أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طاها يحيا - المختلف فائز الحداد والمبدع فائق الربيعي















المزيد.....

المختلف فائز الحداد والمبدع فائق الربيعي


طاها يحيا

الحوار المتمدن-العدد: 3591 - 2011 / 12 / 29 - 15:54
المحور: الادب والفن
    


ربتما.. سيظن بعض من يتوقفون عند العنوان، إنني قصدت منه، تناول إبداع يوسف الصائغ المختلف، وهذا مما يخطر في ذهن من عرف الصائغ مبدعاً، ومثل هذا الخاطر لا يمكن إلاّ أن يتحرك قريباً من أصابع من يريد الكتابة عنه، إذا لم يكن بمنأى عن الاختلاف في جملة ما أبدع.
لكن قبل أن نتناول المختلف المبدع، في تجاوز للمبدع المختلف، وهو في إبداعه المختلف، يصدر عن المختلف المشاكس، لابد من وقفة عند المبدع، وهو الذي شكَّل ظاهرة إبداعية استئنائية، انفتحت على التعدد في إنتاجه الثقافي، فهو الشاعر والروائي والمقالي وكاتب العمود الصحافي والمسرحية، وهو الرسام والناقد التشكيلي والأكاديمي، وفي كل جنس أدبي وغير ذلك مما ذكرنا، كان له حضوره، بل لطالما تجاوزها إلى أخرى غيرها.
لقد اقترن تعدد الإبداع الثقافي بأسماء معروفة في الماضي والحاضر، عربية وأجنبية، من أبي العلاء المعري ولسان الدين بن الخطيب وإبن حزم، إلى جبران خليل جبران والعقاد وجبرا إبراهيم جبرا وغير هؤلاء وأولئك، وكذلك عمر الخيام وهوغو ولوركا وإزرا باوند وباسترناك وسواهم.
ومن بين من ذكرت من مبدعين كبار، عرفوا بتعدد إبداعهم الثقافي، يظل جبرا ابراهيم جبرا، الأقرب إلى ما كان عليه يوسف الصائغ، على هذا الصعيد، لكن لو قارنّا بين هذين المبدعين الكبيرين، في ما أنتجا من فنون القول والتشكيل واعتمدنا في المقارنة موقفاً موضوعياً، لا دخل للهوى فيه، لكان الصائغ أجدر بهذا الوصف، رغم إن جبرا قد تهيّأ له من أسباب المعرفة ومصادر الثقافة ما لم يتهيّأ للصائغ، في الدرس الأكاديمي واللغة والسفر، ومن استقرار عائلي ووظيفي ومحيط اجتماعي وكذلك في التحرر من ضغوط العمل السياسي والتزاماته ومحدداته، في مرحلة كان تأثيرها على حرية الإبداع أشد بكثير من تأثير الآخر، لأن الآخر يمكن تجاوزه وتحمّل ما يصدر عنه.
لقد كان إبداع يوسف الصائغ، في حالة اشتباك مع ما كان فيه من التزام سياسي (شيوعبعثي)، ومما كان يؤَّزم هذا الاشتباك، اعتداد بالنفس لطالما عبر عنه بما يمكن وصفه بالشراسة، وفيضٌ من الإبداع، لا حدود له، ليس في التعدد الذي أشرنا إليه فحسب، إنما في تعدد آخر، يشتغل عبر تجاوز الشائع والمعروف والثابت والمتحقق، وقد التقيت به للمرة الأولى عام 1962م، وكان ذلك في بيت شقيقته، بمدينة الحلة، في حي بابل الذي كان حديثاً أيامذاك، وكان زوجها موظفاً مصرفياً، وأظن إن الصائغ كان قد نقل من مدينة الموصل إلى الحلة لأسباب سياسية، وعمل مدرساً في إحدى مدارسها.
وقبل هذا اللقاء، كنت قد قرأت له نصّاً مختلفاً في مجلة شعر البيروتية، فحاولت أن أوجه الحديث باتجاه معرفة دوافع كتابة ذلك النص المختلف، بكل معايير المرحلة، فنياً وفكرياً، بيد أنه لم يتحدث عنه، وحال دون مواصلة الحديث باتجاه ما كنت أريد، قوله: هكذا خطر لي أن أكتبه، ثم دار حديث لم يكن الشعر من مفرداته.
بعد أكثر من أربعة عقود، كان لقاؤنا الأخير في عمّان، حيث أقمت منذ احتلال بغداد بين نيسان 2003 - كانون الأول 2011م، أما هو فقد كان في طريقه الى دمشق ليقيم فيها، ماراً بعمان، بدعوة من الفنان العراقي هيثم فتح الله، ورغم إن وضعه الصحي في تراجع خطير، حتى ليدرك كل من يراه، إنه لن يعيش طويلاً، غير أنه كان يتحدّث عن مشاريع إبداعية أنجزها وأخرى يفكر بإنجازها، ولم يتوقف حتى الأيام الأخيرة من حياته عن مواصلة حلمه الإبداعي.
إن ما ميّز يوسف الصائغ، ليس تعددية الإبداع، فحسب، هذه التعددية التي اقترنت بأسماء كثيرة، عربية وأجنبية، في الماضي والحاضر، كما أشرت إلى ذلك من قبل، بل في كون تعددية الصائغ، لم تظهر في سياقات مرحلية محددة، وظلَّ يمارس الرسم مثلاً، من دون أن ينقطع عن كتابة الشعر، وحين كتب رواياته لم تبعده عن سواها من أجناس الكتابة، وغير الكتابة أيضاً.
وهو وقد اتسمت حياته بكثير من عدم الاستقرار، إلى حد الفوضى أحياناً، إلاّ أن عدم الاستقرار وما رافقه من فوضى، ما أبعداه عن التواصل في منجزه الإبداعي، حتى ليبدو أحياناً، إنه مجموعة مبدعين في واحد، وإن ورشته الإبداعية شكلت باستمرار مفاجأة للذين عرفوه عن كثب أكثر من الذين لم يعرفوه.
وهو في عمله الثقافي ـ الإبداعي من النادر أن كرر ما أنجز من قبل، ليس على صعيد الأفكار والقضايا التي تناولها، وإنما في جملة البنى الفنية ومصادرها ومكوناتها، فإذا توقفنا عند الشعر مثلاً،وجدنا إنه في رياح بني مازن غيره في سيدة التفاحات الأربع في اللغة والتقنية، وكذلك كان في ما كتب من روايات أو مسرحيات، وفي تحولاته التشكيلية، خاصة في ما استعمل من مواد عمله التشكيلي، ويبدو لي ان السمة التجريبية التي رافقت عمله الثقافي- الإبداعي، وشكلّت مقومات تجربته وشخصيته الإبداعية معاً، هي صدى لتكوينه الشخصي، فهو الذاتي المختلف والمتمرد الملول، وإذا كان قد عبّر عن ذاتيته بالاختلاف، فقد كرّس الذات والاختلاف في تمردٍ ليس على الشائع والمألوف والمتفق عليه، بل على ما تمّ إنجازه وصار له من الحضور ما يلفت النظر إليه، ويجمع حوله من يعجب به، فإن دار الحديث عن شاعر أو روائي أو تشكيلي، عربي أو اجنبي، قديم أو معاصر، كانت مشاركة الصائغ في الإشارة إلى ما هو غير متفق عليه، من نصوص أو مراحل أو شواخص.
ولطالما لفت نظر أصدقائه إلى مبدع، لم يلفت إليه النظر بعد، أو إلى عمل لمبدع معروف ذي اسم ومنجز راسخ، لم يعرف ذلك العمل بعد، كأن لم ينشره إذا كان نصاً ولم يعرضه إن كان عملاً تشكيلياً، وقد يكتب عنهما ويبشر بهما، المبدع الذي لم يلفت إليه النظر بعد، وعمل مبدع لم يعرف ذلك العمل بعد، فإن التفت الآخرون إلى ذلك المبدع، انصرف هو عنه، فيختار الصمت حين يتعلق الأمر بمنجزه، أو يتحدّث عما ينبغي أن يضيف إلى ما أنجز من قبل، حيث يصبح منجز الأمس مسكوتاً عنه، وقد ينصرف عن هذه وتلك وبكون الحاضر هو الشخص، صديقاً أو خصماً، وكثيرون هم الذين تغيّرت علاقته بهم، فيتحوّل الصديق إلى خصم، فهو كثير الأصدقاء ومعظم الذين عرفت من أصدقائه، كانوا من رهط المبدعين، وما كان قليل الخصوم وحين أتحدّث عن صداقاته وخصوماته، لا أتحدث عن صداقات وخصومات المحيط السياسي، أي محيط سياسي، حيث تكون الخصومة مجانية في كثير من الأحيان، وتكون الصداقات، ليست صداقات، في كثير من الأحيان ايضاً.
لذا، كان من سمات المختلف فيه، إنه لم يمد محددات الالتزام السياسي إلى ما اختار من أصدقاء، فقد ارتبط باصدقاء، في مراحل كان الاختلاف السياسي يجعل منه استثناءً، وتواصلت علاقاته بهم، من غير مجاملة منهم او منه.
إنني أتحدث عن أصدقاء مثقفين، شعراء وكتاب ورسامين وصحافيين وأكاديميين، إذ لم أعرف أصدقاء له من خارج المحيط الثقافي، لكنني عرفت غير واحد ممن ينتقصونه سياسياً ولكنهم لا ينتقصون فيه المبدع، وهذا ما يقودني إلى التساؤل، هل كان الصائغ المبدع أكبر من الصائغ السياسي، إن كان يمكن أن يكون سياسياً، هو الذي برر حضور الصائغ المختلف، إبداعيا واجتماعياً وسياسياً أيضا؟!
إن العلاقة الملتبسة بين السياسة في مركزيتها (شيوعبعثي) والإبداع في انفتاحه، كانت مثار إشكالية لم تدركها المركزية السياسية (شيوعبعثي) رغم كل تجاربها المريرة، فالإبداع في انفتاحه وتمرده ومشاكسته وآفاقه التجريبية، هو الفعل المؤهل لأن يفتح المركزية على أفق أوسع، ولكن المركزيات، جميع المركزيات، تتشبث بانغلاقها وتجد كل ما ينفتح بعيداً عن حدودها الضيقة، مخالفاً وملعوناً وخارجاً على تقاليد القبيلة، لذا فإن مواصفات المركزيات، جميع المركزيات، نظرية ودينية واجتماعية لم تنجح في إبقاء الإبداع الصادر عن مواهب حقيقية وكبيرة، داخل الحدود التي تفترضها أو تفرضها، حتى في حال اضطرار الإبداع إلى خوض معركة ما على أرض مركزية ما، وظن دهاقنة المركزية، إنهم نجحوا في تدجينه ومنحه نسبهم، لكن هذا التوافق لن يدوم حتى وإن طال، فمن ثم سينتهي الى فراق، فالغابات لا تكون داخل الأقفاص الزجاجية، ولهذا طالما اضطرت المركزيات الى ما يمكن وصفه بالتبني، حيث تتبنى مواهب صغيرة وضامرة وتضعها في أصص كما شتلات الزينة، وتحيطها بأضواء تتوهم وتوهمها في آن، إنها صادرة عنها.
إن العلاقة بين الإبداع والمركزية، ما كانت ولن تكون على قاعدة ما لقيصر لقيصر وما لله لله، بل على واقع، إن الإبداع خارج أي نوع من أنواع المحاصصة، فهو نتاج المطلق التاريخي الجمالي ولن يكون إلاّ حصة المطلق التاريخي الجمالي، وهذا الذي ذهبت إليه، ليس اقتراحاً نظرياً، بل هو وصف لواقع، كان في الماضي وكائن في الحاضر، وربما سيكون في المستقبل.
وحين يكون لا حدود لمتغيرات الإبداع، وليس من سمة أو سمات نهائية له، في كل مفردات مكوناته، فكيف له ان يتواءم مع اشتراطات مركزية، وأنىّ له أن يقيم داخل حدودها؟ فهل كان يوسف الصائغ في ما كان يعيش من ملل، وما يبحث عنه من جديد في الإبداع، يصدر عن وعي يضيق بالمركزية (شيوعبعثي)، وعن رفض للتمركز (شيوعبعثي)، هو الذي جعل منه باحثاً ومبشراً، بالتجارب الجديدة والمختلفة، في الاشخاص وما ينتجون؟
فمذ عرفته، كان هاجسه، التبشير بالجديد والمختلف، وحث الذين توقفوا عند ثوابت فنية إلى تجاوزها وهذا الموقف ظلّ يعبر عنه، بتبني كل إبداع شاب وإطلاق كل موهبة لم تتوفر لها فرصة انطلاق، حتى إن كان صاحبها قد تجاوز سن الكهولة إلى الهرم الآن كعمر الكان الصهيوني والثورة الماوية عامي 1948-1949م وبلغ من العمر عتيا، وكان يتصيد الموهوبين الذين اضطروا للابتعاد والصمت والانطواء ليعيدهم إلى المجال الحيوي للإبداع، وقد شهدت ذلك عن كثب في الأعوام التي عملنا فيها معاً في صحيفة الإنقلابثورة ، وكأن حرصه على ألا يكون بعيداً عن الصحافة مقترن بهذا الدور، حتى في وقت كان فيه رهين بيته أو كان في وظائف أخرى، فقد وجد من السبل والوسائل التي من خلالها، يوصل ما يريد إيصاله الى صفحاتها.
وعندي، وهو انطباع شخصي، أتحمل مسؤوليته، إنه في جميع الحالات التي أشرت إليها وتحدثت عنها، لا يصدر عن موقف أخلاقي او إحساس بروح العدالة، بل كان يصدر عن انتماء للحياة، فيه من الفرادة بقدر ما فيه من انحياز للجمال والإبداع، أو كأنه يرى الحياة في الإبداع أكثر جمالاً وأكثر استحقاقاً في أن يعيشها، ومما يجعل هذا الانطباع قريباً من الواقع، كونه مع كل اكتشاف على صعيد ما هو إبداعي، ينصرف عنه حين يتأكد من تماسه مع حال الحضور، ليبحث عن اكتشاف آخر أو مشروع آخر.
في آخر لقاءاتنا بعمّان، وقد اشرت إليه من قبل، لم يكن يوسف في وارد زيارة مدينة عربية ولم يفصح عن حرص ليلتقي بأصدقاء، بل كان مشغولاً بتأمين آخر ما أنجز من تخطيطات وأن يضعها لدى من يأتمنه عليها، وكان قد اختار الفنان هيثم فتح الله، وأوصاه بها، وكان قد أطلعني عليها في بغداد، قبل احتلالها بين نيسان 2003 - كانون الأول 2011م، ولا أتذكر أنه ابدى خوفاً أو حرصاً عليها، كالذي أبداه إبان وجوده في عمّان، ربما بسبب إحساسه بقرب نهايته، وحسناً فعل، حين وضعها حيث ينبغي أن تكون، وأمّنها لدى محب أمين.
لقد رحل يوسف الصائغ.. وما عرف الرضا، فكان المختلف المبدع وبالاختلاف والإبداع واجه العالم الذي كان فيه.
هذا نص.. مقدمة لكتاب يوسف الصائغ..
تخطيطات وأفكار بصوت عال شارك في تحريره عصبة من الكتاب، وسيصدر قريباً في عمان.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,272,108,429


المزيد.....




- كازاخستانية تفوز بـ -أفضل ممثلة- في مهرجان هونغ كونغ السينما ...
- -حاصر حصارك- إضاءة على ظلّ محمود درويش
- -دفتر سنة نوبل-... ذكريات ساراماغو في كتاب
- سيد درويش: صوت ثورة 1919 الذي أشعل حماس الجماهير في مصر
- اللجنة الفنية السعودية المصرية تبحث سبل تعزيز التعاون الفني ...
- العثماني يجري مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدول ...
- رئيس جمعية الصحفيين البحرينية: سأحارب من أجل المسرحين... ولن ...
- شريف الدسوقي يحكي لـ-سبوتنيك- قصة نجاحه في فيلم -ليل خارجي- ...
- رئيس الحكومة يستقبل أمانة الاتحاد الدولي لنقابات العمال العر ...
- الثقافة تقيم حفل النسخة الرابعة لجائزة الإبداع – بغداد – طه ...


المزيد.....

- مدين للصدفة / جمال الموساوي
- جينوم الشعر العمودي و الحر / مصطفى عليوي كاظم
- الرواية العربية و تداخل الأجناس الأدبية / حسن ابراهيمي
- رواية -عواصم السماء- / عادل صوما
- أفول الماهية الكبرى / السعيد عبدالغني
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- مدينة بلا إله / صادق العلي
- ليلة مومس / تامة / منير الكلداني
- رواية ليتنى لم أكن داياڨ-;-ورا / إيمى الأشقر
- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طاها يحيا - المختلف فائز الحداد والمبدع فائق الربيعي