أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد السينو - الإرهاب في الفكر السياسي الاسلامي- الاسلام السياسي-















المزيد.....


الإرهاب في الفكر السياسي الاسلامي- الاسلام السياسي-


محمد السينو

الحوار المتمدن-العدد: 3470 - 2011 / 8 / 28 - 01:59
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن اقتران تسمية الإرهاب في السنوات الأخيرة بالإسلام هو بحد ذاته ظاهرة مثيرة للالتباس الفكري والعقائدي والديني والثقافي. والأعقد من ذلك التباسها السياسي. فمن الناحية الفكرية لا يعقل ارتباط الإسلام بالإرهاب وذلك لتعارضهما الجوهري من حيث المقدمات والغايات. واقصد بالإسلام هنا الصيغة الأولية التي يشكل القرآن والسيرة النبوية الفعلية نموذجهما النظري والعملي. وهي نماذج كانت تستمد مقوماتهما من التقاليد العربية "الجاهلية" التي كانت تحتقر فكرة وأسلوب الغيلة (الاغتيال). وهو السبب الذي يفسر سهولة اغتيال الخلفاء عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب. فقد كان كل منهما متربيا بتقاليد العرب وروح الاسلام الأول اللذين يتنافيان بصورة تامة مع فكرة الاغتيال. فالفروسية والمواجهة المباشرة هي الصفة التي كانت تتطابق مع نموذج المروءة العربية. ومنها سوف تظهر في وقت لاحق فكرة وممارسة الفتوة والفتيان، بما في ذلك الصوفية.
إن التناقض التام بين مضمون الفكرة الإسلامية الأولية ونماذجها العلمية في السيرة النبوية وأعلام وأئمة الاسلام التاريخي مع ممارسة الإرهاب جلي للغاية. آلا انه جلاء يتحول إلى معضلة عصية على الفهم حالما يجري نقله إلى ميدان الحياة السياسية. حيث تتحول فكرة "الإرهاب" الإسلامية (إرهاب أعداء الله والعدو)، إلى شعار أعمى. فقد كانت العبارة الإسلامية بهذا الصدد تعني أولا وقبل كل شئ مواجهة الخصم بمعايير الحق. أما مضمونها العملي فقد كان يصب في اتجاه رفع معنوية الروح الأخلاقي عند المسلمين في القتال. بمعنى أنها الفكرة النظرية والعملية الساعية لتنقية وتقوية الروح الأخلاقي وزجه للفعل بمعايير الحق. ومن ثم لا علاقة للإرهاب بالمعنى المعاصر بمضمون الفكرة الإسلامية الآنفة الذكر. فالعداء والعدو من وجهة النظر الإسلامية هي ليست فكرة أبدية. والأولوية والجوهرية في الاسلام للسلام والرحمة المقرونة بمعايير الحق والعدالة. وهي قيم تفترض المواجهة العلنية للنفس والآخرين بما في ذلك "الأعداء" وليس من خلال التخطيط المتمرس بنفسية وذهنية الغيلة والاغتيال. وذلك لما في هذه النفسية والذهنية من تراكم للرذيلة، وبالأخص الجبن وانعدام المروءة.
إننا نعثر في ممارسة الإرهاب، أي القتل المجاني للأبرياء ممارسة تشير أولا وقبل كل شئ إلى تشوه في الإيمان واعوجاج في الرؤية. وخطورتها الكبرى تقوم في أنها تجمع بين "الإيمان" وزيغ البصيرة في الأفعال "السياسية" مما يجعل منها مشكلة غاية في التعقيد. فهي المشكلة التي تجمع في ذاتها تشوه النفسية والذهنية والواقع والتاريخ. وذلك لان رفع الإرهاب إلى مصاف العقيدة المقدسة هو ليس ابتذالا لفكرة المقدس والإيمان، بل وانحطاطا رهيبا للدين والعقائد والواقع. وهو الأمر الذي يجعل من محاربة "الإرهاب الإسلامي" مهمة إسلامية في الدرجة الأولى من اجل مطابقة حقيقة الاسلام مع ذاته في مجال العلم والعمل. بمعنى مواجهة التشوه النفسي والذهني المجسدين في ممارسات الإرهاب من خلال تأسيس الفكرة القائلة بأن الاسلام والسلام توأمان لحقيقة الدين. وهو تأسيس يفترض بدوره مواجهة أساليب الصراع والمواجهة للنفس والخصوم والأعداء بطريقة ترتقي إلى إدراك الضرورات في العالم المعاصر.
إن تأسيس المواجهة النظرية والعملية "للإرهاب الإسلامي" يفترض استكماله بمواجهة التاريخ والواقع. وهي مواجهة ممكنة من خلال سحب حق تمثيل "التاريخ المقدس" من جانب القوى الاجتماعية والسياسية الهامشية. وهي مهمة ممكنة التحقيق من خلال تذليل نفسية وذهنية الراديكالية السياسية. ولا طريق لها غير الإصلاح الفعلي والشامل الذي يضمن إمكانية بناء الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية.

فالإرهاب في الإطار العام ظاهرة مرتبطة أما بحالة مرضية عميقة للمجتمع والدولة والثقافة، أي بأزمة بنيوية شاملة، أو بخلل طارئ في أوزان الوجود الدولتي والسياسي والاجتماعي والثقافي. وعندما ننظر إلى واقع العالم العربي والإسلامي المعاصر، بوصفه أحد اكبر "المصدرين" الفعليين للإرهاب، فإننا نرى بوضوح تداخل وتضافر الأزمة البنيوية الشاملة والخلل الفعلي في أوزان وجودهما. من هنا استحالة القضاء على الإرهاب بوصفه مسخ جديد للإيمان المتعصب والذهنية العوجاء دون حل العقدة الجذرية له في بنية الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة.

تكشف التجارب التاريخية للأمم والدول جميعا عن استحالة القضاء على الإرهاب وتذليل آثاره دون رؤية عقلانية وسياسة واقعية مبنية على أساس القانون والحق والعدالة. وهو أمر يفترض أولا وقبل كل شئ تحرير الدولة والمجتمع من مختلف صيغ الغلو السياسي والأيديولوجي، وأساليب ولغة العنف (السائدة في وسائل الإعلام مثل السحق والتدمير والتصفية والتحييد والتطهير وما شابه ذلك)، لأنها تؤدي على المدى القريب والبعيد إلى إنتاج هذه المعاني في السلوك الفردي والاجتماعي. وكذلك محاربة الإرهاب من خلال التركيز على أولوية الوسائل الحقوقية، من اجل تحرير هذه الوسائل من خدمة الغايات الضيقة للأحزاب والأفراد على السواء. إضافة إلى ضرورة استناد الدولة إلى فلسفة دنيوية وقيم جامعة ذات أبعاد وطنية – حكومية - إنسانية مهمتها خدمة المجتمع المدني وتوسيع وتعميق آليات فعله. وأخيرا وضع هذه الأفكار في أساس الدعاية والإعلام، من خلال صياغة نظام مرن للحقيقة يستجيب للحاجة العملية الصحيحة، وبما يتناسب مع التاريخ القومي والثقافة القومية.

إن ذلك يخلص الدولة والمجتمع والثقافة من الوقوع في مغالطات الزمن وينقلهما إلى مصاف التاريخ الفعلي بوصفه إدراكا وتراكما لوعي الذات، ومن ثم يخلصهم جميعا من شرك الإنتاج الدائم "للأوهام المقدسة". حينذاك يمكن تجفيف ينابيع الشر الاجتماعي والأخلاقي والروحي للإرهاب وتحرير الإيمان من أن يكون فريسة البصيرة الخربة. وليس اعتباطا أن قيل قديما "العمى اقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء". فالأعمى يتمسك بعصا ترشده في الطريق بينما البصيرة المصابة بالحول عادة ما تتداخل الأشياء والألوان فيها بالشكل الذي يجعلها ترى الجميل قبيحا والقبيح جميلا. وهي رؤية لا يريدها الله ولا البشر الأسوياء ولا الحمير أيضا!
إن كل متتبع لوسائل الدعاية والإعلام يلاحظ الفيض الهائل من الأخبار التي تحاصر المرء بسيل من "المعلومات" ذات الصلة بالأعمال "الإرهابية". وأصبحت كلمة الإرهاب عادية الاستعمال شأن الكثير من كلمات الدعاية والإعلان. بل أنها تحولت إلى "الكلمة الحلوة" التي أخذت تزيح كلمات الثورة والانتفاضة والحرية التي كانت تطرب لها الآذان قبل عقود. وهو أمر يشير إلى تغير عاصف في المزاج الإعلامي من جهة، والى بروز ظاهرة مثيرة تجمع بقدر واحد العقل والجنون، من جهة أخرى.

فالإرهاب المعاصر يتحصن برؤية "عقلية" لا عقلانية فيها، مبنية شأن الكثير من النزعات العصابية، على يقين جازم بتمثل وتمثيل الحق والحقيقة. مما يجعل منه قوة شأن كل تيار جارف وسيل مخرب رغم ما فيه من مياه هي مصدر الحياة! وهي المفارقة التي تطبع في الواقع مضمون الحركات الراديكالية جميعا على امتداد التاريخ البشري.
إن انحدار الرؤية الأصولية صوب التطويع التام والشامل للمقدس هو عين الجنون السياسي الذي لا يمكنه تجاوز عقبة إلا ويصنع ما هو اشد منها. وهي عملية نتيجتها النهائية الاندثار الحتمي بعد أن تكون قد أرهقت المجتمع والدولة والفكر بتضحيات لا معنى لها. بعبارة أخرى، إن مفارقة الإرهاب الأصولي تقوم في تأسيسها لفكرة الشهادة والتضحية التي لا تتعدى في الواقع سوى إعادة إنتاج القتل والتدمير والتخريب. بمعنى إفقاد العقل من كل أبعاده العقلانية عبر تطويعه إلى إيمان متعصب عصابي عدائي. وهي النتيجة التي يؤدي إليها التطرف والغلو، كما أنها النهاية الحتمية للحركات الراديكالية المتطرفة.
بينما شكلت الرؤية الإسلامية في مراحل ازدهار الحضارة الإسلامية وسطا طاردا للغلو والتطرف. من هنا سيادة فكرة الوسط والاعتدال التي ارتقت إلى مصاف العقيدة الكبرى والجوهرية للإسلام بحيث جعلت من "الأمة الوسط" نموذجها الأفضل في الوجود. وفيها كانت تتجلى عقلانية الثقافة الإسلامية في موقفها من التطرف والغلو. وهي عقلانية وجدت انعكاسها المتنوع والمتباين في مختلف الفرق الكلامية والمدارس الفلسفية والاجتهادات الفقهية والسياسية. وهي اجتهادات كانت تسعى للبرهنة على أن المقصود بالاعتدال هو العدل. وهو الشرط الضروري الذي كانت المدارس والفرق العقلانية الإسلامية تضعه في تقييم الأفعال السياسية والاجتماعية للأفراد والجماعات والسلطة والدولة. وهي ذخيرة تبعثرها الأصولية الإسلامية المعاصرة في إرهابها الذي تتطاير في اغلبه جثث وأرواح المسلمين أولا وقبل كل شئ. وفيما لو وضعنا هذه الصورة الأدبية بعبارة سياسية صريحة، فإنها تعني ما يلي: إن الإرهاب الأصولي يحطم في أقواله وأعماله ونياته قيم العدل والاعتدال. وبالتالي فانه لا يصنع في الواقع سوى جثث فارغة، أرواحها هي عين الديناميت المتطاير مع صفائح الحديد وآلام الأبرياء وأحزان الأمهات.
إن أحد القواسم المشتركة بين مختلف الحركات الراديكالية، القديمة والمعاصرة، الدينية والدنيوية هو إيمانها المطلق بما تسعى إليه، ووجدانها العارم والنظر إلى نفسها باعتبارها حاملة الفكرة المطلقة والإيمان الصادق. وهو الأمر الذي يفرغها مع مرور الزمن من قيم الوجدان ويكلس عقائدها الأولية وتراكمها التاريخي في متحجرات "مقدسة". وهي حالة تؤدي بالضرورة إلى جمود القيم في الفكر والممارسة. مما يحولها لاحقا إلى قوة متصلبة ومنظومة مغلقة عادة ما تضعها في تضاد مع فكرة التقدم والتطور والإصلاح. وذلك ليقينها الصارم بان ما تمثله وتسعى إليه هو عين الحكمة والعقل والوجدان. من هنا معارضتها للقوى الاجتماعية والفكرية الجديدة. فالجديد بالنسبة لها يصبح أما هرطقة أو بدعة أو خروجا على الصراط المستقيم أو انتهازية وتحريف وخيانة. بعبارة أخرى، إن تباين الأحكام القييمية عن "الجديد" مرهون فقط بشكل العقيدة الديني أو الدنيوي. إلا أن النتيجة واحدة، ألا وهي سيادة الرؤية الواحدية المغلقة (الأصولية أو التوتاليتارية).

إن سيادة واستحكام الرؤية الأصولية أو التوتاليتارية هو المصدر النظري لتبرير وتدعيم فكرة "المقدس" بما في ذلك تجاه الإرهاب بوصفه أحد الأساليب العنفية لبلوغ الأهداف الخاصة بهذه الحركة أو تلك. وهو حكم ينطبق على الحركات الأصولية (الراديكالية) الإسلامية المعاصرة، التي جعلت من الإرهاب "جهادا" أو "حربا مقدسة" قابلة للتنفيذ ضد الجميع بغض النظر عن القومية والجنس والدين. فالذهنية الأصولية عادة ما تختزل الموقف إلى ثنائية الأنا – العدو. أما هوية "العدو" فهي وعاء يمكن إدراج كل طرف تعتقد بأنه مصدر التهديد الأولي لما تسعى إليه أو الحفاظ عليه. وهي ذهنية لا يؤدي تراكمها التاريخي والدفاع المستميت عنها إلا إلى استحكام فكرة المقدس في النظر إلى أفعالها بما في ذلك أكثرها تفاهة وهمجية. وهي حالة اكثر من مثلها في تاريخ الاسلام القديم والمعاصر التيار الحنبلي.

فقد كانت الحنبلية التيار المناسب لإيمان العوام، أي للذهنية العادية والتقليدية. وذلك لان مضمونها بأجمعه لا يتعدى فكرة الانصياع والتنفيذ الشكلي والتقليد الحرفي لمجموعة النصوص المتراكمة في خيال الثقافة وأوهامها وعقولها. كما أنه التيار الذي مّثل الفكرة القائلة بضرورة التقيد الحرفي بكل ما هو "مقدس" و"إسلامي". بينما لم يكن هذا المقدس والإسلامي في تصوراته وأحكامه سوى كمية النصوص المحببة لأوهام العوام. من هنا انهماكه الفعال في شئون الجسد الفردي. إذ ليست حقيقة الحنبلية سوى الاعتناء المفرط بحقوق الجسد والتزاماته بما يخدم "واجبات" الانتقال من لذة الدنيا إلى "نعيم الآخرة". ذلك يعني أن حدودها القصوى تنحصر في شهوة الفرجين. وهي شهوة اختزلت مضمون الاسلام وعقائده الكبرى من خلال تحييد العقل ومنعه من الإبداع الحر، لأنها وجدت في كل فعل عقلي حر أسلوبا يؤدي بالضرورة إلى بدعة.

وقد كانت تلك "البدعة الكبرى" في تاريخ الاسلام، أي الانتهاك الفج لحقيقة ما فيه من دعوة للاجتهاد العقلي. وهي دعوة وجدت تجسيدها التاريخي في صيرورة الحضارة الإسلامية وثقافة الخلافة، أي كل ما حصل على نماذجه الكبرى في إبداع مختلف الفرق والمدارس والعلوم. وليس مصادفة أن تكون الحنبلية تيارا منبوذا من رجال العقلانية الإسلامية وأعلامها العظام بما في ذلك من جانب السلطة (زمن المأمون). لكنها تحولت بعد سقوط الحضارة الإسلامية وخراب بؤرها الثقافية واندثار مراكزها السياسية إلى العقيدة الأكثر انتشارا ورسوخا. وهي حالة تشير أولا وقبل كل شئ إلى جمود الروح الثقافي وخراب الذهنية النقدية وانحسارها التام. وليس مصادفة أن تسود الذهنية العقائد الحنبلية في جميع مراحل السبات الثقافي والحضاري في عالم الاسلام عموما وفي العالم العربي خصوصا. وهو الأمر الذي جعل منها الأيديولوجية المناسبة للانحطاط الثقافي والسياسي.

لقد غرست الحنبلية في النفسية الاجتماعية والذهنية الثقافية نمطا أصوليا (راديكاليا وتوتاليتاريا) في الفكر والممارسة استطاع في غضون قرون عديدة تجفيف أغلب المصادر الحية للرؤية الإسلامية. إنها استطاعت أن تنتج وتعيد إنتاج ذهنية لا يتعدى اهتمامها حدود الجسد الفردي المرفوع إلى مصاف "الأمة". بمعنى غياب واضمحلال بل واندثار الأبعاد الاجتماعية والسياسية للفكر. مع ما ترتب عليه من تجميد للحياة الاجتماعية بمعايير العبادات الشكلية، وتحنيط للحياة السياسية يقيم الخضوع، ومن ثم ترسيخ وتوسيع وتجذير الاستبداد السياسي والفكري والاجتماعي عبر دعمه الدائم بقواعد الإيمان التقليدي.

وإذا كانت المفارقة التاريخية للحنبلية في العصر الحديث تقوم في استثارتها، من خلال الوهابية، رصيد التحدي الأول للنفس، فان فضيلتها هذه لم تكن سوى الصيغة العرضية لمحاولتها إعادة ترسيخ قيم "الاسلام الأول"، أي الاسلام المتحرر من قيم الثقافة وإبداعها المتنوع. وهي مفارقة كانت تحتوي في أعماقها على تناقض حاد بين مظاهر الدعوة العملية للتمسك بالأصول (القرآن والسنة) ورفض "البدع". بمعنى الإبقاء على حالة السيادة المطلقة لإسلام العبادات. وهو الأمر الذي كان يحوي في أعماقه على طاقة الإثارة القوية لقيمة النصوص وتقديسها العملي. مع ما يترتب عليه من احتقار وتكفير لحرية العقل والاجتهاد العقلاني. من هنا انغلاقها السياسي في الجزيرة (المملكة السعودية) وإعادة إنتاجها خارجها.

وليس اعتباطا أن تكون معظم الحركات الأصولية الإسلامية والمتعصبة منها والإرهابية هي مجرد نماذج متنوعة للحنبلية (الوهابية). وهي ظاهرة يمكن تحسسها الملموس من خلال رؤية الارتباط العلني والمستتر بين الحركات الأصولية المتطرفة والأنظمة التقليدية. فقد كان تاريخ الاصوليات المتطرفة وما زال في اغلبه على وئام سياسي مع القوى الملكية التي تقدم نفسها حامية للدين والدنيا. كما انه ليس اعتباطا أن تظهر اعنف واشد الحركات الإرهابية الإسلامية في البلدان الملكية التقليدية كالسعودية والأردنية والمغربية، أو على الأقل اغلب قادتها العمليين (الحركيين) المشهورين. ففي كليهما تسود وحدة القيم المشتركة عن "الوحدة" و"الصراط المستقيم" ومحاربة الحرية الفردية والاجتماعية والسياسية والدفاع "عن القيم الإسلامية"، أي كل ما يمثل تقاليد الاستبداد والثقافة الأصولية. وفي هذا أيضا يكمن سر الالتقاء التاريخي بين "الأنظمة التيوقراطية" و"الأنظمة العلمانية" في دعم الاصوليات أو محاربتها.

فقد كانت هذه الممارسة المتناقضة ظاهريا للتيوقراطية الإسلامية والعلمانية القومية ذات طبيعة واحدة من حيث وظيفتها. وذلك لان هدفها الحقيقي كان يرمي إلى تذليل كل منافس "أصولي" لها. وليس اعتباطا أن يصل الصراع بينهما إلى حد الاقتتال العنيف حينا والائتلاف التام حينا آخر، أو أن تجري تحولات راديكالية المظهر كما نراه على سبيل المثال في ظاهرة تحول جميع الدكتاتوريات "العلمانية" إلى حليف لعتاة القوى الأصولية. بحيث نرى السادات يتحول إلى "الرئيس المؤمن"، والنميري إلى مطبق الشريعة الإسلامية، وصدام إلى قائد "الصحوة الإيمانية"، والقذافي إلى "مفكر الاسلام الأخضر". أو أن تتحول العائلات المالكة إلى "قائدة الإصلاح الديمقراطي" و"النظام الشرعي".

إن اضمحلال وتلاشي الفرق والخلاف بين "الأنظمة العلمانية" و"الأنظمة التيوقراطية"، ومن ثم تلاشي الخلاف الجوهري بين فكرة التيوقراطية والعلمانية في "النخب السياسية" العربية، يعبر أساسا عن واقع استفحال القيم التقليدية واندماجها "الطبيعي" في منظومة الاستبداد التي وجدت في التوتاليتارية الدينية والدنيوية ملاذها الأخير. وهي توتاليتارية جعلت من الإرهاب الشامل للسلطة وسحق المجتمع المدني وفكرة الشرعية المرتع الفعلي للاصوليات الجديدة وإرهابها "المقدس". إذ لم يكن هناك من مقدس للاستبداد السلطوي غير السلطة. من هنا تسابقها مع الاصوليات الإسلامية المعاصرة في الدفاع عن "المقدس". ومن ثم إعادة إنتاج الحنبلية الجديدة التي تجعل من الإرهاب حربها المقدسة الجديدة ضد كل بديل يهدف إلى بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية.

إن هذ1 التضافر التاريخي بين مكونات ومقومات متضادة في الفكر والممارسة السياسية يشير إلى عمق الخلل البنيوي في طبيعة الدولة والنظام السياسي والثقافة. وهو خلل يتناغم مع خلل الأوزان الداخلية في كل شئ. وبالمحصلة هو تعبير عن انحطاط فعلي شامل. وفي ظل ظروف كهذه يصبح الإرهاب ثمرة حلوة كما كانت الحرية هي الثمرة الحلوة لصعود القوى الاجتماعية الحية والفكرة التنويرية والعقل الحر. ذلك يعني، إن تحول الإرهاب إلى "عقيدة مقدسة" هو بحد ذاته مؤشر على نوعية الهبوط الشامل في الوعي النظري والعملي، أي في الفكر والأخلاق. وهو هبوط يشير بدوره إلى طبيعة الأزمة البنيوية التي يعاني منها المجتمع والدولة والثقافة. وفي الحصيلة ليست هذه الأزمة سوى الصيغة الأكثر تجريدا للانحطاط الثقافي.

فالانحطاط الثقافي هو الحاضنة الفعلية للتطرف والغلو. والقضية هنا ليست فقط في أنه يمد الوعي السطحي بكل الصيغ والرموز السهلة للهضم السريع للعوام، بل ولما فيه من "طاقة" على شحذ أوهام الحثالات الاجتماعية وأنصاف المتعلمين بروح العنف والتخريب. وفي هذا يكمن سر القدرة الفائقة والاستعداد الأكبر من جانب الاصوليات الإسلامية المعاصرة على ابتذال قيم الاعتدال العقلانية. وهو ابتذال يكشف أولا وقبل كل شئ عن ضعف الثقافة العقلانية واضمحلال أو غياب الذهنية النقدية، أي كل ما تشترك به وتتسابق الأنظمة السياسية العربية والاصوليات الإسلامية المتطرفة. ومن فعل هذين المصدرين تتراكم قيم الحنبليات الجديدة بوصفها التجسيد العملي لجنون "الإرهاب المقدس".





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,166,432,786
- الاخوان المسلمين اخوان الشياطين
- مسخرة الثورات العربية
- دور السياسة الديمقراطية في بناء المجتمع الديمقراطي 2
- دور السياسة الديمقراطية في بناء المجتمع الديمقراطي 1
- مفهوم الإرهاب
- الحرب النفسية وسبل مواجهتها
- مفهوم الحرية
- هل يمكن ان تكون البلاد العربية ديمقراطية
- نصائح الى المعارضة و المولاة في برنامج البالتوك
- قانون الاحزاب و تطبيقه في سوريا
- ما هي المعارضة و المولاة في برنامج الانتيرنيت بالتوك


المزيد.....




- بالفيديو.. مسلمون ينظفون حدائق واشنطن في تحدٍ لإغلاق ترامب
- الكونغو الديمقراطية: الكنيسة الكاثوليكية تترك باب التساؤلات ...
- ندوة بالبرلمان الأوروبي تطالب بالتحرك ضد قانون يهودية إسرائي ...
- ندوة بالبرلمان الأوروبي تطالب بالتحرك ضد قانون يهودية إسرائي ...
- يكره المهاجرين ويحارب المساجد.. هذه مواقف وزير داخلية إيطالي ...
- موند أفريك: حرب صامتة بالمغرب على ما تبقى من مجموعة بن لادن ...
- تحرك يهود البرازيل بسبب لوحة كاريكاتورية ساخرة (صورة)
- السعودية... -الشورى- يطلب من -الأمر بالمعروف- معلومات دقيقة ...
- استئناف المفاوضات بين حركة طالبان والولايات المتحدة في الدوح ...
- تظاهرات في غزة ورام الله ضد «الاعتداء» على أسرى فلسطينيين في ...


المزيد.....

- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته
- قراءات أفقيّة في السّيرة النبويّة (4) / ناصر بن رجب
- طواحِينُ الأوهام: حين تَضْرِبُ رأسَك بجدار العالم / سامي عبد العال
- كتاب انكي المفقود / زكريا سيشن
- أنبياء سومريون / خزعل الماجدي
- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد السينو - الإرهاب في الفكر السياسي الاسلامي- الاسلام السياسي-