أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - في ذاكرة الانتفاضة السورية وإدراكها السياسي














المزيد.....

في ذاكرة الانتفاضة السورية وإدراكها السياسي


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 3449 - 2011 / 8 / 7 - 16:34
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


بعد أن استتب الأمر للنظام في صيف 1980 في مواجهة حركة اعتراض اجتماعية واسعة، خصم منها وقتها لجوء الإسلاميين إلى العنف المسلح، عاشت سورية عقدا من حكم الإرهاب في الثمانينات. ولن يتخفف هذا قليلا إلا بنهاية الحرب الباردة والحرب الدولية على العراق عام1991. كان عشرات الألوف في السجون أو مروا بتجارب اعتقال مروعة، وبعد عام 1982 كان عشرات الألوف في القبور، ونحو عشرة ملايين من السوريين، بمن فيهم أكثر الموالين، يعيشون في رعب ساحق. كان هذا هو العهد الذهبي للمخبرين وكتبة التقارير، الأشخاص الذين يترصدون ما يقوله الناس ليشون بهم إلى المخابرات. كانت هذه دوما منظمة إرهابية ومصدر هلع عام، لكنها تفوقت في ذلك العقد على نفسها، وحكمت البلد كله بالإرهاب. وقد تسبب الخوف من المخابرات في تقطع الروابط بين الناس وفي انكفاء عام على الحياة الخاصة. كان هذا هو العهد الذهبي أيضا لجني أهل الولاء من ضباط مخابرات وأمناء فروع حزب البعث والمحافظين، والوزراء، ثروات مهولة من نهب الموارد العامة والأملاك الخاصة. ومن هذه الأخيرة مساكن بالألوف قتل أهلها أو هجروا البلد خوفا عل حياتهم.
وكانت مصانع السلطة، أو المختبرات التي يصنع فيه "أصنص" الحكم، هي فروع الأمن الشهيرة، مثل فرع فلسطين وفرع التحقيق العسكري وأشباه لهما كثيرة في كل المدن السورية. لكن إن كان من مكان واحد يرمز للعهد، ويمثل خلاصته ودستور حكمه فهو سجن تدمر. كان هذا طاحونة لفرم البشر، يجري فيه تعذيب عشوائي مستمر، يقوم به عناصر منتقون، وطال بصورة خاصة الإسلاميين. تتكلم رواية "القوقعة" لمصطفى خليفة بصورة ضافية على هذا المكان الرهيب الذي كانت تجري فيه عمليات إعدام دورية طول سنوات العقد. وكان في التعذيب الذي يخضع له السجناء هناك عنصر انتقامي، وعنصر حقد وحشي، يفترضهما المرء غريبان على مبدأ الدولة. هذا فضلا عن بذاءة فائقة الوضاعة والإسفاف، كانت تفرض على السجناء أن يكونوا شركاء للسجانين فيها ضد أنفسهم. إن سجن تدمر هو المكان الذي ارتقى فيه التعذيب وتحقير الإنسان إلى مستوى فن للفن، ممارسة لا هدف لها غير متعة المعذبين المباشرين. لكن من وراء ذلك كان المختبر الذي يصنع فيه جوهر السلطة في البلد، أو خلاصتها المكثفة. أي الشيء الذي يعول عليه لبقاء من هم خارج ذلك المكان الرهيب مرتاعين أذلاء.
استرجع هذه الملاح الخاطفة لزمن وأمكنة لقول شيئين.
أولهما، إن أحدا لم يذل ويهان بصورة منظمة ودؤوبة أكثر منا. أو لنقل إننا، السوريين، ننافس العراقيين على المرتبة الأولى عربيا، وعلى مرتبة متقدمة عالميا. لكن مع ميزة لصناعة الإرهاب السورية تتمثل في تنظيمها وطول أناتها وبرودة أعصابها. صناعة الإرهاب العراقية كانت أشد انفعالا وطيشا وأكثر استعراضية وتبذيرا، وقد تكون كلفتها البشرية أعلى، لكنها بلا شك أدنى تنظيما وأقل دأبا وأكثر تسترا.
ولأنه لم يكد أحد يهان ويذل أكثر منا، عمت الانتفاضة سورية حين سنحت الفرصة، وهي تظهر عزما لا يلين على الاستمرار بعد عشرين أسبوعا من تفجرها، وبعد نحو 2000 ضحية مدنية، ومئات من عسكريين مغدورين. في الانتفاضة عرفان بفواجع جيل سوري، كهل اليوم، يشارك كثيرون منه في أنشطتها، بحيث لم يعد من المطابق للواقع التكلم على انتفاضة شبابية.
الشيء الثاني، والأهم، هو أنه إذا دانت الكلمة الأخيرة للنظام في مواجهة الانتفاضة، على نحوما تحقق له قبل ثلاثة عقود، فسوف ترى سورية أياما سوداء، على ما قال نداء وجهته "لجان التنسيق المحلية" مؤخرا لعموم السوريين، بمناسبة إعادة احتلال حماة. وسنشهد ثورة في ظاهرة المخبرين وكتبة التقارير، وازدهارا في فنون التعذيب والتحقير والحط من كرامة الإنسان، وانتشارا كاسحا للشبيحة والاعتداء على السكان بهدف استعراض السلطة والتلذذ بالترويع. وفوق هذا كله قفزة كبرى في الفساد.
ليس فقط لن يكون ثمة أدنى إصلاح إذا فاز النظام، بل يرجح أن نشهد موجة فاشية جديدة، قد تكون أشد عنفا لاقترانها هذه المرة بحماية امتيازات طبقية غير شرعية وثروات متحصلة عن طريق النهب والتشبيح. وخلافا لما يعتقد الأستاذ جهاد الخازن بأن توقف ستة شهور للاحتجاجات الشعبية في سورية سيكون فرصة إصلاح (مقالته: "فرصة ستة أشهر"، "الحياة"، 2/8/2011)، فالأوفق لتكوين النظام وطبائعه المستقرة أن يكون التوقف فرصة لسحق بيئة الانتفاضة وقطع أية رؤوس مستقلة ظهرت في سورية في الشهور المنقضية. بلى، قد يكون ثمة قانون أحزاب وقانون إعلام وقانون انتخابات... لكنها ستكون مثل قلّتها، أشياء لا تطال بحال موقع السلطة الفعلي، المركب السياسي الأمني، المرشح بالأحرى لمزيد من الرسوخ والفجور. وستكون انتفاضة أخذت إجازة لستة أشهر قد خذلت نفسها، وستعجز بالقطع عن استجماع قواها من جديد. لا نعرف، على كل حال، مثالا واحدا في التاريخ لانتفاضة شعبية توقفت في منتصف الطريق دون أن يسارع أعداؤها، أولا وقبل كل شيء، إلى قطع رأسها. وتاليا، ليس ما يزكيه جهاد الخازن، وسبق أن اقترح ما يشبهه سوريون، احتمالا قد يتحقق أو لا يتحقق، ولا حتى احتمالا ضعيف فرص التحقق. هو ليس احتمالا على الإطلاق. هناك منطق في السياسة ومنطق للحكم المطلق، فلا يمكن لهذا أن يصلح أمره إلا بقدر ما يمكن للبغل أن ينجب.
على كل حال يبدو أن أكثرية السوريين النشطين تدرك ذلك، وتعلم أنه مهما تكن عالية كلفة استمرار الانتفاضة، فإنها أدنى من كلفة توقفها دون تحقيق أهدافها في تغيير النظام السياسي، أشخاصا وعقلية وأجهزة. وهذا الإدراك بالذات أحد منابع العزم على استمرار الانتفاضة. فالخيار الفعلي المطروح على السوريين اليوم ليس بين انتفاضة عالية الكلفة، تهدف إلى تغيير النظام، وبين إصلاح يقوم به النظام نفسه، لكنه قد يكون أدنى سقفا مما تريد الأكثرية النشطة وأبطأ إيقاعا، بل هو بين انتفاضة شجاعة، يسمعون أصواتهم فيها تصدح بطلب الحرية فتدمع عيونهم اعتزازا، وبين أن يقتلوا ويعذبوا ويحبسوا سنوات وعقودا، ويهجروا من ديارهم. ويبدو أن السوريين اختاروا فعلا.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,280,165,330
- حوار حول الثورات العربية
- في أصول حرب -النظام- ضد الانتفاضة
- الطائفية ضد الانتفاضة، الانتفاضة ضد الطائفية!
- قليل من الأمانة: رد على إبراهيم الأمين
- ثأر -ربيع دمشق-!
- النظام في أزمة، وهو من عليه أن يتراجع
- النظام يتصرف كشبيح، والثورة لن تخمد أو تتراجع
- السوريون تغيروا، وعلى النظام أن يتغير!
- سوريا انتفاضة.. والنظام لا يقترح بديلا غير الفوضى أو الحرب
- العصابات المسلحة غير موجودة، و-الحوار- خدعة!
- حوار مجلة رواق الشباب
- طور ثان من أطوار الأزمة الوطنية السورية؟
- بصدد بعض خصائص الانتفاضة السورية
- مكونان مدني وأهلي في الانتفاضة السورية
- ثلاثة أشهر على الانتفاضة... أية آفاق؟
- ما هي نقطة التحول السياسي في سورية اليوم؟
- حوار في الشأن السوري...
- في شأن الانتفاضة السورية وسياستها
- المسألة السورية والمستقبل
- المحنة السورية التي طال أمدها...


المزيد.....




- التحالف يشن غارات جوية على مواقع للحوثيين في صنعاء
- تحذير أمريكي لرعاياها في ليبيا من هجوم إرهابي وشيك
- آسيا الوسطى تتحول إلى ساحة صراع
- لماذا سيأتي كيم جونغ أون إلى روسيا
- شركتان صينيتان تقعان ضحية لعقوبات ترامب على بيونغ يانغ
- توقع ثوران بركان كارثي تحت الماء
- بسبب مقتل مواطن كويتي.. الكويت تستدعي سفير مصر وتوفد محققين ...
- على خلفية غرق عبارة الموصل.. رئيس الوزراء يطالب بإقالة محافظ ...
- آخر جيب لتنظيم الدولة بسوريا.. معارك مستمرة رغم إعلان ترامب ...
- تقرير مولر.. ترامب يهاجمه والديمقراطيون يطالبون بنشره كاملا ...


المزيد.....

- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي
- سورية واليسار الأنتي امبريالي الغربي / ياسين الحاج صالح
- ما بعد الاستعمار؟ ما بعد الاستبداد؟ أم ما بعد الديمقراطية؟ / ياسين الحاج صالح
- كتاب فتاوى تقدمية للناصر خشيني تقديم د صفوت حاتم / الناصر خشيني
- اكتوبر عظيم المجد / سعيد مضيه
- الديمقراطية في النظم السياسية العربية (ملاحظات حول منهجية ال ... / محمد عادل زكي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - في ذاكرة الانتفاضة السورية وإدراكها السياسي