهني. وبعد أن نظرت إليه مثلما أنظر إليّ في مرآتي ارتدى وجهي، وارتدى جسدي، وارتدى عقلي، وأخذني بدل أن آخذه إلى السطور ثانية ثم أغلقها بعد أن أدخلني في الحكاية. رحت في عالم غريب أروح بين أرضه وسمائه، وقد حطت أرضه في سمائه وسماؤه في أرضه، وغمرني نور موشح بالسواد، وموشح بالذهب ولون الزجاج. وأحسستني أشف حتى صرت ضربة برق في عيني ضرير من الأرجنتين راح يقرأ في الكتاب عني ليسترد نور البصر، وكلما رآني أكثر كلما شف وجودي أكثر ولم يعد ضريرا، ورأفة بي وبالنار لم يواصل الضرير القراءة، فتركني أعيش بين السطور، في عالم الحكاية، وتركه يعيش بين العيون، في عالم الفناء الحي أعمى.



الكتاب التاسع
كتاب الصليب


ووعدتك ألا أكون خاطئًا أنا الخاطئ مرتين قبل أن ينكرني المسيح مرتين

ووعدتك ألا أكون خاطئًا أنا الخاطئ مرتين قبل أن ينكرني المسيح مرتين، مرة عندما أبقيت بندقية أمين في مخبئها، ومرة عندما زوجتك عمي. وكان العقاب أن أتجول في أرجاء الأرض، وأنا أحمل على ظهري صليبي، وأن أبحث عن المهدي القتيل والمهدي القاتل، فهما قابيل وهابيل زمننا القادم. والآن، ماذا عليّ أن أفعل من أجل أن ألقاهما لموتك؟ عتبات البؤس اهترأت تحت قدميك، وقدماك صامدتان مثل ظلفين لوعل بقوة إله يحتمل الإجرام! وأفواه إخوتي الكاسرة كبرت، وهي تطلب رغيفًا أكبر من مدينة عربية مفتوحة عسلها من شِقِّها يسيل للمغول ولبنها! ولكن ماذا عليّ أن أفعل لأجد المهدي القاتل المجرم الدنيء القذر النذل الوغد، وألقي عني صليبي؟ أبحث أحيانًا، وأحيانًا لا أبحث، فالحكمة أن أتوقف عن البحث.

لكن الحكمة لا تنفع عصرًا لم تبق فيه إلا المحكمة! حملتِ يا أمي صليبك الأجمل من كل الصلبان والأفتن، وسرتِ في طريق الجلجلة الأروع من كل الطرقات والأبدع، فلم يعرفوك نبية مثلما لم يعرفوا المسيح نبيا. زعموا أنهم لا يرون من دكاكينهم سوى قوادات وقوادين أو مشعبذات ومشعبذين يقومون بالألعاب أو يقوّمون العاهرات من أجل ذات التجارة الأولى التي صارت عتيقة! أيتها القديسة في أرض العهر المباركة! كيف أجد لك المهدي القتيل والقذف برك ومن المني الملوث أحفاد العرب، ولكن ماذا عليّ أن أفعل لأجده لك، وألقي عنك صليبك؟ بدأت أحس الشيخوخة في بدني دون الحكمة، فلأخضع لك، عساك أن تنفخي في قلبي عزم المحكمة.

وفي أحد الأيام، نزلتُ عن صليبي، وصرختُ في وجه عمي الدميم أن ابعد عن طريقي، وإلا قتلتك ألفي مرة واثنتين وثلاثين، فلا تنهض من بعدك عصا! لكنك أمسكتني كالقمامة النظيفة، كالنعل الأبية، كالبصاق البلسميّ، حملتِ عني صليبي، وذهبت بي إلى خارج المخيم على عتبة جهنم، وقلت لي لن تقدر على شيء معه، فهو وحش البهاء، أخطبوط العباد، القاتل البطل، المجرم المفدى، الحذاء الإله! فسألتك ألا تبقي على عهدته، وأن تطلبي الطلاق، فلم توافقي، لأنك الإخلاص، رغم أنه تزوج من ابنة سيده. وكان عليّ في اليوم التالي أن أهبط عتبة جهنم إلى السراب، وأزحف بصليبي وصليبك زحف ثعبان لم يكفه ما تحمّل، أزحف وأزحف، إلى أن ينفلق القمر، وتعتم الشمس، ويغدو العالم كالكهف.

نعم، يكفينا ما تحملناه سويا! يكفينا الصليبان! يكفينا السيفان! يكفينا الجبلان! يكفينا الجحيمان! يكفينا الذلاّن: ذل العم وذل الثدي! وتكفينا الجنتان اللتان في السماء! وعندما عزمت على أن أكون في الجنة التي على الأرض قاتل رئيس الملائكة، تدخلت مرة أخرى، وذكرتني بإخوتي من الثعالب الماكرة، وقلت لي إنك اليوم مريم العذراء، وكل هؤلاء عيسى، وكل هذه صلبانهم، وكل الناس آباؤهم، فقط يا ليتك تسرع إليّ بالزبائن الكرام، يا ليتك تعلم أن جوهري من حقيقتي، وأن حقيقتي ألف مرة أشرف لي من حقيقة غيري، فرفضتُ، وكان ذلك سببًا آخر دفعني إلى مغادرة الجحيم إلى الجليد، ولأكون حرًا مع صليبي من صليبك. الجليد جحيم، لكنه جحيم يعيش المرء فيه حرا، فالجنة في بلاد العرب عبودية، والجحيم في بلاد الغرب حرية، وإن كان في بلاد الغرب الجحيم ماخورا.

وعندما لم يعد صليبي قناعتي، عملت من أجل صليبك فقط ولأجل صليبك وليس من أجل ولأجل قوة أخرى غير قوة صليبك وانتشار الليل في عينك البغي وعينك الباغية، وتبصرت بحقيقتك في الظلام الشديد، فلا تكون الإقطاعية حلا لنا ولا اليهودية ولا إمامة الضريح، يا حقيقةً ناصعةَ البياض مهما تلوثت، ويا جوهرة العيش الكريم مهما تدنى. لكني لا أجد إنجيلي المسلم ولا فرقاني المسيحي لينطق أحدهما بما لا ينطق الآخر في أمرك، وليعبرا عن ذلك بالفعل.



الكتاب العاشر
كتاب الجد


وعندما رآها تقطع الطريق عليه وتبكي سألها عن أمرها

وعندما رآها تقطع الطريق عليه وتبكي سألها عن أمرها، فأخبرته أن قرينها قد أبعدها عنه عنوة، فما هجرت بيتها، ولا هجرته، وهي ليس لها من بين البشر إخوة ولا أخوات، فسألها أن تكون أخته، وأن تأتي معه إلى بيته، فلا تهجره إلا متى تريد وإلى من تريد. قالت له إنها من دين اليهود، فلم يرجع عن كلامه. وقالت له إنها من دين النصارى، فلم يرجع عن كلامه. وقالت له إنها من دين قبيلة تعرف الدنيا ولا تعرف غيرها من رجوع، فلم يرجع عن كلامه. ولما قامت وصلت قامتها السماء، فرجع خطوتين إلى الوراء، ثم راح يجري فزعًا وهلعا، وهي من ورائه ترميه بحجارة تلتقطها من أعتاب الغيم.

كانت هذه حكاية من حكاياته ذلك الجد الذي لم يبع الأرض لما عزم على عدم بيعها، ولم يرجع عن كلامه. كانت الأرض أخته كما كانت تلك المرأة الغريبة أخته أيًا كان دينها، وكانت الأرض في الوقت آنه قاتلته كما حاولت تلك المرأة قتله لست أدري لكثرة وفائه لها أم لكثرة ثقته بنفسه. تذكرينه ذلك الجذع بشعره الأبيض ولحيته البيضاء وابتسامته البيضاء؟ كانت الأرض عشيقته التي ما كانت لتقبل من السعلاء أن تكون ضمان الغرام إلى أن قتله غرامها! العاشق القتيل هو والنصل في القلب. القمر المحترق هو ونار الكون. الكيان المزلزل هو والصواعق المبتردة على الكف... فقالوا وحشي هو، وأرضه أيضًا وحشية، لا تنهض فيها سوى أعمدة الرماد! وهو قد كرهها، وخربها، أو تركها مثل ثور لا يفهم كنه الاعتناء! تستلقي بانتظارهم منذ ألفي وثمان وأربعين سنة ليعودوا إليها ويصلحوها، وليكونوا على موعد مع غيره ويسكنوها، هكذا بكل سذاجة أعواد القصب، ولينقلوا للأرض القديمة المؤسسات الجديدة وعناقيد العنب! والوحشي فيك يا جدي حضارة، والكره لديك يا جدي مودة، والثور الذي فيك سيد الاقتدار! لم تكن المرأة الغريبة أخته، وأراد أن يجعل منها أخته، أخته الوفية، وهم لم يكونوا إخوته، ولم يسألوه أن يكونوا إخوته، أوفياء أو خونة. وأصبح كل واحد منهم ضليعًا في الأنساب والآثار والفراسة والبطون والأفخاذ والأثداء وحكايا الأنغال وقصص النكاح المحرم وعلامات أظافر جدي المغتصبة لجسد أخته الخائنة حيفا التي لا تمّحي.


الكتاب الحادي عشر
كتاب الوردة


وإلا كيف يمكن أن يبعث حوت من العدم ولا يسمع به أحد توحش أو تحضر؟

وإلا كيف يمكن أن يبعث حوت من العدم ولا يسمع به أحد توحش أو تحضر؟ كان حوت بحار الصحارى الغريب، وكنت حوت بحار الوحل اللاغريب. كنت الوحيد الذي ينظر إليك، وأنت ترفعين قدمك من الوحل رويدًا رويدا... وترفعين رأسك إلى أعلى إلى أعلى، إلى قمة لا يصلها جناح، وعما قليل ستصلين السحاب، لكن السماء أعلى من السحاب، والوحل محيط! كنت الوحيد الذي يراك، وأنت ترفعين قدمك من الوحل رويدًا رويدا... وأنا أرفع صوتي هاتفًا إلى الموت كل الورد، فتذبل من الورد وردة! كانت وردة من الزنك لم يسمعني أحد غيرها، فجعلنا من الزنك حديقة، ومن العفن جنة. وأعدنا من الوحل بناء الوطن، فقتلنا الحوت بعد أن صارت وردة الزنك بيتنا وسورنا، وهجرتنا الحجارة إلى الأعداء ليجعلوا منها سريرًا وسرا. كان جدي بعد أن مات قد أخذ معه من الورد اللطافة والرقة والعطر، وأخذ منه نظراتنا إليه، فلم نعد نراه لما نراه، ولم نعد نصبو إلى تقديمه للنساء.

تذكرين لما عاد الثوار بأبي جريحا، ابتسمت للجرح، وقلت لي اقطف وردة الدم قبل أن تذبل! كنت تعرفين أن أبي سيموت في الغد، وأن وردة الدم للثوار الذين لم يتركوا أبي من ورائهم ليدفنه غيرهم قد اشتعلت لتضيء لهم كفن الطريق. أخدناه إلى المقبرة دون نعش، أخذناه كما لو كنا نأخذ جثتنا، وابتسم الأسود في عينيك. قال لك أحد الثوار إن أبي قاوم كأحسن ما يقاوم الذئاب، وإن لم تسقط القرية قبل أن تسقط، فلأنه قاوم كأحسن ما يقاوم الطريد من الذئاب، ولم يلتزم بأمر آخر سوى أمر السلاح عليه، وكسر الرجل البندقية. كانت الثورة قد انتهت، والنكبة قد بدأت...

استبدلنا وردة الدم بقمر الدم، وأخذنا نحبل بالوهم، وقلنا في سرنا الشيء الكثير عن أبي الذي مات دون نعش، وعنك التي تحملين نعشًا دون ميت! وفتحنا الكتاب عن وردة الضوء التي ستغدو بعد أن كانت قلبًا ميتا، فشرطها أن تأخذ منا حبنا القديم لها. من أجل هذا الحب قتلونا، ومن أجل هذا الحب اقتلعونا، ومن أجل هذا الحب جعلوا منا للهند خنازيرا. كان الورد شيئًا من أشياء كنا نعيش من أجلها، أشياء كثيرة، أكثر مما في البحر من أشياء، وفي سبيل صَدَفة واحدة، صَدَفة واحدة فقط، قاتلنا. عاشق الصَّدَفِ كنت، وكان رد فعلي بعد أن استلبوا البحر منا أن صرت شاعرًا عاش قلبه بعد أن مات، وظل ينبض في جسدي المسجى، ويحفر في الفضاء، فنبتت وردة زرقاء راحت تكتب القصائد عن النحلة والأصابع المخضبة بحريق الرمان، ثم كتبت عن جذرها الأسود، وعن نجمة خضراء، وقالت في صحارى العرب أحلى أشعار الإغريق، وفي بحار الإغريق أحلى أشعار العرب، فحقد على الوردة كل شعراء المشانق، وهجوها، ثم هجموا عليها، واقتلعوها، واقتلعوني معها بعد أن أعطى عمي مكافأة عظمى لمن يكتب عني أتعس قصيدة لأسعد عود، وكانت قصائدهم كلها أتعس من قمر رديء وقميص مخطط، وارتقوا جميعًا على سلالم حرب البسوس.



الكتاب الثاني عشر
والكتاب الثالث عشر
كتاب المطر
وكتاب الدم


سيصب المطر عما قريب والدم

سيصب المطر عما قريب والدم، ولكننا لن نعود إلى البيت بسرعة، فعلينا أن نجرف الوحل أولا. نظرنا إلى الجرح، ونظر الجرح إلينا. كان الجرح سماء، والسماء سقف الدنيا. السقف واطئ، والجرح عميق، لهذا كان المطر يتفجر والدم ينابيعا. كان الدم لا يكفينا، والماء لم يعد يروينا. تركنا كل شيء لإرادة الريح، ريح عنيد، تصفر وتطرب وتصيح لتنبئ بالمطر الذي سيصب بعد قليل، وبالدم، فغدا الدم لوحة العالم، والوحل فاجعة المجرفة. كسرنا أصابعنا على المجرفة، واحترفنا مهنة الخروج على الربيع. وبعد ذلك، نشب صراعنا مع الصيف، نحن أولاد الطين. كانت الشمس من ألد أعدائنا، ولم يكن القمر لنا حليفا، وهو للثريا عشيق. لم نترك دمنا في طنجة، ولا ماءنا في طهران، كنا ثور الأعداء، ونحن لهذا نطحنا بقرنينا إلى أن قطعوا لنا قرنينا، وانتصروا لروما. جسد حيفا كان قرنينا، ونهد حيفا قطرة من دمنا، وساق حيفا قبلة غيم لن نحصل عليها. غدت حيفا بطاقاتهم البريدية إلينا، ويافا قبلاتهم لنا من بعيد.

يا أمي المليكة! هل سيتركنا الشتاء نرتاح يومًا من صراع باقي الفصول معنا؟ عاشقة للمطر أنت أم للدم أم لملهاة الأرق حين تعجز ملائكة النوم عن إضحاكك؟ اقتطعوا الضحك من فمك، فبكت الدنيا، لهذا كان الشتاء لك مخلصا. كيف أخلّصك من العواصف؟ ابحثي معي عن مخلّصك، وإلا سيغدو وجودنا انعكاس العودة إلى العودة، وسنحقق لهم ما أرادوا لنا أن نكون، قافلة الذهاب إلى الذهاب. أين ألقاه ذلك المهدي المصمم؟ أين ألقاه في جزر شديد وليل مديد وسماء لم نعد فيها نتمارى؟ فيا بحر الدم الذي نريده بحرًا مفيضا، اجرف مراكبنا إلى شاطئ سنذهب إليه من الكتاب الآن، وذهبنا إليه في الحقيقة غدا.



الكتاب الرابع عشر
كتاب الوعول


أيطاردني عمي حيث حللت؟

أيطاردني عمي حيث حللت؟ أيمكن لقواه أن تضرب كالبرق في الأرض؟ البرق أسود في عالمه، وعلى أرض السين أزرق، فراشة مفجرة للرغبات، ومطاردة لكل فكرة ليست بريئة. وأنا، كل أفكاري ليست بريئة، كل أفكاري مجرمة، الشبق نصل في رأسي، والمرأة معركة. كل النضال لي جسد، وكل الوطن قبلة. العناق ليس خاتمة، وإنما بداية للقتل. والقتل كلما كان بطيئًا كان عبقريا، وكان خلاقا، وكان أروع جريمة. إنه التحام الجسد بحد سكين العدم. انصهار الحديد على الجليد. يدٌ تتقن الإجرام باليد الأخرى، وبطنٌ ينحدر دون نهاية. على النهاية أن تكون مجزرة، وهذا ما لم يفهمه عمي بعد أن تزوج على سنة الله ورسوله ابنة سيده، وأحال الأصول إلى سيف من عجين، والحلال إلى رغيف مُكَربن، والعائلة إلى صحن سردين زنخ. هذا ما لم تفهميه يوم قلنا لك طلقيه، لكنك أخذت تصعدين الجبل كل يوم، وأنت تنتظرين أن يتزحزح الجبل تحت خطواتك متحركًا صوب المخيم، فيسحقه بقدمه، ويفصلك عن عمي.

وأخذت تصعدين الجبل كلما مضت في خيالنا أمنية، فلم يتحرك الجبل. بدّلت الجبل، وبدّلت الوقت الذي كنت تصعدين فيه إلى قمم المستحيل، فبدل أن تصعدي في الصباح وتعودي في المساء، أخذت تصعدين في المساء وتعودين في الصباح. تعبت تعب عملاق رضخ، وهلكت هلاك مجذاف خذلته الأشرعة. كلت قدماك بعد أن كلت الجبال من قدميك ثم توقفت عن الصعود، ففصل الشتاء قد أتى، وقد انقضّت من الوحل بعض الوعول لتدق بقرونها بابك. وكان منك أن أخذتها منها، وضربت بها الأرض، فماتت. وقلت لأهلنا هذه هي وليمتي إليكم، فلم يأتوا ليأكلوا. جلسنا نأكل من حلو اللحم سبعة أعوام، واللحم يتكدس على اللحم، والدود ينبت في الأوردة، فرحنا نبني من الدود غرفًا وسلاسل، وجعلنا منه جنتنا. أتى رجل من حيفا يقول إنه ابن عمنا الذي تركناه هناك، وراح يعيث في جنتنا فسادا، فلما طردناه، اختطف أختنا معه، وجعل منها أجمل ماخور، وأبشع معبد. وأخذ يهود حيفا يتجمهرون على عتبتها ليشاهدوا أرق عناق، ويتابعوا أسمى صلاة.


الكتاب الخامس عشر
كتاب الفصول


وقلت لنا سلاحكم الضعف وقوة الإخوة الأعداء الذين هم شجر فينا

وقلت لنا سلاحكم الضعف وقوة الإخوة الأعداء الذين هم شجر فينا، في طرف كنا أنا وأنت والوعول، ولم يكن يوجد طرف آخر، كان الطرف الآخر فينا، كان عمي الذي تغلغل في جسدك، وجعل منه ساح وغاه، فأتيته بالأولاد، وأتاك طالبًا أن تعيديهم إليه. قال إنه يريد أن يقتلع الغرسة من أرض الشقاء ليعيد زرعها في أرض الهناء، فأينها أرض الهناء في المنفى والمنفى فناء وكل الفصول فصل واحد؟ وكل الفصول وحل؟ وكل الفصول انتهت، فلم يعد هناك وحل لنجمعه. لم يعد هناك عشاق يتامى للخريف، ولم يعد هناك أطفال لا يكبرون في الربيع، ولم يعد هناك جمال يستلقي على رمل الشواطئ في الصيف، الذهب والحريق الأخضر والبرنز كلها صارت ذكرى للقبلات المنسية، فقد تعدد المنفى وهو واحد، وتوحدت التفاصيل وهي عديدة.

في باريس صارت كل الفصول لي فصل النور، وفي لندن فصل الفحم الحجري، وفي نيويورك فصل الذهب الأسود، وفي ريو دو جانيرو فصل الثدي والوركين. كان الجديد للقديم كارثة الجديد، ولأخلص من كارثة القديم اغتصبت البنية. عدت إليك، فقلت لي إن أملك لما يزل كبيرًا في البقاء بعد فناء، وابتكرت للفصول معاني جديدة واستعارات أخرى لم أصمد طويلاً أمام سحرها المدمر، عاد المطر في الشتاء يعوي، وعادت البراعم في الربيع تضاجع، وعاد الرمل في الصيف ينام بين فخذيك، وعادت النسور في الخريف مع الرياح لتقيء الوقت وتلوث المكان، ومع كل الذي عاد عاد الوحل الوفي والضعف المزمن والجسد المستقبِل والسعال المؤيد. كانت الفاجعة قد بدأت من جديد، وأنا قد عدت من جديد أبحث لك عما أضعت، لكني كنت بين الضباع ربًا للضياع! كيف أجد لك المهدي القتيل؟ كيف أجد لك المهدي القاتل؟ كيف أجد لك فصول الجنون وأنتزعك من أحضان الطبيعة؟ الربيع ها هنا لكنه ليس لك، والصيف ها هنا لكنه ليس لك، والخريف ها هنا لكنه ليس لك، لم تكن لك إلا الفرس العاصية للشتاء! كيف أجد لي مراكب الآلهة العابرين طريقهم في زمن تينه أبيض؟ كيف آتي بها إلى زمن فقد اللون؟ كيف أجد لها أولئك الملاحين العاصين في بحر الأوديسة العاصف عند شواطئ دمنا، كيف أجد لها بندقية أمين، وأستعيد ذكرى قديمة؟ كيف أجد مخالبي الشديدة، وأنتحر على فخذي حيفا أو أنحر أجمل غزالاتها؟

وأمام المأزق الذي كنت فيه، قال الخريف إني أخلع ثوبي البنيّ من أجلك لأرتدي جلد امرأة عجوز جف ويبس، فإن هذه العجوز لهي أجمل نساء الدنيا، فلم أقاوم إغراء الشيخوخة عليّ. ولما أخذتها في أحضاني تركتني أذوب في لذة موت البدن، وأغلي، وأتفجر، وكأني بوتقةٌ للوقت، وكأني فرنٌ للتجربة. كنت قد اجتزت عتبة الدمامة والنزيف إلى هول الصورة والتجريد، اخترقت مجال الوهم، فاتحدَتْ كل فروج النساء في سرير الزمن الشائخ، وأنا للعنف الذي بذلته لاختراقها جميعًا وفي لحظة واحدة قد انكسر غصني المنتصب، وخرجت منه أنثى من أروع ما خرج لي من نساء. قالت لي أنا الجليد بعد نار، فأذبني بنارك، واحرقني، وانثر رمادي في الفضاء، ليسقط اللؤلؤ مع المطر الأسود في الفصل القادم.



الكتاب السادس عشر
كتاب المومس


ولكن قلبي لا نار فيه بعد أن انطفأت ناره

ولكن قلبي لا نار فيه بعد أن انطفأت ناره، لن يحلم هذا القلب كالماضي، فهو قلب، والحب العصي الذي لم تلوثه حيفا بعد قد غدا مستحيلا! وأسألك هل الغد قريب يا مليكة؟

وأفتح عينين مفقوأتين مثل عيني ملك خانه الزمان في الغد، ويصير الأمس أبعد من أن يتحقق! وأسألك هل الغد قريب يا قبيلة؟

أخرجيني من موقد عمري، وذري في العيون رماد الوطنية، فقد سَبَقَتْني إلى الوقت، وعاثت في البلاد فسادًا قدمها الذكية! وأسألك هل الغد بعيد يا حقيقة؟

وفي الغد، جاءت صاحبة القدم التي هي مومس لم نعرف حقيقة أصلها تبحث عن زبون تكتفي به ويكتفي بها في ليلة باردة، كانت حبلى، ولا أحد غيرها يعرف من هو أبو الطفل الذي سيأتي منها. راحت أضواء السيارات المنخطفة بسرعة الرغبة في النوم ترشقها دون أن تبالي بها، فالسهاد جوع العصور إلى الراحة والخضوع، وما كان منها إلا أن راحت تخلع عنها ملابسها لتنتصب في عرض الطريق تمثال عاج لا يخشى سياط الريح اللاسعة. تجمّع من حولها عشرات الزبائن، لكنها ما لبثت أن أخذت بالصراخ، وقد جاءها المخاض. ألقت ببطنها على الرصيف، وقد ضاعفت الصراخ، ومن بين فخذيها المفتوحتين للعواصف، أخذ رأس الوليد يخرج من الغائط ثم صدره ثم وسطه ثم ساقاه ثم قدماه ثم توراته ثم مستعمراته ثم نيله ثم فراته ثم برداه ثم مكته، وزكمت الأنوف أزكى الروائح الكريهة. كان الوليد بنتًا سميتُها ثورة، بعد أن أطلقتُ احتفاء بمولدها أول رصاصة.

بعد أن أخذتُ البنت منها، وغسلتها دون أن تنظف أبدا، عادت المومس إلى مهنتها، وقالت إني إلهة السأم! فقلت إنك إلهة التدني! فانفجرت تبكي، وأمطرت سماء الوقت المظلم.

كيف يمكنها ألا تسأم؟ كيف يمكنها ألا تمخر بحطام العالم وهي آخر مركب؟ كيف يمكن لغيرها ألا يكون مثلها على ذات الطريق؟ وعندما صارت ثورة مومسًا راحت تتصرف بهم كما تتصرف بأحذيتها، فقالوا لها سنظل عبيدًا لفتنتك، ولوثينا بجمالك، وركعوا كلهم على قدميها في محراب منيهم. وفي الوقت الذي راحت فيه تجمع ورق الخريف من الحديقة لتجعل منه ثوبًا وتعيد التشكيل، اتخذوا قرارهم الخسيس. وبينما كان جرحها لما يزل يبصق الدم عليهم، راحوا يبحثون عن مومس أخرى ترفعهم وتذلهم من بناتنا.



الكتاب السابع عشر
كتاب الساعد وفصوله
فصل الأب وفصل الأطفال وفصل الأم وفصل الأخ ثم فصل السجن العربي والتفاحة


وأطلقوا الضحكات على أبي

وأطلقوا الضحكات على أبي، وهو يزحف أمام المقاتل الشريف والسكاكين بين أسنانه! كانت حرب التوراة في آلاف الكتب، وتلك صورة من صورها التي غزتنا. ومرة ثانية أطلقوا ذات الضحكات على أبي، وهو يتبعه الضابط مجبرًا إياه على مواصلة الزحف بتصويب البندقية إلى ظهره! كانت حرب السطور الستة، فهي لم تكن حربا، وإن كانت، فعلى الورق بطول ستة سطور من قصة ليس لها نهاية. ومرة ثالثة تفجروا عليه بضحكهم الهستيريّ، وهو على استعداد في سبيل دولار واحد أن يفقد حياته! كانت حرب إبادتنا، وهذه صورة من صورنا جعلوا منها ألف كتاب إلى أن تحين الخاتمة. لا عجب إذن أن نسقط، فمن أخلاقنا ألا نعلو، وأن يدور أطفالنا في الشوارع عارضين مضاجعة أخواتهم العذراوات! ولا عجب إذن أن يحلم أطفالك بك عارية، وهم يوشمون بالأسهم والقلوب سواعدهم! المواخير تحت أقدام الأمهات، كانوا يقولون عن جناتنا، وكان يكفي أن أقرأ كلمة مما يقولون حتى أفقد الصواب. كنت أقول لهم، نعم مواخيرنا أنظف من كل جناتكم، موتوا بغيظكم! وفي الليل كنت أجلس وحدي، وأبكي، لم يكن كلامهم كله كذبا، لم تكن رغبتي في العودة إلى بطنك رغبة رجل مريض بما في بطنك، كنت أريدك أن تلديني من جديد دون أن تسقطيني مع غائطك، فرائحتنا الكريهة اليوم تزكم أنف العالم. كان الفصل الذي لن تكتبيه أبدا!

وعندما رموا أخي في ظلام السجن، وصلتك أنفاسه، ووصلته أنفاسك، أنفاسك العطنة الزكية، لم يكن ذلك كل ما يصبو إليه في الظلام والوحدة والبرد، ولما كانت لنا ساعدك وسادة قطن نرمي عليها رؤوسنا، لم يجد ساعدك، وكانت تلك فاجعته الحقيقية. كانت فاجعة الساعد أعظم من فاجعة الوطن، وأشد ضراوة من فاجعة الرغيف. أتذكرين اليوم الذي مزق فيه أخي بطاقة التموين، وقذفها في وجه الموزع وحصتنا من نخالة القمح وسوس الفول وديدان المارغرين، وضربها بقدمه في الأرض التي تسخر منه، فسخر منها، وطمرها في التراب كأنما يطمر جثة؟ كل الفاجعات تهون وأول الفاجعات فاجعة البطن، أما فاجعة ساعدك! لماذا صنعتنا قريبين جدًا منك وأنت عنا بعيدة؟ اعترفي بكرهك، وبحقدك، وبخداعك، اعترفي فقط لذلك الابن الغبي الذي صاح بأعلى صوته إني أدينكم جميعا! قولي له إنكِ الثورة والشرطة! قولي له إنكِ الكلبة والكذبة! قولي له إن دمه حلال وساعدك امتداد! اعترفي له بصدق كأم تحب ابنها، ولأول مرة في حياتك، أنك خنت أباه، وأنه من دم غير دمي، وحرام عليّ ألا أقتله! قولي إنك زوجة للأعداء، وبين فخذيك سجننا! دمريه بقبلة، اسحقيه بقنبلة! خذيني معه إلى ربوة، واذبحيني قبله بين يدي الله!

لم يكن يعلم أخي أن السجن له أرحم، وأن السجن سيمنعكِ من الاعتراف، لم نكن كلنا نعلم، فبلاد العرب سجنٌ العالم فيه زنزانة! وسجن العرب كبير لكنه يضيق، ويصير السجن تفاحة! ولكنهم عملوا كل ما في وسعهم لئلا يعضها بأسنانه، فلا يطرد من الجنة. لم تكن التفاحة أخته، فلا هي مومس ولا هي عذراء، وكان يود لو يذبح عليها شفتيه لقاء عضة. كانت التفاحة مصرًا قبل أن يغزو الرملُ في سيناء فنادقَ السياحة، فانتشر الخبر بين أهاليها الذين أحبوه. مخروا من أقاصي النيل إليه، وفي سلالهم قطفوا له عنبًا وتفاحا، فاعترض قزم عليهم الطريق كان سيدهم، وقال إني أريد كل ما قطفتم وإلا مسختكم، ولما رفضوا إخلاصًا منهم لقمعه مسخهم، فانتشروا جرذانًا في الوادي، وانتشر الطاعون وإياهم، وفتك بالناس، وراح الأحياء منهم يقيمون من جثث الأموات أهرامات المجد ثم يحرقونها في الطرقات وعلى أبواب المعابد، ولم يعد يسمع في الأرجاء سوى نحيب العنادل وفرقعة عظام البشر. وذهب الطاعون بالمراكب من مصر إلى بلاد النوبة، ومنها إلى بلاد البحيرات ومنابع النيل وأصوله، حتى أن الوباء قد زحف إلى جثث التماسيح ومن جثث التماسيح إلى جثة أفريقيا كلها.



الكتاب الثامن عشر
كتاب الإرهابي


وكان الحصان يعدو كأنه القضاء

وكان الحصان يعدو كأنه القضاء، في اتجاه الهدف الموت الشهادة، فقالوا إرهابيٌّ هو، لكن الحقل كان يفهم أي معنى تأتي به جثث الزهر في أرض الضوء الجريح.

وكان الحصان يعدو كأنه الضياء، في اتجاه الموج الموت العملقة، فقالوا إرهابيٌّ هو، لكن البحر كان يفهم أي معنى يكمن في دكنة اللج البعيد.

وكان الحصان يعدو كأنه النداء، في اتجاه البرق الموت رؤيا العين رغبة الجسد عواء الفلاسفة، فقالوا ما قالوه، لكن الضباب كان يفهم أي معنى تحوي قبضة شمس مهيجة للشهوة.

ولما أرادت حبلى ثانية أن تلد في المكان الذي يوجد فيه جهاز ضغط للرحم، فتحول دون عملية قيصرية ثالثة، لم يعطوها تأشيرة دخول، لأن في بطنها إرهابيًا سيأتي في الساعة الخامسة بعد الظهر في اليوم الخامس عشر من شهر تشرين الثاني.

ولما شاءوا أن أكون أبًا قاتلاً مثل أبي القاتل، زحفت والسكاكين بين أسناني، وضابطي يتبعني مجبرًا إياي على مواصلة الزحف بتصويب البندقية إلى ظهري، وأعطيتك دولار أعطوني إياه لأفقد حياتي، ففقدت حياتي، وفقدوا حياتهم في الساعة الخامسة بعد الظهر في اليوم الخامس عشر من شهر تشرين الثاني.

ولما أراد أن يأتي الوجود لم يسألك عن دمعك، ولم يسألك عن دمعي، أنت التي أخرجته من نهر عينيك! فتح كتاب الآهة على آخر صفحة كتبناها لأنه أراد أن يعترف بهم بعد كل الدمع الذي ذرفناه، فلا يبكي أحد من بعدنا، ولم يفكر لحظة واحدة أنهم لن يعترفوا به، فهو لهم ما سيفعل فيهم بالنار غير ما يقوله عنهم أمام الكاميرا في الساعة الخامسة بعد الظهر في اليوم الخامس عشر من شهر كانون الثاني.



الكتاب التاسع عشر
كتاب الآهة


آهٍ منهم لأنهم لا يعرفون أي دمع هو دمعنا...

آهٍ منهم لأنهم لا يعرفون أي دمع هو دمعنا، ولا يفهمون الخطأ والصواب فيه. وعندما يقولون جئنا بالعنف من أجل القدس ستقولين لهم هذا ما جئتُ به من أجلها، أقمتِ الدنيا ولم تقعديها، وانهارت الأسوار تحت قدميك. كانت حربك مع المملكة ضد المملكة، ففضلت المملكة على المملكة، لأنك أمٌّ للآه والنحيب، ولأن التاج العنيف لا يفقه معنى الحنين. عنفهم مركبٌ للآه، وحنينك مرساة للألم. آهٍ منهم! آهٍ من إخلاصهم لبؤسك، لأسرك، لآهتك! اخلعي الثوب المحرق عنك، وتعطري بين الوقتين برائحة شعرات النبي الكريم، وتأملي قبة الصخرة لآخر مرة ثم اذهبي في الزقاق القديم ولا تعودي. اتركيني أقول آهٍ عليك وعلى نهرٍ فضيّ لن أعبره، آهٍ عليك وعلى رصيفٍ لن يتنهد، آهٍ عليك وعلى بيتٍ لن توقفه الريح على قدميه! دعيني أبكي قبل أن أترك من ورائي أيلول إلى عروس ترتدي ثوبًا أسود.

كنت قد أطللت عليها من طاقة، وهي تخلع عنها في ليلتها الأولى ثوبها، فرأيت محاسنها سمكًا وكرزا، ورحت أنقط فيها رغبة، وأنا لامتلاكها أشعلت حربا، ودمرت بلدا، وما امتلكت سوى آهة.

آهٍ عليك يا الرغبة الأخيرة، وسقوط الرجال على قدميك، وتفتح زهرة تنكسر عليها شفة نحلة تكره العسل وتحب بولي...




الكتاب العشرون
كتاب جارف الدم


وعندما أذهبت نفسك من هزيمة إلى هزيمة...

وعندما أذهبت نفسك من هزيمة إلى هزيمة أخبرك أخي الآخر أخو أخي مدمر الورد أنهم إذا أرادوا أن ينادوه قالوا له يا جارف الدم! وإذا أرادوا أن يحادثوه قالوا له يا جارف الدم! وإذا أرادوا أن يشتموه قالوا له يا ابن الهامة! حتى أنهم ذهبوا لحراسة جثث آبائهم وأبنائهم في المقابر ليلاً خوفًا من أن تنهض إلى جانبه. كانوا كلهم يعومون في دمك، وكان بعضهم يشرب منه ليثمل، وبعضهم يبحر فيه ليرحل.

في أحد الأيام، جاء أخي يسألك:

هل جارف الدم اسمي؟

قلت لا هو اسمك ولا هو قناعك الفاجع.

هل جارف الدم هويتي؟

قلت لا هو هويتك ولا هو قناعك الساخر.

هل جارف الدم قدري؟

قلت لا هو قدرك ولا هو صقرك ولا هذا أو ذاك مسرحية من فصل واحد سيكتبونها عنك.

فسألك:

إذن من أنا الذي أنا؟

قلت أنت ابني الذي أنت وديانا أختك.

فلم يكفه ما قلت.

قلت أنت الكنعاني.

فكسر عصا المجرفة، وتسلق الدم إليهم ضبعًا وانتقامًا وصاح:

أنا التاريخ بكل ما فيه، كنعان اسمي، وديانا وصفي، وقد تركت لكم باقي الأسماء والأوصاف!

نقلوه من زنزانة إلى زنزانة في التفاحة، فلم يكفّ عن العواء. أسالوا دمه عسلاً على دمه، ومرة أخرى، من تطوان إلى نجران، لم تكن بداية الطوفان.




الكتاب الحادي والعشرون
كتاب العطاء


وأخبروك أن أخي ذاك الضبع الكنعاني الكلب الأندلسي مات

وأخبروك أن أخي ذاك الضبع الكنعاني الكلب الأندلسي مات بعد أن فجروا دمه نبعًا يلطم مجدهم، وكان جوابك أن الشهادة نجمة مدنسة، والجرح وسام قذر! وأبت دموعك عن التفجر كينابيع الجبل بعد أن شقت دربًا في الصخر الصلد، وجعلت من ملح الأرض سكرًا غير مستساغ المذاق.

انكسرتِ بحرقة ثعلبة ليست داهية، لا لأنك أعطيته للريح، ولكن لأن عمي أخذه، ولأن كلنا لعمي متاع اللاغرور، يأخذنا كما يأخذ خلانه اللاأوفياء، لهذا كان دمنا له مُشاعا. وفي كل مرة يأخذنا فيها عمي بين ذراعيه الوفيتين يبدل عصًا بسلاح وسلاحًا بنصل ونصلاً بأروع، ليجعلك أخرى، وأنت أخرى، تعبدين كل ما يخرج من كل ذي أرض حي، وهو عبد ذليل لسيده، تواجهين كل ما يدخل من كل ذي فضاء ميت، وهو وجه دموي لحقده، يضن عليك ليغدقوا عليه، ويحكم الأغلال حول يديك ليطلقوا يديه. ولن يجعلك أخرى، لأنك والوطن وهمان هما كل واحد لا يتجزأ. فليجعل من الوهم غير الوهم إن استطاع، واستطاع أن يجعلك قمصانًا ممزقة وقبائل تتطاحن في حضنٍ اخترقته السيوف، فغدوت أشرعة تقيحت بالندى والمناقير، مركبًا تائهًا في عرض البحر كنتُ ربانه البربريّ. العاصفة أختي، والأمواج بناتي، الأمواج العاصية، والعاصفة العاتية، ومعي أبحر بشعبي إلى ميناء لا يوجد وأرض لم تبدع. كان غضبي من غضب الموج على الموج وعلى الدنيا، وأنا أرتقي سلالم الموج، والمركب وطننا المعلق بين أصابع اللجة، وشعبي أصرخ به لينقذ نفسه أن يلقي بنفسه في البحر. ونظرت إليك في بشاعتك، فارتعبت على صورة لك ليست متوقعة، ولكنك كنت في جوهرك شائهة، والذباب في حضنك يطن أروع من ملائكة تغني لحنًا خليعا، وبدا عمي كالقمر زاهيًا وجميلا، وبدا جسدك كالمدينة لأجنحة الجياد مفتوحا، كنتِ المدينة وكنتِ الأجنحة: نعم يا أمي، لنقتل القاتل، هكذا صاح القتيل! ورحت تقهقهين من سذاجتي بعد أن أخذوه عنوة، وأنت من أعطيته للريح، وصارت الشهادة نجمة طين! ومن الطين صنعت لعمي تمثالاً هدمته، ثم تذرعت بجرح في إصبعي، وارتحت بعد ذلك من الزمن حولا. كنت غير قادر على الضغط على الزناد لما رجمني ببرق عينيه، ولما جمدني برعب وقفته، ولما شلني بهول حضوره، فقتلت الحمام! كان المركب لا يمخر عُباب البحر، كان يشق البحر من شِقه، ويأخذه العباب إلى العناق اللجيّ، وأنا عوليس الفلسطينيّ، أصرخ بشعبي لينقذ نفسه أن يلقي بنفسه في اليم، أن يتسلق سلالم الموج، أن يجترح المعجزات كي يستحق الحياة. وعندما ناديتِ الغوث الغوث، خف إليك ضبعك الكنعاني كلبك الأندلسي أخي الآخر الذي يصغر أخي عامًا وبحرًا في ملحمته، والموج يزأر، يصل عنان السماء، وأنا أصرخ: ألقوا بأنفسكم في البحر لتنقذوا أنفسكم! وأنت تأخذين ابنك من يديه مثلما تأخذين غير ابنك... ألقوا بأنفسكم في الموج! أو هو يأخذ أمه من يديها مثلما يأخذ غير أمه... تحدوا الموت! ألقوا بأنفسكم في اللُّجَة! كنتِ الأم وغدوتِ العشيقة، وكان الابن وغدا العشيق الذبيح بالشوق... أنقذوا أنفسكم؟ وأنا أقتلهم بسلاحي، وهم يلقون بأنفسهم... وأنتما جسدان ملقيان في الوحل، مختلطان، متقاطعان، متصارعان، جسدان وُلدا الآن من بطن الطين، فترشقكما أضواء الشعاع الفحمية، وقطرات الملح الندية بعد أن اختصرتما عمر سعادة البشر في ثوان، وإذا لم يدم ذلك طويلا، فلأن عمي رماه في السجن إلى جانب أخي مدمر الورد أخي المجرم، وأسال الجلادون دمه، فلم يمت، ولم يفقد وعيه، ولم تفتح البوم عينيها في المساء الحالك.



الكتاب الثاني والعشرون
كتاب الأغنية


ثم سحقوا عظمه ففقد هذه المرة وعيه ومات في العاصفة البربرية الحادبة عليه

ثم سحقوا عظمه ففقد هذه المرة وعيه ومات في العاصفة البربرية الحادبة عليه، لم تبكيه كما لم تبكي أخاه، فانغلق النبع على النبع، وظمئ الفم. كانت الريح تأخذ دومًا دون أن تشبع أو تقنع، والمركب يعلو إلى أن يصل قمم الغيم، ويهبط إلى أن يصل أعشاش السمك. وعندما ناديتِ الغوث الغوث، خف إليك ضبعك الكنعاني كلبك الأندلسي أخي الآخر الذي يصغر أخي الأول عامين وأخي الثاني عامًا ومحيطًا في ملحمته، والموج يغلي، يقذف حُمَما، وأخي يصرخ بفم كمخلب مهشم: لنقتل القتيل! هكذا صاح القاتل القادم. وعلى التو، تصادى في المخيم بعض هدير لا شيء من هدير الموج البربريّ. كان لحنًا لم يتم بعد لأغنية انتهت! وعندما خرج عمي من قلب الجحيم لاعتقاله، وفي أحلامه أراد كسر أعناق السنابل العنيدة، وجد بعض الصعوبة، واحتاجه ذلك إلى أن يعتقل أولاً ثلاثين نجمًا قبل أن يصله بحنين الحديد.

ولما رموا أخي في السجن غنى، فشنف الآذان. كانت أغنية تعرف طريقها إلى كل القلوب حتى القاسية منها، فجلس عمي يستمع إليها، وكأنها كُتبت له وحده. راح يتأمل وردة بيضاء، ويبكي. كان الماضي المعذِّب الذي نظن أننا نسيناه، وأتونه المحرق. تذكر يوم كان طفلا، ويوم كسر قلما. وتذكر يوم أحب لأول مرة، يوم كتب لها رسالة. وتذكر يوم ماتت ابنته، يوم مزقتها حوافر حصاننا الأكحل. وفجأة، توقف أخي عن الغناء، كان الجلادون قد أسالوا دمه، فلم يمت، ولم يفقد وعيه، ولم تغلق البوم عينيها في النهار الأنضر.

وعندما قتلوه هو أيضًا بعد أن أفقدوه هذه المرة وعيه، ضربتِ الرِجام بنعلك والرمل. لم تبكيه كما لم تبكي أخاه، فانغلق العقل على العقل، وتفتت الصخر. قلتِ الريح أخذت والريح أخذت! والعاصفة ترفع المركب على أكفها وتلقيه في الموج، تعصر المركب بين أصابعها، وتلقيه في الموج، تقذف المركب من نجم لنجم، وتتركه يهوي في أثباج اليم، وأنا أصرخ بشعبي لينقذ نفسه أن يلقي بنفسه في الموج، وأنا أركل شعبي لينقذ نفسه أن يلقي بنفسه في الموج، وأنا أقتله بالرصاص لينقذ نفسه أن يلقي بنفسه في الموج، أنا قاتل طروادة، وأنا طروادة! راح بعضهم يلقي ببعضهم في عرض البحر، وجعل من تبقى من شعبي معي كتلة متراصة من حولي ضد البحر، والبحر أقوى، والبحر لعنة، والبحر هوة. كان البحر قوة البشر التي ليست لهم!

وعندما ناديتِ الغوث الغوث، خف إليك ضبعك الكنعاني كلبك الأندلسي أخي الثالث والثلاثون الذي يصغر أخي الأول ما يصغر وأخي الثاني أقل منه بعام وحقل قمح وضرع بقرة وظفر كلب في جيبه، وأراد أن يطمئنك، فرميت أشياء البشر أرضا، ونبذته بعد أن نبذه الله، فلم يكتف بهذه الصيحة: لنقتل القاتل! بل جمع من حوله شباب الجحيم وبعض الأقمار والشياطين وراح يفكر وإياهم في الطريقة التي تنقذهم مما هم فيه، ويبحث معهم في كتاب الأغاني عن أغنية لا تبكي الجلادين.

كنا قد تركنا العاصفة من ورائنا، والماء لما يزل من أمامنا. وكنا في عُباب البحر نمخر دون أن نعرف الطريق، والطريق طرق، والطرق في البحر واحدة. ونحن في ضياعنا الميتافيزيقيّ، عصف في صدورنا الحنين إلى الوطن، وراح كل واحد منا بقدر حبه له يكره الآخر، وكأنه السبب في مأساته، وانقلبنا أعداء على بعضنا. غدوت عدوًا للجميع، وغدا كل واحد عدوًا للواحد.

مضت مدة دون أن نبحث عمن سيقتلنا، نحن قتلة طروادة، ونحن طروادة! وتجدينني أتساءل الآن: من منا سيجده؟ من المحظوظ فينا الذي سيجده؟ أم أنه هو الذي سيجدنا؟ سيجدنا على عتبة هاوية، وفي دم صقرة، وبين مخالب شبق الأشواق، ولن يتعب في تعليمنا كيف نحذو حذوه في طريق الحجر الأطول من قدر على حافة جزر القمر الأبشع من وجوه أجمل جِمال الصحراء، وكانت في قلبي أغنية عن حنين الحاقد رحت أغنيها.



الكتاب الثالث والعشرون
كتاب المهدي


أن تستقر أن تعود إلى حضني الأدفأ من ذراعي امرأة باردة من نساء المعابد!

أن تستقر أن تعود إلى حضني الأدفأ من ذراعي امرأة باردة من نساء المعابد! هكذا قلتِ لكلبك الذي هو أنا. والموج؟ قلتِ لي سينتهي. والوحل؟ قلتِ لي سينتهي. والرمل الذي لا ينتهي في صحارى العرب؟ قلتِ لي سينتهي، وحبي لكِ لا يكفي نحلة.

سخرتُ منك ومن استقرائك لأني أستطيع أن أحبك من هنا وأحب غيرك معك، وأستطيع أن أفعل لأجلك من هنا ما تشائين، أن أفعل هنا من أجلك ما أشاء لأرفعك بين ذراعيّ نجمين يصعدان في الصيف قبل منتصف الليل من الجهة الغربية لساحة نابليون، وأن أبني فيها لك هرمًا زجاجيا. لم تريدي الفهم لتشبثك برأيك، وقلت لي المهدي القتيل ذهب بعد أن عاد، وأنا أريدك أن تعود بعد أن ذهبت. كنتُ أقوى من كل الذين كانوا معي على المركب، أقوى بكره الواحد للآخر، أقوى بحب الكل للبحر، وأقوى على الخصوص بمكري ودهائي. كان المركب قد غدا وطننا وهويتنا وحريتنا، ورحنا نصطاد من البحر ما نأكل، ونجمع من المطر ما نشرب، ونلعب مع الحيتان قبل أن نلقي بها في أفواه القروش. كانت القروش إخوة لي، والحيتان خلاني، وأنا لم أفهم في البداية ما ظننته لعبة تتسلى بدمي، أنا جزار طروادة، وأنا طروادة! اتفقت مع نفسي أن أتوحد في الحب معها ضد الجميع، وعزمت على إلقاء حتى المركب في أعماق البحر، ثم جعلتني أفهم في اللحظة التي قلت لي فيها عن المهدي أخوك وجده في أخيك، فأعطاه سلاحًا ليقتل القاتل، وصاح الرصاص صياح ذئاب خانت القمر وهو بدر وأخلصت له وهو محاق.

لم أصدق أن المهدي ذهب بعد أن عاد، فلم تصدقي عدم تصديقي. قلت لي تعال واشهد بنفسك على شجاعة القتيل عندما يغدو قاتلاً وبريئا، وقد تفتحت كالزهرة بالأمل، وهنا القروش تقضم الحيتان بأسنانها، فتلطخ أثواب العالم، وتقضم الحيتان بأسنانها، فترشق أقمار السماء، وتقضم بعض من أكره ممن هم معي، فتغرقني في بحور الانتقام والتشهي.

ولترويني بشيء آخر غير الدم قلت لي المهدي القاتل وجدناه في ظل القتيل قبل أن يتركنا وجهًا لوجه مع مصائرنا، فلم أفهم في البداية ما ظننته فاجعة تتلهى بقدري، أنا الانتقام من طروادة، وأنا طروادة! اتفق كل من في المركب عليّ بعد أن توحدوا في الكره ضدي، وعزموا على إلقائي بين أسنان البحر، ثم جعلتني أفهم في اللحظة التي قلت لي فيها عن المهدي أخوك وجده في أخيك، فأعطاه سلاحًا ليقتل القتيل، وصاح الرصاص صياح حيتان خانت السمك وهو جماعات وأخلصت له وهو فرادى.

آه! لو تبعثين لي ذئبًا لو تبعثين، ليطلقني من كتابٍ كتبه عني غيري لغيري، فلا أغدو ذلك السطر فيه أو تلك النقطة. آه! لو تختزلين بين الأمواج المسافة، فأنا أرى ما بعد الرصاصة في يم السلام الغريق، وأرى ما ستفعله يد أخي في جباه تماثيلٍ نطقت وقالت نحن انتقام القنابل المحرقة... اختزلي الوقت في الوقت، وافتحي القلب على القلب، واتركي الدم يتفجر من صخرة، والرصاصة من جحيم الرصاصة. آه! يا النملة لو تسرعين... آه! يا النبلة لو تبطئين...

آه! يا الوطن في حفلة الخيانة!

هم خانوا طروادة، وهم طروادة!

كان شعبي الخائن قد اعتبرني المهدي القاتل الذي ما عاد وما ذهب، وأوكل بي إلى حورية نهضت من فوقي جبارة بشعرها الطويل الأسود، وهي تلوّح بأمعاء قرش قبل أن تلسعني، وتقهقه. راحت تلسع بطني، وهي تقهقه، وتلسع عقلي، وهي تقهقه، وتلسع روحي، وهي تقهقه، وظلت تلسعني، وهي تقهقه طوال نصف العمر الأول الذي سأقضيه ضائعًا في أعماق البحار حتى انحطت قواها، فسقطت على قدميّ تلعقهما بلسان الكلبة الذبيحة التي كانتها، وأنا أتوسل ألا تتوقف عن لسعي حتى تذلَّ لي نصف عمري الثاني الذي لم يأت، فلا أعطيه لسمكة، ولا أنفقه على امرأة. كانت قد رمتني على محاسنها قرنًا أو قرنين، ولما لم تعد غُلمتي تكفي غُلمتها، تركتني أذهب إلى شهوات أقل وحشية، وصنعت مني العاهر الذي تريد أن يكون ضلعا، تريد أن يكون فخذا، تريد أن يكون قضيبا!



الكتاب الرابع والعشرون
كتاب الانتفاضة


وهذه أيضًا من بطولاته المفروضة عليه بالسيف

وهذه أيضًا من بطولاته المفروضة عليه بالسيف، فهو لا يريد القتل لكنه يقتل، وهو لا يريد الحرب لكنه يحارب. يقتل كما لم يقتل أحد، ويحارب كما لم يحارب أحد، حتى أنه –في إحدى المرات- أجبر وحده خمسين دبابة عربية على الفِرار! وصار له المديح إهانة لأنه لا يمكن أن يعبر عن شجاعته... فأين عوزي له من كلاشينكوف لنا يقتل العنب؟ وأين معركة له من معركة لنا تحرق الورق؟ فلا نصنع من العنب مربى، ولا نطبخ مع الورق كوسى!

وقلتِ لنا معركتكم بدأت منذ الزمن الذي قتلوا فيه كل من قتلوا، والآن عليكم أن تبحثوا عمن تقتلون، وتقتلون، فنحن نريد القتل لكننا لا نقتل، ونريد الحرب لكننا لا نحارب. لا نقتل كما يقتل أحد، ولا نحارب كما يحارب أحد، حتى أننا –في إحدى المرات- لم نجبر كلنا دبابة إسرائيلية واحدة على الفِرار! وصار الذم لنا مفخرة لأنه يمكن أن يعبر عن جبننا... فأين كلاشينكوف لنا من عوزي له يحيي العنب؟ وأين معركة لنا من معركة له تورق الفتن؟ فيصنع من العنب رمانا، ويطبخ مع الورق إنسانا!

كانت عضلات الأرض قد تقلصت، وبُطينات الشجر قد توترت، وأضلع الموج قد انقبضت، فضغطت على أجسادنا، ونحن فيها، ثم لفظتنا من فمها، وضربت مركبنا بحافرها، فغدا قلبًا ينتفض على سطح الماء. جعلنا من الصدف حجارتنا، وأخذنا نؤسس أحصنة المتعة في كروم الجدود، ولم تعد فلسطين لنا عارًا جميلا، لم نعد في غربتنا حلمة مباحة. أنت الجسد الذي انتفض بعد أن مات الجوز، واندفنت جثث الوعود. أهناك أحد غيرك يمكنه أن يقول عن النار التي أنت فيها؟ أهناك أحد غيرك يمكنه أن يجعل من النار ماسا؟ أهناك أحد غيرك يمكنه أن يفرش الماس لحافا؟ الأمهات كن يعرفن معك أن الحجر حَمام الحرية، وحِمام السيف، ولسع البعوض، وأن ضرباته التي سبقها الرصاص سترافقه الضربات في ميادين الآهة والوجع والخروج من الرحم كبيرا، ليوجع أكثر، وليدمي الدمى، فهؤلاء يخافون على دمهم خوف مستنقع على ضفادعه، أما غير هؤلاء منهم، فسيقفون معي، وفي ساحاتهم سيرفعون علمي.



الكتاب الخامس والعشرون
كتاب يوحنا المعمدان


أن تلتزم بقضية يعني أن تعيش دجاها مثلما تعيش سمكها الملون الهارب...

أن تلتزم بقضية يعني أن تعيش دجاها مثلما تعيش سمكها الملون الهارب... تساقطت النيازك في الظلام، كانت الحجارة التي رشقها الأطفال، وتساقطت النيازك في النهار، كانت الأشرعة التي نصبها أولاد لي من زوجات لغيري، وتساقطت بناتٌ قلتِ لي عنهن أخواتي اللاتي ستلدينهن، ومن دمهن صعدت نيازكٌ ضوت لنا في البحر طريقا، فقلنا ليوحنا أن عمدنا يا يوحنا، فأقسم ألا يعمد أحدًا في الدم إلى أن يكون طوفان، وبدل أن ينادي بالناس أن تعالوا إلى عصبة ابن الرب لتحتموا منهم بمحبته وسلامه، راح يعفر الرمل، ويرشق الماء، حتى انحرفت الشمس عن غصن يعشش عليه عصفور أعمى، وأتيته يا أمي في ثوب عذراء الجليل، فما ارتضاك. كان غضبه قد استوى ثمرًا يحرق في العقول كل ما بشر به ابنك، فابتسمتِ للنور الآتي، فقتلَ بسمتك، وقال أنكر عليك جماع الشعاع، وما ابنك إلا معصية المعاصي، بالسلاح ينهض، وبالسلاح تنكره شعوبي إلى أن ترضخ للرمل والموج من نهر غير هذا النهر. وأخذ حذاءك، وراح يضربك به، وأنت تبتسمين دومًا للنور الآتي إلى أن أفلت أخي بمعجزة بعد أن حاصروه. أتاه لأجله، وقتله لأجلك، لكنك بكيت على جثمانه بكاءك على زوجك، وانكشف سر النبع معك بعد أن تفجر فجأة. رحت تلطمين، وتضربين الأرض بكعبك مثل فرس كانت أرملة وثاكلة ستصير بعد قليل، وأنت تنظرين نحوي لأنتقم من أخي على فعلة تنكرها السموات السبع، فأتيته لأجلك، وقتلته لأجله، فما توقف دمعك، ولا ودك، وصرت أقاوم في نفسي قوة الدمع، وعلى نفسي هول المقادير، وأنا أعرف أن سقوط السيف على عنقي يعني ذهابي إليه، وعودتي من طريق كان يوحنا قد رسمها بنجمة راودت نجمة.



الكتاب السادس والعشرون
كتاب شارون


وبقي ينظر إليكِ وهو في سباته منذ سنين نظرته إلى حيفا

وبقي ينظر إليكِ وهو في سباته منذ سنين نظرته إلى حيفا، وحيفا أدرى الناس بحيفا! حيفا التي لم تزل على عهدك بها، كندرة التدني، والجدران الرطبة، وقضاء الوَطَر. نَفَسُها الحارقُ نَفَسُ الخطيئة منذ عهد أورشليم، ورائحة الجنس فيها يشمها المرء من كل طاقة. الهُجْرُ كلام العصافير، والفُحْشُ سلوك الياسمين. كنتِ حيفا له، وكان كل العرب مرحاضًا فيها. كان ولما يزل أشجع الحكام العرب اليهود، وأقلهم دموية. ومثل موسى، أوامره آيات قُدّت من نارٍ إلهية. وها هو في سباته العميق يلقي بأوامره، فتنصاع لأوامره عَمان وعُمان، القاهرة والمقهورة، وفي مكة سريره للمصلين قبلة.

وبقي يمد يده إلى مركبنا، ونحن في أعماق البحر، ويسيّرنا. وفي إحدى المرات، أمرنا أن ننزل إلى السمك، فنزلنا. وأمرنا أن نعاشر السمك، فعاشرنا. وأمر السمك أن يحبل منا، فحبل منا. وبعد ذلك، صرنا شعبًا من السمك، وصار البحر دولتنا.

شارون أمرنا!

ومرة أخرى، وهو دومًا في سباته، أمرني أن أخلع حذائي، فخلعته، وجعل من حذائي حاكمًا على العرب.




الكتاب السابع والعشرون
كتاب إلزا


وكنت تعرفين أني سأحب إلزا من أول قطرة دم

وكنت تعرفين أني سأحب إلزا من أول قطرة دم، فلها كل أوصافك لما كنتِ صغيرة، ولها كل أوصافك لما صارت كبيرة. كنت أكره البحر، والبحر يكرهني، لكني قلت لها أمام أبيها الغوليّ القديم: أحبك يا إلزا كالبحر! ورحت اسمعها تحاكيني، فأسمع صوتك، ولا أرى إلا وجهك في عينيها العسليتين.

وكنت تعرفين أن إلزا ستحبني من آخر طوفان دم، فالدم والمطر لها سيان، وهي ضبابية العينين، رمادية لون الصباح الأحمر فيهما، طويلة المعاطف السميكة في الشتاء... حبيبتي التي أمكنها أن تكون غير حبيبتي في باريس الباحثة عن حمائمها السوداء في ساحات الوفاق واللوفر وبيغال، وأمكنني أن أدري بما يُخفى لها في الغيب ما لا تدري. إلزا الأخرى التي ستكون في الغد حبيبة غيري التي ليست حبيبتي، فهذه هي، أما تلك، فهي الألب والهلاك!

آه! يا إلزا الإخلاص في كتاب الخيانة.

آه! يا العسل في النار الحارقة.

آه! يا الرماد بعد انطفاء العسل.

آه! يا الجحيم المستمر.

آه! يا الجنة الواقفة.

أه! يا الجنة في الجحيم... وجحيم حيفا.

ونهضت من فوقها منخذلاً بشعري القصير الأبيض، وأنا ألوّح بسلاسل ذهبية، وأهدد الأنثى التي فيها، فأخذت يدي، ووضعتها على نهدها، فلم تشتعل النار في يدي، وأخذت وجهي، ووضعته على بطنها، فلم يحترق في الثلج وجهي، وأخذت نصفي، وأضاعته في نصفها، فلم تشتعل الحرائق في السين، حملتني على ظهرها، فلم تذب جزر الجليد، وكان أن لسعتُ ظهرها، وأنا أقهقه كاليائس المعتوه غير المصدق، ولسعت عقلها، ولسعت روحها، وظللت ألسعها طوال نصف العمر الأول الذي ستقضيه طائعة في الفراش حتى اشتعلت، وتوهجت، ولم أتوقف عن إحراق مدينة النور، وكأن باريس بغداد، وسلاسلي المغول، ثم دقني الرعب أمام جمال النار، فسقطت على قدميها ألعقهما بلسان الكلب الذبيح الذي كنته، وهي تتوسل ألا أتوقف عن لسعها حتى أذل لها نصف عمرها الثاني الذي لم يأت، فلا تعطيه لورقة، ولا تنفقه على رجل. كنت قد دخلت النار معها قرنًا أو قرنين، ولما لم تعد نارها تكفي ناري، تركتها تذهب إلى شهوات أقل وحشية، وصنعت منها البغية التي لا أريد أن تكون نجمة، لا أريد أن تكون وردة، لا أريد أن تكون لؤلؤة!



الكتاب الثامن والعشرون
كتاب اليهودية


ولما جاءتك بمفتاح بيتها في حيفا بعد أن كتبته باسمك

ولما جاءتك بمفتاح بيتها في حيفا بعد أن كتبته باسمك، قلت لها الآن لي البيت والمفتاح، والبيت والمفتاح ليسا بيتًا ولا مفتاحًا دون فيزا تسمح للمفتاح بفتح البيت! قالت لك الفيزا أمر من أمورك، وهي ما صنعت الذي صنعت إلا لتريح ضميرها. وحكت لك عن يمنية في الكيبوتس الذي كانت فيه، اغتصبها الجميلون ليحرروها من سلاسل بلقيس. كانوا في كل ليلة يربطونها، وينزعون عنها ثيابها، ويجعلون من جسدها بحرا، ومن موسكو كانوا يسمعون استغاثاتها، ولا أحد يحرك ساكنًا من أجلها. وفي إحدى الليالي، دَخَلَتْ عليهم، وهم يغوصون في جسدها، في كيانها، في تاريخها، في أمتها، ورائحة المني تزكم أنفاس اليمن، وأنفاس العراق، وأنفاس المغرب، وأنفاس مصر، وأنفاس الحبشة، فبلقيس كانت كل السفاراديم في أرض العسل واللبن، وتزكم أنفاس الدنيا رائحة النقود التي اشتروهم بها كرؤوس الغنم، النقود القذرة من القذرين، ورائحة الضحايا في معتقلات النازيين، ورائحة البراز في مخيمات اللاجئين، ورائحة القيء على أعتاب ملاهي باريس، ورائحة أخرى لم تميز ما هي، رائحة الصَّلَف ربما، رائحة لم تكن فيزيقية الأصل، رائحة العنجهية والغرور التي ليست شيئًا آخر غير رائحة الانحطاط والتدني، تناولت مسدسًا كان ملقى هناك، وقتلت، وأخذت بلقيس التي لم تتوقف عن ذرف دموع العالم بين ذراعيها.

بعد أن قضت في السجن مدة عقوبتها، عادت إلى باريس مدينتها، وعادت إلى مهنتها كمفتشة في الشرطة، قالت لي هنا أيضًا أكثر من بلقيس، ولكن يا للحظ أنها هنا. أخذتني مرة معها لنجول في شوارع الليل، لنخترق عالم المخدرات والجنس والجريمة، لنكتب معًا قصة من الواقع تفوق كل خيال... بعد قصتنا. كانت تريد أن تكتب شيئًا عن أوشفتز من أجل بلقيس، وعندما قرأتْ ما كتبتُهُ عنكِ، بكت عليكِ، لأنك أوشفتز، ولم تعد تفكر في الكتابة.

كان اسمها طروادة.



الكتاب التاسع والعشرون
كتاب أطفال غزة


وقلتِ لي حذار أن تغفو في حضن من تحب حتى ولو كان الرعد خفيفا

وقلتِ لي حذار أن تغفو في حضن من تحب حتى ولو كان الرعد خفيفا، وقلتِ لي هذا ما كان يقوله أبوك للعشاق، وهذا ما تعرفه أمهات الدم، وقلتِ لي أيضًا إن لقلق الحزين سعيد اليوم، فالانتفاضة تهز الموتى وشجر الجوز والأطفال الساهرين في غزة غير المنتظرين للسمك يأتي به آباؤهم طعامًا للعشاء... وضربه أبوه، وهو ذاهب إلى الصلاة، وضربه أبوه، وهو عائد من الصلاة. كان يريده ألا يقطع فرضا، فالصلاة والحجارة شيء واحد كالثورة والتقوى، والله والوطن شيء واحد كالجامع والدولة. لكنه كان يفضل اللعب بالدبابات مع خلانه، وتسلق الجنازير، والادعاء أنه شيوعي ليبهر ويزهو، فيضربه أبوه، وهو ذاهب إلى الصلاة، ويضربه أبوه، وهو عائد من الصلاة، حتى أنه أخذ يضربه عندما يذهب إلى الأكل، وعندما يذهب إلى بيت البيت، وعندما يذهب إلى النوم، وعندما يطلع القمر في الليل، ويمنعه من النوم.

وعندما كبر الطفل تزوج من امرأة لا يحبها، ونام في حضن البساط والرعد، رعد المدافع والقنابل والأئمة، غدا أبًا من هؤلاء الآخذين للشبكة، الواقفين على شاطئ بعيد أزرقه غامق، البعض منهم لبعضهم والبعض الآخر لقذف الحجر والصاروخ، وأصابعهم العاجية ملساء لا كما تصاريحهم الخشنة التي تنتن بالدعاء. وبدأت الجوانب الداخلية للمركب تتشقق، والماء منها يتسلل، فناديتُ على المصلين دون أن يرد أحدٌ عليّ. كان لهم الله، ولم يكن لهم الماء. كان لهم العَلَمُ الأخضر، ولم تكن لهم الجمهورية. كانت لهم المرساة، ولم يكن لهم المجذاف. كان لهم الدعاء، ولم يكن لهم اللحم ولا الخبز ولا حتى عظمة لكلب من كلاب حيفا.

وغدا اليوم أطفال الحجارة أطفالاً للقمامة، والدين لآبائهم أيديولوجيا، وفاشيّةَ التحرير.



الكتاب الثلاثون
كتاب السؤال


وقبل أن يغرق المركب بمن بقي فيه منا

وقبل أن يغرق المركب بمن بقي فيه منا، ونندثر مثلما اندثرت شعوب وقبائل من قبلنا، قلت أذهب للسؤال عن مصيرنا. رسا المركب على شاطئ في قطب الشمال، فنزلت على الجليد أسعى سعي اللقلق القلق من كل شيء، من ظله الأبيض، ومن خطواته النظيفة، ومن عدم الوقوع على بشر ربما سمعوا عني. وأنا أقترب من غابة للوعول، اعترضتني رماح تريد قتلي، ولولا تدخل كهل من بني الإسكيمو لفقدت حياتي. كان الكهل قد سمع عن بعض ما جاء في قصتنا، وعلى السؤال الجوهري أجاب أن لا حل هناك، واقترح علي أن نترك البحر إلى قطب الشمال، فشكرته على لطفه، وتركته إلى قطب الجنوب.

لم يكن في قطب الجنوب بشر، ولا طير، ولا وعول، كان القطب مأهولاً بالدببة البيض، وأنا لخوفي منها على حياتي عدت في الحال إلى مركبي، فوجدت نصف من معي قد جمدوا كالتماثيل. كانت الشقوق لم تعد بالماء تسيل، وكان ذلك من حظ من بقي منا على قيد الحياة. اصطدنا فقمتين ضائعتين مثلنا، وعملنا من لحمهما حساء، وفي اليوم اللاحق الذي كان كاليوم السابق، فالشمس لا تغيب هناك، أبحرنا إلى أستراليا، على الرغم من خطر الغرق في كل لحظة، فالقارة حارة، ومن شقوق المركب عاد الماء يتدفق كالدم من شريان منفتح. لم يشأ السكان البيض استقبالنا، فلجأنا إلى السكان الأصليين الذين استضافونا عندهم ليلتين، ونصحونا بالبقاء في البحر، وتلك حالهم التي تركهم المستوطنون فيها أسوأ حال.

عزمنا على الذهاب إلى حيفا أيًا كان الثمن، ولما كنا نجهل الطريق إلى حيفا، رسونا في ميناء إسطنبول، وبقينا في إسطنبول عشر سنين لم يعشها بعد أهلها. كان الناس لا يعرفون عن مصائرهم شيئا، فكيف عن مصيرنا. لهذا كنا في المستقبل، استبقناهم جميعًا إلى زلزال أقام الدنيا على رؤوسهم دون أن يترك منهم أحدًا حيا. وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة تحت الأنقاض، ورائحة الموت في كل مكان، والظلام من حولي ما بعده ظلام، سمعت نباح كلب، ووصلتني أضواء مصباح.



الأسفار


السفر الأول
سفر الحض


وكيف تسقط في البرد والعرق وأنت القوة قدرك في هذا الخراب

وكيف تسقط في البرد والعرق وأنت القوة قدرك في هذا الخراب، تقول عن هذا سَفَرًا طويلا، ويصيبك الهزال بين يوم وليلة، وأنت النعلُ الباحثةُ عنك منذ فجر الدنيا بعد أن أخطأت في حقك الدنيا واضطهدك الجبناء. تقدم إلى الخطأ العصريّ، وكن أنت للخطأ سيدا، فالصواب أن يكون خطأ هناك، وأن تعم حضارة الخطأ، أن تخرج من بطن بئر، وأن تسعى في الدم والنار، بعد أن تحرق كل شيء، فبالنار كان البحر. وكان البحر هادئًا من وراء المراكب، وكان البحر هادئًا من أمام المراكب، وكانت المراكب تتلو المراكب، مراكب بالعشرات، بالمئات، بالآلاف، آلاف المراكب، مراكب محملة بالجنود، مئات آلاف الجنود، والذهب الأبيض على شواطئ النورماندي لا أثر عليه إلا لأقدام النوارس، والصمت المهدد يهيمين من قمم الهضاب، صمت يتجاوز قدرتك على الصراخ. ولم يكن خروجك من بطن البئر سهلا، فأتيت بنسلك إليه، وبوصاياك، ثم أتيت بالعالم، وتهت فيه مئات السنين، وعندما جعلت من العِرق والدين قضية الكون معك، لم تعد قصتك تائهًا أحجية ولا طِلسمًا فوق طبيعيّ أساسه اللؤلؤ والعقاب، وغدا تشردك ضريبة التفوق. وأصبحت بكثير أنقى من العنب، وأشد دمارًا من العناب. وبقي البحر هادئًا على غير عادته، فالحرب التي ستقع لغباء الموج، والموت الذي سيجتاح المعمورة لصمت السمك. كانت المراكب تتلو المراكب، آلاف المراكب تنقل مئات آلاف الجنود، وعما قليل سيكون الإنزال في اليوم السادس عند الصباح، آلاف المراكب والمركبات والدبابات والمدافع، مئات آلاف البنادق، وكان الهدوء أكثر مما هو عليه في زمن السلم، فالنبع الذي سيتفجر بالدم لتواطؤ الطبيعة، والنار التي ستحرق الأرض لتورط السماء. كانت المراكب تتلو المراكب، والمراكب تتلو المراكب، آلاف المراكب تنقل مئات آلاف الجنود، وعما قليل سيذهبون إلى حتفهم طائعين، وأنت من طبيعتك ترفض أن تطيع، وترفض غير ما نطلبه منك كل ما يطلبه منك غيرنا على عكس غيرك، لأنك بكثير أنقى، ولأنك ابنٌ للشقاء. لم تقبل بأحضان عاشقتك الشقراء لترتمي باكيًا معذبًا في أحضان شجرةٍ عجوزٍ تئن من أدنى حركةٍ للريح، فما كان ذلك إلا للامتحان، وما كان ذلك إلا لتقاوم سلطة الزمان عليك. وكانت المراكب تتلو المراكب، والمراكب تتلو المراكب، والمراكب تتلو المراكب، آلاف المراكب تنقل مئات آلاف الجنود، وتتقدم تحت ضغط الحذر والترقب والتوجس، ولم يحل ذلك بينك وبين الشعور بالضعة، وفي الوقت نفسه بجلوسك القادم على العرش بعد أن يحل مجدنا، والموج يتماوج كجسد، وكل النورماندي تتثاءب، وكان بقاؤك في مكانك البعيد عارا، والموج لا يئن، والحلم لن يكون جميلا، وكل النورماندي تستعد للنوم بعد أن انتظر أهلها طوال الليل قدوم مخلّصيهم. وقلنا لك احلم معنا، لا، لا تحلم معنا، كفانا حلم ألفي سنةٍ مارس علينا كل أنواع الشراسة، بل ادفع بيديك الجدران، وامدد ذراعيك، واجعل لقوة الضوء الأبدي فيك على البقاء معنى، فأي معنى للبقاء والموج لا يفكر في السمك الذي في أعماقه، والسمك لا يفكر في الضوء الذي في أعماق الموج، وكل النورماندي نامت، وكل الأمواج غدت موجة، وبعض السمك فهم، فهرب، ولكن البحر، كل البحر سيغدو ساح وغى، فلا معنى لنا إلا في ذلك المكان الذي أُنزلنا فيه، لئلا ننسى، ولئلا نباع. وراحت المراكب تقترب من الشاطئ، وتقترب، راحت تقترب أكثر فأكثر، وراحت تقترب أكثر فأكثر فأكثر، والشمس تصعد من وراء هضاب النورماندي قرصًا أحمر، والموت يدنو أكثر فأكثر، والموت يدنو أكثر فأكثر فأكثر، فالويل لهم، من ينقذهم من يديك، وها هم ينسون، ويباعون، والدمار يعجل الخطى... وحدث في اليوم السادس عند الصباح أنها كانت أصوات رعود وبروق وغمام كثيف على الجبل وصوت بوق شديد جدا. وقلنا لك امض، فانزل، ثم اصعد أنت وهارون معك إلينا، أما أعداؤك، فلن يقتحموا ليصعدوا بعد أن نبطش بهم، فيحل مجدنا على الجبل، ويغطيه الغمام ستة أيام، وفي اليوم السابع من جوف الغمام ستدعو، ويكون منظرنا كالنار الآكلة أمام العيون، فتدخل في الغمام، وتصعد، وتقيم في الجبل أربعين يومًا وأربعين ليلة. وبعد أن أقمت في الجبل أربعين يومًا وأربعين ليلة، نظرت من حولك، فرأيت أهلك يقتلون الأيائل، بعد أن حاربوا أيل وهزمهم، ويفتحون صدورها ليأكلوا قلوبها، فتكون لهم قلوب أقسى من الحجر، ثم يلقون بأجسادها في المجمرة من أجل أن يشم أيل رائحتها، ويرضى عنهم، فغضبت لأنهم جعلوا من الأيِّلات أرامل وثواكل، وقلت لها تعالي وصيري شعبي، فأتت وصارت شعبك، وراحت بدورها بعد أن تمدنت، وآمنت بأيل، تقتل بعضها، وتفتح صدورها، وتأكل قلوبها، لتكون لها قلوب أقسى من الحجر، وفي المجمرة تلقي بأجسادها من أجل رشوة الله، فهجرت الدم، وهجرتها، وقلت على شعبي اللعنة من أيِّلات وبشر، وباللعنة يصعد شعبي في سِفر الحض، وتكون القوة تارة والضعف تارة قدره الدمويّ إلى أن تكون لي صور أخرى عبر العصور.



السفر الثاني
سفر قابيل وهابيل


وأتيت هابيل بعد السفر الأول الذي صار رملاً منتثرا

وأتيت هابيل بعد السفر الأول الذي صار رملاً منتثرا، وقلت له سأقتلك في المرعى، فهذا العشب لم يعد ضلعي، وهذا الحليب لم يعد موجي، وسيكون دمك ثمن الوجود!

وأخذت الخبز، بعد أن شربت الجعة، وكسرته بسيفك، فسالت من قمح الحضارة قطرة دم.

وأتيت هابيل بعد السفر الثاني الذي صار حجرًا مندثرا، وقلت له سأقتلك في الحقل، فهذه الحنطة لم تعد ضلعي، وهذا القمح لم يعد موجي، وسيكون دمك ثمن الوجود!

وأخذت الفحم، بعد أن صهرت الحديد، وأحرقته بنارك، فجرى من آلات الحضارة نهر دم.

وأتيت هابيل بعد السفر الثالث الذي صار دخانًا منتشرا، وقلت له سأقتلك في المنجم، فهذا الفحم لم يعد ضلعي، وهذه النار لم تعد موجي، وسيكون دمك ثمن الوجود!

كانت المراكب قد وصلت إلى الشاطئ، آلاف المراكب، والجنود قد غادروا المراكب إلى فضاء ضيق تحت قدم الجبل، مئات آلاف الجنود. وفوق، على الهضبة، كان هناك من ينتظرهم، جنود مثلهم، فصب عليهم مطر من الرصاص غزير لم يثنهم عما عزموا عليه. كانت المدافع الرشاشة تطلق من أماكن ثلاثة في الجبل، وهم يسقطون تحت نيرانها، يتقدمون كالأمواج، ويسقطون تحت نيرانها، ويتقدمون كالبروق، ويسقطون تحت نيرانها، ويتقدمون كالصواعق، ويسقطون تحت صعقها، وكل النورماندي قد نهضت من النوم. وكانوا ينهضون في كل مرة يفكون فيها رمزًا من رموز الموت أو علامة ثم يتساقطون، ينهضون ثم يتساقطون، ينهضون ثم يتساقطون، ينهضون ثم يتساقطون، والطائرات تأتي كالفراشات، أسرابًا أسرابا، وكأنه العيد لها، وتصب جام غضبها على الذين أتت لتخلّصهم، والمخلّصون ينهضون ثم يتساقطون، ينهضون ثم يتساقطون، ينهضون ثم يتساقطون، كانوا ينهضون أجسادًا على أجساد، ويتساقطون أجسادًا على أجساد، ففاحت في الأجواء رائحة نفط كان ضلعهم.


السفر الثالث
سفر الجيد


وكنت تنظر إلى الأجساد على الأجساد وهي تنهض أو تتساقط

وكنت تنظر إلى الأجساد على الأجساد وهي تنهض أو تتساقط، وتقول كل هذه الأجساد هابيل، وإلا ما كان للخبز طعم الخبز وللّبن طعم اللّبن وللحب طعم الموت، فلا تكن أفكار لديك غير تلكم التي بصفاء الينبوع الساري منذ ألفي سنة وأربع وأربعين. لكنك لم تكن لتنجو من فكرة الجيد، وسطوته عليك، جيد أبيض كمنار، وجسد مكتنز كمحار، وتساقطت الأجساد على الأجساد في حضن النورماندي، والنار تحصدها دون رحمة، والرصاص يرتد عن الصخر ليعود إلى صدور مطلقيه، يدق الصخر، ويعود إلى صدور مطلقيه، يحفر في الصخر، ويعود إلى صدور مطلقيه، وتتساقط الأجساد على الأجساد، والجيد يمتلك عليك العقل والخيال، والحرائق تلتهم البحر والرمل. وفي نيويورك، كان تمثال الحرية يجمع الجرحى بين ذراعيه، ويلقي بهم على ثديه، ويصعد بهم إلى نِحره، والأجساد تتساقط على الأجساد، والجرحى بالمئات، بالآلاف، لتقبّل الجيد الأبيض أو لتموت على أعتابه دون أن تحظى بقبلة، فكن الجرح إن عجزت عن الموت، وازحف على الفخذين، وقبل أن تصل إلى البطن، انزف قليلاً من دم عذارتك بينهما، وقبل أن تصل إلى الثديين، اهرق قليلاً من دم شفتيك تحتهما، واترك قليلاً من الدم على الحلمتين، وقبل أن تصل إلى بياض الجيد وثلجه ودماره، أقتل بعض الوعول وبعض الدببة، ولطّخه كله بدمها، فالجيد الأحمر هو جدراننا الطليقة، وهو أشرعتنا، وبين ذراعيك القويتين اجمع المخمل الأخضر واجمعنا نحن فكرك بعد أن صار الجيد فكرك، أما غيرنا فامرأة زانية لم تزل قاعدة هناك بانتظارك.

وتحول الجيد في الهلاك إلى قافلة من البجع، وعام الأبيض في بحيرات النار، بينما غدا الانتصار صعب التحقق، فنار الرشاشات في الجبل لا تعرف الصمت، ولا يعرف أحد كيف يمكن إسكاتها، حتى البحر لا يعرف، ولا الحيتان، ولا جسد النورماندي الذي تمزق. كانت فرصتك على أن تأتي بالبطولة، وأن تنتصر في جبهة الإنسان بعد هزيمتك في جبهة الإله، والأجساد لا تكف عن السقوط على الأجساد، لا تكف عن الارتماء في أحضان بعضها، والموت مزارع يبست، واليأس آبار جفت. وعند ذلك، حق لك أن تقارع على الأرض آلهة مثلك بعد أن قارعت مثلها في السماء، أن تكون إلهًا دون إله، وقدرًا دون قدر، وشعبًا دون أرض، فتعرف الطريق إليها، ولن نعرف الموت، ولن ترجع سرا.

لكنك أردت أن تعرف سرها، وأن ترى إذا ما كان للحرام طعم خاص، وإذا ما كنت قادرًا على اشتهاء أكثر من امرأة، فذهبت إليها، وهي لما رأتك قادمًا من بعيد، تضاعف شوقها إليك، فقامت، وتعطرت، وعطرت فراشها بمسك وعود وعنبر، وبالديباج فرشت سريرها، وبالكتان المغزول في مصر، وقالت لك، وأنت لم تزل بعد على عتبة بيتها: هلم إني عطشانة إليك، لقد انتظرتك طويلا، تعال لنرتوي! إن رجلي ليس في البيت، لقد ذهب في طريق بعيدة، ولن يعود إلا في أول الهلال... فدخلت عليها، وأخذت تنشق العطر من جيدها الأسمر، وعلى جسدك تلف الديباج والنيل. وفي اللحظة التي هَبَطَت بك فيها إلى الجنة دقك رعب الجنان، وهول الجمال، ومُرّ أنهر العسل واللبن، وظننت أن ذلك لم يكن إلا حلمًا غريبا، فمددت سكينك الفضي إلى جيدها بعد أن نشقت منه العطر للمرة الأخيرة، وقطعتها من جيدها لأنك وقعت فيه مغرما.



السفر الرابع
سفر حام والحوت


وأما غيرها فامرأة تحبها دون أن تحبك

وأما غيرها فامرأة تحبها دون أن تحبك، فهي من عرقك قبل أن تكون من عقلك أولاً ثم أولاً ثم دمًا أبيض، إذ أن صفاء العرق لا يتعكر، اسأل الطبيعة تخبرك عن هذا القانون البسيط. ومن أجلها قلنا لك اصعد لينزلوا، وانزل لينزلوا، فالحرب كر وفر، والرشاشات النارية لا تتوقف عن إطلاق رصاصها، فالجبل لها، ومن له الجبل سيد الكون. وصعدت، وهم نزلوا، وأضأت، وهم أُطفئوا، شمس المعمورة أنت أينما حللت فيها على سواد أو بياض، لأن عرقك حبل لا يختلط ببياض أو سواد، ولأنك أبيت أن تكون للعقاب رمزًا بعد أن انتصبت دافعًا عنك رمز العقاب. وقلنا لك اصعد لينزلوا، واصعد لينزلوا، فالجبل صعود وصعود، وبئرك في الناحية الأخرى من الجبل. كان كل ذلك من أجلها، فلا تعيش على طريقتها موتها بعد أن رفضت الصعود معك... أرادت أن تبقى بطلاً من أبطال الماضي، فلم تركب إلى الخطر عجلة مغامرتك الجديدة، أنت المؤهل وحدك للقيادة، يا ابن امرأة ميثية سيجعل حوت من أخيك ملكا! وقلنا لك انزل لينزلوا، وانزل لينزلوا، فنار الرشاشات من جهنم، وآلاف الجنود تسقط تلو الآلاف، والنورماندي غدت لفراشات مخلّصيها حقل نار ودخان وركام، امحت خطوات نابليون فيها، وانتهت معها كل انتصاراته، وانهارت أعمدة فرنسا العظمى. وقلنا لك انزل لينزلوا، وانزل لينزلوا بعد أن أخبر حام أخويه سام ويافث أنه رأى عورة أبيه، فدعا أبوه عليه باللعنة الأبدية ولنسله من الكنعانيين: ملعون كنعان عبدًا يكون لعبيد إخوته، وبارك الله سام، وليكن كنعان عبدًا إلى أبد الآبدين! وكان حام قد جمع الحيتان، وأمرها باقتحام الجبل من أجل أن يرضى عنه أبوه، فخرجت الحيتان من البحر للقتال بدلاً من الانتحار، وجعلت من صدورها دروعا، ونار الرشاشات تحصد منها بالآلاف، فصعد دمها إليها، وأخرسها بعد أن أغرقها. وعند ذلك قلنا لك اصعد لينزلوا، واصعد لينزلوا! فصعدت، ولكنها كانت بداية الصعود، وبداية العودة إلى الجذور، إلى بطن حام الذي دخل فيه بعد آلاف السنين من لعنة نوح حوت أعمى ضل الطريق إلى البحر راح يبحث فيه من بين الكائنات عن صاحب الجريمة التي لا تغتفر ليجعل منه ملكًا للجياع، فلم يجده. وعندما يئس من بحثه خرج، فأبصر، ورأى على رابية قرب القدس شجرة تين في ظلها رجل وامرأة يتحابان، ولما اقترب منهما كانت قد مضت على المرأة تسعة شهور في مثل لمح البرق، فوضعت صبيًا تبعه صبي أعطت الأول لها لتجعل منه ما نريد أن تجعل، وأعطت الثاني للحوت ليجعل منه ما يريد أن يجعل، فأخذ الحوت الصبي هانئا، ورجع إلى البحر راضيا...


السفر الخامس
سفر إسحق وعيسو


ولن نجعل منك بالطبع كما جعلنا من إسحق القديم قبلك لما صعقته فأس بعد أن فتح بها قبره

ولن نجعل منك بالطبع كما جعلنا من اسحق القديم قبلك لما صعقته فأس بعد أن فتح بها قبره، ولن تغني:

"ليس عندي بيت يأويني
وليست عندي ثروة أعرضها
ورغم ذلك فإن قوة مجهولة
تهبني خمسة ملاليم كل يوم".

فهذا العهد قد انتهى، ولن تتحول الملاليم مع ضيق ذات اليد إلى جواهر، وإذا ما تحولت بقدرة قادر، فأين ستعقدها يا ترى، وقد أخذنا منك زنارك؟ ولن تصبح بكريتك كما لم تصبح كرامتك، ولن تكون لك ذنوبك إلا ما بيننا... وقلنا لك اصعد لينزلوا، واصعد لينزلوا، فقمة الجبل لم تزل بعيدة، والألمان أتوا برشاشات نارية أخرى، والحرب كر وكر، كر وكر، كر وكر، الحرب بيتك وثروتك، قوتك المجهولة، كر وكر، الحرب بكريتك، فقال يعقوب بعني اليوم بكريتك، فقال عيسو إنما أنا صائر إلى الموت، فمالي والبكرية، فقال يعقوب احلف لي اليوم، فحلف له، وباع بكريته ليعقوب، فأعطى يعقوب لعيسو خبزًا وطبيخًا ومن السكون والدوام دهورا. لكن الرشاشات النارية لم تكن ترحم أحدا، كانت جهنم الدنيا، وكانت جهنم الأحلام، وكانت كل أفران الحياة التي دفع نابليون فيها مئات الآلاف من جنوده من أجل العظمة، وكانت جنة العسل والأوهام، وكانت كل حضارة العشب التي أحرقها عيسو منذ ذلك الزمن البعيد، فالحرب فر وفر، فر وفر، فر وفر، الحرب منفاك وإدقاعك، ضعفك المعلوم، فر وفر، الحرب صوتك، فقال إسحق الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو، وهو يتظاهر بالعمى، فأكل، وبارك ليعقوب الذي حل محل أخيه في البركة. لم تكن الخديعة خديعة، كان على الفاجعة أن تكون فاجعة، وخاف يعقوب أن يكون أبوه قد رجع عما فعل لما سأله عيسو ما العمل؟ فقال إنه قضي وبالحرف بمعزل عن دسم الأرض يكون مسكنك وعن ظل السماء من العلو وبسيفك تعيش وأخاك تخدم ويكون أنك إذا قويت تكسر نيره عن عنقك، وخذ هذه الفأس التي فتحت بها قبري، وخبئها عني بعيدًا لئلا تسقط عليّ غفلة، فأموت قبل أواني، وتحمل أنت لعنتها على كتفيك. وما أن أتم إسحق كلامه حتى سقطت الفأس عليه، وصعقته، فحملها عيسو، وقبلها، وحمل سيفه، وأتى النسور، وحلق على جناحها إلى أن غدا نسرًا أسود يحلق ويحلق دونما توقف أو تعب. وفي أحد الأيام، وقع في شبكة صائد فلسطيني صار مجنونًا لما رآه برأس إنسان وجسد نسر، وقيل إن عيسو رفض الحرية لما قدمتها له بنات الصائد، وطلب البقاء لهن عبدًا لئلا يكون عبدا، لكنهن جعلن منه زوجًا وثروةً وبيتا، ولما دار عليهن الدهر، قطعن بالفأس التي قتلت أباه رأسه، وأكلنه.



السفر السادس
سفر يعقوب ويوسف


والحرب كر وفر كر وفر كر وفر كر وكر

والحرب كر وفر كر وفر كر وفر كر وكر، فاصعد لا كباقي الجنود يا ابنَ أمٍّ لا كباقي الأمهات، أمك شعاع، أعطت الأبناء لينتشروا فوق الدنيا نجوما، بعضهم أنار، وبعضهم أطفئ، فسالت دماء إخوتك جارفة معها المذبح لئلا تؤدي المسيحية تضحية خلال ألف عام... ثم غسلت الدماء بالدماء، والأجساد بالظلال، وارتكبت الخطايا للخطايا، لكن خطاياك حلال لغيرك، لأن فيها إنقاذًا لهم. لم يبق يعقوب اسمك، وسيكون اسمك اصرع الإله، إصراعيل، لأنك تصارعت مع الإله عيل، وكنت غالبه، وستتصارع مع الرجال لتكون غالبهم، ومن إقدامك ستخشاك النمل والشديد من أجنحة الطير، فالحرب كر وكر، ورشاشات الألمان تبصق النار، وفراشات الأمريكان تحرق كل النورماندي، ولم يبق من غير القروش أحد إلى جانبك، ورشاشات الألمان لم تزل الأقوى، أقوى من كل أسنان البحر والإنسان، والصعود إليها كان أمرًا مستحيلا، لولا أن القروش لم تكن جبانة، وكان حب الفداء سمة من سماتها، فرمت بنفسها في قلب المعركة، وراحت تتساقط بالآلاف إلى أن فرغ البحر منها، وبدمها أطفأت جحيم برلين، فقلنا لك اصعد لينزلوا، واصعد لينزلوا، ولما كانت قمة الجبل لم تزل بعيدة، وكل النورماندي لم تعد قريبة، طلبت الراحة في منتصف الصعود لعذاب قلبك على القروش طلب من كان ابن زنا.

كنت ابنًا لأرملة ابن يهوذا من يهوذا الذي أمر بقتلها لارتكابها جريمة الزنا، وهو لا يعلم أنه الأب، فأعطته البينة على أنه هو الأب، فكف عن قتلها خوفًا من الفضيحة، وأرضاها، وأعطاها كل ما كانت تريده وتطلبه. وقال يعقوب ليهوذا بعد أن أخبره بكل شيء عندما جاءته بك وليدًا إنها دون زوجها حلال عليه وحلال عليه، فبكى يهوذا لأنه كان يريدها لنفسه، ولا يريدها لأحد غيره حتى وإن كان أباه، بعد أن فرش أبوه الجسد، وصعد عليه. ورأى يهوذا إخوة يهوذا يبكي، فما سرهم منظره، لكنه كذب عليهم، وقال لهم اغتصب ابن ملك الحويين أختكم، فسألوا يعقوب، ولم ينف، وسألوا يوسف، ولم ينف، فقاتلوا بني حمّور الحوّيّ، وهزموهم شر هزيمة، فالحرب كر وكر وخيانة، والجسد فر وفر وإخلاص! وقال يوسف لأخيه كل الذي جرى لم يكن سوى حُلم فسره بالإرهاق لا بالرهق، وبالافتتان لا بالفتنة، وعند ذلك كفكف يهوذا دمعه، ودعاه إليها من أجل حِلمه عليه، وعرفان الفضل بين الإخوة. ودون تردد، نزع يوسف عن جسد الضبع الذي له دثارته، وصعد على ثديٍ هو أجمل من كل الحروب، وراح يصرخ: هذه حروبي فاتركوها وتلك حروبكم فخذوها!

وبعد العناق، كان على يوسف أن يغتسل بالماء، وكان على يوسف أن يسقي الثدي الذي أرضعك، فنزل في البئر بعد أن قال له أبوه الذي علم بالأمر، وهو يفكر في الأمر، أمر إخوة يوسف على يوسف وأمر إخوة يوسف على يهوذا: انزل ليصعدوا وانزل ليصعدوا! وكان على يوسف أن يرضي البطن الذي حملك، وكان على يوسف أن يحقق الحلم الذي عجز لأول مرة في حياته عن تفسيره، الحلم الذي أوجدك. وفي البئر، وجد يوسف بدل الماء قيرًا لم يشأ مقاسمته مع إخوته، لأنه كان يريد تاج مصر، وبالقير يكون له تاج مصر، فبكى منه أبوه مر الدمع، وراح يخبئ الدمع لئلا يراه من صارع ومن غلب، فيقول ها هو يعقوب يبكي! ولما علم إخوة يوسف بأمر يوسف بعد قتالهم قاتلوه، ورموه في البئر، وأغلقوها عليه، فلا يصعد ولا يصعد.



السفر السابع
سفر سارة


ولأن لا وقت للعذاب على يوسف

ولأن لا وقت للعذاب على يوسف، ويوسف ليس يوسف. وقلت معنا كفانا دورانًا في الماضي، فيوسف ليس يوسف مثلما سارة ليست سارة، ولنفرغ تلك الحلقة الدينية التي استولدت سارة من سارة لنملأها بمخملك الذي لا يقهر، ومنطقك الذي لا يحيد، وجمال العبارة. وقلنا معك تقدم إلى الاستسلام والتهذيب، وضع حدًا للتذمر، ليكن الدين في يدك سوطك، والمحرقة الطريق، فلم يعد أبوك حكيمًا مقدسًا في ملامحه الضياء، ولم تعد قضيتك دينية مغلوبة على أمرها. كنتَ في وسط الجبل الذي صعدت عليه لينزلوا، وصعدت عليه لينزلوا، وكنت على وشك الوصول إلى تحقيق الأماني، وكان الألمان قد عادوا بالحمم يقذفونها من قمة الجبل، والأمريكان قد عادوا بأقواس قزح يشعلونها في كل النورماندي. بدت كل مجازر نابليون لا شيء أمام مجازر الأجنحة، ولا كل جرائمه، ولا كل حرائقه، أنت محرق نابليون، وأنت نابليون! وإلا كيف كنت ستنهض من تحت الرماد؟ كيف كنت ستكتب حق العودة بالدماء؟ كيف كنت ستبني قدس الأقداس على جثث قتلانا؟ كانت رشاشات النار تمنعك عن إتمام صعودك، ولم يبق لك في البحر من معين غير الدلافين المسالمة. أغريتها ببحار أخرى غير بحارها، قلت عنها بحارًا من الذهب الأبيض وهو أسود، فتحدت ضعفها في سبيل الثروة، وجاءت لتقاتل إلى جانبك، ومن دمها سقت كل النورماندي، حتى أن دمها أمطر على هضاب السراة، فنهضت سارة بجسدها نهوض ألف امرأة عارية لف الغيم حلمتيها، وعلى بطنها رحت تحبو، وبين فخذيها سقطت. كانت للمطر رائحة كريهة بين فخذيها، وكان للرائحة أثر عليك جعلك تنعظ نعوظًا مهولا، وكأنها رائحة مسك الهلاك. ووضعت عضوك بين مشفريها كما لو كنت إبراهيم رجلها، وأنت مسكور للرائحة الكريهة، لا تريد الدخول، ولا تريد الخروج، وسارة قد اشتاقت إليك شوقها إلى كتيبة من الجنود، فأخذت تصرخ بك أن أدخل، ولا تتركني أجن، أن مزقني بمخالبك، ولا تتركني أتعهر. ولكنك كنت مشغولاً عنها برائحتها، وقد غدا العالم لك غائطًا لذيذا. ولم تحتمل سارة الانتظار أكثر، فدفعتك فيها، وأخذتما تتصارعان على هضاب كل جزيرة العرب، والرائحة الكريهة تأتي من كل مكان، من الناس، ومن الديار، ومن كل مكان، رائحة غائط وعسل وبول ولبن، وكان صراعكما اغتصاب الواحد للآخر، جهنم لجهنم، وجنة لجهنم، والرائحة الكريهة لا تكف عن الانتشار، وأنت لا تكف عن الانتشاء والتلذذ، لا تكف عن الدخول والخروج، لا تكف عن الضرب والضرب.




السفر الثامن
سفر إبراهيم


أضرب هنا لتصيب هدفك هناك!

أضرب هنا لتصيب هدفك هناك! اصرع هنا لتحيي صهيون هناك! دمر هنا لتبني الهيكل هناك! حرضهم هنا ليضربوا هناك! إنزل لتصعد! إنزل لنصعد! إبراهيم أنت، ونحن إبراهيم! وعندما نزلت الجبل من الجهة الأخرى، وضعت قدمك في حيفا. كانت كل النورماندي حقلاً محترقًا تحت قدميك، فلم يستقبلك أهلها أبًا للبشر، فادعيت على الرغم من كل الأدلة التي كانت ضدك أنك لا تؤمن بالقوة، أننا لا نؤمن بالقوة، ولن تقوم علاقاتنا على القوة، ولكن على العكس استعمل حتى المخمل ضدنا كل تلك السنين التي لم يتوقفوا فيها مرة واحدة عن مهاجمتنا بالقوة، فدافعنا عن حقنا في الوجود، وعن الشرف، من أجل نسائنا، ومن بين نسائنا كانت سارة، ولم تكن هاجر، فالنيل عنا كان غريبا، والليل منا كان قريبا. كانت سارة قمرنا في الليل وطريقنا إلى البحر والأم التي استدعى فرعون إبراهيم من أجلها بعد أن ضاجعها، وقال له: ماذا صنعت بي؟ لِمَ قلت هي أختي حتى أخذتها لتكون لي امرأة؟ والآن امرأتك خذها وامض! وأمر فرعون له بماشية وذهب وفضة، ونادى قومًا يشيعونه هو وامرأته وكل ما له ولوط معه إلى الشمال... ثم دعا أبو مالك إبراهيم بعد أن ملكها، وقال له: ماذا صنعت بنا؟ وبماذا أذنبت إليك حتى جعلت عليّ وعلى مملكتي خطيئة عظيمة؟ إنك صنعت بي ما لا يصنع! قال إبراهيم إني قلت إنها ليست امرأتي والحقيقة هي أختي ابنة أبي غير أنها ليست ابنة أمي، فصارت امرأة لي، ولما رحلني الله من بيت أبي قلت لها هذا بسرك الذي تصنعينه إليّ، قولي عني هو أخي! فأخذ أبو مالك غنمًا وبقرًا وعبيدًا وإماءً وأعطى لإبراهيم، ورد عليه سارة امرأته. كانت سارة كثيرة العشاق تلد أبناءها منهم في الشتاء، وفي الصيف تقتلهم أو تنشرهم في أرجاء الأرض، وكانت المخمل الذي لنا، كسونا بها الملوك والقادة، وفي الوقت ذاته قاومنا تلك المحاولات التي لا تتعب لاستعمال القنب ضدنا، وليس في جبهة واحدة، هذا صحيح، وحمدًا لله، استطعنا التغلب على قوى الأصدقاء من الأعداء، وضمنّا حياة شعبنا لهذا الجيل وللأجيال القادمة، من كل النورماندي إلى كل الصحراء. وفي قلب الصحراء كانت تجري المعركة الأخيرة لحضارة البنزين، في العلمين، قرب بئر نفط لم تحفر بعد، بعد أن ملأوا الدبابات بالماء، فانتصر من يملك آبار هاجر، وجسد هاجر، وأبناء هاجر. وكان أن دخلوا برلين فاتحين، فقلنا لإبراهيم: ارفع عينيك من الموضع الذي أنت فيه، وانظر نحو الشمال والجنوب، ونحو الشروق والغروب، لأن البلاد التي تراها نعطيكها، فهي ولعقبك على الدوام، قم واعبر البلاد عن طول وعرض إذ سنعطيكها. فقال إبراهيم: هذه بلاد لغيري، ولن يكون لي فيها غير مكان موتي. وكلم بني حث من الفلسطينيين قائلاً لهم: أنا غريب ونزيل عندكم، أعطوني ملك أرض أدفع ثمنها، فأدفن ميتي من أمامي. وأعطوه ملك أرض دفع ثمنها وعينا الرب تنظران إليه، وهما تقدحان بالشرر قبل أن تروح شفتاه تزبدان: أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض ميراثًا لك! فأطلق إبراهيم قهقهة، وقال للرب ساخرا، وكأنه يقول لنفسه: موطئ قبري، ودفعت ثمنه، فكيف تعطيني أرضًا غير قبري، فلا مال الدنيا يكفي لها ثمنًا ولا النير على رقاب بني نسلي! كان إبراهيم براغماتي المنبت أكثر منه طوباوي الحلم، وهو قد توقع أن يعطيه الرب المال بدلاً من الأرض لأنه يريد أن يكون الغنيّ الأوحد، ولكن الرب في ذلك اليوم نقض لإبراهيم عهدًا قطعه على نفسه: لنسلك لن أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، ولن أمكنهم من القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والرفائيين والأموريين والكنعانيين والجرشانيين واليبوسيين والغاليين والغوليين والجرمانيين وكل الآخرين! فنادى إبراهيم على سارة، وعراها لتغري الرب، وعندما لم تفلح محاولته معه رأى في نفسه ربًا أوحد ووحيدا، وقال لها تعالي إلى حضني، فما أسعد أن تأتي الآن إلى حضني، وما أسعد ألا يدعوني نسل هاجر بالقاتل لغيري!

وكانت سارة شهية أشهى من هاجر وأقرب إلى قلب إبراهيم الذي طبع شفتيه على بطنها وعلى خصرها وعلى سرتها.



السفر التاسع
سفر موسى


حتى إبراهيم جدك أنكر عليك حقك

حتى إبراهيم جدك أنكر عليك حقك، وهو على أي حال لم يكن أبدًا جدك، بل فكرة من الأفكار، فكن إبراهيم أنت، ونحن إبراهيم! كن النار جمرًا ودمارا، وقل عنا نؤمن بالحق، وبالحق فقط، وبطائر صار حصانا، وبزائر صار موسى، فكان طموحنا وأملنا من عمق قلبنا السلام! وتأملت بيرق السلام، وهو يرتفع على ركام برلين، فعزمت على أن تكون هنا لتكون هناك، أن تكون هنا ليكونوا هناك، وهكذا غدوت موسى، وغدوت إبراهيم، وهكذا سيطرت علينا لتسيطر عليهم، وسيطرت علينا ليسيطروا علينا! فيا موسى، خوّفنا بالمحارق لنحرق، وبالاقتلاع لنقتلع، واصعد على ظهر غيرك منا دونك، واصعد على ظهر غيرك منهم فبعضهم أقزام!

موسى أنت، ونحن موسى!

وكان بيرق السلام يرتفع على ركام برلين، وكانت بداية انتشار حضارة النفط الجديدة، فمن يمتلك النفط يمتلك العالم، ومن يمتلك العالم يمتلك كل شيء. وأنت لم تكن تمتلك شيئا، فقلت للناجين من أهلك هلموا معي إلى قدر في هذه الحضارة يعلي قدركم، فاستجاب منهم بعضهم، وبعضهم رأى فيك البائع لهم وحتى القاتل، فغضبت عليهم لأن ذلك لم يكن سوى ثمن الخلاص. وأمام تردد البعض قتلت من جديد، وبعت من جديد، ثم عدت للناجين من أهلك تقول لهم هلموا معي إلى دور في هذه الحضارة يكرس أمركم، فاستجاب هذه المرة كلهم لك، وكان الخروج.

ولم يحجك الدخول في حضارة الجينز والهمبرغر والكوكا كولا إلى أن تضرب البحر بعصاك، فقد كان البحر مفتوحا، وفي عمق البحر كانت آبار النفط في كل مكان، والبنزين مَنّ العصر والسلوى، ولدور أهلك في الحراسة، منوا عليك بفقاعة داخل كأس أو بعروة في سروال أو بشريحة لحم مفرومة، وكان ذلك لنا مكسبًا كبيرا، وكان ذلك لأهلك طعنة في الظهر. وقلت للناجين من أهلك هلموا معي إلى حرية في هذه الحضارة تسقونها بدم العرب، ولم تكن المرة الأولى التي يدعونك فيها بقاتل العرب، وأنت تقاوم القتل فيك. كان ذلك غداة الاستقلال الذي أدميت فمه بقبلة اسمها دير ياسين وقبلتين أخريين سيكون اسمهما صبرًا جميلا، وكان ذلك واجبك. وقلت للسادرين من أهلك هلموا معي إلى سلام في هذه الحضارة تلونونه بدم العرب، ولم تكن المرة الأولى التي يدعونك فيها ببيكاسو الرهيب، وأنت تقاوم الفن فيك. كان ذلك بعد حرب تلتها حرب تلتها حرب، وكانت تلك مسؤوليتك. وبعد أن كنت تقاوم تقريبًا بلا سلاح، وبعد أن كان عدد من معك قليلاً جدا، صارت لديك من بين الأسلحة أحدثها، وغدا جيشك من بين الجيوش أعتاها، كانت إرادة الفقاعة والعروة وشريحة اللحم المفرومة. لم تكن تلك إرادة أخناتون، ولم يكن ذلك شرط القفة المقدسة.

موسى أنت، ونحن موسى!

وكان بيرق نجمتك يرتفع على ركام حيفا، وكانت بداية انتشار حضارة العبث القديمة، فمن يقود العبث يقود العالم، ومن يقود العالم يقود كل شيء. وأنت كنت تريد أن تقود كل شيء، فقلت للمخدوعين من أهلك هلموا معي إلى حياة كل ما فيها سراب، لم يكن سراب أخناتون، لم يكن سراب القفة، لم يكن سراب النسخ، لم يكن سراب الغشاء، كان اللامعقول زمنًا قبل أن يغدو فضاء، وكانت مئات السنين ما بين القفة والغشاء إلى أن أزاح الغشاء القفة ثم القفة الغشاء: إرادة التاريخ هي أم إرادة الفرد؟ حكم التاريخ هو أم حكم الفرد؟ ولكي يلد الدين دينا، كانت الأمهات عذراوات ثم أصبحن بائعاتٍ للهوى في حيفا، ولكي تعلو من الفقاعة فقاعة، رحت تعوم في كأس الكوكا كولا كسمكة، وتعيش في عالم من الهذيان، تردد، وكأن الزمن قد توقف: ضعفاء ضد أقوياء كنا! أقوياء ضد ضعفاء كانوا! موسى كنتُ، وكنتم موسى، وموسى كانوا! خنق هذا الاستقلال في البيضة حاولوا! وضع حد لآخر يأس في ذلك الوقت الذي عرف التهديم والتجديد والانطلاق أرادوا! أحسن القادة قادتنا وأحسن العسكريين عساكرنا الذين خططوا من أجل إفشال الخطط اللئيمة ضدنا كانوا! أحلى البنات بناتنا وأحلى عارضات الأزياء عارضاتنا اللواتي قدن الفرق إلى معارك فرضت علينا من طرف واحد كن! نصرنا المحتم بما أن النساء من ثعلبات العرب لا يتقن القتال ولأننا ندافع عن الحق كان!... ورحت تدور على حافة الكأس إلى أن أمسكنا بيدك، وإلى هذه البلاد قدناك! كانت تلك صورتك المعاصرة، صورة لموسى من صور موسى، موسى النحن، وموسى النصل! وأعطيناك إياها، فإنها بلاد يسيل فيها اللبن والعسل والدم، فإذا سالمك أهلها، وسمحوا لك بدخولها من دون حرب، فكل الشعب المولود فيها للتسخير، وإن لم يسالمك، وعمل الحرب معك، فحاصره، وإذا غلبته، فاضرب جميع ذكورهم بحد السيف، وإن النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة وكل غنيمتها لك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطيناها لك...


السفر العاشر
سفر المكوث وحيدا


فنهض موسى مسرورًا من صورته الأخرى

فنهض موسى مسرورًا من صورته الأخرى، ومكث وحيدًا في طور برلين أربعين سنة يعيد الكتابة على الحجر بعد أن ضاعت الوصايا، كان ايريختونيوس الإغريقيّ الذي خبأته أثينا الإلهة في قفة مقدسة عهدت بها إلى بنات ملك أثينا المدينة، وكان موسى المصريّ الذي حطم التماثيل مع أخناتون قبل أن يقتل المصريون أخناتون، وكان سيد سباع الطير الذي جعل الضراوة والشراهة سمتين من سمات العصر كما يشاء سادة السيد. لكل هذا كان الموحد بنفسه الغريب القاتل وأبدًا القتيل، أخناتون كان المؤسس، وهو كان المنفّذ، مثلما سيكون يهوذا، مثلما سيكون معاوية. خالق الموت كان، ومقطع الأوصال! منقار صقر ينزع اللحم، وينزع اللحم، وينزع العين، وينزع اللحم، وينزع القلب، وينزع الكلية، وينزع الكبد، ويغوص في الدماغ، وينزع الدماغ، ثم يعود وينزع اللحم، وينزع اللحم، وينزع السلاميات، ويكون كل العالم العربي الفريسة.

وعندما اختتم الوقت إذا بسهاب برلين تنفتح على البحر، وإذا بمركب يحمله إلى الواد المقدس نيلا، فيرى الأهرامات على شكل زجاجات الكوكا كولا، والمنقار ينزع اللحم، وينزع اللحم، والمخلب يفقأ العين، ويفقأ العين، فيقرأ لوحه المحفوظ على الناس الذين لا يعبدون العجل ولا يقولون لن نؤمن بك حتى نرى الله جهرا، فهم جعلوا من الجينز إلهًا لهم، والمنقار ينزع اللحم، وينزع اللحم، ويعب الدم، ويجعل منهم غرباء عنهم، وينزع العمل والقومية، وينزع التاريخ، كان ذلك هو دين التوحيد الجديد، دين موسى: هيمنة قوة واحدة على العالم، الإله الجينز!

وراحت تعصف بطور برلين رمال سوداء ذهبية ذهبت منه لتطوف بالدنيا، ودخلت كل حبة رمل في قطرة نفط قبل الهطول، ثم تفجرت على الدنيا ورق نقد أخضر!




السفر الحادي عشر
سفر نوبل


ولنشر دين موسى الجديد كانت نوبل

ولنشر دين موسى الجديد كانت نوبل، كنت نوبل، وكنت موسى، وكنت الأقلام التي تكتب لك، والأقلام التي تعبدك. ومن أجل روزالي التي أحبها مثلما أحببتها أخذ مصري الجائزة من أكاديمية بلاد الجليد، مصري لا كما غيره من المصريين، كان صاحب ألف وجه. وبعد نوبل، أخذ صاحب الألف وجه يبدل وجهه ألف مرة في اليوم من أجل أن تعجب به روزالي، فوجوهه كانت أقنعته، وأقنعته كانت وجوهه. وكانت روزالي عقيدتك الجديدة، ومن أجلها صار كل واحد موسى، وصار كل واحد نوبل، وصارت أسفارك ومزاميرك للعرب تراثًا ومهنة، فهذا مؤسس السفر العربي، وذاك مؤسس المزمور العربي، هذا تلميذ لذاك المؤسس في الأسفار، وذاك ابن عم لهذا المؤسس في المزامير أو زوج أخته أو ابن حماته، ولم يكن أحد نوبل، ولم يكن أحد موسى، ولم يكن لأحد سوى وجه واحد. وكانت لكل وجه قصة، ولكل قصة لص، ولكل لص عدد من الكلاب، فرفعت روزالي رأسها إلى السماء، وتساقط شعرها على ظهرها كالشلال، فكان الليل، وكنت في الليل وجهًا ضائعا، لم تغامر مرة واحدة في الكتابة، ولم تلاحظ مرة واحدة كاتبة مصرية واحدة أو نصف كاتبة تطلب القرب من أحفاد صانع الديناميت صُنّاع الغُلْمة الرجولية في الأدب الناكحين لكل أولئك الفخامات الوجاهات الواجهات وأبدًا الوجوه المتعددة من الكتاب اللاهثين على عتبة أكاديمية بلاد الجليد بَلْهَ ملايينها –هذا هو الأصح- وغدا القمر شهوتك، بينا أخذ كل حاسديك بإسباغ المديح على صاحب الوجوه التي ليست لها، وعلى الجائزة التي لم تعد إمبريالية ولا صهيونية، فأنت أكثر شيء تحبه في هذه الدنيا خطوات روزالي على الرمل، وخطوات روزالي على الرمل ستُمحى إذا لم تحبها أكثر من أي شيء في هذه الدنيا. كانوا كلهم يريدونها، وكانوا كلهم وجوهًا على وجوهٍ على أقنعة، حتى أن شاعرًا سباقًا في ميدان هذا العته بنوبل يسعى إليها بأظافره وأسنانه قبل أن تسعى إليها أشعاره شرب الشمبانيا مع صحبه عشية التتويج في إحدى مقاهي مونبارناس في باريس ظنًا منه أنه المتوج السعيد سيمني النفس بالحصول عليها، وإن بقي منتظرًا إشارة من روزالي مجرد إشارة حتى نهايات هذا القرن الرديء لغيرك، فأنت أكثر شيء تحبه في هذه الدنيا خطوات روزالي على الرمل في زمن اجتاح الرمل فيه إنسانهم وبيتهم وشارعهم، من الدم إلى الدم، ومنقارك يلعق عن الوجوه ما يلعق، ومنقارك ينزع من الوجوه ما ينزع، ومنقارك يدني من الوجوه ما يدني ويرفع ما يرفع، ومنقارك يفرق من الوجوه ما يفرق وأبدًا لا يجمع. كانوا خطوات روزالي المبعثرة، ومنقارك يرفع من الوجوه ما يرفع ويدني ما يدني، يدني من الوجوه ما يدني ويرفع ما يرفع، والعابدون يصرخون على قدمك أن دمرنا بسحرك، واذبحنا بعطفك، واقتلنا بحبك! وروزالي تبكي منك، من قامتك، من قدمك، كانت قدم لك في حيفا وأخرى في القاهرة، وكانت نعل لك على أفواههم وأخرى على أدبارهم، وكانت فقاعة لك في الكأس وأخرى في البئر، فرميت روزالي فيها ليمتصها سيدك كما يمتص قطعة الثلج قبل أن يبصقها، وقد انتعش انتعاشًا عظيما، ووقف الأمر لديه عند هذا الحد معها قبل أن يغادر إلى واحة العرب، لهذا لم تكن راضيًا عن نفسك تمام الرضاء، فالحلم العربي كان أكبر من سفر نوبل ومن السكرية، وروزالي كانت الحلم العابر.

وراحت تعصف بطور سينين رمال بيضاء فضية ذهبت منه لتطوف بالدنيا، ودخلت كل حبة رمل في قطرة مطر قبل الهطول، ثم تفجرت على الدنيا حروفا!


السفر الثاني عشر
سفر داوود


حلمهم وهمٌ عليك أن تواجهه بوهمٍ يغدو حقيقتهم في هذه الحضارة

حلمهم وهمٌ عليك أن تواجهه بوهمٍ يغدو حقيقتهم في هذه الحضارة، فما أسهل أن تدعي أنه ما كانت ثمة أرض غير مجرد صحراء ومستنقعات وأسود ميتة لنفي النفي، وكان سكانهم يتناقصون طوال قرون لأن نصف أطفالهم يموتون بسبب الوسخ في مهودهم لإثبات الإثبات. ومنذ أن أتينا تضاعف عددهم، لأنك كنت بينهم داوود الرحيم. هذا ولم نسرق إنشًا من أرضهم، ولا جسرًا من مدائنهم، ولكنا سرقنا الملاريا منهم والتراخوما والعفن والطين. كانت اللصوصية أمهم، والحيلة أختهم، والطمع أخاهم، وليس هذا منذ اليوم الذي صار النفط فيه أباهم، وإنما منذ عهد حمور الحويّ الذي قال لأهله عنا: إن هؤلاء القوم مسالمون لنا، فيقيمون بالبلد، ويتجرون فيه، والأرض واسعة الأطراف أمامهم، فنتخذ بناتهم زوجاتٍ، ونعطيهم بناتنا، ونصير شعبًا واحدًا يختتن كل رجل منا كما هم مختتنون، أفلا تصير مواشيهم ومقتنياتهم وجميع بهائمهم لنا، فلنواطئهم على هذا، فيقيمون معنا... فلم نقم معهم، ومن أجل خطوات روزالي على الرمل كان بعد ذلك أن داوود ضربهم، وأذلهم، مثلما ستضربهم، وتذلهم. وكان بعد ذلك أن نهب داوود كل ما لهم، وشتتهم، مثلما ستنهب كل ما لهم، وتشتتهم. وكان بعد ذلك أن غدا داوود قاطع طرق في تلك الحضارة وراعي بقر مثلما ستغدو قاطع طرق وراعي بقر في هذه الحضارة، القتل دينك، والسطو ديدنك، ومفاجأة كل من طمع، وكل من غدر، فيا داوود العصريّ إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالمسدس، واتبع الهوى، فلن يضل عن سبيل الله كل من اتبع هواه. كانت روزالي هواك، من أجل قبلة لم تنلها منها أذللتهم، وضربتهم، ومن أجل همسة لم تقلها لها شتتهم، ونهبتهم، أما لماذا قتلت أباه، فلأنك تحب البرتقال. لكنه تبعك مثل ظلك، وهو ينشد، ويغني، آه يا بلدي الحزين، آه يا بلدي القتيل، آه يا بلدي الغالي! فأتاه الله زبورًا لجمال صوته، ولقد أتاه الله وسليمان علما، فلم تنشرح صدور كل القذرين الخطرين منهم والحمقى السعداء منا، فهل ينسى الله جالوت هذه الحضارة فينا؟ أَوَ ينسى المقلاع في يدنا؟ والضربة الساحقة؟ وظللت تتبع آثار خطواتها في الرمل، وبعد أن صار داوود فيهم كبيرًا ظَلّ يتبع آثار خطواتك في الرمل وعلى الحجر وأينما ذهبت، وهو ينشد، ويغني، آه يا بلدي الحزين! كان صوته حزينا، وكان صوته ساحرا.



السفر الثالث عشر
سفر سليمان


وكان على الوهم أن يلد الوهم ليغدو حقيقتك في هذه الحضارة

وكان على الوهم أن يلد الوهم ليغدو حقيقتك في هذه الحضارة، فالأيام الستة كانت غزو ثعالب جاءت من الصحراء مدهوشة من أمام مزارعك ومصانعك وجامعاتك، كان لك كل هذا علما، وكان له كل ذلك جهلا. ونكون متواضعين جدًا إذا أعدنا أن عودتنا حق اكتسبه فتح العالم في ستة أيام بيض استراح الله بعدها في اليوم الأسود والوعد الأزرق والذكاء الرمادي، وأن بعير الجنوب والشرق والشمال هي أكثر المخلوقات في التاريخ قدرة على تدمير الأرض الزمردة وإحالتها إلى صحراء قاحلة حيثما تذهب، وهي لذلك جديرة باسم آباء الصحراء بدلاً من أبنائها. كانت تلك حكمة الادعاء، استقيناها من حِكَمِكَ يوم كنت سليمان الحكيم، وغدوت سليمان اللئيم، سليمان المتآمر، ومزامير داوودهم قد غدت شغلك الشاغل، والمؤامرة من جوهر هذه الحضارة. كان عليك أن تقتل المغني الذي ما فتئ يردد: آه يا بلدي الحزين! آه يا بلدي القتيل! فأوهمت بحبك للغناء. لم تكن قادرًا على مقاومة حزن الصوت ولا حزن الكلمات عليك إلا باغتصاب نساء غيرك، واتهام المغني بفعل ما فعلت، وفعل ما فعلت كان عقابه القتل رميًا بالنبال. لكنه فر كالطائر الدوريّ من بين يديك، فبنيت من حولك الأسوار بعد أن تآمرت على الجن ليرفعوها عندما أقنعتهم بخطر الإنس المحدق بهم. ولكي تكمل بناء عالم أبيك السفلي، فأنت اللئيم، وأنت الفخذ المرتجى، جامعت عاهرات غريبة كثيرة مع ابنة فرعون من كل صوب وحضارة من المؤابيين والعمونيين والأدوميين والقيدونيين والحثيين ومن الأمم التي قال عنها الرب لبني إسرائيل لا تختلطوا بهم وهم لا يختلطون بكم، فإنهم يميلون بقلوبهم إلى اتباع آلهتهم. كانت لك سبعمائة زوجة وثلاثمائة سرية كلهن مُمَوْمَسات، وكانت لك زوجات من الطير الخائن وأخرى من الحيوان الرذيل، وكانت لك زوجات من الجن السافل وأخرى من الملائكة الشياطين، وكانت لك زوجات من الورد الأحمق وأخرى من شجر الفاكهة الهجين، وكانت لك زوجات من الشوك في آخر حياتك، ومن الوحل، ومن دمى المغول، وكانت لك في كل يوم زوجة تلد طفلاً لا تعرفه ولا يعرفك، وعندما كان أطفالك يكبرون، كانوا يعرفون أنك كنت أباهم، فيتمردون لأنك كنت أباهم، وأن أمهاتهم كن نساء أوريا الحثيات، فيخجلون لأنهن كن أمهاتهم، وعندما كانوا يعلمون أن جدهم كان صاحب أجمل بيارة في الجليل، كانوا يغنون لأنه كان جدهم، وهم يبكون عليه وعليهم في الضياع والأسى ملوكًا ملعونين: آه يا بلدي الحزين! آه يا بلدي القتيل! آه يا بلدي الغالي! وكانوا يتوعدون ويتوعدون... ولكي تحول دونهم ودونك، تآمرت من جديد، فزرعت بينهم رجالاً من الجن الذين كانوا لك يقودونهم في الثورة ضدك والتمرد عليك إلى الهزيمة.

وذات يوم، جاءتك امرأة فلسطينية كانت ابنة لعنتك وعقابك، وقالت لك كن لي أكون لك بعد كل اللاتي عرفت، وما عرفت، وأمام تمنعك وتحفظ شيخوختك عليك راحت تخلع عنك ثيابك الملكية حتى جعلتك عاريًا مثل سائر البشر حين مولدهم، وراحت تخلع عنها ثيابها التقليدية حتى جعلتها عارية مثل سائر البشر حين مولدهم، وأخذت تقبلك في كل مكان من جسدك، تنفخ فيك الذكورة، وترضبك بألسنة النحل، وتلذك، فظننتها بلقيس، فتلك كانت عادتها، وما لبثت أن اعتلتك على غرارها إلهة جبارة، وهي تطلق آه النشوة المنتقمة وآه الانتقام المنتشي، فقلت لها: عرفتك، أنت بلقيس! وأنت تضمها، وترعاها، فقالت لك: لم تعرفني، أنا الندم! وللذة العناق لم تسمعها.



السفر الرابع عشر
سفر السماء


وما كان يوم كيبور إلا ابن اللعنة والعقاب

وما كان يوم كيبور إلا ابن اللعنة والعقاب، واتفاق الإله الإمبريالي والإله العربي على مفاجأتنا، فماذا نفعل غير ما فعلنا –متأخرين حقًا- من أمام حضارة الحيوان وحضارة السلاح في لحظة خادعة؟ لم تكن السماء معنا، كانت معهم. وكان المغني قد توقف عن الغناء، ولم يكن في ذلك راحتك. كان لك كل العناء في صمته، وقد احترت في أمره إلى أن عاد يطربك صوته من جديد: آه يا بلدي الحزين! عند ذلك عرفت أنك لن تعرف الندم لأنك في طريق الانتصار، وأن السماء قد عدلت عن رأيها، وعادت تقف إلى جانبك. وكيلا تجانبك الحقيقة في هذه الحضارة، أو تتنكر لك العروة، ولا شريحة اللحم المفرومة، ولا الفقاعة، عدت إلى صناعة الأوهام التي تتقنها أكثر ما تتقن، وقلت في سفر السماء ما لم يقله غيرك لغيرك. فأنت لو ذهبت إلى بقعة ملوثة مثل طبريا آملاً أن تجد شيئًا يؤثر في أناس من أوتاوا، فماذا تجد؟ مشاريع إسكان، مصانع، محطات سيارات، فنادق سياحية. وعلى حافة تلك البحيرة المتقلبة الأمواج ماذا؟ كيبوتزات وكمبيوترات وحلزونات آلية! أنت تذكر حين أتينا هنا للمرة الأولى أننا كنا نستطيع أن نجد في معظم القرى بئر ماء تبدو كما لو أنها من أيام المسيح، أما الآن، فلا شيء إلا الآبار الارتوازية! وقد شعرنا بالألفة أكثر على الجانب الآخر من الحدود، فقد حافظوا هناك على بلادهم كما كانت منذ أول العهود، وعلى قمرهم كما كان منذ أول قطرة دم شربها سكين متوحش، نعني أنك تستطيع أن تجد شرق النهر مئات المناظر لعسس في أزياء العهد القديم، وحميرًا صغيرة، وأطفالاً بوجوه ملائكية يلعبون قرب آبار المياه. كانت أسفارهم وأسفارنا واحدة، ففي السفر العربي مثلما هو عليه في السفر اليهودي، وليس في أي مكان آخر، ممنوع على الأزمان مثلما هو ممنوع على الأجناس أن تختلط، فلا حيوان مع حيوان، ولا نبات مع نبات، ولا بشر مع بشر، فلا تنسل الفرس مع الحمار، ولا يُزرع القمح مع الشعير، لا ولا البقول مع الزيتون، والثياب لا تلبسن إذا كانت منسوجة من كتان وصوف، والطعام لا تأكلن إذا كان مطبوخًا من سمك وبقر، والباص لا تأخذن إذا كان مصنوعًا من بلاستيك وحديد، والراحة لازمة عليها جميعا، والأرض تستريح كل سبع سنين، والسماء كل سبعمائة سنة. كانت السماء حقلك حين تنام الأرض، وزراعة النجوم اختصاصك، وكانت سنونها تمضي كما تمضي الثواني، إرادة الله كانت لتكون لك السماء بعد أن كانت لك الأرض، والمسافة بين الأرض والسماء الأولى بمسير خمسمائة سنة، فمشيناها مشي الضوء معك بعد أن صعدنا من جوف بئر للنفط على مصعد عمارة تناطح السحاب، فالعالم من جوف البئر ليس بعالم، ونحن كنا نأمل أن نجد فوق ما لم نجده تحت، أن نجد فوق حضارة تشبه حضارة العرب الأولى، حضارة الله الواحد والقمع الواحد والقبر الواحد، أن ننظر إلى العالم كما ينظر العرب من عيني قرد أو عيني كلب، أن نهرب من حضارة الإشكال والإشكالية، النقض والتناقض، الدال والمدلول في معاركهما... ووقفنا على باب السماء ندق، وعندما انفتح الباب، وأطللنا منه رأينا بشر السماء في المرعى من كل الأصناف، وحجر السماء في المرعى من كل الأصناف، وحيوانات السماء في المرعى من كل الأصناف، فلم ترق لنا التعددية والاختلاف، وكانت طول ساقها الواحدة هي الأخرى بمسير خمسمائة سنة، فتعقدنا من العدد الذي تكرر في المسافة بين سماء وسماء سبع مرات، وضربنا في السفر ضربة مائة ألف سنة من ذلك الزمن، فانفتح من جديد على الدنيا، فخرجنا إليها، وقد كان زمن الآخرة، زمن آخر قطرة، وزمن آخر محارة، لكنا فضلنا العودة إلى البيت، والعيش خمس دقائق فقط من عمر البشر، فلا نأخذ حبيبة غيرنا، ولا نعطي لغيرنا حبيبتنا، فنمضي في هذه الحضارة من غير جدارة.



السفر الخامس عشر
سفر ابن عربي العرب


ولأنه غير جدير بها ستكون لك منذ اليوم نعلاً ونصلاً وجسدًا مصطفى

ولأنه غير جدير بها ستكون لك منذ اليوم نعلاً ونصلاً وجسدًا مصطفى، واتركه يلهث على أعتاب ربه مثل كلبٍ فانٍ بنفسه، هكذا يكتمل كيانك في اتصال الكيان، فلتخصب بين ذراعيك بعد أن تزرع فيها منيك، وإلا ما كان لإعجاز ربك معنى في نسلك، وإذا ما اضطرك ذلك لإسالة دماء صبرا الغاضبة وأختها المغضوب عليها شاتيلا، فلا معصية هناك ولا ملامة لأنك بالأرض تبقى... فأسقطه بالحجارة الناعمة، وعكر بدمه الرغيف، واطرد هذه الأَمَة وابنها، فإن ابن هذه الأَمَة لا يرث مع بني إسحق، وافعل فيه ما تشاء، وأعطه قوته من الأكل أردأ من أكل الكلاب، ومن بقايا أسباطك الاثني عشر تقدم في سرة الدنيا من قمة الجبل المشيد عليه الهيكل في لوث الألواث، فالفارزيون الذين فرزوا من بين بنيك قد حاربوا تيتوس الذي قضى عليهم وهدم هيكلهم، واعتبر غيرك من أسفل طبقة ليكونوا مجالك الحيويّ، فيسجدون لك، ويلحسون غبار نعلك متعلمين أننا نحن الذين لا نخيب أمل من انتظرنا... وعندما استخلص ابن عربي العرب منا أجود الطبائع والأخلاق نظر إلى العرب من إحدى المدن الحظائر في إحدى الدول الموجودة صوريًا بينا هي في الواقع قد محيت من الوجود، فما أخرج منهم إلا الآسانيين الذين اتخذوا من الأسى اسمًا ومن التصوف مذهبا، كان من بينهم من يغني لبلده الحزين، بلده المسكين، ورأى في عمرهم الآتي بعد خمسين سنة من عمرك انقسامهم إلى نسبتين أصغرها أكبر مما كانوا، فما احتفلوا سبعة أيام، وما حرثوا، وما عرفت الأخرى أن كل ذلك من أجلها.

وعرفت في موسيقى البوب تصوفًا في هذه الحضارة، وفي رقص التويست، وأغاني الديسكو. كان معبدك ملهاك، وكان اتحادك انفصالك، فالله كان غير الله لكنه الله، وأنت كنت غير أنت لكنك أنت. وفي إحدى المرات، عندما كنت تطرب على موسيقى الجاز لما لم يعد يطربك أي لحن آخر، جاءك ابن عربي العرب بثوبه الأوروبي، قال عنك حقيقة الحقائق، ودخن كثيرًا من الأفيون معك إلى أن احترق، وغدا دخانًا أحمر.




السفر السادس عشر
سفر ابن عربي مصر


ونظرت إلى ابن عربي مصر غير ابن عربي العرب

ونظرت إلى ابن عربي مصر غير ابن عربي العرب، ورأيت في عمره الماضي قبل مرور خمسين سنة من عمرك انقسامه إلى نسبتين أكبرهما أصغر مما كان، فاحتفل سبعة أيام، وحرث، وعرف الآخر أن كل ذلك من أجله. كانت المفارقة المذهلة بين الشخص وما يكتب مفارقته، سلوكه وقلمه، غروره وهبله، وحين نقول غرورًا نقصد تلك الغلمة الذي يجعل منه انحرافها شخصية هزيلة في عالم الواقع وغنية في عالم الخيال لو أحسن المتخيل ما يتخيل من أمرها، وذلك لتضارب صفاتها وتضادها، ولكن أين الخيال المجنح في سفر الروبابيكا؟ أين الكتابة المفارقة في حضارة الميلودراما؟ أين ثورة الدلالة في أدب المترادفات؟ كانت أغنية البلد الحزين قد عادت ترعبك من شدة الطرب، فالشعور بالانتصار لديك قد غدا شعورًا بالهزيمة، وأنفاس المغني قد صارت منك قريبة. كانت أغنية كل المقهورين، وكل الخاضعين، وكان صاحبك يشعر بشعورك، ويخاف من أثرها عليه مثلما تخاف من أثرها عليك. وقف معك دون أن يكون معك، وكان ذلك تصوفه: اتحاده مع ند له كان عدوه، وانفصاله عن ند له كان صديقه، فما كان يريد للأغنية أن ترى النور في الوقت الذي امتدح فيها حلاوة أجاجها وطلاوة حزنها. وأردت أن تعمم اللحن لتقلل من أثره عليك، فكنت كمن يطلب من الغراب لونه، ومن الضبع رائحته، ومن المستنقع ضفادعه! لم تتهمه بالبرود، وآخر ما كان يخطر على بالك بروده الجنسي بين فخذي الله، وشاهدك على ذلك رسالته المفتوحة في الصبابة والكبت، لأن الكبت حمى التسامي. كانت حضارة الله الواحد والقلم الواحد والكتابة الواحدة، حضارة إعاقة كل ساخط ناقم من جيل ابن عربي مصر الحديثة وإبعاد كل حامل حاضن للفكرة المادة والمادة الفكرة ليكون للعقل نابًا وللزمن ذبابا، فلا شيء موجود من خارج المادة، والروح كلها مادية. لم تعد فلسطين وحدها لك، لم تعد مصر وحدها لك، لم تعد الحجاز وحدها لك، اتحادك غدا دون انفصال... لم تعد ترعبك الأغنية، لم يعد يقلقك النحيب، لم تعد حيفا لك مرفأ للأسى، لم تعد تكمن عظمتك في السادية، لم تعد تَنْسَبِكُ ساديتك في الصوفية، لم يعد بقاؤك بالله، لم يعد بقائك في الله، لم تعد تطاردك القبلة، لم يعد يقض مضجعك الهمس، لم يعد يعكر مزاجك الصفير... كان ذلك شرط التجليات، وجوهر المفارقة. وكان ذلك عشق الذات حين يحل الحسد محل عشق الله والجبن محل الاجتماع به والتدني محل الجماع معه، فادخل في حضن الله، وحوّله إلى فراش للطبيعة لا لون له ولا شكل، فلا يكون للحدس مكان، ولا للإلهام، ولا للشوق، ولا للتنبؤ، ولا للكسر، ولا للإلحاد بعد أن غدا الإلحاد تقوى ورسالة، ولا للهلوسة، ولا للغوص في المتاهة، ولا للذوبان، ولا لذبح الروح، لذبح القلب، لذبح الجسد، للذبح بكل بساطة، لإهراق دم العالم... كانت حضارة الكل يكتب مقالة واحدة وقصة واحدة ورواية واحدة تحت دثارة الصوف، فأين التصوف؟ أين الجنون؟ وعندما طرح البعض على البعض السؤال، لم تصح بالجواب.



السفر السابع عشر
سفر العرب


وبدل أن يكون العرب أسيادًا في هذه الحضارة كانوا نعالا

وبدل أن يكون العرب أسيادًا في هذه الحضارة كانوا نعالا، وعليهم أن يكونوا نعالا، وإلا داسوك دوسا، وساروا عليك سيرا. ولو كان نفطهم لهم، ولو كان رملهم لهم، ولو كان بحرهم لهم، لما كنت، ولكانوا أشد منك بطشا. فكن في حضارة الكذب أكبر كذبة ليكون وجودهم أصغر وجود، واتركهم يدفعون عربةً للقمامة هي وجودهم ليلقوا بها في الطرف الآخر من الجبل ثم ليعودوا إلى دفعها من جديد إلى أبد الآبدين. واجعل من كل حاكم من حكامهم تُلْدًا لك تلقمه بمنقارك ما يكفي جوعه ليبقى طوع يديك، نعل هو لسيدك، وابن لك في زمن هو زمنك، سيد هو على شعوب نعال، وبصاق له في زمن ليس زمنها، يتصرف بها كما يتصرف بخدمه وكلابه، وقد قل الخدم، وازداد الكلاب. وكن في حضارة الغش سيدًا عليهم، وفي حضارة الخداع سيدًا عليك، لئلا يخدعك العرب، فتعيش فصلاً واحدًا مثلهم هو فصل العراء، فصل يتساقط الورق فيه، وتنكشف البشاعة. وكن في حضارة التعريس أنظف ماخور من أجل أن تبقى خطوات روزالي بيضاء على الرمل، وفي حضارة التدليس بذلة للسهرة من أجل أن تبقى شفتا روزالي شهوة الصحراء، وفي حضارة التدنيس مرآة للمرآة من أجل أن تبقى خاصرة روزالي متحفًا للشمع.

وكان عليك أن تقتل الثورة بالثورة إذا ما ثاروا والغناء بالغناء إذا ما غنوا، فقد ثار المغني، وغنى الرصاص. ومن خوفك على ما اغتصبت أن يُغتصب، وما استلبت أن يُستلب، ومن طردت أن يطردك بدوره، لن تقدم أي تنازل، وإلا كانت نهايتنا.



السفر الثامن عشر
سفر الدفن حيا


ولن تدعهم يرفعون على أسطحة أورشليم علمًا حتى ولو اضطررت إلى دفن أطفالهم أحياء

ولن تدعهم يرفعون على أسطحة أورشليم علمًا حتى ولو اضطررت إلى دفن أطفالهم أحياء، فالبقاء للأقوى، والبقاء للأسمى، والبقاء لمن هو جدير بالبقاء. وعندما يقول الصليبيون جئنا بالعنف لتحرير القدس من جحيمها ستقول هذا هدفي أيضا، فابحث لك عن رمح أو سيف، وقاتلهم، حتى كلابهم قاتل، واصعد على جثثهم. وكان جميع بنيك ينزلون إليهم، كل امرئ منهم، ليحدد سكته ومنجله وفأسه ومعوله، فلما حان وقت الحرب لم يوجد سيف أو رمح في أيدي الذين مع شاول ويونتان ما خلا شاول ويونتان ابنه اللذين قتلا كل العمالقة، فالغلبة لهما، وإن كانا صغيرين. وحاول بعض الجنود من أبناء القويم أن يدفنوك حيًا انتقامًا من شاول ويونتان في المحراب الذي صليت فيه، لكنك أخذت تضربهم بالحجر، وتلسعهم بالنبال، وتصرخ حين تمكنوا منك صراخك الآدمي حتى فزع الطير في السماء، وتجمد على مرآك، ولم يعد يُسْمِع الدنيا غناء أو بكاء، فحارت ألباب أعدائك في أمر الطير حيرة بني مزاب في أمر إخوتهم، وكمدت نفوسهم ونفوس الأحباب من الأحباب الخونة والخونة الأحباب، وراح الشجر يبكي عليك، وحصل لك أن لا أحد أتى لنجدتك لا من الشرق ولا من الغرب ولا من الجنوب ولا من الشمال.

ولوقوف الطير معك، عدل الجنود عن وأدك، وتركوك وجها لوجه مع كلب تواجهه ويواجهك في التخلي، فعزمت على التخلص منه من أجل تملكك لوجاره، وإن أداك ذلك إلى دفنه حيا. هجمت عليه بيديك العاريتين، وحاولت خنقه، فعضك من كتفك، ومزق لحم كتفك، وأعدت الهجوم عليه بيديك العاريتين، وحاولت فصل فكه عن فكه، فعضك من عنقك، ومزق لحم عنقك، وأعدت الهجوم عليه بيديك العاريتين، وحاولت دق رأسه، فعضك من ثديك، ومزق لحم ثديك، وأعدت الهجوم عليه بأسنانك، وغرستها في عنقه، فبقي في مكانه ساكنًا دون حراك، فجررته إلى المحراب الذي رميته فيه وديدرو معه ثم دفنتهما حيين.



السفر التاسع عشر
سفر النجمين


ويقول البائعون للعذاب حصل لهم بينما حصل لنا وللسناجب وملايين من أبنائنا أُحرقوا في جهنم الدنيا

ويقول البائعون للعذاب حصل لهم بينما حصل لنا وللسناجب وملايين من أبنائنا أُحرقوا في جهنم الدنيا، وعرفوا كل أنواع الموت، ولا أحد أتى لنجدتهم لا من الشرق ولا من الغرب ولا من الجنوب ولا من الشمال. لهذا أقسمنا، كل جيلنا أقسم، جيل الخراب والخراب: أبدًا لن نجعل لشعبنا إلا جهنم الآخرة، أبدًا لن نعرض نساءنا وأطفالنا إلا لآخر مغامرة، أبدًا لن نترك نجومنا تقع فريسة إلا لنجوم أخرى، لأن من واجبنا أن نحميهم ونحميها، ولو كان ضروريًا أن نفعل أن نفني خصمنا بالنار.

كان ذلك مستقبلك على الأرض مثلما هو عليه في السماء، فلا اندماج بين النجوم وبينك، وعلى الأمور أن تبقى على ما هي عليه، لأن في ذلك صالحك. لكنه اقترب منك ضدنا، واقتربت منه معهم، فاعتبرناك نجمًا منتحرا. قال لك إنه عرف جرم البرق، وفهم جمر المودة. وطلب إليك ألا تقتل من لا ذنب له إلا الوهم القديم فيه، فما هو بخصم، وخصمك هناك في الضباب الشديد، أو هنا ما بيننا الذي باع عذابك ليأتي بك على جثته بعد أن أمتناه وما مات الطير منذ أربعين عاما. أراد أن يمنع الانحدار إلى مستنقع يذبح القرآن والتوراة فيه بعضهما، وبعد أربعة شهور ستصير أربعين أضرب فيها حاصرناه، وهدمنا بيته، واعتقلناه قبل أن نقتله كما هو عهدنا معه ثم نطلقه من موته للحقل غضبا. وأعاد لك يا نجمًا منتحرًا إني نجم منتحر مثلك، ما أنا بخصم بل هم جنودُ مستقبلٍ لليهود لا يقوم إلا على الحروب، وعقولُ حكامٍ لليهود لا تكون إلا للمغول، وهم التشدد والتفشست، لم يتورعوا عن قتل امرأة في أريحا وأبناء لها ثلاثة. كان رد فعلنا العادي على من يلقي بالزجاجات الحارقة على دباباتنا، فلم يفوزوا بالعرش وفزنا، ولم يسودوا على الذات وسدنا، ولم يولعوا بالخراب وأولعنا. وعندما أصغيت إليه إصغاء نجم منتحر لنجم منتحر منعناك من سماع صوته الذي هو صوتك قبل ألفي عام، وعندما قلت له الكلمة الأولى حاصرناك معه في الدمار، وعندما أتيته قتلناك، ومرة أخرى قتلناه، وأبحرنا على دمكما ذاهبين نحو آخر ثريا قبل السقوط والاندثار، وكان أن صار مصيركما أنت وهو مصير نجمين أزرقين تنظران إلينا بعد أن صعدتما فوق كل نجوم الكون، فترياننا لا ننظر.


السفر العشرون
سفر حرية الجحيم


وكنا ننظر في أمركما تحت الدنيا لا فوقها ليكون مصيركما غير مصير

وكنا ننظر في أمركما تحت الدنيا لا فوقها ليكون مصيركما غير مصير، رميناكما في الجحيم، وجعلنا من الجحيم حرية الواحد والآخر. كانت ثورته هي الجحيم لك، وجحيمك هو الثورة له. وكانت الحرية في الجحيم لك أن تتصرف بثورته على هواك، والحرية في الجحيم له أن يتصرف بجحيمك على هواه. أخذت في النار تطفئ نارًا وتشعل أخرى، وعلى الأرض تقيم قبرًا ترسلهم منه إلى حتفهم بعد أن جعلت للقبر سيدًا مفتاحه في يدك. وأخذ في النار ينفخ على النار ليطفئها، فيزيدها إضراما، وعلى الأرض يَبُذُّ نفسه ليكون من بين الموتى أولهم. وبقيتما على أمركما وأنتما تقطعان دوائر الجحيم التسع إلى المطهر الذي في قمته، هناك التقيتها، روزالي، فقادتك إلى الجنة، وهناك أُغلقت أبواب الجحيم عليه، فحاول أن يهدم جدران الجحيم من حوله، وكلما حاول أن يهدم الجدران كانت الجدران تزداد متانة، فحاول أن يطفئ نيران الجحيم التي يصطلي فيها، وكلما حاول أن يطفئ النيران كانت النيران تزداد إضراما. وبقي على حاله، ينفخ على النار ليطفئها، فتزداد إضراما، ينفخ على النار ليطفئها فتزداد إضراما، ينفخ على النار ليطفئها فتزداد إضراما، يضرب على الجدران ليهدمها فتزداد متانة، يضرب على الجدران ليهدمها فتزداد متانة، يضرب على الجدران ليهدمها فتزداد متانة... إلى أن جاء اليوم الذي أخذ فيه يدق جدران الجحيم ولا أحد يسمعه.



السفر الحادي والعشرون
سفر حرية الجنة


وهذا هو مصير كل خاطئ لا يتحول إلى متهم فظ في ثوب فرنسيّ الوداعة

وهذا هو مصير كل خاطئ لا يتحول إلى متهم فظ في ثوب فرنسيّ الوداعة، وكل مستغفر لا يتحول إلى ثائر ناقم على طريقتنا... أنت الذي عليك أن تقرر مماتها كما قررت حياتها، ففضلت لها حرية الجنة على عبودية الجحيم بعد أن فضلت لنفسك حرية الجحيم على عبودية الجنة ودمار الورد وقيام الموت وسحر اللهب المبدع لبشرهم شياطين مقابل بشر أو بشر صاروا بشرًا آخرين، فاللعبة أن يولد كل واحد في جلد ضغينته الخصوصية: ضغينة مقابل ضغينة، ومحارة مقابل محارة، وعمارة مقابل عمارة قد تهدمت، وإلا كيف يكبر الزمن على جثثنا العظيمة؟ والبحر دم ونشوة، والدمع ملح ونبيذ، والحوت ابن وندم، وهذه هي حياتك كما عليها أن تكون حياتك، تنهض في كعب حصان يركض ويلهث ويضحك إلى أن يقتله عناء الضحك الحر الفاتن المبكي الفاتك المذل وانتصار الممارسة.

وارسم لها في الجنة حريتها دون بديلٍ يكون استمرارًا بل عائقًا لو كان في حركة عبوديتها لئلا تعبئ موردًا أو بشرًا لمهمة تصمك والملائكة معك لأنك أنت من طردت، وأنت من رفضت عودة من طردت، فهل عاد آدم إلى الجنة؟ واجعلها تحمل في الجنة عبء فعلتك، فهذه حريتها فيها، وحريتها فيها أن تفصل بين شيكل لهم وشيكل لنا بعد أن فصلت بين فرد منهم وفرد منا، وعسكرت الفردوس بجنودنا. كُلِ التفاح، فكلُّ ما اكتسبت لك، وفي الجنة اللاأخلاق أخلاق، أما خارجها، فالأخلاق لاأخلاق عندما يصبح دمجنا هدفًا وخيرنا متاعًا للجميع... فيا جيل يعقوب الحديث ناطح جيل يعقوب القديم كما يناطح الثور الكركدن المنهك، ولتحي جهنم الشاشة الصغيرة والوول ستريت!



السفر الثاني والعشرون
سفر اللهب


أيها اللهب الأسود توهج في محيطات العتمة

أيها اللهب الأسود توهج في محيطات العتمة، ولا تثق إلا بزيتك ووقيدك، نقول لك، ونعيد عليك ألا تنسى أنك قمر شعوب الدنيا، ففي الإعادة إفادة، وجوهر اللهب الإعادة، لتفسد كل دسائس الأولين من أحبابك، وتحبط كل مكائد الآخرين من أعدائك. وأمام ظِفرك يبدو البولونيون جبناء، فقد استنزفوا آخر فلس منك ثم إلى الألمان سلموك، والألمان برابرة، فقد أشعلوا لهبهم فيك أو ليصنعوا القناديل قد نزعوا جفنك، والأتراك مرتشون، لا يمكن الوثوق بهم، واليونانيون أغبياء، حصان طروادة على مدى التاريخ يصمهم، والثعالب التي هي العرب فرارة وخائنة، فهي دون أن تقاتل من وراء تحصينات من إسْمَنت مسلح لا قيمة لها على الإطلاق، وقد خيرت ذات مرة بين أن تقاتل، الأمر الذي لا تريده، وبين أن تهرب، الأمر الذي نفذته، ولو فكر أحد أفراد جنس من هذا المستوى في أن يذهب إلى روزالي، ويقول لها إنه يحبها، لبصقت عليه.

وعليك ألا تنسى أن كل ضحية من ضحاياك لهب أبيض، فلا تتركها تتحد في النار على النار ضدك، ولا تترك غيرها معها من مكة إلى باريس، وإلا انطفأ لهبك، وذهب احتكارك لشعبك مع الريح، ولم تعد صوره لك صورًا تنسخها كيفما تشاء، وأينما تشاء تلصقها.

وعليك ألا تستمع إليه إن قال لك تعال نخرج من جوف اللهب مما لي ولك فلا نسمع لصحبي ولا نسمع لصحبك مما يقولون، وعليك ألا تأخذ اللهب معه بين أيديكم، وعليك ألا تجمعوها عليه فلا ينطفئ بين أصابعكما ويغدو ماءً ولا تكونان من خارج اللهب عاريين كما ولدتكما أمكما ولا تذهبان إلى ظل شجرة على البحر ولا ترتديان الظل ومعكما ألمان من غير أولئك البرابرة وبولونيون من غير أولئك الجبناء ويونانيون من غير أولئك الأغبياء وأتراك من غير أولئك المرتشين وعرب من غير أولئك العرب فرارون وخونة تسللوا ورجال الموساد ما بيننا... وعندما تنظران إلى الشجرة التي يقبّل الموج واللهب قدمها لن تجدا أطفالاً يخرجون من جذعها، وهم يتكلمون بفصحى تفهمها كل اللغات، وإن وجدتما، فلن تكون الفصحى التي يتكلمون بها قد اشتقوها من صخرةِ بركانٍ ونور، وعندما تنضم الأصابع باليأس على الصخرة لن تأخذ شكل القبضة والجوهرة.



السفر الثالث والعشرون
سفر البرجين


وليس التاريخ غير هزات في هذه الحضارة وزلازل

وليس التاريخ غير هزات في هذه الحضارة وزلازل، هزة تتلوها هزة تتلوها هزة، وزلزال يتلوه زلزال يتلوه زلزال، ولن يهمك أمر من كان وراء هدم البرجين التوأمين، وإنما ما سيكون بعد هدمهما. انهيارهما زلزل العالم تحت قدمي العالم، وجعله لفترةٍ من الزمنِ تبني فيها مجدك ضائعا، فخذ المصعد مع الصاعدين في الدم والخراب، وانظر إلى العالم مع الناظرين إلى العالم من الأعلى، هناك في الدخان يُختصر الزمن، ويبدو المكان أصغر مما تتصور. واصعد مع الصاعدين في الدم والدخان، وانظر إلى نفسك لا مع غيرك من الأعلى، هناك في الخراب يُبتكر الفعل، ويبدو الظل أكبر مما تتصور. وبانتظار زلزال قادم سيكون أسود على شكل رجل أسود، تكون أنت قد بيّضت صفحتك السوداء، وكتبت عليها بحروف حمراء قصة اغتصابٍ لطفلة، وجَعْلِها امرأةً، ورَفْعِ عُذْرَتِها أعلاما، قصة اقتحام وفوز، وتصفيق وهتاف، وانتحار جماعي في شوارع نيويورك بعد جماع، فالتاريخ انتحارات، انتحار يتلوه انتحار يتلوه انتحار، وأنت تصعد مع الصاعدين في الدم والعدم إلى سماء الذرائع كي يحتمل العالم فواجعه إلى انتحار آخر يزلزل الدنيا تحت قدمي الدنيا حتى نهاية الدنيا.

وأخذتها من يدها لترى في الردم ما لا تراه، كانت تبكي على من مات، وكنت تضحك في سرك عليها لأنها كانت تجهل أسرار الموت.



السفر الرابع والعشرون
سفر كابول


وبدأت رحلتها معك رحلةً للهدم والخراب

وبدأت رحلتها معك رحلةً للهدم والخراب، وإلا كيف كنت ستبني عالمك؟ كانت كابول لك غير ما كانت لها، كانت كابول لك ساحة وغاك منذ كان محمد، وحربك التي لن تنتهي، وكانت كابول لها غير ما كانت لك، كانت كابول لها حَرَمَ عِلْمِها منذ كان ابن سينا. وبدافع حلم ضائع، راحت تبحث في سهوبها عن شيء يسليها، فلم تجد إلا القحط سيدا، فأردت أن تسليها بفكرتك المرعبة عنهم، لتخاف من الظلال في بلاد لا ظل فيها. وكانت لفكرتك صورتان إحداهما صنعتها لنفسك، والأخرى لم تكن طوع يديك. إحداهما صنعوها لك لتكون لهم في المرآة صورة، والأخرى صنعت نفسها بنفسها بعد أن تنكر لها عملاؤك. في لحاهم زرعت الموت، وبلحاهم حصدت الثروة والمجد، وغدوا لك كذبة الكذبات، ولكن ماذا يهمك أنت والكذب مطلب التفوق والهيمنة، والكذب طريق الثريا والمشنقة؟

ورأت واحدًا منهم يضرب بعصاه واحدة حتى الموت لأنها أسقطت عن عمد حجابها كاشفة عن وجهها، وتابعت بعينيها أخرى تهرب برضيعها الباكي لجوعه ممن يضحك منها كي تلقمه من تحت حجابها ثديها. كان الثدي هو الإسلام، وكانت العصا هي الإسلام. سَحَرَها الثدي، فتناوَلَتْ حلمته بين أسنانها، وسحرتك العصا، فقبضت عليها، وفتكت بالثدي.



السفر الخامس والعشرون
سفر بغداد


ثم حل ركابها بعاصمة كان اسمها بغداد

ثم حل ركابها بعاصمة كان اسمها بغداد، فما بقي منها برج إلا وتهدم، وما بقي منها جسر إلا وسقط في النهر، وما بقي منها بيت إلا وبكى، فبكت مع الباكين، وقالت مع القائلين، وقاتلت مع المقاتلين، لأن بغداد كانت لها رمزا، فقضيت طول الوقت وأنت تعمل على الفتك بالرمز، وأنت لذلك ارتكبت الجرائم، وهدمت المساجد والكنائس، وأنت لذلك استفززت الطوائف، وأشعلت نار الحرب بين القبائل، ولكن الرمز بقي قويا، وأنهر الدمع والدم فاضت من حولك، ولم يعد لك مجال آخر غير أن تصنع للرمز قبرا، فأقمت الدولة، وتركت الدولة للفساد، فحُوتُ النفط كبير، عام الكل في بطنه، ومن بطنه بدأت فتوحاتك. وما انتهى الرمز لمدينة وجدت نفسها تنظر إلى نفسها من خارج القبر، فها هي لم تزل تبكيها، ولم يزل دجلة يعبر الأيام إلى الأيام، حتى أن العالم قد فقد الوقت، ولم يعد هناك إلا وقت النهر، ووقت الدمع.

وبعد أن فَقَدْتَ القدرة على وقف دمعها، نَظَرْتَ من حولك، فوجدت الرمل من حولك، والرمل جسد انشرخ من أجلك، فدخلت في الشرخ، وتهت فيه، وبقيت تائها، وستظل إلى اليوم الذي تتوقف فيه عن البكاء.



السفر السادس والعشرين
سفر بنزير بوتو


وكان على موتها أن يغير وضع المرأة في العالم

وكان على موتها أن يغير وضع المرأة في العالم، ولكنها ماتت من أجل أن تبكي وضعها الذي صنعته لها بعد أن غدا قدرها البكاء. وعندما عادت لم يكونوا يعرفون أنها ستموت، فالحداد استثناء الذاكرة، والقاعدة ذاكرة الحداد. وكانت لقاعدتهم قواعد أصغرها خرجت عن أمرهم، لتصادر حرية التبعية بتبعية لم تنجح في إخفاء هويتها ولا غايتها ولا سيقان الغواني، فبسيقان الغواني تُصنع السياسة في الباكستان والقنابل النووية، وبإماتة النفس في الحياة الدينية. كانت نقيض الإذلال الذي حاربوها به، وكانت نقيض الخسارة الناتجة عن السلب الذي قاتلوها به، وكانت نقيض الدمار الذي أنهوا عليها به. وعندما قتلوها قتلوا السياسة معها، وحولوا المرأة من فرج إلى نهر يغسلنا من كل فعل أحمق. لم تعرف النساء سرها يوم كشفت سرها، ولم تظفر بجوهرها يوم فقدت جوهرها، وهي على كل حال ستبقى مسيح النساء!

سيمنعك بكاؤها من النوم، وستقض مضجعك ثنية حزن عند زاوية ثغرها، لكنك لن تلبث أن تعتاد الأرق، وسينتصب عضوك على فكرة أنها حزينة، فالحزن عراء النفس، وعراء النفس وعراء الجسد كلاهما واحد، والجسد العاري للمضاجعة، وبعنف، لتهدم مع الثدي أبراجا، وعلى البطن ترقى أبراجا.



السفر السابع والعشرون
سفر الشاعر الشيخ والشاعر الحاخام


واتفق الشاعران على أن السياسة ما قتلتها

واتفق الشاعران على أن السياسة ما قتلتها، وإنما هي التي قتلت السياسة، فتحررا من خطيئة الكتابة، خلعا عنهما القصائد، ودخلا الفراش عاريين ليمارسا فعل اللواط. كان العالم ينظر إليهما من النافذة، وهما دون خجل أو حياء أحدهما دخل في الآخر، الواحد يفكر في أمه والآخر في أبيه، فقد كان ذلك من شرط القصيدة عليهما، ولأنهما ابنان للغائط. أغرقا الماضي في جنة النتن والحاضر في جحيم النرجس، أما المستقبل، فلم يكن أحدهما يعلم أنه سيكون له كفنًا عسكريا. حولا الغائط إلى جنائن وحدائق، ومن ثماره صنعا حلوى ومربى، ودعا إليهما الأمراء ليأكلوا بملاعق من فضة، فأكلوا، وأثنوا على الغائط بالغائط، ثم ذهبوا ليتبرزوا في جوف الشاعر الشيخ والشاعر الحاخام ذهبا، وكانت لهما فرصة الفرص حين استحضر الشاعر الشيخ الله من شِشَم الانتشاء ليلهمه بيت شعر عن السقوط في حضنه، بينما أنهى الشاعر الحاخام معلقة عن المحرقة، وبدل أن يكون التنافس بينهما في المجاري صار في المسجد والكنيس، وصفق لهما الكنيست.

كانت قد توقفت عن البكاء فجأة، فقلبت في وجهك كل المعايير، وزلزل أمرك عدم التوقع، لأنها اجترحت معجزة الابتكار، وأعادتك كما أعادت الشاعرين إلى مشخخة الاعتذار، لكن الوقت كان متأخرا.



السفر الثامن والعشرون
سفر كارلا


وأرادت أن تكون كما أرادت على ضفة بحيرة الدمع

وأرادت أن تكون كما أرادت على ضفة بحيرة الدمع، أن تغني للفرح، وأن تغدو نجمة صعبة اللمس، فما وجد غناؤها طريقه إلى القلوب، وما غدت نجمة مضيئة، وكانت تلك أقسى لحظة من لحظات عمر قضته بين سيجارة وكأس. ولما عرضنا على الناس صورتها في الدخان وغايتنا إحراقها تعاطف الناس معها، وأخذوا بسماع أغانيها، وعند ذلك، غدت ما أرادت بعد أن جعلنا منها أسطورة دون أن ندري. لكن من لم تعتد الفرح عادت إلى الحزن، وبدأت تغني لناي الموت، فأعجبت بها الحساسين. وبعد حين، سمع بها رجل البلاد الأول، ووقع في غرامها. كانت غرامه، وكانت الجمهورية غرامها. لم تكن تعرف ذلك قبل أن تعرف الجمهور، لم تكن تعرف أنها كانت رغبة منسية من رغبات نابليون، لم تكن تعرف أن عظمة التاج من بساطة الذات، فملأت قلبها بالارتباك، ولم تفارقها صورة غيرها التي لم تكن سوى صورتها هي نفسها، فأخذت نفسها من نفسها، وعانقتها. وفي مضجع ماري-أنطوانيت وعشيقاتها اقتربت بجسدها من جسدها، فلامس ثدياها ثدييها، وبطنها بطنها، ودخلت بين فخذيها، فجامعت المستحيل، وهي في أقصى حالات التلذذ، وهي في أقصى أوضاع التخلي، وهي في أقصى احتمالات النيل، وهي في أدنى أطوار التمني، وهي في أقصى تهيجات النفس، وهي في أعلى درجات اللُهاث، لُهاث الموت، وذبح الذات، والنباح، والجرح المفتوح على الكون.

كانت كارلا، وكانت روزالي، وكانت طالي.



السفر التاسع والعشرون
سفر طالي


وكانت الدرع البشري لإحباط محاولات قتلنا لهم

وكانت الدرع البشري لإحباط محاولات قتلنا لهم، أعطت جسدها لبنادقنا، فانكسرت بنادقنا على جسدها مثل زنابق ظمأى. كانت النبع الذي لهم، والقبلة التي لم تعطنا إياها، وكانت رغبتنا التي تفجرت، والشوق الذي شاء أن نحترق، والإغواء على طريقتنا، فلم ننل منها إلا صدّا. وصار علينا أن نخضعها كي نخضعهم، أن نجتاحها كي نجتاحهم، وأن نصطاد كل الطيور الجامحة. بكيناها بدل أن تبكينا، وضربنا رؤوسنا بالجدار، لأنها كانت الجدار. لم تشفق علينا، وأشفقت عليهم. لم تأخذ بأيدينا، وأخذت بأيديهم. وأمام عنادها من أجلهم شككنا في أمرنا، لأنها كانت من ضلعنا، وشككنا في حقنا، وشككنا فيما قالته التوراة. بدا كل شيء كذبا.

ولم يكن لنا من خيار آخر غير اعتقالها مع ألفي سنة من تاريخنا.



السفر الثلاثون
سفر الطفولة وكتابها


وراحت تغني للأطفال عن الأطفال في ظل الشجرة بعد أن محوتما لخطواتك وخطواته آثارها المزدوجة

وراحت تغني للأطفال عن الأطفال في ظل الشجرة بعد أن محوتما لخطواتك وخطواته آثارها المزدوجة، ورحتما على جناح الصوت إلى قمر أسود فتحتما فيه برتقالة زرقاء، وبنيتما فيها مملكة حدودها التفاحات الليلكية، فلا تموتان في أي وقت، ولا يكون لكما الجمال شيئًا نادرا... وما اصطدتما عصفورا، وما دستما حشرة، وما قصفتما عرقًا طريا. ما عدت أنت كالطلقة في قلب الدب الأكبر مباشرا، ولا وسيلة تحرق الغابة، أو ضحية الضحايا، وما عاد هو كالعقرب وإخوته من الثعالب الحالمين إلى جحورهم في قلب الصحراء الغالية على قلوبهم، ولا رصاصة شديدة تحكي عن مسدسك العادل، أو دمًا يغسل العالم بعطر الحداد... وهي لما تزل تغني بأجمل صوت، وقليل من الرجال من عرب ويهود بدأوا يتظاهرون من أجله في حيفا، وهي لما تزل تغني بأروع نغم، وكثير من الأطفال من عرب ويهود بدأوا يكبرون من أجله في حيفا، فما شئتما أن تكبرا، وما شئتما أن تنتهي الأغنية، وما شئتما أن تريا قادمة عليكما حربنا القادمة... كانت البنات اللاتي في التاسعة من العمر حبالى، وكان الأولاد يلعبون معهن دون أن ينظروا إلى بطونهن، وكنتما تمكثان في ظل الشجرة خائفيْن، منتظريْن، تثملان بالخوف وشبح الحرب، لأننا إذا استطعنا بالأمل الأحمق أن نبعدها عن طرق باب الغد وجدنا الذرائع لنحرق الغد بها في عَفَنِ صيفٍ راحت أوراقه تتفسخ برطوبة الأطلسيّ، وعن أبدانها المنتشية تنسلخ ديدان دميمة جبارة وتماسيح جميلة جبانة تذرف الدموع الساخنة، تعاشر بعضها بشراسة تارة وتارة بحنو، فتتشكل عنها الكيفية لخريف هو آخر تراجيديا للورق وتفجر الألوان في شبق الموت، فيأخذكما التلذذ بالانتظار والخوف، وتثملان بالخوف ووهم السلم، فلا الصيف العفن ينقذ، ولا الخريف الفاجع، ولا فصول الترويض، فهل تنقذكما التي خانتنا؟ هل يهبكما صوتها الألذ من كل النبيذ قليلاً من العلم وكثيرًا من السحر، فتذهبان من زمن التلذذ بالموت إلى زمن الاستمتاع بالعنب، وتعيدان للخيال أزمان الليالي العظيمة، وللعقل ما يفتقده اليوم في هذه الحضارة: وعي العقل لا وعي البرابرة؟ وفي لحظة اختطفتماها من حلمكما المضيع صار لها صوت غزة الفلسفة ومملكة البحر، تلك التي تقوم كلما قامت الدنيا، فهي الدنيا التي تقوم على خاصرتها، ماردة نصفها كالجواد، ونصفها كالسمكة، وهي الزمان الملتحم بالموج، الخد الذي لا تجاعيد فيه بعد أن غسلت بالموج وجهها، غزة الزمان والجواد، وهو عندما عبث بجسدها جعلته سيدًا في مغامرته القادمة.


الكتب الانتحارية



الكتاب الانتحاري الأول
كتاب اليأس


لا شيء تبدل منذ نعومة أظفاري

لا شيء تبدل منذ نعومة أظفاري، أريد الكلام عن حياتي في المخيم، حياة امرئ جرب كل شيء لينجو من قدره. لم أعد الشاب الذي كنته، تبدلتُ في جسدي، وبقي بؤسي وتعاستي. قبل كل شيء الاحتلال ثم كل الباقي. عندما يُفقد الخبز، عندما يَفقد الحب معناه، عندما يغدو الإخلاص سلعة للبيع والشراء، عندما لا يذهب وجع الرأس، عندما ينفلق الدماغ، عندما يصيب القلق حتى الحمام، عندما تشعر بجسدك ينفصل عنك، ويتحول ظلك إلى ظلال، تتهم جنود الاحتلال، وأنت على حق في اتهامك. لكني أعلم حتى ولو لم يكن جنود الاحتلال هنا ستكون الأشياء كما هي عليه الأشياء بسبب الأوغاد الذين يحكموننا. الكل في غزة يعرف هذا، والكل في غزة يحكي عن الحل الإسلامي. مع كل اليأس الذي يسكن قلبي أتكلم مثلهم دون أن أومن بحل إعجازي. أنا متفق معهم على طرد المحتل بأية طريقة، وأؤيد دونما قناعة أيضًا العمليات الانتحارية. لم يكن يسعدني ذلك كما لم يكن يتعسني بعد أن قذفت بهم خارج عقلي، وغدوا لي كجذوع الشجر. لم تعد تربطني بهم أية علاقة هم الغرباء الذين صرت عنهم غريبا. وأنا لهذا أعرف الآن طريقي نحو النهاية، طريق مجنون فقد عقله. نعم، يكفي ما نحن فيه من حياة أشبه بحياة الكلاب، حياة تدور منذ أحوال. لم يعد للإنسانية مكان في قلبي، ولا للأمل، التضامن بين المسحوقين، الصداقة مع اليهود، أحزاب اليسار، الأحاسيس الطيبة، لأني جربتها كلها، والاحتلال ها هنا دائما. حكامنا أيضا، هؤلاء الأوغاد، هم ها هنا دائما. نحن نعاني محن سياسات استسلامهم، وسنصفي معهم حساباتنا في اللحظة المناسبة.

وعلى النقيض مني، يؤمن صديقي سمير بالحل الإسلامي بجزم وبصلابة وبالعمليات الانتحارية. إنه انتحاري قادم، وهم الجنود الإسرائيليون الذين دفعوه إلى اتخاذ مثل هذا القرار. أحد هجوماتهم ذات الهدف زورًا أخطأ الهدف، فنفث كل أفراد عائلته: أب، أم، إخوة، أخوات بمن فيهم الأخيرة التي لم يكن لها من العمر عامان. في تلك الليلة، كان ينام عندي. يا لحظّه أو يا لتعاسته! عبّر "تساهل" في بلاغ رسمي عن "كدره" بعد موت عائلة سمير، فأراد سمير أن يدمر العالم. في الليلة التالية، وفي كل ليلة، أخذ سمير يحلم بجندية إسرائيلية اختطفها، وبعد أن مارس الحب بعنفٍ معها، دفع سكينًا في فرجها. كان الدم يتفجر من بين فخذيها كالشلال، والجندية تقهقه أقوى قهقهة، فدقه الرعب، وهرب.

صالح أيضًا مستعد لينسف نفسه مع كل الشعب اليهودي، ومع ذلك أحد من أفراد أسرته لم يصب بسوء. لتعرف أي وجه لليأس يكفي أن تنظر إلى وجهه. ورغم ذلك كانت بانتظاره حياة سعيدة مع دبلوم المعلوماتي الذي له وخطيبته جِد الجميلة. لكن اليأس من كان يدفعه إلى الفعل: يعمل لأنه يائس، يجهز زواجه لأنه يائس، يقوم بشراء أغراضه لأنه يائس، يأكل لأنه يائس، يشرب لأنه يائس، يضحك لأنه يائس، ينام لأنه يائس، يحلم لأنه يائس، يصلي لأنه يائس، يوافق لأنه يائس، يعارض لأنه يائس. وُلد اليأس معه، حياته أكثر سوءًا من حياة امرئ لا يملك شيئا، لم يعد لديه شيء ليخسره. هو، لديه تقريبًا كل شيء، وهو يائس حتى العظم. سعادته أن يفجر نفسه مع إسرائيلي، أي إسرائيلي كان، مأخوذ بالصدفة، أينما كان. هكذا يتخيل تحرره من يأسه، تحرير القدس.



الكتاب الانتحاري الثاني
كتاب الشيخ


مر سمير ليأخذني من أجل زيارة الشيخ حميد الدين

مر سمير ليأخذني من أجل زيارة الشيخ حميد الدين، لم أكن أريد الذهاب، لكنه أصر على ذلك. "ليس من أجل إقناعك بأن تغدو انتحاريا، قال لي، وإنما لتتعلم. إنه شيخ عالم. ماذا ستخسر؟" عند ذلك ذهبت.

في الواقع، كنت أريد سماع كلماتٍ جسيمة من فم الشيخ مثل "الموت لليهود" الذين لا يوفرون شيئًا من أجل الإنهاء علينا. شخصيًا لا أسمح لنفسي بالتفكير هكذا، ولكن بالنظر إلى الحالة الشواشية التي تحيط بي كلام كهذا يريح يأسي بشكل مارق. عند ذلك كل شيء يصبح لي أسود بحدة. أسود وتافه. كما ينبغي عليه أن يكون. كل شيء يأخذ مكانه من خارج إنسانيتي، ويسمح لي بالخلاص من وضعي النفسيّ. لا أشعر بتبكيت الضمير ولا بالمرارة. يتركني ماضيّ. ليس لي ماض ولا مستقبل. على مثل هذه الطريقة أخلص من الحاضر.

لم يكن الشيخ حميد الدين من مشايخ حماس، حتى أنه اعترض على بعض تصرفاتهم السيئة. وحسبه ليس في التطرف حل لكل شيء، ويجب معرفة استعماله بدراية.

صدمني كلامه: يبشر هذا الشيخ بالاعتدال في اللحظة التي كان فيها كل جسدي على استعداد ليقيء كياني في سواد الحياة. صديقي سمير، الانتحاري، كان يبدو راضيًا بما يقول. ظننت أنه يشك في الفعل الذي سيقوم به، ولكن لا. وعلى العكس اكتشفت أن حكمة كهذه تدفعه إلى الذهاب برغبته في المذبحة حتى النهاية، كان ذلك شيئًا من العقلنة لحلمه مع الجندية الإسرائيلية، ألف مرة أكثر إقناعًا من وعد الجنة. هكذا كنا نتشابه كلنا في غزة، كنا نبحث كلنا عن شيء ما يرفع من معنوياتنا أو يدنيها ويقودنا إلى إخراجنا من ذواتنا أيًا كان الثمن الذي ندفعه. سيدفع سمير حياته ثمنا. أنا أيضا، لكني سأبقى ميتًا حيا.



الكتاب الانتحاري الثالث
كتاب الجنة


زهير هو أيضًا قنبلة موقوتة

زهير هو أيضًا قنبلة موقوتة، لكنه إن اختار نسف نفسه، فليدخل مباشرة إلى الجنة. كانت خير طريقة وجدها ليضمن فتحه المظفر لبلاد الملائكة. وأسرعها. يكفي أن يفجر حزامه. آه! الجنة. أي حلم! أية سعادة! وأي واجب نحو الله، أسرته، وفلسطين! كل أمل المؤمن الذي له الممارس للعبادة يوجز بضغط بسيط على الصاعق. كان يبتسم طوال الوقت بسبب إحساسه الدائم بوجوده على بعد خطوتين من الجنة. فضاؤه الحي. مملكته. موته السعيد. لهذا الأمر كانت سعادته من سعادة مجنون ارتبط بعالم فوق طبيعي، على الرغم من شروط الحياة الممقوتة في مخيمنا.

عندما نكون معا أنا وسمير وصالح وزهير، يسألنا زهير بابتسامة واسعة ماذا تشبه الجنة. كما وُصفت في القرآن، يجيب صالح بعقدة ضخمة بين حاجبيه. لا، يقول زهير. يقول سمير ساخطًا أن لا حق له بمعارضة القرآن. بلى، يقول زهير، قبل أن يضيف أن لا إساءة في ذلك طالما بقيت جنته الجنة. أنت تجدف، يصيح سمير. أتدخل في صالح زهير، وأقول إن لكل واحد جنته في رأسه، فيصرخ ثلاثتهم ضدي: ما أنت سوى كافر!

أحاول تفسير ما أريد الوصول إليه، لكنهم لا يريدون سماعي خوفًا من أن يعاقبهم الله بسببي. يريدون أولاً إنجاز عملهم: الموت من أجل الوطن من أجل أن يكونوا قربه.

لم يقل لنا زهير ماذا تشبه الجنة، ولكي أخفف من هجومهم عليّ، أعدت عليه السؤال ليجيبني في الحال: "غزة!" أطلق ثلاثتنا تأوهة استهجان.
- مصيدة الجرذان! صاح سمير. هل أصبحت مجنونا؟
- غزة وكل قاذوراتها جنة! تعجب صالح. أنت لا تستحق أن تصبح شهيدا!
- أتكلم عن غزة التي أحلم بها أيها الأغبياء، رمانا بحُمَيّا.
- الجنة لي هي المكان الذي يمكنني أن أعيش فيه عيشة حسنة حتى ولو كان ذلك في قلب الصحراء، قلت بدوري.
ومن جديد، استشاطوا ضدي واصفينني بالمادي والكافر. فجأة، قال زهير، وكانت المرة الأولى التي أرى فيها ابتسامته الواسعة تمحي، إنه على عجلة من أمره لدخول غزة. وهو يرانا ننظر إليه محملقين، سارع إلى إضافة: الجنة. مع ذلك، اختار رؤساؤه انتحاريين آخرين غيره. كان على بعد خطوتين من جنته، ولا يَدَعونه بعد اختراقها، وكان هذا ما يعذبه. لم أكن أعرف أن الفناء أمر غير مهدد، وأن التناهي غير نهائي. لم أكن أفهم أن العقل لا يفهم، وأن العزل لا يُقيَّد، لا يُقيِّد. وإشفاقا عليه، قال سمير ربما كان بإمكانه أن يفعل شيئًا من أجل أن يستجاب لمطلبه. ومن جديد، أنارت ابتسامة زهير وجهه. ملاكٌ مضى.



الكتاب الانتحاري الرابع
كتاب تينا


نجح سمير في تسجيل زهير من أجل حادث تفجير ذاتي في القدس الغربية

نجح سمير في تسجيل زهير من أجل حادث تفجير ذاتي في القدس الغربية، في بار يرتاده يهود روس. مع بشرته البيضاء ووجهه الأمرد المبتسم بشكل دائم، كان يمكن لزهير أن يشبه يهوديًا من موسكو. ذهب إلى ذلك البار يومين قبل ساعة الصفر، حتى أنه تناول كأس فودكا دون أن يتوقف عن طلب المغفرة من الله في طويته. نعم، لدخول الجنة ثمن باهظ! بسبب عبريته الرديئة ظنته صاحبة البار مهاجرًا جديدا. ويا للحظ أنها لم تكن من أصل روسي، لأن زهير لم يكن يعرف الروسية، فتكلم في نهاية الأمر الإنجليزية مع الكل، مع بنات أكثر جمالاً من البدور، وصبية أكثر روعة من الآلهة. فجأة فكر زهير أن تلك البنات وأولئك الصبية يعمرون الجنة، وامحت ابتسامته. وفوق ذلك تينا، إحدى البنات، بدت مأخوذة به. رق قلب الانتحاري القادم. وماذا لو كانت تعلم أنه كان عربيا، ومن غزة، ماذا كانت ستفعل، الجميلة تينا؟ هل ستبقى مأخوذة به دائما؟ بالطبع لا. قسا قلب زهير. سيعود بعد يومين ليفجر نفسه معها. سترافقه الجميلة تينا إلى الجنة. سيعيشان هناك، في غزة السماوية، إلى الأبد. ستحبه تينا، سواء أكان عربيًا أم غيره، من غزة أم من غيرها. لأن الكل يحب الكل، هناك. وسيعرف زهير كيف يحبها كما لم يحب أحد.

حكى لنا حال عودته عن لقائه بتينا. قال لنا إنه أخذ معها موعدًا في اليوم المُقَدَّر. لم يكن سمير مسرورا. على حد قوله، قَتَلَ الآخرون كل أفراد عائلته دون أدنى حب. إذن علينا أن نقتلهم بحقد، وأن نقتل منهم أكبر عدد ممكن. قلت زهير يريد أن يجترح شهادته كبطل التراجيديا، وذلك بموته بين ذراعي حبيبته، فأثرت عاصفة من الاحتجاج. اقترح صالح أن يأخذ مكانه. كان حزينًا لدرجة ويائسًا لدرجة لو أنني كنت زهير لقبلت. ولكن لا. لأن الأمر كان يتعلق بالجميلة تينا، وكان زهير يريد الزواج منها فيما بعد، هو ولا أحد غيره. عدت إلى الحديث عن العشاق الأنداد في كبريات التراجيديات الذين يموتون عن حب، وكابدت التعنيف ذاته.

- أنت تعيش في عالم آخر، قالوا لي.

وللمرة الأولى، تمنيت أنا أيضًا أن أصبح انتحاريا. مع تينا أخرى.



الكتاب الانتحاري الخامس
كتاب فاطمة


أتى زهير ملتفًا بكفن كي يقول لنا وداعا

أتى زهير ملتفًا بكفن كي يقول لنا وداعا، وابتسامة ساطعة على شفتيه. كانت ترافقه امرأة شابة ذات جمال ساحر اسمها فاطمة، وكانت هي أيضًا متطوعة من أجل عملية انتحارية مثله. دخنا أنا وسمير وصالح أمام جمالها. ابتسم صالح. للمرة الأولى غادره اليأس، ونعمت تعابيره. ظننت أني أرى أملاً يلتمع في عينيه. أراد سمير الموت معها، وأردت أخذ مكانها. صاح الكل بمن فيهم فاطمة ضدي، لا يمكن أن نأخذ مكان شهيد، وإلا كان ذلك تدليسا. بالتضحية بالنفس تحقق فاطمة حلم الكثيرين: دخول الجنة. كان لها ذلك امتيازًا وشرفا. وأنا الأخرق باقتراحي توفير حياتها أحرمها من أفضل شيء يمكن أن يحصل لمؤمن: اللحاق بخالقه، مصاحبة الصحابة والمرسلين، عيش عيشة الحور.

بعد مضي لحظة، بدا على زهير الضيق. كان هو الذي سيموت في المساء نفسه وليس فاطمة بينا كان أصدقاؤه يعبرون عن إعجابهم بتلك الفتاة التي تتحدى الموت من أجل تحرير غزة. عند ذلك تكلم زهير عن تينا ليحوّل اهتمامنا إليه واهتمام فاطمة. كان معجبًا بها وفي الوقت نفسه يتنافس معها. كان التحرير والفردوس يعنيانه هو أيضا.
- تينا كالطُّعم على الشَّص لا أكثر، قال.
ابتسمت له فاطمة ابتسامة كبيرة بقدر ابتسامته. لاحظت في عينيهما بريقًا غريبًا صافيا، ربما كان إحساسًا برغبة أُشبعت. ظننت للحظة أن فاطمة ستخلع وشاحها لترينا شعرها الجميل، لكن وجه صالح استعاد صرامته، وانزلق يأسه من جديد ما بيننا. بدأنا نتكلم سياسة. لم تكن هناك جملة لا تنتهي ب "إن شاء الله". أنا، كنت أقولها بدافع العادة. كنا متفقين جميعًا على طرد المحتل، وأضفت بلسان شخصي الآخر أن على السلام إن قام أن يقوم بين الشعبين وليس بين أوغاد الحكومتين. كانت فاطمة كزهير متفقة معي، وكان سمير كصالح لا يؤمن بالسلام. وحسبهما لن يكون سلام مع اليهود، فكلهم أوغاد. للهرب من ذلك الجو الكامد، حاولت رمي بعض النكت عن أولئك الجنود الذين أتوا من كوكب آخر بأسلحتهم الفتاكة وفي الحقيقة كانوا جبناء بما أن جحشًا "شهيدًا" قد نجح في قتل عشرة منهم عند ممر ايريز.
قالت فاطمة: في المرة القادمة سأكون أنا وسأصرع منهم مائة على الأقل.
صفق لها أصدقائي الثلاثة، أما أنا، فمنعت دمعة كادت تسقط من عيني. من أجل الجميلة فاطمة.


الكتاب الانتحاري السادس
كتاب الاقتصاص


مات زهير مع تينا

مات زهير مع تينا. فقط! قال صالح وسمير بأسف. ذكرتهم بأن هناك ثلاثين جريحًا على الأقل. لكن الجرحى بالنسبة لهما لا يدخلون في الحساب. كان زهير يساوي أكثر بكثير من قتيلة. ثم هذه العملية لن ترعب الإسرائيليين، لن تبرم لهم الأحشاء، لن تبدل إلى كوابيس أحلامهم، لن تدفع صغارهم إلى الصراخ ضد كبارهم. يلزمهم عشرات الجثث لترهيبهم ودفعهم إلى الهرب. قلت: من كل الأراضي المحتلة. صححني الانتحاريان: من كل فلسطين.

لم أشأ مماحكة ما لا يماحك معهما. هكذا كان الأمر بالنسبة لهما. هذا ما ذكرني بالمستوطنين. كانوا يقولون: كل فلسطين لنا.

في ذات اللحظة، هجومان بالهيلوكبتر اكتسحا حي صبرا. ذهبنا لنرى. كانت الجثث بالعشرات والجرحى بالمئات. عمليات ذات هدف! وانطلقت الصواريخ من كل مكان. صرخت كل غزة وجعها وحقدها وثأرها. تكلم راديو الجيش الإسرائيلي عن مقابلة العدوان بالعدوان! كما لو كانت عملية زهير الانتحارية أصل العنف وليس الاحتلال، وليس الاستعمار. وكل صحافة العالم القابلة للرثاء أعادت الكذبة: موت فتاة وإصابة عشرة أشخاص بجراح خطيرة بمن فيهم طفل في العاشرة. كانت للبرابرة قلوب ناعمة. كانوا يدفعوننا إلى ارتكاب ما لا يُقبل، ويأتون لذبحنا "بإنسانية".

كانت كل تلك المذابح لا تهدف إلا لإطالة عمر الاحتلال، إقامة الدليل على أن المأزق كلي، فقرر صديقاي الانتحاريان أن يستشهدا، أحدهما في مركز تجاري بيافا، والثاني في باص بتل أبيب. هكذا اختارا الإجابة على الأوغاد في المعسكرين الذين كانوا لا يرمون إلا لإخضاعنا وإبقائنا نهبًا للرعب عن طريق لعبة الهجوم والهجوم المضاد.


الكتاب الانتحاري السابع
كتاب الباص والمركز التجاري


رافقتهما حتى مخبأ المتفجرات في إسرائيل نفسها

رافقتهما حتى مخبأ المتفجرات في إسرائيل نفسها، لم يكن أولئك العساكر الأغبياء يعرفون قولنا المأثور: أفضل المخابئ في أرض عدوك! بعد أن فتشنا جنود الاحتلال بدقة على اعتبار أننا رعاة، اجتزنا الخط الأخضر، ووصلنا إلى مغارة. كيف وصلت المتفجرات إلى هناك؟ لم يقل لي الانتحاريان. صافحت الواحد والآخر، قبلتهما، وأنا أبكي، وهما يبتسمان، وأحيانا يضحكان، ثم قلنا لبعضنا الوداع.

علمت الباقي من التلفزيون: تفجر سمير عند أحد صناديق المركز التجاري، فتمزق مع خمسة إسرائيليين. أما صالح، فأخذ معه إلى الموت ثلاثة جنود وامرأة عجوزًا وابنة السنوات الثلاث التي كانت تصطحبها.

كانت صور العمليتين فظيعة، دم في كل مكان، وجرحى يمسحون وجوههم الملطخة بالدم، وصفارات تصرخ، ونساء يبكين، ورجال يبكون. كانوا خائفين خوف من يفاجأ في الظلام. رأيتهم كلهم في الظلام، ورأسي كرة من الضوء. كنت ألهث مثلهم على حافة الظلام، وكنت خائفا. كنت أقف أمام ماضيّ، ولا أجرؤ على التقدم بعد أن بذلت كل ما كان عندي من جهد. أحسست في حضرة الموت بالنهاية، وكان آخر إحساس لي. بعد ذلك، تفجر الضوء في رأسي، وسطع في كل مكان. محا الدم والوجوه، وأبعد الصراخ، ولاشى كل شيء. تحشرجت، وأنا أئن، ثم أخذت أقهقه كالمجنون. لم أكن أعلم أني كنت تلك الجندية الإسرائيلية، والدم كالشلال يتفجر من بين فخذيّ. كانت تكفي فكرة واحدة عن حكامهم كي أعود إلى الواقع، وأرفع على ظهري عبء زمننا وزمنهم. فكرت أن حكامهم –كحكامنا- في منجى عن كل هذا، لم يكونوا يعيشون تلك اللحظة الفظيعة، الغطس في الظلام، والصراخ. لم يكونوا يعرفون ما الخوف، وهم يقومون ويقعدون في ضوء الجيش. كانوا هم وأبناؤهم في أمان لا يمسسهم شيء، وكانوا يضاعفون الهجمات التي يزعمون أنها كانت ذات هدفٍ ما شاء لهم، ويمارسون سياسة التصعيد. ومن كان يدفع الثمن يا ترى؟ فقراء المعسكرين. كل من كان يتعذب ويدفع من دمه ثمن تصرفات الساديين.

لم يؤثّر فيّ بتاتًا موت الجنود الذين غادروا مع صالح، كانوا براغي كبيرة في ماكينة الجيش الجهنمية. كانت أمهاتهم يعلمن ولا يقلن شيئا. لم يكنّ يؤمنّ بالبطولة، ولكنهن كن مضطرات. كن يبكين أبناءهن وهم على قيد الحياة، كن يعلمن أنهم سيموتون. عندما سلمهن الجيش جثثهم، عرفن أنهم ماتوا من أجل لا شيء.

ما أثّر فيّ الشيء الكثير موت العجوز وبُنَيَّتِها. لو كنت مكان صالح لحذرتهما، فلليأس عينان، وهو كان يعلم ممنوع قتل طفلة هكذا. كان بإمكانهما أن تأخذا الباص التالي. كانتا تذهبان ربما للنزهة، ولكن دون أن تعلما، كانتا تتقدمان نحو الموت.



الكتاب الانتحاري الثامن
كتاب الدعوة إلى الانتحار


ومرة أخرى لم يفهم الجلادون شيئًا من العمليتين الانتحاريتين

ومرة أخرى لم يفهم الجلادون شيئًا من العمليتين الانتحاريتين، وبدل أن يسمعوا لما يطالب به الإسلاميون، بمعنى الانسحاب الكلي، إعادة كل الأراضي المحتلة، وإنهاء الاحتلال، بدل أن يطبقوا هذا الحق الأساسي في حياة شعب، أجابوا بما يدعونه بالقتل ذي الهدف تحت ادعاء العمل من أجل السلم. وذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما صفوا كل الحركات المعارضة، كل ديمقراطية، كل انطلاق، كل حرية. هكذا فقط سيقدمون بلدًا محجمًا على طبق من فضة لرجلهم رئيس السلطة. الأوغاد الآخرون الذين يقولون عن أنفسهم من اليسار، العمال، صمتوا. كانوا مع السلم والحرب، مع الوفاق والشقاق، مع العسل والحنظل، مع البياض والسواد، مع النسغ والدم. كانوا يبكون من عين واحدة، ويضحكون من صف أسنان واحد. كان الازدواج الواصم لتاريخهم، لتاريخ إسرائيل، للتاريخ عندما يسقطونه من صندوق العقل. لِمَ وتلك الشروط إذن إقامة سلام وتطبيق قرارات تضع حدًا للنهم الأرضي والنهم الاقتصادي؟ استعادة الحكم لم يكن ذلك في برنامجهم بما أنهم يشاركون في الحكم، فكان تداعي العنف: عمليات انتحارية أخرى نفذت، وستنفذ، وضحايا أخرى، وصرخات أخرى في الظلام.

جاءت فاطمة لتراني، فأخذ قلبي يدق بقوة، وكأني على حافة هذيان من هذياناتي. اعتقدت أنها جاءت لتودعني، فطمأنتني عندما قالت إن دورها لم يحن بعد. في الحقيقة، كانت هناك قائمة انتظار طويلة.

- وأنت؟ سألتني.
- وأنا ماذا؟
- متى ستعزم؟
لم أكن أنتظر سؤالاً كهذا.
- كل الشعب الفلسطيني مستعد للموت.
عند ذلك ضحكت:
- إذا مات كل الشعب الفلسطيني فمن سيبقى لفلسطين؟
لم تضحك فاطمة.
- ما أقوله استعاري، قالت.
- أفضل هذا، وإلا فالوحيد الذي ستجعلينه مسرورًا هو شارون الذي يتمنى أن نزول عن وجه الخليقة.
- لم تجبني.
- هل سأصدمك لو قلت لك إنني ضد؟
- أنت ضد قتل اليهود بينما هم لا يترددون لحظة واحدة عن ذبحنا؟!
- هناك وسائل أخرى.
- أية وسائل؟
- ترين جيدًا أن موت أصدقائي الثلاثة لم يؤد إلى شيء.
- ومن يتكلم عن أصدقائك الثلاثة؟
- أصدقائي الثلاثة...
- أسلموا أمرهم إلى الله، أصدقاؤك الثلاثة!
- أصدقائي الثلاثة، أصدقائي الث...
- ينظرون إلينا من الجنة، ويضحكون منك.
- أتمنى ذلك.
- هل ستعزم أم ماذا؟
- الموت لا يخيفني، أؤكد لك. عندما اقترحت أن آخذ مكانك، كنت صادقا.
- لن أدع لك هذا الحظ، كن واثقًا من ذلك.
- اسمعي، يا فاطمة...
كنت أريد أن أقول لها: "لنتزوج ولنصنع أطفالا". لكنها رمتني قبل أن تختفي:
- ما أنت سوى جبان!



الكتاب الانتحاري التاسع
كتاب التطويع


حيرني سلوك فاطمة

حيرني سلوك فاطمة، لم أقدر على فهمها. كانت تعتبر أن فلسطين لها وحدها، وكانت لكثير من الفلسطينيين هذه الفكرة منذ أن حُرموا من كل شيء. ولكن عندما كانت تعتبر أن كل فلسطيني انتحاري قادم، لم أعد أفهم شيئا. لست ملكًا لأحد حتى للحلوة فاطمة، كنت ذلك الصوت الحر في العزل الجماعي. لم يكن يعني ذلك أني كنت النواة لأي شيء، ولا الحساسية التي ستمهد للثورة، وتلهم اجتراح المعجزات. كنت أقف وحيدًا على منحدر بعد أن جرف السيل كل شيء، ولم يترك من ورائه إلا الخراب. كفاطمة كنت أشجب الاحتلال، كفاطمة كنت أمقت حكامنا وحكامهم، كفاطمة كنت أصبو إلى الحرية، ولكني لم أكن فاطمة. لم أكن أريد أن أمضي حياتي في الصلاة، ولا أن أرى الحياة من تحت حجاب. كنت أحترم اختيارها، وعليها أن تحترم اختياري. كانت فاطمة تنسى قول الرسول "لكم دينكم ولي دين"، وكانت تتجاهل حقي بأن يكون لي موقف مختلف فيما يخص الوسائل المستخدمة لمواجهة المحتل.

عادت في المساء نفسه لتعتذر، قالت إنها تركت نفسها نهبًا للغضب. ارتحت، لم أعد الجندية الإسرائيلية التي يهدر الدم كالشلال من بين فخذيها، لم أعد أصهل ضاحكًا كالمعتوه في وجه العالم. وافقت فاطمة على أن أختار الطريقة التي أواجه بها بؤسي وبؤس وطني. لكنها تساءلت إذا ما كان من الممكن حقًا التصرف بشكل آخر عندما يرجح ميزان القوى في صالح أعدائنا. في مأزق كهذا، كانت ترى الموت خلاصًا أوحد. وكسبت ما سأخسره.

- أبدًا لن أقتل نفسي في باص أو على مقربة من مدرسة، قلت.
- ستختار هدفك.
- الجيش، الجنود، ولم لا حكامنا الخرعون، هؤلاء الأوغاد.
- حكامنا ليس الآن، وإلا كانت الحرب الأهلية التي نريد تفاديها بأي ثمن.
- ولكن يا فاطمة، أنا أستعمل نفس اللغة الاستعارية مثلك منذ حين!
لم تبتسم أقل ابتسامة. نجحت بتطويعي، وأرادت الذهاب حتى النهاية.
- هكذا ستضمن دخولك الجنة، قالت.
أن تغري بالجنة شخصًا يعتبره الناس ماديا، أضحكني ذلك.
- الجنة لي هي نحن، ما نفعله من أجل غد أفضل.
- كنت قد نسيت ما قاله لي زهير، إنك ملحد.
- تريدين أن أقول لك كيف أرى الجنة، أنا؟ أراها بفؤوس وجباه ترشح عرقا، بصواريخ تنطلق من كل جانب.
- ليست هذه الجنة، إنها النار!
- إذن الجنة التي لي هي النار.
وللمرة الأولى منذ وصولها، انفجرت ضاحكة.



الكتاب الانتحاري العاشر
كتاب المستوطنة


اصطحبتني فاطمة إلى مرتفعات مستوطنة شارحة لي أنها هدف من بين أهداف ممكنة

اصطحبتني فاطمة إلى مرتفعات مستوطنة شارحة لي أنها هدف من بين أهداف ممكنة، كان عليّ أن أختار. طلبت مني أن أراقب، وبعد ذلك أن أقرر.

كان على بعد عشرات الأمتار منا بعض المستوطنين في ثياب غريبة وبسلوك من عصر آخر يتلون بصوت مرتفع آيات تلمودية، وهم يرشقون وجوههم بالرمل.
تعجبت فاطمة:
- لن أفهم أبدًا هذه الحمية الدينية عند أناس جاءوا لست أدري من أي بلد، لن يمكنني أبدًا أن أفعل مثلهم، ومع هذا، هذه الأرض أرضي، أحبها بعمق.
- ما ترينه، يا فاطمة، ما هو إلا الواجهة، القشرة، ولكن خلف كل هذا هناك مضمون معقد، قلت. لا يتعلق الأمر بلحى سوداء ولا بمسدسات تتأرجح على الخاصرة وإنما باستراتيجية حقة. هذه الأرض أبدًا لم تكن مقدسة، هذه الأرض صارت مقدسة مع الأطماع التوسعية لساستهم.
- أنت تهذي، احتجت فاطمة. هذه الأرض مقدسة منذ أن وعد الله بها جدنا وسيدنا إبراهيم.
- توقفي عن الكلام مثلهم، يا فاطمة! أنت من تهذين! لدى ساستهم من يسار ويمين مشروع للتنفيذ: إسرائيل الكبرى. وجودهم يتوقف على ذلك، ومجانين الله هؤلاء ما هم سوى أداة. ليحققوا غرضهم، كل الوسائل صالحة: استملاك، هدم، هجومات ذات أهداف منشودة، "شارونية" كاملة لحياتهم ولحياتنا. وأولئك الأغبياء الذين تصلنا أصواتهم من الشاطئ الآخر للبحر الأبيض المتوسط يتهموننا بالرغبة في تدمير إسرائيل.
- تستطيع أن تعتمد عليّ من أجل هذا، تدخلت فاطمة بكل ما تقدر عليه من حقد.
- لن يمكنك ذلك، لا أنت، ولا أنا، ولا كل انتحاريي العالم. ستحطمين نفسك، سأحطم نفسي، سيحطمون أنفسهم، وليس إسرائيل. لأن هذا البلد موجود، هذا كل ما هنالك.
- ونحن موجودون أيضا.
- نعم، ولكن يجب الموت من أجل إثباته. لهذا وافقت على نسف نفسي. تراجيدي هذا، أليس كذلك؟ لتفهمي جيدًا في أي مخراة وضعنا أوغادنا وأوغادهم: أن أموت من أجل أن أثبت أن لي الحق في الحياة.
عبرت امرأة حبلى حديقة بيتها المقام بالقوة، فنهضت بحثًا عن هدف آخر، ولم تنهض فاطمة. كانت تشخص ببصرها إلى حشرة تزحف على ساقها، وقد جمدت جمود التماثيل. لم يكن يمكنها ضربها بيدها، كانت تبدو كالمخدرة، وكأنها تريد ذلك. وعندما أبعدتها بظاهر يدي، ندت عنها آهة، فشممت رائحة عناق، ودارت بي الأرض. شعرت برغبة في الغثيان، وددت لو أسقط برأسي في حضنها، لو أجرح شفتيّ على ساقها في المكان الذي كان مرتعًا للحشرة، لكنها أمسكتني من كتفيّ، وهزتني قائلة:
- تعال، أظن أنهم رأونا.
وما لبثنا أن سمعنا بعض الطلقات.



الكتاب الانتحاري الحادي عشر
كتاب الجدار


تحولت فاطمة المحجبة في رأسي إلى موضوع جنس يغتصب لي روحي

تحولت فاطمة المحجبة في رأسي إلى موضوع جنس يغتصب لي روحي، كنت أشم رائحتها، وأنا أسير إلى جانبها، وأسعى كمن يسعى تحت تأثير ضربة ساحر. وهي تحدثني، كنت أتحاشى النظر إلى صفحة وجهها، وأشتهي أن أملأه بالقبلات. وكنت أحس بانتفاض ثديها تحت ثوبها، وأرغب في تمزيق ثوبها بمخالبي، وتمزيق ثديها بأنيابي، فأهمهم، وأنا لا أفهم شيئًا مما تقول. كان الظمأ قد اجتاحني فجأة، فوضعت شفتيّ تحت ماء يتفجر من حنفية محطمة، وأخذت أعب، وفي الوقت آنه أمخر العباب بين فخذيها، وأشقها كسكة المحراث، ثم أرشقها بالصواعق والقبلات إلى أن ارتحت بعض الشيء، وأخذت نفسًا عميقا.

- هذا الهدف لك، قالت فاطمة، هذا الجدار الذي يبنونه ليمنعونا من الذهاب إلى الموت بين أذرع من يكرهوننا.
كان بعض البناءين ينشطون في رفع جدار العار الضخم على الخط الفاصل بيننا وبينهم، فذكرني ذلك بغيتو وارسو. أولئك الحمقى يريدون أن يعملوا من بلدهم أكبر غيتو في التاريخ تحت ادعاء حماية شعبهم.
- سأحطم هذا الجدار عن طيب خاطر، قلت.
- إذن أنت ضده، قالت فاطمة.
- ليس بدافع حبي للفضاء العبري الحي، ولكن لأن مشروعًا كهذا ضرب من الجنون. سيكون فعلي بمثابة احتجاج ضد جدار العار.
- يعملون هذا لمنعنا من العبور إلى الطرف الآخر كما لو كنا لا يمكننا العبور من الجو ومن البحر، كما لو كنا لسنا عندهم، أريد القول عندنا.
- عندهم يا فاطمة، عندهم، شكرًا لزلة اللسان!
وصل فريق من العمال العرب، وبدأ يعمل في الجدار الذي أريد هدمه. في تلك اللحظة، ومضت في ذهني فكرة جنونية: أن أنتحر بين أولئك العمال من عندنا الذين قبلوا هذا العمل. أن أنتحر بينهم في مخيمنا، فذلك أبسط، لكن فاطمة ثنتني عن تلك الفكرة المروعة دون قصد منها.
- هؤلاء المساكين يفعلون هذا من أجل شراء الخبز لأطفالهم الذين عندما يكبرون سيسعون مثلك إلى تدمير ما بناه آباؤهم.
- الحق معك، فاجع هو الأمر، ولكن هكذا هو.
وكنت أفكر في شيء آخر:
- وماذا لو قلبنا الحالة، ماذا لو كنا نحن من نبني هذا الجدار الملعون، وكان يهود من عندهم يأتون للمساهمة في بنائه، ماذا سيفعل الانتحاريون اليهود؟
- الشيء نفسه الذي ستفعله أنت: سيفجرونه، قالت فاطمة. زد على ذلك، المستوطنون ضده، لأنهم يشعرون بفقدان كل حق لهم عندنا، وبالتالي كل حماية.
- نعم يا فاطمة، هذا ما كنت أود سماعه من فمك الناعم، إنهم يشعرون بفقدان كل حماية. هذه الحماية على التحديد هي التي تصنع من هذه الأرض أرضًا مقدسة، هذه القوة التي تحيل ماء المستنقع إلى ماء مقدس. الجيش الإسرائيلي هو عنايتهم المقدسة الحقيقية لا الألواح الإلهية. لا لن أفجر نفسي مع هذا الجدار. على هذا الجدار أن يوجد. على قدم هذا الجدار ستقوم الدولة الفلسطينية.



الكتاب الانتحاري الثاني عشر
كتاب الأمل الفائت


كان يكفي أن تناديني فاطمة باسمي حتى أفقد ثقتي بنفسي

كان يكفي أن تناديني فاطمة باسمي حتى أفقد ثقتي بنفسي، وأرجع عن كلامي. كان صوتها الرقيق يدغدغ لي عضوي، فأحس قليلاً بانتصابه، وألتفت من حولي خشية أن يكون أحدهم قد رآني. لم تكن تريد دولة كالتي أريد ولا أي شيء آخر يشبه الدولة، فأردت ما تريد، وعضوي لا يتوقف عن التضخم، وقلبي عن الدق العنيف. كانت رغبتي فيها أقوى من أي شيء آخر، ولكني لم أكن لأجرؤ على الاقتراب منها أكثر ولمسها أو ضمها من خاصرتيها، وحتى ولو كنا وحدنا لما أمكنني فعل أي شيء، لقوة اللجم التي كانت تمارسها عليّ في الوقت الذي تدفعني فيه إلى ارتكاب أكبر الحماقات من أجل قبلة على ثغرها، فعنقها، فثديها، فبطنها، ففخذها، ففرجها. كانت تتركني لاهثًا بلسان كالكلب يتدلى على حافة فرجها، وفرجي في أقصى انتصابه، وتبقى تلك كل متعتها.

لم أكن أستطيع أخذها عنوة، فأمزقها بأسناني بعد أن أجعل من فرجها كل آلهتي. لم أكن أستطيع الزحف فيها مثل كتيبة من كتائب القسام، فأتفحر فيها منيًا ودما. كانت الجسد الذي أقطع فرجي على ثديه، وأتركه ينط كرأس الثعبان إلى أن يجمد دون حراك، وعند ذلك، كانت فاطمة تنقله بيد حانية إلى فمها، وبعد أن ترضبه بلسانها، وتسقيه عسلها، كانت تبتلعه مثل لقمة سائغة.

كنت قربها، وأنا أرمي النظر إليها مثل قطار فاتَ وتركني وحيدًا على الرصيف. وكنت أعلم أن أملي في الحصول عليها ضئيل، ورغم ذلك كنت أترك نفسي نهبًا للشكوك، ولولا قوة سطوتها عليّ لما أمكنني معرفة ما أريد وما لا أريد. ومع ذلك، حتى ولو كنت قادرًا على فحص الأمور عقليا، فقد فقدت كل أمل في كل أصحاب النوايا الحسنة من المعسكرين، واخترت قدر الانتحاري.

لم يكن ذلك يعني أني غدوت مرتابا، على العكس، كنت أقول كل ما في قلبي لأول شخص قادم، إني انتحاري موجود بالقوة، إني ضد الانتحار، ومع ذلك سأنتحر، وستأتي تضحيتي بنفسي بالبرهان على أن كلا المعسكرين يدفعنا إلى الموت.



الكتاب الانتحاري الثالث عشر
كتاب الدورية


دفعتني قوة شيطانية إلى أن آخذ فاطمة من يدها لأريها دورية من جنود الاحتلال

دفعتني قوة شيطانية إلى أن آخذ فاطمة من يدها لأريها دورية من جنود الاحتلال، لم ترفع يدها من يدي، وكأنها كانت تريد ذلك، وتنتظره منذ اليوم الذي تحجبت فيه. كانت يدها دافئة بدفء الربيع في غزة، وعاشقة للمحرم. وكانت فاطمة محمرة الوجنتين، منسرة، متوترة، تقطر رغبة. كان يبدو عليها أنها نسيت الصلاة، وأني كنت لها الصلاة والوضوء والشفرة.

- ها هو هدفي!
نظرت إليّ بعينيها الواسعتين المتحديتين لخجلها الألفي، وسألت:
- هل أنت متأكد؟
- أنا متأكد.
- وتعتقد أنه يمكنك اختراق فيلق الجنود المتأهب هذا قائلاً له: مرحبًا، أنا انتحاري، اسمحوا لي أن أنسف نفسي معكم!
وانفجرت ضاحكة، وهي تهتز كشجرة خوخ بين أصابعي، وأنا أضغطها دون شعور مني إلى أن أوجعتها، فأطلقت صيحة، وهي تسحب يدها من يدي، وتقول مكشرة:
- آي! أنت توجعني.
كنت قد وضعت حدًا للحرام دون أن أشاء، فدخلنا عالم الحلال الرتيب، ورحنا نلعب دور الأخت والأخ الزائفين، وقد صدمني أن أشم عطرها لأول مرة، عطر الفضيلة، فقلت:
- أعلم أن الأمر لن يكون سهلا.
- اسحل بين مجموعة من العجائز المتطرفين في القدس إذا كان لك قلب طري إلى هذا الحد، وينتهي الأمر.
- لا، لا أريد المساس بمدنيين، وإن كانوا متطرفين.
- مسكينة يا فلسطين، قالت ساخرة، سَتُحَرَّرين في اليوم الذي ستكون لنا فيه قلوب ناعمة كقلوب الأطفال!
- كقلوب الأطفال لم لا؟
- أتسخر بي، نعقت، هل هذا هو حبك لبلدك، التضحية التي تقوم بها ليغدو محررًا ذات يوم، لنعود إليه ذات يوم؟
تعجبت لأني لم أرضخ لسلطتها، بدت عني غريبة، على الرغم من أن عنفها ضاعف من اشتهائي لها.
- لنعود إليه على جثتي، أتعتقدين ذلك؟
- على جثتك، على جثتي، على جثثنا كلنا.
- تعودين هنا إلى خطابك الغبي، يا فاطمة، ستقولين "استعاري" لتعرضك من جديد لمشكل كنت أظن أننا حللناه. ستكون العودة ذات يوم، أعرف هذا، ولكن ليس على جثثنا وليس على جثث الإسرائيليين، لأنه لا يمكن لنا أن نقول لهم: "لا حق لكم في البقاء هنا، هذه الأرض ليست أرضكم، والقدس ليس لها ماض يهودي". هم وكلاب حرسهم في أوروبا يفكرون هكذا فيما يخصنا، لأنهم هذا ما فعلوه فينا، ليجعلوا من تهويد القدس قضية ما بينهم، وليحولوا دون أن نفعل كما فعلوا.
- سأفعل تمامًا كما فعلوا، صاحت فاطمة دون أن تتمالك.
- أما أنا، فلا.
قلتها دون تردد، ودون أن أخشى ذهاب الجميلة فاطمة إلى الأبد، وعلى عكس كل ما كنت أتوقع، رق صوتها، وخلبتني نبرتها الناعمة تحت بطني، ومن جديد طيعتني:
- إذن كيف ستفعل؟ وهل سيقبلونك أولا؟
أجبت شبه غائب:
- أنا أحلم باتحاد بين كل شعوب الأرض.
- تريد أن تقول بيننا وبين الإسرائيليين؟ هل أصبحت مجنونا؟
- هكذا سيبقون عندهم إلى الأبد، وأنا عندهم إلى الأبد دون أن يكون ذلك حقًا عندهم.
- أنا لا أفهم.
- سيكون بإمكاني أن أسكن يافا هناك حيث ولدت، حتى أنه سيكون بإمكاني أن أشتري بيتًا هناك. هكذا أكون قد مارست حقي في العودة، ولكن لن يكون بإمكاني أن أفضي إلى حقوق أخرى مدنية خاصة بالإسرائيليين، وحق العودة قد تم حله إلى الأبد.
- هؤلاء الجنود سيمنعونك من تحقيق هذا الحلم.
- ليس حلمًا، إنه الواقع. هم سيرفضون أن يفهموا، ولهذا السبب أريد أن أفجر نفسي معهم.



الكتاب الانتحاري الرابع عشر
كتاب الجحش الشهيد الظنين


أنا أيضًا أقوم بجهاد ضد إرهابي في ساحٍ وغاهُ جنود الاحتلال

أنا أيضًا أقوم بجهاد ضد إرهابي في ساحٍ وغاهُ جنود الاحتلال، كان الدرس الوحيد الذي تعلمته من أحداث 11 سبتمبر. لم أعد سلميا، حتى أنني غدوت إحدى القنابل الموقوتة. لا أريد ذرف دموع تماسيح المسؤولين الأمريكيين أو الإسرائيليين أو السلميين الفاقدين لعقولهم الذين يرون الفاشية الإسلامية في كل مكان، فهم من اخترع هذه الظاهرة، وعملوا على انتشارها. تحت ذريعة محاربتها، يمكنهم السيطرة والاستيلاء على كل ثروات العالم. إذن أنا اختراع هؤلاء الناس، إنتاج سيكلفهم غاليًا بما أنني سأقتل نفسي ومعي عشرة على الأقل من هؤلاء الجنود الجهنميين الذين لن يترددوا عن تثقيبي برصاصهم، فالعربي الطيب بالنسبة لهم هو العربي الميت.

ولكن كيف الوصول إليهم؟ كيف اختراق صفوفهم؟ كيف قتل أكبر عدد ممكن منهم؟ كانوا يقظين جدا، على أهبة الاستعداد، ووجدت الحل: الجحش! ثم فكرت أن هذا سيشد انتباههم ربما أكثر، وأن هذا الحيوان المسكين ما طلب أبدًا أن يغدو شهيدا. خبأت ترددي عن فاطمة، ودفعني ترددي إلى التفكير فيها. هل هذا بسببها؟ لأني أريد العيش من أجلها؟ لأركع على حافة محرابها؟ لأحرق العالم في غابتها؟ قالت لي إن دورها على قائمة انتظار مقاتلي الموت كان يقترب، وإنها اختارت القدس، أقرب ما يكون من المسجد الأقصى. كانت تبحث بكل الوسائل عن صعود روحها بأسرع ما يكون الصعود إلى الجنة. عندئذ فكرت في منعها من ذلك، وأنا أشعر بالخجل من نفسي، فكرت في حرمانها من هذا الشرف وهذا النعيم اللذين هما أمل كل مؤمن. حقًا كنت أشعر بالخجل من نفسي، ولكني كنت أشعر بالواجب، واجبي نحو من أحب، وكانت الطريقة الوحيدة التي أحفظ بها حياة فاطمة أن أشي بها، ولكن كان علي أولاً أن أنقذ نفسي.

في اليوم التالي، قمت بمحاولة لاختراق الدورية مع جحش ينقل على ظهره أكياسًا من العلف. طلب الجنود مني أول ما طلبوا ألا أقترب منهم، وبعد ذلك تقدموا مني. صوبوا إليّ فوهات بنادقهم، وطرحوني بعنف أرضا. لو كانت متفجراتي عليّ لما كنت بحاجة إلى تشغيلها.

ولما رأى بغلي سوء معاملتي راح ينهق، فضربوه بأعقاب بنادقهم ليصمت، ولكن دون جدوى. التضامن يوجب ذلك! لحيوانات هذا البلد قلوب أطيب من كل براطيم هؤلاء المستعمرين. وأخيرًا عندما أخلوا سبيلي، أخذتُ بغلي بين ذراعيّ، وقبلته. كانت الدموع تسيل من عينيه.



الكتاب الانتحاري الخامس عشر
كتاب الوشاية


انتظرت سقوط الليل على العالم قبل أن أضع القدم في مركز شرطة الاحتلال

انتظرت سقوط الليل على العالم قبل أن أضع القدم في مركز شرطة الاحتلال، جرى ذلك دون تردد، ولم أتحير من أمري أمر المخبر السري الذي لم أكن أتوقع أبدًا أن أكونه. هل هذا من أثر سحر فاطمة عليّ أم أنني قد سقطت بالفعل وأنني أسعى سعي الهالكين الفاقدين لعقولهم؟ كنت وأنا أنقل كل شيء للضابط الإسرائيلي أحس بتوثب كل حواسي، وبغبطة أشبه بغبطة المتدينين. كان ضميري مرتاحا، حتى أن الحديث عن الضمير هنا ليس في محله لأن الأمر لم يكن مطروحًا على الإطلاق. كانت عادية الأمر تتعدى الوشاية، ولم أتفاجأ من شلالات الأسئلة التي وجهها الضابط إليّ. كنت قد نسيت أني هناك من أجل إنقاذ فاطمة، وعلى الرغم من أني لم أكن أعرف شيئًا كثيرًا عنها إلا أنني كنت مستعدًا للاعتراف بكل شيء. كنت كمن أشي بنفسي دونما إرادة، وأنا بسعادة نزلاء الجنة.

شكرني الضابط على شجاعتي، وقال إنه سيتأكد أولاً من صدق أقوالي، وإذا كانت كذلك، فسيعرض عليّ التعاون معهم، وطلب إليّ ألا أغادر بيتي.



الكتاب الانتحاري السادس عشر
كتاب خوف فاطمة


طرقت فاطمة بابي في ساعة من الليل متأخرة

طرقت فاطمة بابي في ساعة من الليل متأخرة، دخلت كالسهم، وانهارت تماما. بدأت ترتجف، وتنتحب، وتقول إنها خائفة من الموت، من القتل، وإنها ليست مسلمة صالحة، غير جديرة بحمل كفنها.

تجرأت على أخذها بين ذراعيّ، وضغطها على صدري. كانت اللغة الوحيدة التي أستطيع التكلم بها في تلك اللحظة. تركت فاطمة نفسها في أحضاني، وهي تشدني بقوة إلى أن هدأت.
- سأكون زوجتك إن أخذت مكاني، قالت لي.
لم أتأكد من زَيْغ اقتراحها إلا ثواني قليلة فيما بعد.
- ولكني أكون ميتًا، يا فاطمة.
- سأكون زوجتك في الجنة.
- في الجنة.
- أعرف، جنتك فؤوس وبنادق، هي على الأرض، ولكن بقيامك بهذا الفعل بدلاً مني ستذهب إلى الجنة رغم أنفك، وسألحق بك فيما بعد.
- ستلحقين بي فيما بعد. فيما بعد متى بما أنك تخافين من الانتحار؟
- ستعطيني الشجاعة الكافية، ولن أخاف. لا تقل لي إنك قد بدلت رأيك. كنت تريد الموت مكاني، أليس كذلك؟
- هو كذلك.
- لقد حان الوقت.
- على أي حال، من المستحيل القيام بأي شيء ضد دورياتهم.
- أنت موافق إذن؟
- بشرط ألا يكون ذلك مجزرة ضد المدنيين.
- ستكون مجزرة ضد هؤلاء الكفار، وستكون مكاني، خدمة تقدمها للمرأة التي ستتزوجها في الجنة.
- للمرأة التي سأتزوجها في الجنة...
وقبلتني من فمي.

لم يكن يمكنني العودة عن الوشاية.



الكتاب الانتحاري السابع عشر
كتاب خوف الضحايا


تقدمت من حائط المبكى في لباس متدين يهودي

تقدمت من حائط المبكى في لباس متدين يهودي، صحيح كانوا مدنيين، ولكنهم بالنسبة لي كانوا مدنيين بلا مخ في رؤوسهم، ومن أجل عيني فاطمة الجميلتين الواسعتين أريد على التحديد أن أنسف لهم مخهم. والتوراة بيميني، زلقت بينهم، وبدأت بالاهتزاز. أحسست بخوف غريب يقطعهم، يعذبهم، يبلبلهم. إنه الخوف الذي كان يهز أجسادهم لا التلاوة المقدسة. كانوا يتضرعون همسًا من أجل أن يحفظهم الله من موت شرس ومفاجئ، ويلمسون بأياديهم المرتعشة الحائط المقدس كما لو كانوا يتعلقون بيد منقذة خفية، فأشفقت عليهم.

عزمت على أن أعود أدراجي، لكن قبلة فاطمة أوقفتني، وأجبرتني على الذهاب إلى النهاية. لم أعرف لماذا فكرت في أمي، لم يحصل لي ذلك منذ مدة. رأيتها تقترب مني بعقدة ما بين الحاجبين، نظرت إليّ دون أن توجه لي أية كلمة، ثم أدارت لي ظهرها، وذهبت. رأيت بوضوح شديد أنها تشجب فعلي. أردت أن أناديها، ولكن خوفًا من أن أكشف عن ذاتي، بقيت صامتا. كنت أود أن أشرح لها أني آخذ مكان فاطمة، أني أفعل هذا من أجلها.

لم أكن خائفًا من الموت، ولكن لم تكن لي رغبة في القتل. ومع ذلك كنت سأقتل أولئك الناس المأفونين لأن فاطمة خافت. فقط. ولأنها ستغدو زوجتي في جنتها. أي جنون! بؤسي، حبي الفائت كأملي الفائت، حياتي الفائتة. يعيش المرء زَيْغَه منذ مولده ولا يفعل شيئا. أي حديد هي الحياة! ولِمَ نحاول كل شيء من أجل الحفاظ عليها، القتل من أجلها، الإفناء من أجلها؟ ولكنه الإنسان الذي خلق بؤسه. في اليوم الذي أراد فيه الاقتناء والتملك والاستغلال، كان يريد أن يخفف عنه وزر الحياة، فأعطى لنفسه قوة على صورته، السلطة. إنها هذه السلطة في الإنسان التي أريد تدميرها. وضغطت على الصاعق.



الكتاب الانتحاري الثامن عشر
كتاب المستوصف


فتحت عينيّ لأرى مقصات في أيدي أطباء وممرضات يقمن بألف حركة من حولي

فتحت عينيّ لأرى مقصات في أيدي أطباء وممرضات يقمن بألف حركة من حولي، كنت تقريبًا على حق الاعتقاد أن في جنتي أنا كانت هناك فؤوس، المقصات أختها، فلم أكن بعيدا.

قال لي الطبيب إنني فوّتّ ضربتي، إن متفجراتي لم تعمل جيدا، وكل ما نجحت في فعله أني مزقت جسدي قليلا، ولكني سأحيا.

بقيت في المستوصف عدة أسابيع تحت الحراسة العسكرية، وأخذ الضابط الذي وشيت فاطمة إليه يزورني كل يوم، وينتظر أن أتمكن من الوقوف على قدميّ ليقودني بنفسه إلى المعتقل، ويكمل التحقيق معي. كان قد قام بتحقيق بخصوصي بعد أن حيره أمري، فهل كانت وشايتي من أجل أن أبعد الشك عني؟ ومع ذلك، لم أكن عضوًا في حماس، وحادثي كان منعزلا. أضف إلى ذلك أني كنت ملحدًا معروفًا وسلميًا قديمًا ومعترفًا بهم ومدافعًا عن حقهم في الوجود.

جاءت فاطمة لزيارتي. كانت سعيدة لكوني لم أزل على قيد الحياة. كانت تحبني. كانت تريد أن تصبح زوجتي في جنتي أنا. قالت لي ذلك، وهي تشدني من يدي. سأُعتقل عشر سنين على الأقل، ولكنها ستنتظرني. ستدرس الطب لتعالج أطفال الانتفاضة الثالثة.



الكتاب الانتحاري التاسع عشر
كتاب بيت العزل


قادني الضابط ولما أُكمل بعد شفائي إلى بيت العزل بدلاً من المعتقل

قادني الضابط ولما أُكمل بعد شفائي إلى بيت العزل بدلاً من المعتقل، لأن واحدًا مثلي يشي بانتحاريّ ليحل محله هو مختل في عقله لا ريب، وعلى درجة خطيرة، عندما لجأت إلى إفناء غيري. وكان عزلي لا يرمي إلى شفائي، وإنما إلى الإنهاء عليّ. كانوا يخشون أن أتحول إلى ظاهرة، وأن أحرر السلوك.

وجدت نفسي بين جمع شاذ من النزلاء، كان منهم المجرم، وكان منهم المتسول، وكان منهم العاطل عن العمل، وكان منهم راشق الحجر. وكان الأطباء الذين يشرفون علينا ضباطًا وفي نفس الوقت قضاة. أما الممرضات والممرضون، فقد كانوا أشبه بالقصابين في أشكالهم وأفعالهم. كانوا يكرهون كل شيء يتعلق بنا، ويَحْذَرُون كل أمر عاقل يند عنا. لم يكن مرد ذلك حساسيتهم تجاه مجانين وقعوا في القفص صدفة، فقد كانت لديهم أوامر بالإجهاز علينا، وهم لذلك كانوا على استعداد للجوء إلى كل الطرق من أجل تحقيق ذلك، وأول الطرق كانت إبر المورفين التي كانوا يدقونها أينما شاؤوا في أجسادنا ثم الضرب بالعصي، وخاصة على أدمغتنا، ثم اغتصابنا واحدًا واحدًا اغتصابًا اصطناعيا، وذلك بدفع فروج حديدية في أقفيتنا إلى أن ننزف ونغيب عن الوعي.

كانت لحظة الغيبوبة أجمل بل أمتع لحظة في حياتي، لحظة أخدع فيها كل حواسي، فأحلم بالملائكة، وألقي بجسدي المعذب بين أحضانها. كنت أتوقف عن التفكير، وكانت سعادتي عندما أصحو أن أتوقف أيضًا عن التفكير. ولكي يدوم ذلك، وأخفف مما أعاني، كان عليّ أن أمارس حلم اليقظة بين أحضان فراشات الله، فأخذت بالاستحضار، وأخذت بالدعاء، وأخذت بالتسبيح، وبدأت بالصلاة. كانت الطريقة المثلى لمواجهة جلاديّ، ولاحتمال وضع المجنون رغمًا عني الذي وجدتني فيه أو إن شئت وضع المريض بعقله.

عندما جاءت فاطمة لزيارتي، ورأت الحال التي كنت فيها، انفجرت تبكي عليّ، وأنا أقهقه. أرادت أن تأخذ يدي بين يديها، فسحبتها بعنف، وفرشت حصيرة قرب مرحاض الزنزانة، وأخذت أصلي. وأنا لما أكمل بعد صلاتي، رفعت رأسي إليها، فوجدتها، وقد سحبت عن رأسها الحجاب، وهي في كامل تمردها ويأسها وجنونها، والشلال الأسود يرشق العالم بدماء حقيقته المرعبة.



الكتاب الانتحاري العشرون
كتاب التحقيق


بعد أن قضيت في بيت العزل ما قضيت دون أن يتمكن الجلادون من القضاء عليّ أطلقوا سراحي

بعد أن قضيت في بيت العزل ما قضيت دون أن يتمكن الجلادون من القضاء عليّ أطلقوا سراحي، لكني كنت أنا والميت صنوين لا أعرف عن الأشياء إلا شكلاً واحدًا واسمًا واحدًا ومعنىً واحدا، ووجدتني عن العالم غريبا، لا أعرف أحدا، لا أعرف أين أنا، ولا إلى أين أذهب. حملتني قدماي إلى أحد المساجد، فتوضأت، وبدأت الصلاة لكن يدًا قوية مهيبة حسبتها في البداية يد الله قد قبضت عليّ من كتفي، وجعلتني أنهض، وأتبع صاحبها إلى مكان تحت الأرض يجرون فيه تحقيقاتهم. كانت عناصر من حماس هذه المرة، وكان محور التحقيق الوشاية. لم أعد أذكر أية وشاية هي بعد أن تركت ذاكرتي في بيت العزل، لم أكن أفهم عماذا يتكلمون. أخبروني أن المسؤول الذي كان عن خلية فاطمة هو الآن ملقى في غياهب السجون بسببي بينا أنا حر طليق، وأن عليّ أن أعترف بعمالتي للموساد، فما كان عزلي من طرفهم كل هذه المدة إلا حفاظًا على حياتي.

رفضوا أن يسمحوا لي بالصلاة، فقصة الصلاة هذه لم تدخل مخهم، وهم اعتبروها خدعة من طرفي وكوميديا، وبدأوا بتعذيبي. جاؤوا بفاطمة، فلم أعرفها. كانت قد طلت وجهها بالمساحيق، وارتدت فستانًا ضيقًا يكشف عن محاسنها. لم تعرفني فاطمة، وشتمَتْهم، فاغتصبوها أمامي. رموها لي، قالوا لي ما هي سوى عاهرة، فافعل بها ما تشاء. عندما وجدتُني وحدي معها، عندما وَجَدَتْها وحدها معي، عندما أخَذَتْ يدي بين يديها، عندما أخذتُ يدها بين يديّ، تذكرتُ كل شيء، تذكرَتْ كل شيء، تفجرت الدموع من عينينا، وأحدنا يضم الآخر، وأخذنا نبكي.



الكتاب الانتحاري الحادي والعشرون
كتاب جنة الغائط


وبينا أنا في جنة الغائط بين الحياة والموت

وبينا أنا في جنة الغائط بين الحياة والموت، جاءني ملائكة حماس، وقالوا لي إنهم سيتركونني أستمتع بما هو حولي من روائح وثمر وأنهار يومين اثنين آخرين، وبأقدامهم ضغطوا على رأسي، فغرقت في موجة بسمك الطين، وكادت روحي تفيض، لولا أنهم سحبوني، ورموني تحت شجرة اسمها شجرة البراز الأسود لثمرها الأسود. ولم يكن ثمرها يثير التقزز أكثر من شجرة ثانية اسمها شجرة البراز الأحمر أو ثالثة تدعى شجرة البراز الأشقر، ولكن تلك لم تكن لها أوراق تظلل الجسد في جنة هي مصطلى، ودون الورق كانت أشعة الشمس تخترق الأغصان، وتبخر الغائط الذي هو ثوبك وكونك وكلك، وتضاعف من العطن الذي يدكُّ منخريك. وأنت لجوع مفاجئ تقطف من الثمر الأسود ما تلوكه، ولا يمكنك ابتلاعه، فتقيء روحك، وتكاد تنفق، فيحملك ملائكة حماس في اللحظة الحاسمة، ويلقون بك من جديد في نهر النعيم، ثم يسحبونك، وهكذا إلى أبد الآبدين.



الكتاب الانتحاري الثاني والعشرون
كتاب الشيخ إسماعيل


أطلقوا سراح الشيخ إسماعيل مسؤول فاطمة القديم قبل أن يقضي مدة عقوبته

أطلقوا سراح الشيخ إسماعيل مسؤول فاطمة القديم قبل أن يقضي مدة عقوبته، دخل المعتقل على قدميه، وخرج منه دونهما. دفعوني بين يديه، وقالوا له اقض فيه. توقعت الحكم بالموت، ففاجأني، وفاجأ جلاديّ بعد أن فحصني بعيني النسر اللتين له حين نطق بالعفو، وبرر ذلك:

- تنبئ أسالة خده عن أصالة جده!
رميت بنفسي على قدميه أريد أن ألثمهما، فصفعني، وتركني ألثم الأرض، وقال:
- خرجتَ مثلي عن المألوف، فأنقذتَ نفسك مثلما أنقذتُ نفسي، وارتبط مصيرك بمصيري.
لم أفهم إلامَ يرمي، فأوضح:
- منذ هذه اللحظة أنت قدماي، وهذا هو الشق الثاني من حكمي عليك.
وأمرني بحمله على ظهري، فحملته، وغادرنا المكان.



الكتاب الانتحاري الثالث والعشرون
كتاب سدرة المنتهى


أخذت أجوب غزة طولاً وعرضًا والشيخ إسماعيل على ظهري حتى ضاق نَفَسي

أخذت أجوب غزة طولاً وعرضًا والشيخ إسماعيل على ظهري حتى ضاق نَفَسي، فطلبت أن أُجلسه على حجر، وأن أجلس أمامه كما لو كنت قدميه، فرفض، وقال إننا لم نشبع من تأمل جدران البيوت بعد كل تلك السنين التي قضيناها في المعتقل، ففي التأمل زادنا، وزادنا هو شيخوختها قبل أن تغدو شيخوختنا. أخذ يلمس الجدران الهرمة بأصابع مرتعشة، ويقول عنها تجاعيد جباه أهل غزة. وقال عنها تاريخهم، وهم لهذا فلذات للقديم. وأخذ يلمس بأصابعه المرتعشة الجذوع الهرمة، ويقول عنها تجاعيد نفوس أهل غزة. وقال عنها تقواهم، وهم لهذا جمرات للدين. كدت من شدة التعب أسقط به أرضا، فصفعني، وأجبرني على مواصلة المشي، وكأني دابته.

لم يكن بإمكاني الثورة عليه، فقد كان يمسك بي من كل طرف، وكأنه أخطبوط ميثالوجي، إلى أن وصلنا شجرة خروب سامقة، فأخبرني أنها منزله، ومن أمام دهشتي، قال إن منزله في أقرب مكان من السماء، في سدرة المنتهى، وأقرب مكان من السماء هو قمة الشجرة، فحملته إلى القمة، وأنا على وشك أن ألفظ نفسي الأخير. وضعته على غصن، وأخذت بالشهيق، وكأني مدينة بأكملها، وهو يحسدني على ذلك، فَتَحْتْ الناس لا يجدون الهواء اللازم لتنفسهم، بينما في سدرة المنتهى كل الهواء، وهو هواءٌ غير ملوث ابنٌ للنقاء.



الكتاب الانتحاري الرابع والعشرون
كتاب الزانية


صاح الناس بالشيخ إسماعيل لينزل

صاح الناس بالشيخ إسماعيل لينزل، ويقضي، فحملته على ظهري، ونزلت به، فإذا بنا وجهًا لوجه مع امرأة فائقة الجمال، تؤكد ما يقوله الناس عنها، والناس يقولون عنها زانية. طلب مني أن أصعد به ثانية إلى سدرة المنتهى ليحضر مفتاح باب العشق، فصعدت به لاهثا، ونزلت به لاهثا. فتح باب العشق وأدخل الكل منه، ودخلنا. اعترفت بفعل العشق مع غريب بإرادتها، والناس يؤكدون الجنون فيها، فليس بالعاقل من يقترف جريمة الهوى عن إرادة. ومن جديد قالت إنها بكامل قواها العقلية، وقد أصابت من فعلها اللذة. وقال الناس لا يمكن شيء آخر من وراء الشعور باللذة أن يكون غير الجنون، وطالبوا برجمها عقابًا لها، والمرأة تنفي، وتنفي، والمرأة تقول إنها أعقل النساء والرجال على حد سواء. أرادت من العشق ما أرادت، وأصابت من اللذة ما أصابت. والناس ينفون ما تنفيه، ويؤكدون ما يؤكدون. والمرأة تعود وتنفي ما يؤكدون، وتؤكد ما تؤكد.

أقر الشيخ إسماعيل بجنون المرأة، وعلى عكس ما يطالب به الناس، اعتبر رجم مجنون من المحرمات، فهو مجنون، يقدر على فعل ما لا يقدر عليه غيره، وترك المرأة تذهب، والمرأة قبل أن تذهب تؤكد ما أكدته، وتؤكد، وتنفي ما أكدوه، وتنفي.

قلت له، وأنا أحمله على ظهري:
- ولكنها اعترفت بأنها ارتكبت ما ارتكبته بكامل قواها العقلية.
- هذا لأنها مجنونة. أسمعت بأحد يسعى إلى العقاب بمحض اختياره؟
- لم أسمع.
- هذه حال كل امرأة محاصرة بإرادتها.
- تريد القول بغير إرادتها، بإرادة أبناء العم من فوق وأبناء الأب من تحت.
- قلت بإرادتها، والتي تصيب اللذة بفعل حصارها.

طلب مني أن آخذه إلى بيتها ليأتيني بالبرهان، فأخذته إليه. وجدناها عارية في قفص تحت عشيقها، وهي تطلق آهات اللذة. صفع العشيق، وطرده، وطلب مني أن أضعه بين فخذيها، فوضعته، ونكحها، وهي تعود وتطلق آهات اللذة، ثم وضعتُني بين فخذيها، ونكحتها بدوري، وهي في كل مرة تطلق آهات اللذة.


الكتاب الانتحاري الخامس والعشرون
كتاب العاهرة


جاءت عاهرة غزية من تل أبيب تقول إنها آمنت على يد صوت سماوي

جاءت عاهرة غزية من تل أبيب تقول إنها آمنت على يد صوت سماوي، وهي تريد من الشيخ إسماعيل أن يدخلها من باب الفضيلة. أمرني أن أصعد به إلى سدرة المنتهى ليأتي بالمفتاح، فصعدت به لاهثا، ونزلت به لاهثا. فتح لها باب الفضيلة، وتركها تختار حجابها المناسب. ونحن وحدنا، سألته إن كان يصدق ما تقوله العاهرة، فقال لا أصدق، ولكنها ليست بأحسن من غيرها، وهي على الأقل أزاحت عن فرجها عبء اليهود، ولن تقبل بعد اليوم إلا بمن يقبلها بشرفها أو بدون شرفها. قلت هذا موقفي، فهل أنا برأيه مثلها. قال إني مثلها، وإني ماخور ماركسي شريف. أزعلني ما قال، وذكرته بحملي إياه. قال عن حملي إياه تنفيذًا لحكم، وهذا أمر إلزامي. قلت إني على استعداد لأرمي سديروت بالصواريخ مثبتًا له ولائي الكامل، لكنه رفض، وأخبرني أنه ضدها، فما ذلك إلا من أجل السادية.

- من أجل المقاومة.
- من أجل السادية، ومن أجل اللذة العامة، ومن أجل سلطة الله.
- قل السلطة بكل بساطة.
- من أجل سلطة الله، ومن أجل حركتنا الجهادية المباركة.
- ومن أجل فرج عاهرة متدينة.
- هذا ما يجدر بنا التأكد منه.

دخلنا على العاهرة، وقد أتمت ارتداء حجابها، فصفعها الشيخ إسماعيل، وأمرها بالتعري لينكحها، وأنكحها بدوري، فرفضت أن تستجيب له. عاد يصفعها، ويحاول تقبيلها، ويحاول تمزيق ثوبها، ويحاول الكشف عن فخذيها، وهي تقاوم مثل لبؤة. وبعد أن أتعبته، وجعلته يلهث، التفت إلي، وقال لي:

- هذه العاهرة أشرف من كل نساء غزة.
- كيف تجرؤ؟
- أنا أهل القضاء، وأنا العالم بما تجهل.

قبلها من جبينها، وقال لها:
- مباركة أنت!



الكتاب الانتحاري السادس والعشرون
كتاب غشاء البكارة


طلب مني الشيخ إسماعيل أن أصعد به إلى سدرة المنتهى ثانية ليخبئ مفتاح باب الفضيلة

طلب مني الشيخ إسماعيل أن أصعد به إلى سدرة المنتهى ثانية ليخبئ مفتاح باب الفضيلة، فصعدت به لاهثا، ونزلت به لاهثا. ونحن عند قدم الشجرة، أتى رجلان، أحدهما يحمل كلبا، والآخر يحمل كلبة يقول عنها أفقدها الكلب غشاء البكارة. أمرني أن أصعد به إلى سدرة المنتهى من جديد ليحضر مفتاح باب العفة، فصعدت به لاهثا، ونزلت به لاهثا. فتح باب العفة، وترك الكلبة مع الكلب، وانتظر، وانتظرنا. بعد عدة ثوان، ثارت رغبة الكلب في الكلبة والكلبة في الكلب، فشهدنا على ما شهدنا. لم يحكم الشيخ إسماعيل لصالح صاحب الكلبة، وعلى العكس جعله يدفع غرامة لصاحب الكلب.

- ما هذا عدل، وعلى صاحب الكلب دفع الغرامة، قلت.
- الكلبة حامل، والكلب ليس رجلها الأول، قال.
- وكيف عرفت؟
- لهذا الرجل سر سنعرفه.

وطلب مني أن أحمله، وأصعد به إلى سدرة المنتهى ليعيد مفتاح باب العفة إلى مخبأه، فصعدت به لاهثا، ونزلت به لاهثا، ثم ذهبنا إلى بيت صاحب الكلبة، فلم يتفاجأ بحضورنا، وراح يحكي عن استعداده للموت في سبيل الحركة. سمعنا حركة من وراء باب، فأمرني أن أدفعه بقدمي، فدفعته بقدمي، فإذا بنا أمام مراهقة حبلى. سألها منذ متى وهي ما هي عليه، فقالت منذ اليوم الذي امتلأت فيه كلبتها.

- وهل هو أبوك؟

فلم تجب، وهي ترمي أباها بنظرات وجلى. جعلني أتقدم به من الأب، وراح به صفعًا وشتمًا إلى أن اعترف، فلم يحكم برجمه حتى الموت. طلب من البنت أن تتبعنا، وأنا صامت، حائر، لأنه لم يقل لي كيف عرف أن الكلبة حامل.

- لو لم تكن حاملاً لما دفع صاحبها الغرامة دون أن يفوه بكلمة.
- ولماذا إذن رفع شكواه؟
- لآتي إليه وآخذ البنت منه.
- هذا لا يمنع الفضيحة.
- الفضيحة لا تهمه بقدر مصير البنت.

ونحن على بعد خطوات سمعنا طلقات رصاص، فأتى الناس يجرون، ويقولون إن أحد الرجال قد استشهد.



الكتاب الانتحاري السابع والعشرون
كتاب الاغتيال


طلب مني الشيخ إسماعيل أن أركض به هربًا من نصل يسعى إلى اغتياله

طلب مني الشيخ إسماعيل أن أركض به هربًا من نصل يسعى إلى اغتياله، فأخذت أركض به على غير هدى، وأنا ألهث، وأضحك منه ساخرا، فمن ذا الذي يجرؤ على قتله، وهو أهل القضاء في البلد، واليهود من أبناء أعدائنا لا يمكنهم الوصول إليه؟ قال إنهم اليهود من أبناء جلدتنا، فمن أبناء جلدتنا من هو يهودي ومن هو نصراني ومن هو وثني ومن هو مسلم. ولما سألته عن السبب، قال لأنه الحليم. وأخذ يضربني في خاصرتي كي أضاعف من ركضي، وكأني الحصان الرجيم. ولم يكن أحد يتبعنا، والشوارع كانت خالية. تصبب من جبيني العرق، ولم يعد بإمكاني الإسراع، وضرب اللهاث صدري، فاضطررت إلى التوقف، وإذا بالعاهرة التي باركها الشيخ إسماعيل تنتصب فجأة أمامنا، وهي ترفع خنجرًا في قبضتها قبل أن تغرسه في عنق من أحمله على ظهري صائحة: الله أكبر!

بهرني الفعل، وأعشاني الدم، فتركت الجسد يزلق عن ظهري، ويرتطم بالأرض. جاءت ثلة من ملتحي الحركة في سيارة، وتأكدوا بأقدامهم من موته. بصقوا عليه، وومضوا كالبرق قبل أن يمضوا.



الكتاب الانتحاري الثامن والعشرون
كتاب الصخرة


حملت صخرة بعدما تعودت على حمل الشيخ إسماعيل على ظهري

حملت صخرة بعدما تعودت على حمل الشيخ إسماعيل على ظهري، ورحت أسير بها من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان، وأنا ألهث تحت ثقلها. أتاني الناس لأحكم بينهم بعد أن ورثت مفاتيح أبواب القضاء عن شيخي، فأخذت أصعد لاهثًا إلى سدرة المنتهى، والصخرة على ظهري، لأحضر هذا المفتاح أو ذاك، وأنزل لاهثا. وعندما كان يراني الناس، وأنا أرزح تحت وطأة الحجر، كانوا يزدادون بي ثقة، وكان بعضهم يضعني في مرتبة النبي أو القديس.

في ذلك اليوم، لم أتوقف عن الصعود بصخرتي لاهثًا والنزول لاهثًا من أجل إحضار مفتاح باب الأمانة وإرجاعه، وفي كل مرة كنت أحكم ظلمًا لأبعد عني مصير الشيخ الذي علمني ما لا أعلم وعلمه ما لا يعلم بعد فوات الأوان. كنت أقضي بقطع يد الأمين، وأترك يد اللص، وإذا داوم على الأمانة كنت أقضي بقطع قدمه، أما المخلص لزوجه، فيرجم، والمخلص للوطن، فيصلب. لهذا غدا الكل لصا، وغدا الكل خائنا. انقلبت المعايير، واختلفت الشرائع. أخذت الشمس تصعد من الشرق كما تصعد دوما، فيقول الناس تصعد من الغرب، والقمر يصعد من القلب كما يصعد دوما، فيقول الناس لا يصعد ولا ينزل، يبقي ثابتًا ثبات الصخرة على ظهري. ولم يكن كل هذا ليكون لولا استعداد أهل غزة الدائم ليعيشوا الأسوأ، كانوا هم احتلال أنفسهم، وهم قمع أنفسهم، وهم جوع أنفسهم. كانوا قوة التأخر، وثورة التخلف، وصخرة الوقت. كانت لكل واحد صخرة على طريقته، وكانوا صخرة أنفسهم.




الكتاب الانتحاري التاسع والعشرون
كتاب التاكسي


وبينا كنت أحمل صخرتي على ظهري لاهثًا هائمًا في الطرقات

وبينا كنت أحمل صخرتي على ظهري لاهثًا هائمًا في الطرقات، توقف لي تاكسي، وطلب مني السائق أن أركب ليوصلني إلى حيث أريد الذهاب، فلا أحد يأخذ تاكسي في غزة لصعوبة الأحوال، وهو يريد أن يحرق آخر ما تبقى له من ذهب أسود بأجر من عند الله. قلت ليس لي أين أذهب، فقال اركب، أرض الله واسعة حتى في القطاع.

وضعت الصخرة في الصندوق، وصعدت إلى جانب السائق. تركته يتكلم عن الله وعن لحى الله وعن جوع الله وعن صواريخ الله وعن دبابات الله وعن حصار الله وعن تحرير الله وعن زنى الله وعن فساد الله وعن عرب الله وعن بغال الله وعن حكام الله وعن موت الله... وتركتني ألتفت من حولي، فأرى البيوت التي هدمتها الدبابات، والأشلاء الدامية، والنساء النائحة، والأطفال الجوعى، والأعلام المحترقة، أعلام أمريكية وأخرى إسرائيلية وأخرى على الأخرى مصرية، والسيارات المفخخة، والأفراد الفتحويين الذين يُعْدَمون رميًا بالرصاص، والآكلين للجرذان، والآكلين للأعشاب، والآكلين للحيتان، والآكلين للشيطان... ثم وصلت أذني أصوات طبول ودفوف، وما لبثتُ أن رأيت عروسين بين جمع يرفعون أعلام الحركة الجهادية المباركة قبل أن يركبا سيارة مرسيدس تبرق لجدتها، ولحى الله تقصف السماء ببنادق الله. كانت المرسيدس تأتي باتجاهنا في اللحظة التي انفجرت فيها عجلتا التاكسي الخلفية لثقل الصخرة التي في الصندوق، فلف لفتين، وجمد في عرض الطريق. جاء سائق العروسين الملتحي يجري، وهو يزبد ويرغي، يريد أن يتدبر سائق التاكسي أمره ليمضي، فلم يتدبر أمره، وسيارته بقيت رابضة كالجبل لم تشأ التحرك، ولم تشأ للآخر أن يمضي. أخرج الملتحي مسدسه من القِراب، وأفرغه في رأسه. كانت سيارة مرسيدس ثانية قد جاءت من الناحية الأخرى، فركبها أسعد عروسين على وجه الأرض، ودقت الزغاريد أبواب سدرة المنتهى.



الكتاب الانتحاري الثلاثون
كتاب الصرخة


أخذت أصرخ صراخ من أصابه مس من جنون

أخذت أصرخ صراخ من أصابه مس من جنون، ورأس السائق المدمى في حضني، فطغى صراخي على أصوات الدفوف والطبول، وجمد الناس ذاهلين قبل أن يرموا عن ظهورهم الصخر، ويتحرر صوت جنونهم. راحوا يصرخون، فتهدمت الجدران الشائخة، وهدر البحر، وفاض. ضربني الملتحون على صدغي، وأغرقوني في دمي، لكن الناس ظلوا يصرخون حتى تمزقت حناجرهم، فتهدمت الجدران الشائنة، وابتلع البحر يافا وحيفا.



الكتابة الأولى شتاء 1988
الكتابة الأخيرة يوم السبت الموافق 2008.12.27



أعمال أفنان القاسم

المجموعات القصصية

1) الأعشاش المهدومة 1969
2) الذئاب والزيتون 1974
3) الاغتراب 1976
4) حلمحقيقي 1981
5) كتب وأسفار 1988
6) الخيول حزينة دومًا 1995

الأعمال الروائية

7) الكناري 1967
8) القمر الهاتك 1969
9) اسكندر الجفناوي 1970
10) العجوز 1971
11) النقيض 1972
12) الباشا 1973
13) الشوارع 1974
14) المسار 1975
15) العصافير لا تموت من الجليد 1978
16) مدام حرب 1979
17) تراجيديات 1987
18) موسى وجولييت 1990
19) أربعون يوما بانتظار الرئيس 1991
20) لؤلؤة الاسكندرية 1993
21) شارع الغاردنز 1994
22) باريس 1994
23) مدام ميرابيل 1995
24) الحياة والمغامرات الغريبة لجون روبنسون 1995
25) أبو بكر الآشي 1996
26) ماري تذهب إلى حي بيلفيل 1999
27) بيروت تل أبيب 2000
28) بستان الشلالات 2001
29) فندق شارون 2003
30) عساكر 2003
31) وصول غودو 2010
32) الشيخ والحاسوب 2011

الأعمال المسرحية النثرية

33) مأساة الثريا 1976
34) سقوط جوبتر 1977
35) ابنة روما 1978

الأعمال الشعرية

36) أنفاس (مجموعة قصائد أولى – ثلاثة أجزاء) 1966
37) العاصيات (مسرحية شعرية) 1967
38) المواطئ المحرمة (مسرحية شعرية) 1968
39) فلسطين الشر (مسرحية شعرية) 2001
40) الأخرق (مسرحية شعرية) 2002
41) غرافيتي (مجموعة قصائد فرنسية) 2009
42) غرب (ملحمة فرنسية) 2010
43) البرابرة (مجموعة قصائد أخيرة) 2008 – 2010

الدراسات

44) البنية الروائية لمصير الشعب الفلسطيني عند غسان كنفاني 1975
45) البطل السلبي في القصة العربية المعاصرة عبد الرحمن مجيد الربيعي
نموذجًا (جزءان) 1983
46) موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح 1984
47) البنية الشعرية والبنية الملحمية عند محمود درويش 1984
48) نصوص خاضعة للبنيوية 1985 – 1995
49) دفاعًا عن الشعب الفلسطيني 2004
50) خطتي للسلام 2004

ramus105@yahoo.fr



في فصول قصيرة تبلغ التسعين، يكر الخيط اللامرئي للألم وللقلق، من العالم الأسروي إلى عالم المجتمع بأسره، من الأصول الميثية التي تُعاد صياغتها إلى الفروع الانتحارية التي يُرى إليها من أعين أصحابها، وذلك على إيقاع ساحر لصلوات تختلط فيها التمزقات وأضواء الأمل. أما إذا ما استدعى المؤلف إسحق، يعقوب، أو إبراهيم، فلكي يندد أفضل ما يكون التنديد بأولئك الذين، أمس واليوم، يعملون على تشويه الأساطير الدينية لأجل غايات سياسية مبررين هكذا ظمأ السلطة لديهم والتربع على العقول.

ضحايا المنفى، ضحايا اليأس، ضحايا حقد مصان بعناية من طرف المناورات والتلاعبات السياسية، هؤلاء هم الشخوص الذين يرصعون هذا النص، والذي قسمه الأخير "كتب انتحارية" ولد لحاجة المؤلف إلى تحليل موجات العنف التي هزت منطقته، ثمانية عشر عامًا بعد صدور الطبعة الأولى.

مع كتب وأسفار يوقع أفنان القاسم قطعته الأساسية في كافة أعماله.



* أفنان القاسم من مواليد يافا 1944 عائلته من برقة قضاء نابلس له خمسون عملاً بين رواية ومجموعة قصصية ومسرحية ومجموعة شعرية ودراسة أدبية أو سياسية تم نشر معظمها في عواصم العالم العربي وتُرجم منها اثنان وثلاثون كتابًا إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية، دكتور دولة ودكتور حلقة ثالثة من جامعة السوربون ودكتور فخري من جامعة برلين، أستاذ متقاعد عمل سابقًا في جامعة السوربون ومعهد العلوم السياسية في باريس والمدرسة المركزية الفرنسية وجامعة مراكش وجامعة الزيتونة في عمان والجامعة الأردنية، تُدرّس بعض أعماله في إفريقيا السوداء وفي الكيبيك وفي إسبانيا وفي فرنسا...






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,582,466,694
- الذئاب والزيتون
- أم الجميع ابنة روما
- أم الجميع سقوط جوبتر
- أم الجميع مأساة الثريا
- الاغتراب
- الكناري
- الشوارع
- إسكندر الجفناوي
- مدام حرب
- النقيض
- شارع الغاردنز
- لؤلؤة الاسكندرية
- باريس
- بيكاسو
- قل لنا ماذا ترى في حالنا؟
- القدس
- الشعراء
- البرابرة
- الأخرق
- الباشا رواية النكبة الأولى


المزيد.....


- إبراهيم الوائلي / سعيد عدنان
- شتاء الفيل / ماجد الشمري
- سمراء / جابر السوداني
- قصص في ثوانٍ / نهار حسب الله
- المصطبة / فريد الحبوب
- قصيدة هذه بغداد مع الموسيقى / سوسن سيف
- ( حيرى على جُنح الضباب) / هشام المعلم
- بائع هوى سياسي / رائد شما
- محمود شقير في مديح مرايا البلاد / جميل السلحوت
- قصائد صغيرة لها في غربتها / علي فرحان


المزيد.....

- السينما الايرانية تخطف بريق مهرجان تورنتو الكندي
- مهرجان سلا.. سفر سينمائي في عوالم المرأة
- «أوبرا الإسكندرية» تستضيف حفلا لإحياء الذكرى الـ33 لرحيل «ال ...
- بالفيديو ..الفيلم الصامت " برسوم يبحث عن وظيفة " .. البداية ...
- الثقافة تدعو إلى تنفيذ خطة التعاقدات الإستثمارية
- الثقافة: أسبوع الآثار العراقية تقليد سنوي في لبنان
- كاريكاتير أسامة علي
- الموت يُغيب التشكيلي -خلف طايع- بعد صراع مع المرض
- هشام ماجد: لا تتهمونا بالإساءة للرموز.. وأطالب سماح أنور بمش ...
- ضائعون في الترجمة


المزيد.....

- ديوان شعر مكابدات السندباد / د.رمضان الصباغ
- رواية -الصراصير- محمد عبد الله البيتاوي / رائد الحواري
- رواية -شهاب- صافي صافي / رائد الحواري
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- قلم وفنجان / بشرى رسوان
- جملة في تبجيل الفنان وردي / جابر حسين
- ما بعد الجنون / بشرى رسوان
- تياترو / ايفان الدراجي
- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أفنان القاسم - كتب وأسفار