أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رضا عبد الرحمن على - تعليقا على مسلسل الجماعة .... الجزء الثالث والأخير















المزيد.....



تعليقا على مسلسل الجماعة .... الجزء الثالث والأخير


رضا عبد الرحمن على

الحوار المتمدن-العدد: 3123 - 2010 / 9 / 12 - 20:38
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بداية مرحلة جديدة ومختلفة لأنشطة الجماعة توضح بعض الحقائق التاريخية وتعبر بوضوح عن أفكار جماعات الإسلام السياسي وتظهر كيفية استغلالهم الدين للوصول لأهداف سياسية حتى لو كانت هذه الجماعات في بداية نشأتها تعلن أن منهجها الدعوة فقط وعدم التحدث في أمور السياسة وهذا الجزء يبين كثير من الحقائق التاريخية التي تخفى على معظم المسلمين كما يظهر فيه تضارب الأقوال للمرشد في رأيه في اهتمام وانشغال الجماعة بالسياسة من عدمه ، ويظهر أيضا بعض الآراء المخالفة لفكر ومنهج الجماعة ومن على شاكلتها من جماعات الإسلام السياسي ، ويبين أن الإسلام ليس حكرا على أحد وليس ملكا لأحد وليس من حق أحد أن يدعى أنه مسؤل عن الإسلام وحده ، ويظهر ويبين حقائق تاريخية عن الخلافة الإسلامية ، ويبين أيضا حقيقة هامة أن علماء الإسلام بشر وليسوا معصومين من الخطأ وكل إنسان يخطيء ويصيب ، وبالطبع كل هذه الحقائق التي لم يتعرض لها من قبل أي باحث أو مفكر إسلامي تدعم وتؤيد ما ذهبنا إليه من قبل أن الكاتب وحيد حامد قد تأثر بكل ما كتبه الدكتور منصور عن تاريخ هذه الجماعة من ناحية ن وكل ما كتبه عن التاريخ الإسلامي لتجلية حقائق الإسلام وإبعاده وتبرئته من كل تطرف أو عنف أو إفتراء لحق به ، وجعل كل تصرف منسوبا لصاحبه ولا شأن للإسلام بما فعله المسلمون.!!

وإليكم التفاصيل كما جاءت في المسلسل:



32ـ بدأت هذه المرحلة باستخدام مفردات ومصطلحات وكلمات جديدة على البيئة المصرية ولا علاقة لها بالهوية المصرية على الإطلاق مثل ( جهاد ـ مجاهد ـ جند ـ جنود ـ كتيبة ـ كتائب ـ معركة ـ فتح ـ غزوة ـ جنود الله ـ شهادة ).

33ـ تفكير المرشد في ربط الجماعة برباط المصالح المالية مثل المساهمة في مشروع المطبعة لتكون الرابطة بين أفراد الجماعة أفضل وأقوى لأن من مصلحة الجماعة أن يربط أفرادها مصالح مشتركة.

34ـ ونفس المبدأ كرره المرشد في عام 2005 حيث قال ما يبين زواج المصالح السائد والمنتشر بين الأخوان لدرجة جعلته يطالب السيدات بالخروج في المظاهرات بأطفالهن حتى يحمى الرجال من هجوم الأمن ولو رفضن فعليهن العودة لبيوت آبائهن لأنهن لم يتزوجن للأكل والشرب والنوم في البيوت.

35ـ نصائح من المرشد لدعاة الجماعة بأن يحدثوا الناس بما يرغبون في سماعه ويستولى على قلوبهم وأفئدتهم و على الداعية أن يحدثهم بما يحبون لا بما يحب هو وعليه أن يجاري ميولهم ورغباتهم وليس ميول الداعية وبهذا يحصل الداعية على القبول وعلى الرضا وهذه نصيحة مجرب.

36ـ التعود على الطاعة التامة داخل كتائب الجماعة مثل الأكل في الشبع والنوم بلا رغبة فيه.

37ـ وضع تعريف للجماعة لكل من يسأل عنها بأنها ( دعوة سلفية ـ وطريقة سنية ـ وحقيقة صوفية ـ وهيئة سياسية ـ وجماعة رياضية ـ ورابطة علمية وثقافية ـ وشركة اقتصادية ـ وفكرة اجتماعية ) فهي باختصار دولة داخل الدولة.

38ـ إظهار هذا التعريف للجماعة أنه ينذر بدولة دينية والتحذير من الدولة الدينية وضرب نموذج للخلافة العثمانية وهل هي حكمت شعوب المسلمين بالعدل ، ليس هذا فحسب فجميع الخلافات الإسلامية بعد خلافة علي ابن أبي طالب غير عادلة والحقيقة أن أفراد الجماعة لا يقرأون التاريخ ، وبالتحديد إظهار ما فعلته الدولة الأموية من توسيع ملكهم وأطلقوا عليه فتوحات لكنه توسيع ملك و ليس انتشار دين ، وكذلك الدولة العباسية ، وكذلك الجماعة فهي تريد ملك قبل أن تريد الدين.

39ـ متابعة الشيخ رشيد رضا والشيخ محب الدين الخطيب خطوات الجماعة وانتشارها ومدى نجاح البنا ، والمطالبة من كلاهما بأنهم يريدون فعل وعمل من الجماعة ورد عليهم المرشد أنه ينتظر تجهيز 300 كتيبة من الأفراد المتميزين من الجماعة المسلحين بالعلم والقوة.

40ـ ضياع الشريحة أو الطبقة المتوسطة في مصر بين رأسمالية مشتركة من الجماعة ومن رجال الأعمال ومشاريعهم واستثماراتهم ونفوذهم وهذه الشريحة كانت الأغلبية وكانت تحمل مصر على أكتافها منذ فترة طويلة.

40ـ إباحة الانتهازية والكذب عند الضرورة عملا بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات ، وصف الجيل الحالي أنه يدخل الجماعة عن جهل وعدم دراية وقلة معلومات.

41ـ موقف الأخوان من الفن عموما ـ الشيخ حسن البنا كـوَّن فرق تمثيل مسرحية وقدمت مسرحيات وهذا تاريخ لا يستطيع أحد إنكاره ولكن أخوان هذا العصر يقومون بالتعتيم على هذا الأمر بلا داعي ، وسمى هذا الفن بالفن الهادف الذي يسعى لتحقيق هدف معين يخدم مصالح محدده ، كـوَّن حسن البنا فرق مسرحية من جورج أبيض وأحمد علام وعباس فارس وكان هؤلاء أبطال مسرحية جميل وبثينة وكاتبها عبد الرحمن البنا شقيق حسن البنا وكان معهم محمود المليجي وعزيز أمين وفاطمة رشدي وحسن البارودي ، حسن البنا أنشأ فرق مسرحية مثلما أنشأ فرق رياضية وفرق للجوالة وفرق للخطابة ، وكان لكل شعبة فرقة مسرحية خاصة بها ، ورغم هذا لم يحدد موقفه من حبه للفن من عدمه ، رغم تعامله مع كبار الفنانين أمثال عبد المنعم إبراهيم وعبد المنعم مدبولي وحمدي غيث وشفيق نور الدين ، فكل هؤلاء اشتغلوا في فرق الأخوان المسرحية رغم أنهم ليسوا أخوان وكانت علاقة حسن البنا بالفنانين علاقة طيبة عكس مشايخ كثيرين في هذه الأيام ، فكان يتعامل مع الفن لخدمة الدعوة ، ولذلك أهمل المسرح تماما بعدما قويت الجماعة واشتد بنيانها.

42ـ ولاء الجماعة للملك فؤاد والملك فاروق من بعده وعقد صفقة واضحة مع رئيس الوزراء علي ماهر ضد حزب الوفد.

43ـ يبرر المرشد انشغاله بالسياسية بأن السياسة جزء من الدعوة وصلاح أحوال الناس مرتبط بصلاح أحوال الدين.

44ـ رؤية ونصيحة المرشد للملك وقوله بأن أفضل صورة يحب أن يراها الناس للملك وهو داخل المسجد يركع ويسجد للمولى عز وجل ، متجاهلا حب الناس لأن يقيم الملك العدل ويرعى مصالحهم ويدبر شئونهم ويعمل جاهدا من أجل مصلحة البلاد ، وتناسي أن الصلاة لابد أن تكون خالصة لوجه الله تعالى لا لجلب الشعبية وحب الناس وهنا تتحقق قاعدة (أن السياسة تفسد الدين).

45ـ محاولة على ماهر رئيس الوزراء وضع الملك في حالة من التدين الظاهري والمراد منها زرع فكرة الخليفة في عقل الملك الفتي ليكون خليفة للمسلمين كما فعلوا من قبل مع والده ، ولا يعلم هؤلاء أن عصر الخلافة ولّى ، وأن جميع بلاد الإسلام لم تنعم بالعدل في وجود هذه الخلافة ، وأن الخلافة الحقيقة كانت في عهد الخلفاء الراشدين لكن بعد ذلك تحولت لملك (ملك يحكم باسم خليفة) ، ومن هنا يظهر الخوف من السلطة الدينية التي تستمد شرعيتها من الله جل وعلا لذلك لا يمكن توجيه نقد إليها أو أي اعتراض على أي شيء لأن أي نقد أو اعتراض سيكون موجها للمولى عز وجل حسب زعمهم ، وإظهار الرفض التام لإقحام الدين فيما ليس من شئونه ورفض وجود أي سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية.

46ـ الإشارة إلى منهج الإمام محمد عبده ووصفه للإسلام أنه نظام مدني وليس نظام سياسي وأن كل من يلعبون بالدين لا يعلمون شيئا عن الإمام محمد عبده.

47ـ تعريف الدولة الإسلامية حسب المرشد : أن يكون للبلاد الإسلامية حاكم واحد ، ويكون له الولاية الكاملة على كل بلاد المسلمين ، لكنه قبل الحاكم الإسلامي لابد من وجود الدولة الإسلامية وهي تعني بحسب المرشد( مجتمعا إسلاميا ـ ثقافة إسلامية ـ اقتصاداً إسلامياً ـ تعليما إسلامياً ـ تربية إسلامية) ، فيجب تجهيز الناس أولاً لاستقبال الدولة الإسلامية وعندما يتم تجهيز الناس تماماً يأت الخليفة ويحدث هذا التجهيز بنشر الأفكار بين العامة والخاصة ، ولابد لهذه الأفكار من رجال لصناعتها وترويجها بين الناس ، فهذا هو منهج الجماعة.

48ـ تصوير الجماعة على أنها دولة داخل دولة ولابد أن يكون لها مصادر متعددة للتمويل لأن اقتصاد الدول لا يقتصر على مجال واحد فلابد أن يكون هناك زراعة وصناعة ومعاملات مالية وهذه الأنشطة في المضمون تابعة للجماعة أما في الظاهر أمام الناس فلا يجب أن تظهر على أنها تابعة للجماعة.

49ـ الزي الإسلامي وسبب انتشاره ، أوضح المرشد نفسه أن الزي الإسلامي سببه هو تمييز الأخوان عن غيرهم من الناس حتى يعرف الأخوان بعضهم بعض ويكون تواجدهم بين الناس محسوس وملموس.

50ـ جماعة الأخوان ضد الدولة المدنية والحكم من وجهة نظرهم هو استبداد ، والدليل اهتمام المرشد بشراء السلاح بنفسه لأنهم رجال الحق والجهاد ، والسلاح للجهاد في سبيل الله ، وقام المرشد بتجنيد صاغ سابق في الجيش لتدريب الشباب المجاهدين على فنون القتال.

51ـ شباب الجماعة يريدون تزوير التاريخ حين قالوا أن ثورة 19 كانت ثورة إسلامية ضد ظلم الانجليز ، ونسوا أنها كانت ثورة مصرية ثورة وطنية كان فيها المسلم جنب النصراني الصعيدي جنب البحراوي من يصلي جميع الفروض جنب من لم يدخل الجامع من قبل من يذهب للكنيسة كل يوم أحد جنب من لم يدخلها ، وكانت هذه بداية خناقة بين شباب الجماعة وشباب حزب الوفد انتهت بفوز شباب الأخوان لأنهم تعلموا كيفية الدفاع عن أنفسهم ضد غيرهم.

52ـ تجنيد جواسيس داخل الأحزاب الأخرى للتجسس ونقل الأخبار للجماعة ، مثلما حدث مع الأخوين جلال عنبر وذكي صالح من حزب مصر الفتاة الذي يرفع راية الإسلام مثل الجماعة واعتبرته الجماعة منافسا لها حينما كسَّر شباب الحزب أحد الخمارات فخافوا أن يأخذ حزب مصر الفتاة لقب المدافع الأول عن الإسلام ، استغلال الإسلام وجعله وسيلة للوصول لأهداف وطموحات شخصية خاصة بالجماعة والانزعاج الشديد من ظهور منافس للجماعة يستغل الدين للوصول لأهداف مشابهة ، وصف تكسير الخمارات بأنه عمل طائش ولا يخدم الإسلام وأن الإسلام جاء لعبادة الله جل وعلا وأن خاتم النبيين عليهم جميعا السلام ظل ثلاثة عشر عاما يصلي في الكعبة وبها أصنام ولم يفكر في تكسير الأصنام.

53ـ الإعلان الحقيقي عن بداية مرحلة جديدة للجماعة حيث تنتقل الجماعة من مجرد الدعوة بالكلام وحده إلى الدعوة بالكلام المصحوب بالنضال والأعمال بالتوجه لقيادات الدولة ومؤسساتها وشيوخها وزعمائها تدعوهم إلى منهج الجماعة ، وسيتم مخاصمة جميع الأحزاب بالدولة خصومة شديدة فإن لم يستجيبوا للجماعة ويتخذوا تعاليم الإسلام منهجا يسيرون عليه ويعملون له ، فإما ولاء وإما عداء ، وهنا يكون إمام الجماعة هو الإمام القائم على الحل والعقد في الإسلام والخروج عن الإمام والجماعة يعني الخروج عن الإسلام ذاته والخارج عن الإسلام ليس له إلا السيف ، ومن العوامل المساعدة في هذا التطور في سلوك الجماعة هو تأييد الملك ورئيس الوزراء وشيخ الأزهر حامي حمى الدين.

53ـ مقال المرشد بعنوان "استعدوا يا جنود" استعدوا يا جنود وليأخذ كل منكم أهبته ويعد سلاحه ولا يلتفت لأحد امضوا حيث تؤمرون خذوا هذه الأمة برفق فما أحوجها إلى العناية والتدليل وصفوا لها الدواء فكم على ضفاف النيل من قلب يعاني وجسم عليل أعكفوا على إعداده في صيدلياتكم ولتقم على إعطاءه فرقة الإنقاذ منكم فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد وجرعها الدواء بالقوة فإن وجدتم في جسمها عضوا خبيثا فاقطعوه أو سرطانا خبيثا فاستأصلوه استعدوا يا جنود فكثير من أبناء هذا الشعب في آذنهم وقر وفي عيونهم عمى.

54ـ نظرية السيف في الإسلام وتشبيه القوة بالدواء المر الذي لابد أن يشرب منه الكل لكي يرتدع ، وقوله إن الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب الله لها الحياة العزيزة والنعيم في الآخرة..

55ـ الكذب مباح ومتاح عند الضرورة وذنبه مغفور عملا بمبدأ الضرورات تبيح المحظورات.

56ـ منهج التنظيم السري الذي أسسه حسن البنا هو الأصل والأساس في كل التنظيمات السرية في مصر وفي كل البلاد حول مصر وهذا التنظيم السري هو سبب كل بلاء حدث من الأخوان أو كل بلاء حل على الأخوان.

57ـ اهتمام الجماعة بأمور السياسة والتغييرات السياسية في الدولة وتفاؤلها بوزارة عن وزارة وتسمية إحدى الوزارات بوزارة الحبايب والدعاء لها بطول العمر والاستعداد للوقوف بجانبها ودعمها رغم أن الجماعة تقول على نفسها جماعة دينية.

58ـ حسب المرشد إن الحق تلزمه القوة والجماعة جماعة حق ولكن بلا قوة والقوة لازمة وضرورية وآن الأوان للجماعة ليكون لها جيشها الخاص والمدرب والمسلح غير الجيش العلني للجوالة وهذا الجيش هو التنظيم السري للجماعة الذي من مهامه إحياء فريضة الجهاد ومن يفشي سرا من أسرار هذا التنظيم يحل قتله ، والعمل في هذا التنظيم جهاد في سبيل الله ولا مكان فيه لشخص ضعيف الإيمان ، واختيار شباب هذا التنظيم يتم بنفس الأسلوب والمواصفات التي تستخدم في الجهادية.

59ـ مواجهة المرشد بنقد واضح بالقول أن البيعة كانت على السمع والطاعة في أمور الدين وليس في أمور السياسة فما دخل الجماعة في أمور السياسة فالمرشد يتحدث في السياسة أكثر مما يتحدث في الدين ماذا حدث وأين الدعوة وكيف وقعت في أحضان الحكومة.؟

أجاب المرشد: الدين والسياسة لا ينفصلان الدين والسياسة شيء واحد وأهل الدين لابد أن يكونوا قادة في السياسة ورجال الدين بلا سياسة لا قيمة لهم ولا حول لهم ولا قوة.

هذا على الرغم أن الإسلام لم يقل أن حكام الإسلام لابد أن يكونوا من رجال الدين فالدين ثابت لا يطوله أي تغيير مهما حدث أما السياسة فكل ساعة في شكل وكل يوم في حال والثابت لا يحكم المتغير ، ولا كهنوت في الإسلام وعلماء المسلمين بشر وليسوا بمعصومين شأنهم شأن سائر الناس.

المرشد : الإسلام جهاد وعمل دين ودولة وجماعة الأخوان المسلمين ليست جماعة دراويش كل همهم الصلاة والصوم والعبادة ـ لا ـ الجماعة لها دور ـ فالدين شيء والسياسة غيره دعوة نحاربها بكل سلاح.

رأي يرى أن حل الجماعة هو إنقاذ لبلاد من عار يستتر خلف الدين

اعتراف المرشد أن اشتغال الجماعة بالسياسة كان خطأ كبير ، ومحاولة المرشد إرضاء الملك في مقابل الولاء الواضح للملك ومحاربة الشيوعية ، ويؤكد المرشد ذلك الولاء حين يقول (والله لو كانت لي دعوة واحدة مستجابة لدعوتها للسلطان فبصلاحه يصلح الله خلقاً كثيراً) وهذه دعوة مشهورة لابن حنبل.

بالرغم أن المرشد ذهب يطلب العفو والسماح والود وفتح صفحة جديدة إلا أنه كان يخطط لقتل رئيس الوزراء النقراشي باشا.

المرشد ـ اعتبار حل الجماعة خيانة يدل ويثبت أن الجماعة كانت في حالة تزاوج مع السلطة والنظام.

حالة الكره الشديدة التي ظهرت من جميع المسئولين تجاه الأخوان ، وذلك بعد الاعتراف بكل التفجيرات والاغتيالات التي قامت بها الخلايا السرية في الجماعة ، ويعترف المرشد أنها تمت بغير علمه أو إرادته ، وأن الأمور أفلتت من يديه أو أنه كان مضلل ، وأن حادثة التفجير التي حدثت بجوار المحكمة وكان مقصود منها مكتب النائب العام فيها تحد له هو شخصيا وفيها إرهاب للحكومة وأن الأمر قد خرج من يده ، وكان هذا بعد البيان الأول للمرشد.

البيان الأول للمرشد: لما كانت طبيعة الإسلام تتنافى مع العنف بل تنكره وتنقد الجريمة مهما كان نوعها وتسخط على من يرتكبها فنحن نبرأ إلى الله من الجرائم ومرتكبيها

وقوله أن التنظيم السري عياره فلت وتحميل مسئولية ما حدث لمن قاموا به وليس للجماعة دخل نهائي بما حدث، مما أثار حفيظة التنظيم السري فقاموا بمحاولة نسف مكتب النائب العام ردا على البيان الأول فرد عليهم المرشد بالبيان الثاني:

البيان الثاني: بعنوان "ليسوا أخوان وليسوا مسلمين"

وقع هذا الحادث الجديد حادث محاولة نسف مكتب سعادة النائب العام وذكرت الجرائد أن مرتكبه من الأخوان المسلمين فشعرت بأن من الواجب أن أعلن أن مرتكب هذا الجرم الفظيع وأمثاله ممن الجرائم لا يمكن أن يكون من الأخوان المسلمين ، وإنني لأعلن أنني منذ اليوم سأعتبر أي حادث من هذه الحوادث يقع من أي فرد سبق له الاتصال بجماعة الأخوان موجها إلى شخصه ولا يسعني إيذاءه إلا أن أقدم نفسي للقصاص وأطلب إلى جهات الاختصاص تجريده من جنسيته المصرية التي لا يستحقها إلا الشرفاء الأبرياء.

اعتراف المرشد بأن البيان هو الحقيقة ، وقسمه بأن الأيام لو عادت به سيكتفي بتعليم مائة رجل شاب تعاليم الدين القويم ، عبر عن ندمه قائلا ، ولذلك خلق الله الندم...



ومع هذا الجزء الأخير من البحث التأصيلي للدكتور / أحمد صبحي منصور ـ الذي يوضح فيه العلاقة التاريخية بين جماعة الأخوان والدولة السعودية.



الشيخ حسن البنا اعترف فى مذكراته "الدعوة والداعية"، بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية، والأستاذ جمال البنا شقيق حسن البنا يعترف بتلك الصلة بين شقيقه الأكبر، ووالده والسلطات السعودية فى كتابه "خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه"(8) والدكتور محمد حسين هيكل فى مذكراته عن السياسة المصرية يشير إلى معرفته بالشاب حسن البنا فى موسم الحج سنة 1936، وكيف أن حسن البنا وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فإن الانشقاقات عن الإخوان ارتبطت باتهام الشيخ حسن البنا بالتلاعب المالى وإخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الأعضاء الكبار فى مجلس الإرشاد(8) وعن طريق الدعم السعودى استطاع البنا، وهو المدرس الإلزامى البسيط، أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان فى العمران المصرى من الإسكندرية إلى أسوان، واستطاع ألى جانب ذلك أن ينشئ التنظيم الدولى للإخوان عن طريق الفضيل الورتلانى الجزائرى المساعد الغامض لحسن البنا، وهو الذى فجر ثورة الميثاق فى اليمن لقلب الموازين فيها لصالح السعودية، وقد نجحت الثورة فى قتل الإمام يحيى، ولكن سرعان ما فشلت وتنصلت منها السعودية، ورفضت استقبال الفضيل الورتلانى بعد هربه من اليمن وظل الورتلانى فى سفينة فى البحر ترفض الموانئ العربية استقباله كراهية لدوره فى اليمن، إلى أن استطاع بعض الإخوان تهريبه فى أحد موانى لبنان، وانتقل منها إلى تركيا، ثم ظهر بعد ذلك كالرجل الثانى فى قائمة جبهة التحرير الجزائرية حين توقيع ميثاقها فى القاهرة سنة 1955 وكان بن بيلا فى ذيل القائمة.(9)
واكتشفت الحكومة المصرية بعد ما حدث فى ثورة اليمن سنة 1948 خطورة حسن البنا وتنظيمه السرى وكيف استطاع حسن البنا إجراء ثورة فى اليمن بالريموت كنترول. ولذلك كان التخلص من حسن البنا سياسياً بكشف أسرار التنظيم وما جرى إبان ذلك من حوادث عنف متبادلة.

ومعروف بعدها موقف الإخوان من تعضيد الثورة والخلاف بينهم وبين عبد الناصر، وتحالف السادات مع الإخوان، وعودة التيار الدينى السياسى للسيطرة على أجهزة الدولة فى التعليم والثقافة والإعلام مع عصر الثورة النفطية، ثم خلافهم مع السادات، وقتلهم له، واستمرار سيطرتهم فى عصر مبارك الذى آثر مطاردة الإرهاب المسلح مع التصالح مع الفكر السلفى الذى أصبح يقدم نفسه على أنه الإسلام.
وهنا ندخل على طبيعة الفكر السلفى التى أجهضت الاجتهاد المصرى فى الإصلاح الدينى لصالح الثورة السلفية.
الجزء الثانى : الطبيعة الفكرية للحركة السلفية السياسية
1 - حركة تعتمد على شعارات:
عن طريق مصر انتقلت الوهابية والنفوذ السعودى إلى شمال أفريقيا غرباً وإلى الشام واليمن والهند شرقا، ولا ينبغى هنا نسيان دور الحج بطبيعة الحال، وعزز من هذا الانتشار أن حجة الوهابيين قوية وحقيقية فى الهجوم على عبادة الأنصاب والقبور، وأن منهجهم يعتمد أساساً على الأحاديث المنسوبة للنبى عليه السلام، وأنه يقوم على عموميات لا يختلف عليها اثنان مثل صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان وإخلاص العقيدة لله تعالى.
وبانتقال الدعوة الوهابية إلى مصر وإجهاضها المشروع الإصلاحى التنويرى لمحمد عبده فقد تم قطع خط الرجعة على الدعوة، بحيث كان عليها أن تسير فى اتجاه واحد يمحو الاتجاه القديم للإصلاح والتنوير وبدلا منه يقوم بتجميع المسلمين نحو هدف واحد هو الحكم الاسلامى – فى الظاهر – والوهابى فى الواقع. وبدأ حسن البنا فى رفع لواء التجميع لكل المسلمين من صوفية وسنيين وقال كلمته المشهورة "هى رسالة سلفية وطرق سنية صوفية" وإذا كان مستحيلاً الجمع بين عقائد السنة والصوفية فإن البنا خرج من هذا المأزق بتأجيل البحث فى الخلافات على أساس تربية القيادات على المنهج السنى الوهابى وأثناء ذلك تظل الرايات مرفوعة عن شمولية الدعوة لكل الطوائف فى اتجاه هدف واحد هو الحكم بطبيعة الحال.

ومن طبيعة الحركات الدينية السياسية التقية، وأهم وسائل التقية رفع الشعارات المقدسة، فكذلك فعلت الدعوة الدينية السياسية التى تمخضت عن قيام الدولة العباسية، إذ كان شعارها "الرضى من آل محمد" وكذلك فعل ويفعل الإخوان حين يرفعون شعارات سياسية مقدسة مثل "القرآن دستورنا والرسول زعيمنا" ومثل "تطبيق الشريعة" ثم "الإسلام هو الحل" وبعد هذه الشعارات التى لا خلاف عليها ليس لديهم اجتهاد فقهى يناسب العصر وليس لديهم منهج فكرى للحكم أو برنامج سياسى لعلاج المشاكل السياسية والاجتماعية لأنهم طالما أجهضوا حركة الاجتهاد الفكرى والإصلاح الدينى فى سبيل الوصول للحكم فلم يعد أمامهم إلا استرجاع الفقه التراثى ومحاولة إخضاع العصر لمقولاته، بينما ينبغى أن يكون العكس هو الصحيح،أى الاجتهاد الفقهى لمقتضيات العصر بمثل ما اجتهد الفقهاء السابقون لعصرهم. ولو كانت تلك الحركة الدينية السياسية مصرية فى جذورها لأثمرت اجتهاداً فقهياً يناسب العصر حتى مع تركيزها على الثورة والهدف السياسى، فتلك هى الطبيعة المصرية التى ترغم بعض العناصر فى الأزهر على الإتيان بجديد، مع كون الأزهر أعرق مدرسة فى الجمود العقلى.

ولكن لأن جذور تلك الحركة ترجع إلى نجد فإنه ليس أمامها إلا اتباع الفقه الحنبلى التيمى الذى لم يجد ابن عبد الوهاب غيره أقرب إلى منهجه وإلى طبيعته المتشددة . صحيح أن هناك بعض التعديلات بين السطور كالذى نراه لدى محمد الغزالى والقرضاوى والشعراوى، ولكن هذه التعديلات القشرية لا تصل إلى المنهج الفكرى نفسه. والمنهج الفكرى للدعوة السلفية وحركتها السياسية هو تحويل الفكر إلى دين عن طريق التأويل، وهذه هى أولى الملامح الفكرية للحركة السلفية بالإضافة إلى الملمح الآخر وهو الثورية العنيفة الدموية. وبذلك يمكن أن نوجز ملامح تلك الحركة فى كلمتين، إنها "حركة ثورية معصومة" أو هكذا يعتقدون. ونتوقف قليلاً مع التأويل الذى جعل الحركة معصومة وجعل إطارها الفكرى ديناً يعاقب من يخرج عليه أو يناقشه بالقتل.
التأويل: حين نقول التأويل نقصد تأويل النصوص القرآنية وتزوير أحاديث منسوبة للرسول عليه السلام تعزز ذلك التأويل، واختراع مصطلحات جديدة عن تلك المفاهيم تخالف مصطلحات القرآن وما كان عليه النبى عليه السلام.
وخطورة التأويل بهذا الشكل أنه يقوم بتحويل الفكر البشرى إلى النقيض للدين السماوى الحقيقى، وبعد أن يتحول ذلك الفكر البشرى إلى دين كامل عن طريق التأويل والتزوير والمصطلحات الدينية الجديدة، يتقمص ذلك الدين البشرى دور الدين السماوى الحقيقى فى عقائد الناس حتى يصبح الخروج عليه خروجاً على دين الله تعالى يستلزم عندهم الكفر والقتل.

وللتوضيح نقول: إن دين الله تعالى ينزل كتاباً سماوياً ليس مؤلفاً من بنى البشر وتكون وظيفة الرسول النبى صاحب الرسالة هى مجرد التبليغ للرسالة كما هى دون زيادة أو نقص، ويكون الرسول النبى نفسه قدوة للمؤمنين فى التمسك بالرسالة وتطبيقها طبقاً لظروف عصره. ثم يوم القيامة يقوم الله تعالى مالك الدين ومالك يوم الدين بمحاسبة النبى ومحاسبة خصومه وأتباعه والبشر جميعاً على مدى تمسكهم بالكتاب السماوى.
ولكى الذى حدث أنه بعد موت النبى أخذت الفجوة تتسع بين الناس وبين الرسالة السماوية، وبدأت تلك الفجوة تظهر أفكاراً بشرية تخالف الكتاب السماوى وتقوم بتبرير وتشريع وتسويغ التدين البشرى بكل ما فيه من نقائض وخروج على الدين الحقيقى، ونظراً لأن تلك الأفكار والفتاوى البشرية تقوم بتلبية الأغراض السياسية والرذائل الاجتماعية للناس فإنهم يقومون باختراع أصل مقدس مزيف لتلك الأقاويل والأفكار عن طريق نسبتها لله تعالى ولرسوله الكريم مع تطويع النصوص الإلهية لمفاهيمهم الجديدة، إذا عجزوا عن تحريفهم لفظياً.

والتأويل بهذا المعنى عرفه الشيعة والسنة والصوفية، كل منهم جعل منهجه الفكرى ديناً عن طريق نسبته لآل البيت والأئمة كما فعل الشيعة، أو نسبته للنبى والصحابة كما فعل السنة، أو عن طريق العلم اللدنى للأولياء كما فعل الصوفية، وفى كل الأحوال يتقمص ذلك الفكر البشرى شخصية الدين ويتحول الأئمة فيه إلى آلهة أو أنصاف آلهة تحظى بالتقديس ولا يجوز الاعتراض عليهم، ولذلك فإن القلوب تقشعر حين يعترض أحدهم على البخارى مثلاً لأنه أضحى معصوماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهذه مكانته الحقيقية فى معتقدات أهل السنة، وكذلك مكانة جعفر الصادق لدى الشيعة وأبو حامد الغزالى عند الصوفية. وفى كل الأحوال تحول الفكر إلى دين وتحول أئمة الفكر إلى مستوى فوق البشر وتحولت كتبهم إلى أسفار مقدسة، وكل ذلك عن طريق التأويل بالمفهوم الذى قررناه.

على أن هناك دليلاً آخر عقلياً نجده لدى المعتزلة لا يسمح بالتحريف والتزييف ولا يخترع له سنداً يصله بالنبى، وهذا التأويل العقلى مع أنه أروع، إلا أنه اندثر لأنه ظل مجرد فكر محصور بين النخبة المثقفة، ويخضع للجدال بين العقول ويتخذ له مشروعية عقلية بالحجة والمنطق ولذلك انتهى إلى زوال. أما الفكر الآخر فقد سرى إلى طبقات المجتمع على أساس أنه دين لأنه منسوب لله تعالى أو للرسول، فكيف تعترض على فكرة ما إذا صيغت فى حديث نبوى؟ أو قيلت فى حديث قدسى؟ من الطبيعى حينئذ يقدم العقل إجازة ويرفع لواء التسليم ويبتلعها المؤمن لأنها ارتفعت من دائرة العلم والنقاش إلى مستوى الدين والإيمان والتسليم، وبالتالى فإن من يعترض على ذلك الفكر أو يناقشه يصبح كافراً مرتداً مباح الدم. وبهذه الحصانة استمد الفكر السنى حصانته الدينية والثورية، وأصبح يجمع بين صفتى العصمة والثورية.
وهذه العصمة الثورية أنتجت تحت لواء الجهاد ثلاث نتائج خطيرة فى تاريخ المسلمين، الماضى والحاضر والمعاصر، وهى الثورة ضد أنظمة الحكم، استحلال الدماء والأعراض للعوام ومصادرة "الآخر" سياسياً وفكرياً وعقائدياً.

ونتوقف بالتأصيل التاريخى لكل منها.

2- من الثورية فى مواجهة الحكام إلى سفك دماء العوام: الجذور التاريخية

الثورية المقصودة هنا هى الثورية التى تحركها الأحاديث المنسوبة للنبى والتأويل الدينى. واختراع الأحاديث فى مجالات الصراع السياسية بدأ من الفتنة الكبرى، ثم استفحل فى العصر الأموى حين اخترع الأمويون منصب القصاص الذى يقوم بدور وزير الإعلام فى عصرنا، ويعمل من أجل الدعاية فى المسجد للخليفة الأموى وتبرير أعمال الدولة، خصوصاً بعد المصائب الثلاث الكبرى التى ارتكبها الأمويون فى خلافة يزيد بن معاوية، وهى قتل الحسين وانتهاك حرمة الكعبة والمدينة . وخصوم الأمويين استخدموا نفس الأسلوب فى حرب الدولة، فإذا كان القصاص يستخدم الأحاديث فى الدفاع عن الدولة فإن القرّاء (جمع قارئ – وتعنى المثقفين الناقمين على الدولة) يستخدمون أحاديث أخرى فى الكيد للدولة، وهذه الحرب بين الفريقين كانت بالرواية الشفهية للأحاديث، والتى تم تدوينها وتطويرها فيما بعد.(10)
ولم يتخلف تزييف الأحاديث عن مرافقة الثورات ضد الأمويين، كان بعضها منسوباً للنبى، والبعض الآخر نسبوه لعلى بن أبى طالب، وعلى سبيل المثال ففى موقعة دير الجماجم بين الثوارعلى الأمويين والحجاج بن يوسف خطب فى الثوار الفقيه عبد الرحمن بن أبى ليلى فقال فى الثوار "يا معشر القّّرّاء إن الفرار ليس بأحد من الناس بأقبح منه بكم، إنى سمعت علياً يقول: أيها المؤمنون إنه من رأى منكم عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه فأنكره قلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أُجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف.. فذلك الذى أصاب سبيل الهدى.. فقاتلوا هؤلاء المحلّين المحدثين المبتدعين.." وكانت واقعة دير الجماجم سنة 83 هـ. ومع هزيمة الثوار الفقهاء إلا أن ثوراتهم لم تنقطع ضد الدولة الأموية ترفع لواء تغيير المنكر، وتدعمها أقوايل حماسية أصبحت تنسب للنبى وأصبحت الأحاديث تمثل الإطار الفكرى للثورات، وأسهمت فى تجميع الأنصار حول الدعوة الشيعية الغامضة للرضى من آل محمد، والتى أسست الدولة العباسية، ومن يراجع ما كتبه السيوطى فى "تاريخ الخلفاء"(11) يجد فصلاً فى الأحاديث التى كانت تبشر بخلافة بنى العباس وتجعل الخلافة فيهم إلى يوم القيامة، وبعضها ينص على أسماء الخلفاء(12)، أى أن "إدارة الإعلام" فى الدولة العباسية ظلت تصنع الأحاديث حتى بعد توطيد الدولة، وذلك لتبرير المظالم التى واكبت توطيد الملك العباسى خصوصاً فى عهد السفاح والمنصور.
وتلك المظالم العباسية، وسطوة الدولة العباسية على الفقهاء المثقفين الذين كانوا – من قبل -يستبشرون بها خيراً، أدت إلى إصابة المثقفين بخيبة أمل قوية فى الحلم الذى تحول إلى كابوس إذ كانوا بين نارين أو أكثر، تصديق تلك الأحاديث وتكذيب ما يرونه بأعينهم من مظالم . وبين خيبة الأمل والخوف من الثورة أصيب أولئك المثقفون بحالة مرضية فريدة، إذ أصبح اسمهم البكائين، فتخصصوا فى البكاء المفرط واتخاذه طريقاً للعبادة وإنفاق حياتهم فى بكاء لا ينقطع، وقد ذكر ابن الجوزى ترجمة لأعيان هذه الطائفة فى تاريخه المنتظم، ومع أنهم ظهروا قبل سقوط الدولة الأموية إلا أن تطورهم فى العبادة بالبكاء وتقعيد هذه العبادة كان فى عصر السفاح والمنصور، مما يجعل ذلك التطور من الزهد والحزن العادى إلى الصراخ المرضى مرتبطاً بخيبة أمل قوية فى حلم تحول إلى كابوس.(13)
واندثرت حركة البكائين وحل محلها اتجاه أكثر إيجابية فى المقاومة خصوصاً بعد محنة الإمام أحمد بن حنبل فى موضوع خلق القرآن (من 218: 237 هـ) وفى هذه الفترة ازداد التلاحم بين الفقهاء أصحاب الحديث مع الشارع العباسى، وأثناء الشقاق بينهم وبين السلطة العباسية اخترع الحنابلة حديث "من رأى منكم منكراً فليغيره.." على نسق الخطبة التى احتوت على مقالة منسوبة لعلى بن أبى طالب والتى ارتجلها الفقيه بن أبى ليلى فى موقعة دير الجماجم. وتزعم هذه المقاومة من مدرسة ابن حنبل الفقيه أحمد بن نصر الخزاعى، الذى أعد العدة للثورة باسم تغيير المنكر، وتحركت الدولة العباسية سريعاً فاعتقلت الفقيه ابن نصر وأقامت محكمة عاجلة له أمام الخليفة الواثق، وقتله الخليفة بيده سنة 231 هـ وعلق رأسه على أبواب بغداد. وقد قام الحنابلة بدعاية مركزة ضد الدولة العباسية أسندوا الكرامات إلى الفقيه المقتول، وأتت تلك الحملة الدعائية المغلفة بالأحاديث والمنامات أكلها فاقتنع بها فى النهاية الخليفة التالى وهو المتوكل فاعتنق المذهب السنى، وأفرج عن ابن حنبل وأصحاب ابن نصر، وأرسل كبار الدعاة لنشر الدعوة السنية فى الآفاق سنة 234 هـ وبتأثير الحنابلة اضطهدت الدولة العباسية خصوم الحنابلة، مثل الشيعة والصوفية وأهل الكتاب، وبدأ تحقير أهل الكتاب بإلزامهم بزى معين سنة 235 هـ.(14) وكما صادر الحنابلة "الآخر" من الصوفية والشيعة وأهل الكتاب أثناء نفوذهم فإن الإمام الطبرى لم ينج منهم فى أخريات حياته، حين خالفهم فى تفسير الاستواء على العرش، فحاصروه فى داره إلى أن مات داخل داره، ولم يشفع له عندهم أن يكتب لهم رسالة فى الاعتذار، كما لم تستطع الدولة العباسية حمايته منهم، فظلوا يرجمون داره حتى صارت الحجارة فوق داره كالتل العظيم وتحول بينه إلى قبر له.(15)
وهذا هو التراث الحنبلى الذى تحمله الدعوة الوهابية، ويضاف إليه تراث ابن تيمية الفقهى والحركى فى الهجوم على الصوفية والشيعة، مع أنهم كانوا فى عهده أصحاب سطوة ونفوذ، خصوصاً الصوفية. ومع ذلك فإن عنف ابن تيمية تجلى فى فتاويه التى تبيح قتل الزنديق بدون محاكمة، والزنديق ليس هو المرتد ولكنه المسلم الذى يؤمن بالله ورسوله والكتاب والسنة ولكنه يخالف المذهب السلفى فى بعض آرائه. وقد نقل هذه الآراء فقهاء الحركة السلفية المعاصرون مثل أبى بكر الجزائرى فى السعودية وسيد سابق فى مصر.(16) فكل من أنكر أو ناقش مقولة سلفية أو شعاراً أساسياً للحركة مثل تطبيق الشريعة أو الشعار الغامض "المعلوم من الدين بالضرورة" فجزاؤه القتل بدون محاكمة وبدون استتابة عندهم. وبالتالى فإن الحديث عن تداول السلطة إذا وصلوا للحكم ليس له محل من الإعراب.
ومن الطبيعى أن تتحول مصادرة الفكر إلى مصادرة للحق فى الحياة، وإذا كان أصحاب الحديث قد تقربوا للدولة العباسية باختراع حديث الردة لتقتل به الدولة العباسية خصومها السياسيين(17) فإن قتل الخصوم كان شريعة الثوار النجديين أسلاف الحركة الوهابية، وقد توسع أعراب نجد فى قتل الخصوم فى إطار الدعوة الدينية حين كانوا خوارج، وحين ثاروا فى حركة الزنج وفى ثورة القرامطة. وفى كل الأنهار الدموية التى فجروها كان لهم تأصيل فكرى وتأويل مذهبى فى إطار الدعوة التى يرفعونها، سواء، كانت خارجية أو شيعية.
فالخوارج استباحوا قتل المسلمين، يقول الملطى (377 هـ) عن الطائفة الأولى منهم، إنهم كانوا يخرجون بسيوفهم فى الأسواق حين يجتمع الناس على غفلة فينادون "لا حكم إلا لله"، ويقتلون الناس بلا تمييز(18) وهذا شبيه بما يفعله المتطرفون من تدمير المقاهى والشوارع لقتل الناس كيفما اتفق وحجتهم "الحاكمية" اى "لا حكم الا لله " نفس مقولة الحاكمية الأولى من الخوارج.
وفى حركة الزنج قتل الثائرون ثلاثين ألفاً حين استولوا على مدينة الأبلة فى العراق سنة 256 هـ، وفى العام التالى دخل البصرة زعيم الزنج بعد أن أعطى أهلها الأمان، ولكنه نكث بعهده فقتل أهلها وسبى نساءها وأطفالها وأحرق مسجدها الجامع، وكان من بين سباياه نساء من الأشراف، وقد فرقهن على عسكره من الزنوج، وكانت السبايا العلويات تباع الشريفة منهن فى معسكره بدرهمين وثلاثة، وحين استجارت به إحداهن ليعتقها أو ينقذها من ظلم سيدها الزنجى قال لها: "هو مولاك وأولى بك من غيره".(19)
وكان القرامطة أكثر وحشية فى استباحة الدماء والأعراض، ومن موقع المعاصرة والمشاهدة روى الطبرى بعض أخباره، منها أنه خصص غلاماً عنده لقتل الأسرى المسلمين، وأنه استأصل أهل حماة ومعرة النعمان وقتل فيهما النساء والأطفال، ثم سار بعلبك قتل عامة أهلها، وسار إلى سلمية وأعطاهم الأمان ففتحوا له الأبواب فقتل من بها من بنى هاشم ثم اختتم بقتل أهل البلد أجمعين بما فيهم صبيان الكتاتيب، ثم خرج عن المدينة وليس فيها عين تطرف، ونشر الخراب والدماء فى القرى المحيطة. أما ما فعله فى الكعبة وقتل الحجاج فيها وإلقاء الجثث فى زمزم، واقتلاع الحجر الأسود، فذلك ما استفاضت فيه الأخبار، وهذه الوحشية فى قتل الأبرياء كانت تقوم على منهج فكرى أشار إليه النويرى فى حديثه عن التربية الفكرية لشباب القرامطة، كما أشار إليها الطبرى فى قصة واقعية لشاب اقتنع بالدين القرامطى وهجر أمه وأسرته مقتنعاً بالدين الجديد معتقداً استحلال الدماء.(20)
ولا تختلف مذابح الخوارج والزنج والقرامطة – وقادتهم من أعراب نجد أساسا- عن المذابح التى قام بها النجديون الوهابيون السعوديون فى تأسيس الدولة السعودية الأولى ، والدولة السعودية الثالثة الحالية، وقد وصلت تلك المذابح الى العراق والشام والبيت الحرام وسائر مدن الحجاز ، وكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ.
ولا تختلف هذه المدرسة الفكرية التى كان يعدها القرامطة لغسيل مخ الشباب عن الاعداد الفكرىالذى كان فقهاء الوهابية يعدونه لشباب الأعراب النجديين فى العقد الثانى من القرن العشرين والذى يتحول به الشاب الاعرابى الى مقاتل عنيد يرى الجهاد فى استحلال قتل كل من ليس وهابيا، وعن طريق هذا الاعداد الثقافى تكون "الاخوان " جنود عبد العزيز آل سعود الأشداء الذين أسسوا الدولة السعودية الحالية ، وكانت سمعتهم فى القتل والتدمير ترعب قرى الشام والعراق، كما لايختلف عن الاعداد الثقافى الذى تقوم به جماعات الاخوان وبقية التنظيمات العلنية والسرية فى تاريخنا المعاصر والذى يجعل الشاب المصرى المسالم يستسهل تفجير الشوارع والمبانى معتقداً أن ذلك جهاد فى سبيل الله. كما لا يختلف ذلك عن الوحشية الهائلة التى يتعامل بها المتطرفون فى الجزائر مع أبناء الشعب المسالم من نساء وأطفال، وما حركة طالبان عن ذلك ببعيدة، فهم الذين تشربوا الفكر السلفى.

الخاتمة:

وفى النهاية.. قد نختلف فى تأويل حركة التطرف والإرهاب، قد يرجعها بعضهم إلى الفقر والظلم والفساد السياسى والاقتصادى واليأس لدى الشباب، ولكن متى كان الشعب المصرى- وغيره من شعوب الشرق الإسلامى- متمتعاً بالعدل والرفاهية؟ إن الظلم فى عصرنا أخف كثيراً من ظلم المماليك والعثمانيين وغيرهم. ومع ذلك فإن ظلم العصور الوسطى مع قسوته المفرطة لم يفلح فى دفع المصريين للثورة لأن التدين المصرى كان قائماً على الصبر والتسامح، وكان المصرى وهو يكد فى إنتاج الخير للغير يلتقط أنفاسه لكى يسخر من الحاكم الظالم، فإذا شاهد الحاكم الظالم فى موكبه سارع بالهتاف له فى تسامح لا نظير له، فإذا مات ترحم عليه واستنكف من الشماتة فى موكبه فيه قائلاً: اذكروا محاسن موتاكم، وسارع بتعليق أخطائه وخطاياه على الحاشية وحدها.
وظل هذا المنطق المصرى والتدين المصرى إلى أن حدث ذلك التغيير فى الذهنية المصرية فانتشر الفكر السلفى الوهابى الذى يوجب مصادرة حقوق الآخرين تحت دعوى إزالة المنكر، خلافاً لتشريع القرآن، ويتوسع فى إزالة المنكر ليشمل إزالة الدولة نفسها، ويتوسع فى القتل إلى درجة قتل الأبرياء بعد الحكم بتكفيرهم، وبالتالى أصبح قتل الأبرياء جهاداً يتوجه نحو أبناء الوطن الواحد والدين الواحد.

وصحيح أنه لابد من إصلاح سياسى واقتصادى فللتدهور الاقتصادى والاستبداد السياسى دخل فى نشر التطرف وتغذية الحركة السلفية، ولكن الصحيح أيضاً أن الإصلاح الدينى هو الأساس. ونحن هنا لا نبدأ من فراغ بل لدينا تجربة الإمام محمد عبده، التى أجهضها المشروع السلفى السياسى.
ومن الغريب أن تنجح دولة وليدة هى السعودية فى غزو أقدم دولة فى العالم وهى مصر، تغزوها بفكرها الغريب عن الطبيعة المصرية، ومن الغريب أن هذه الدولة السعودية التى تعتبر أقصر عمراً من جريدة الأهرام وشركة عمر أفندى فى القاهرة - تستحوذ على تقديس المصريين بسبب سيادة مفهومها الدينى المخالف للإسلام وسماحته، فالحق يقال أنه إذا كان هناك فرق بين الإسلام والرؤى الفكرية البشرية للإسلام، فإن أقرب الرؤى للإسلام هى الرؤية المصرية الأصيلة المتسامحة، وأبعدها عنه هى الرؤية البدوية المتشددة.
ويبقى الحل فى الرجوع إلى القرآن، نحتكم إليه فى هذه القضية.. وصدق الله العظيم "أفغير الله أبتغى حكماً؟ وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلا؟".





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,919,073
- تعليقا على مسلسل الجماعة ... الجزء الثاني
- تعليقا على مسلسل الجماعة ... الجزء الأول
- لماذا أكتب مقالا عن هذا الحديث .؟
- الشيخ إبليس
- مازال الضحك مستمرا مع إدارة الأزهر
- خَتْم القرآن وتجهيل العقول
- اضحك مع إدارة الأزهر
- وحدانية الخالق ... وحكمته في ثنائية المخلوقات
- إدارة الأزهر .... ماذا تريد منى.؟
- شعوب تقدمت كثيرا في الكلام
- جاهلية عبادة القبور
- ثقافة الاعتماد على الغير عند معظم المسلمين
- الإسلام والفكر الإسلامي
- معني الإرهاب..1
- لماذا هاجم الشيخ القرضاوي التشيع بهذه الشراسة..؟؟
- ماذا تعني .... لقد مات موتة حسنة..!!!
- إدارة الأزهر تحقق معي ثم تعاقبني لأنني أكتب في الإصلاح بالقر ...
- هل أنت مسلم ..؟ أين لحيتك ..؟
- هل يجب على الإنسان الإيمان بكل ما يسمع أو يقرأ ..؟؟
- حرية العقيدة قبل وبعد الرسالة الخاتمة


المزيد.....




- تنظيم -الدولة الإسلامية- يتبنى هجمات سريلانكا عبر وكالته الد ...
- أعياد الفصح.. رمزيات مختلفة وموعد متقارب بين المسيحيين واليه ...
- شاهد.. روبوت ساعد في إطفاء حريق كاتدرائية نوتردام
- مصر.. بابا الأقباط يتدخل بعد صورة سببت جدلا واسعا أثناء تصوي ...
- سريلانكا تربط تفجيرات الكنائس بـ-الانتقام- لمذبحة المسجدين ف ...
- أكبر الأمم المسلمة بحلول 2060
- بالصور..كنيسة قلب لوزة في سوريا التي ألهمت كاتدرائية نوتردام ...
- صحف بريطانية تناقش المخاطر التي يمثلها نتنياهو على المسجد ال ...
- #إسلام_حر.. هل بدأ الإسلام السياسي بعد وفاة الرسول؟
- أكثر من 400 مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رضا عبد الرحمن على - تعليقا على مسلسل الجماعة .... الجزء الثالث والأخير