أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سالم علي محمد كتي - التعاون السياسي بين الدول العربية والدول الإفريقية






















المزيد.....

التعاون السياسي بين الدول العربية والدول الإفريقية



سالم علي محمد كتي
الحوار المتمدن-العدد: 2921 - 2010 / 2 / 18 - 00:47
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


يتناول هذا الفصل مجموعة من القضايا السياسية والاقتصادية المشتركة التي تهم الجانين العربي والإفريقي ، مثل العدوان الإسرائيلي على الأراضي العربية ، وتداعيات حربي السادس من أكتوبر عام 1973م ، وإحتلال الكويت عام 1990م ، وما أثرته على العلاقات العربية الإفريقية ، ودور المؤتمر الدول الإسلامية في توثيق الروابط العربية الإفريقية ، وما ساهمت به الدول العربية من مساعدات ومشروعات تنموية في الدول الإفريقية ، وتأثير ذلك على العلاقات العربية الإفريقية حيث وقفت الدول الإفريقية إلى جانب القضايا العربية .


المبحث الأول
القضايا والسياسات المشتركة ذات البعد الدولى
أولاً : انعكاسات الحرب الباردة على العلاقات العربية الأفريقية.
مع بروز الحرب الباردة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وسيطرتها على علاقات الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي اللذين برزا كأقوى قوتين في الساحة الدولية، تسللت هذه الظاهرة إلى كل مناطق العالم، وتمكنت كل قوة من هاتين القوتين من حراسة منطقة نفوذها حراسة تامة تقريباً، وترتب على ذلك تجميد الوضع القائم، واستمراره لفترة طويلة حيث تمتعت خلاله كل كتلة باستقرار داخلي إلى حد كبير، كما امتدت المنافسة بين الكتلتين إلى الشرق الأقصى والشرق الأوسط وإفريقيا وأخذت المنافسة شكل التداخل المباشر أو غير المباشر بواسطة أطراف ثابتة ( ).

بدأت ترتفع حدة الحرب الباردة منذ الخمسينات من القرن العشرين بين المعسكرين وذلك على جبهات مختلفة ، أبرزها الشرق الأوسط وأوروبا الوسطى فبعد ثورة 23 يوليو1952م في مصر بدأ الشرق الأوسط يمثل مكاناً هاماً بين الدول الكبرى، وهنا نجد أفريقيا بخلاف قارة أسيا التي كانت موطناً للحرب الباردة ، وباستثناء جمهورية مصر العربية فإن الحرب الباردة تأخرت نسبياً بالنسبة لأفريقيا إلى منتصف الستينات فضلاً عن أن القارة كانت محلاً للتنافس بين القوة الاستعمارية القديمة والجديدة أساساً حيث عملت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في إطار التنافس بينهما للسيطرة على العالم على العمل للحلول محل الدول الإستعمارية القديمة (بريطانيا ، فرنسا ، البرتغال ، إسبانيا ، هولندا ) في إفريقيا ، إلا أن الدور السوفيتي لم يظهر بشكل واضح في القارة إلا في غمار أزمة الكونغو عام1960.م ثم جزئياً إلى منتصف الستينات ( ).

وبينما كان الحد الفاصل في أوروبا واضحاً بين المعسكرين، كانت دول الشرق الأوسط وأفريقيا وخاصة الدول العربية، موضوع رهان وتسابق بينهما، وذلك يعود إلى الأهمية الإستراتيجية لتلك البلدان ومخزوناتها الهائلة من البترول أضف إلى ذلك أن الأوضاع الاجتماعية والمعيشية مهلهلة، إلى درجة كانت فيها الثورات والانتفاضات الشعبية سهلة الحصول كما كانت سهلة إمكانية الاستفادة من هذه الظروف واستغلالها لمصالح دول خارجية. وانطلاقا من هذه المعطيات بدأ التنافس بين المعسكرين يظهر رويداً على ساحة الشرق الأوسط وذلك بأن كان يحاول كل طرف تسجيل أكثر ما أمكنه من النقاط على خصمه فالولايات المتحدة الأمريكية عن طريق المساعدات الاقتصادية والتحالفات العسكرية غير المباشرة، والإتحاد السوفيتي عن طريق دعمه للدول العربية في نزاعها ضد إسرائيل، وإمدادها بالأسلحة، خصوصاً لمصر وسوريا( )
والحقيقة أن العالم العربي لم يخل طوال هذه الفترة من تأثيرات الحرب الباردة بين القوتين بدءاً بالتطورات التي أدت إلى دخول الاتحاد السوفيتي حلبة التنافس السياسي والاقتصادى مع الولايات المتحدة من خلال صفقة الأسلحة التشيكية لمصر عام 1955م ، ومساهمته في بناء مشروع السد العالي وهو التطور الذي سبقه وواكبه محاولات الولايات المتحدة ربط مصر وأقطار المنطقة بالتنظيمات والأحلاف العسكرية الغربية الموجهة أساساً ضد الاتحاد السوفيتي، ورغم الاتفاق النادر بين القوتين الأعظم خلال حرب السويس في معارضتها للعدوان الثلاتى فإن الموقف العسكري الأمريكي كان مدفوعاً أساساً بالقلق من اتجاه الإتحاد السوفيتي في المنطقة، وقد عبَّر عن هذا وزير الخارجية الأمريكي أنذاك (جون فوستر دالاس) بعد أحداث السويس في بيانه الذي ألقاه أمام الكونغرس الأمريكي في نهاية عام 1956م حيث قال: "إن القادة الروس مازالوا يتطلعون إلى النجاح وأنه من مسئولية أمريكا الكبرى وقف انطلاق الشيوعية وانتشارها في الشرق الأوسط ،حيث توجد الأماكن المقدسة والموارد الحيوية ووسائل المواصلات"( ) ، وفى يناير1957م ألقى أيزنهاور خطاباً أمام الكونغرس وضع فيه الشرق الأوسط بشكل مباشر في دائرة الحرب الباردة بل وأعتبر أن سيطرة الإتحاد السوفيتي بمثابة مأساه للمنطقة ولعدد من الأقطار الأخرى التي ستتأثر تنميتها الإقتصادية سلباً ، حيث أن غرب أوروبا سوف يتهدد كما لو لم يكن هناك لا مشروع مارشال، ولا منظمة حلف شمال الأطلنطي وكان هذا البيان إذاناً لظهور ما عرف بمبدأ أيزنهاور الذي تضمن إلى جانب المساعدة الاقتصادية استخدام القوات المسلحة حين يطلب منها استخدام الخيار الآخر ، وقد وضع هذا المبدأ موضع الإختيار الفعلي في عدة أزمات بالمنطقة فى الأردن فى أبريل 1957م وفى سوريا فى أغسطس 1957م وخلال الأزمة اللبنانية فى 1958م( ) .
وتعتبر القارة الأفريقية ميداناً للصراع الجيوبولوتيكي بين القوى الكبرى و إحدى ميادين الصراع الأيدولوجى على المستوى العالمي بين النظام الإشتراكى والنظام الرأسمالي ، فمن الناحية الإستراتيجية ، تحتل القارة موقعاً حساساً إذ تطل من جهة الشرق على المحيط الهندي والبحر الأحمر، ومن الشمال على البحر المتوسط ، كما تقع كل حدودها الغربية على المحيط الأطلنطي وفى الجنوب تشرف على نقطة إلتقاء المحيطين الكبيرين إلى جانب سيطرتها على ثلاثة مضايق من أهم وأخطر المضايق العالمية، ومن الناحية الاقتصادية فهي مصدر هائل من مصادر المواد الخام ذات القيمة الأساسية فى ميدان التصنيع وإنتاج الحديد، وفى نفس الوقت تمثل سوقاً كبيراً يسهم فى إمتصاص قدراً كبيراً من المنتجات الأجنبية ( ) ، وهذا ما يفسر ازدياد الصراع بين هذه القوى على إفريقيا ، وعلى الدول العربية التي لها ميزات لا تقل عن ميزات القارة الإفريقية سيما وأن ثلثي هذه الأقطار يقع في شمال إفريقيا .
وعلى هذا فمن ناحية استراتيجيات القوتين العظمتين انقسم شمال العالم الغني سياسياً وعسكرياً وأيديولوجياً، وكان من الطبيعي للقوى العظمى القائدة( استراتيجية كلية) تشمل مختلف مناطق العالم، فكان من الطبيعي أن تصبح إفريقيا إحدى ميادين الصراع بين المعسكرين( ) .
لذلك أكدت قمة الوحدةالإفريقية عام 1963م في أديس أبابا ، والذي حضرها ثلاثين رئيس دولة ، عشرة منهم من الدول العربية ، على ضرورة التعاون العربي الإفريقي ، ثم كانت قمة القاهرة عام 1964م ، ثم قمة أكرا عام 1965 م، حيث أكدت القمتينن الأخيرتين على دعم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية ، كما أكدت الدول الإفريقية في قمة 1967 م تضامنها مع الشعب العربي في مواجهة العدوان الإسرائيلي ، وقرر مؤتمر القمة الإفريقية عام 1969م ضرورة تطوير التعاون العربي الإفريقي في مختلف المجالات ، وأصدر الرئيس الأوغندي عيدي أمين في إبريل 1972م قراراً يستعيض فيه عن 470 خبير إسرائيلي ليحل محلهم خبراء عرب وهذا ما شجع الكثير من الدول الإفريقية على قطع علاقاتها مع إسرائيل ، وفي نوفمبر 1972 م قرر مجلس منظمة الوحدة الإفريقية إنشاء لجنة تتشكل من عشر دول إفريقية لدراسة سبل دفع التعاون مع المجموعة العربية ، وأصدر المجلس بياناً اعتبر فيه أن مسئوليات المنظمة المتأتية عن المبادئ الأساسية لها وللأمم المتحدة تفرض عليها مساعدة الدول العربية لتحرير الأراضي المحتلة في يونيو 1967م ، وتقرر أن توفد المنظمة خمسة وزراء أفارقة إلى نيويورك لعرض القضية الفلسطينية على مجلس الأمن ( ).
و في عام 1974م، أصدر المجلس الوزاري لمنظمة الوحدة الإريقية قراراً يقضي باعتبار القضية الفلسطينية قضية ذات أولوية على أجندة المنظمة كأية قضية من قضايا التحرر الإفريقي ، وبالمقابل أعلن مجلس الجامعة العربية في عام 1975 م عن تضامن الدول العربية مع الدول الإفريقية من أجل تحرير كل شبر من الأراضي الإفريقية ، وعليه فقد تم التنسيق لإقامة مؤتمر للتعاون بين الدول العربية والإفريقية في داكار في إبريل 1976م، وتم إصدار وثيقة عرفت باسم "وثيقة داكار" تلك الوثيقة التي وضعت برنامج عمل مشترك للتعاون العربي الإفريقي ، حيث أصبح التعاون ين الطرفين أساسياً ومن أبعاد السياسة الخارجية لكليهما ، وعقدت اللجنة المشتركة اجتماعا في لومي في يناي 1977 م، حيث تم إصدار مجموعة من التوصيات أهمها إنشاء برنامج العمل المشترك لتحقيق التعاون ، والإعلان السياسي ، وفي اجتماع القمة المنعقد في القاهرة في مارس 1977 م تقرر وضع برنامج عمل للتعاون العربي الإفريقي ، وإقرار ميكانزمات تحقق التعاون الفعال والذي يشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، من خلال التخلص من التبعية ، وتحقيق التحرر والتنمية من خلال دعم حركة عدم الانحياز وتطبيق مبدأ التعايش السلمي ، وتعزيز المشاورات والاتصالات عبر البعثات الدبلوماسية( ) .
فعلى سبيل المثال كان الغرب يعتبر كينيا أحد مراكزه المتقدمة فى أفريقيا بقصد مكافحة التوسع السوفيتي فى عصر الحرب الباردة، ، أما بالنسبة فترتي الستينات و السبعينات فنلاحظ أن هناك ارتباط موضوعي بين الصراع السوفيتي والأمريكي في إفريقيا التي شهدت تصاعداً مثالياً فى الدور السوفيتي منذ عام 1974م بصفة خاصة، والتي عملت على تحطيم الأوضاع الاستغلالية القائمة للدول الرأسمالية ودعت إلى بناء نظام اقتصادى واجتماعى جديد ، وهى نفس الفترة النهائية والعلنية لمرحلة التعاون فى العلاقات المصرية السوفيتية، ومن هنا فقد تأكد أن تطور إفريقيا لايتم بمعزل عن الصراع العالمي بين القوى الاشتراكية والقوى الرأسمالية( ).
أما في فترة الثمانينات فقد حظيت قضية التحرر الوطني في إفريقيا باهتمام كبير من قبل الجامعة العربية بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث رأت الجامعة العربية أن تيار القومية العربية الذي ساد خلال الخمسينات والستينات والذي يربط بين الصهيونية والإمبريالية ومقاومة القواعد العسكرية الإجنبية ويعلن تمسكه بالحياد الإيجابي وعدم الإنحياز في عالم الحرب الباردة ، رأت أن هناك تلاقي بين هذا التيار والتيار الذي أطلق عليه الأفريكانية ، ذلك التيار الذي يعبر عن نزعة استقلالية وتحقيق الوحدة الإفريقية( ) ، لكن هذه النزعة كانت تصطدم أحيانأ ببعض العقبات التي تحول دون تلاقي المنظمتين العربية والإفريقية ، فعلى سبيل المثال كانت الدول العربية والمنظمة العربية تدعو إلى ضرورة تحرير أرتيريا من النظام الأثيوبي ، بينما كانت ترى معظم الدول الإفريقية في المنظمة الإفريقية عدم الاهتمام بهذه القضية واعتبارها داخلية( ).

كما أنه في أوائل الثمانينيات جاء الاتجاه المتشدد في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك في التعامل مع الاتحاد السوفياتي الذي مثلته إدارة الرئيس رونالد ريغان في التعامل مع الطرف السوفيتي، وقد انعكس ذلك بطبيعة الحال على كافة جوانب التحركات الأمريكية تجاه جوانب العلاقات المختلفة بما فيها الأوضاع في المناطق الإقليمية في العالم، كما شهد الاتحاد السوفيتي موجة قصيرة من الإحياء الأيديولوجي تمثلت في بعض الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وفي أكتوبر 1985 م ألقى الرئيس الأمريكي ريغان خطاباً أمام الجمعية العامة، وطرح مبادرته حول الصراعات الإقليمية، حيث ربط فيها العلاقات الشاملة بين القوتين والتوترات والنزاعات الإقليمية، باعتبار أن تلك الصراعات قد أدت دوراً واسعاً في بناء الشكوك والتوترات في الولايات المتحدة حول نوايا الاتحاد السوفيتي ومطامعه وأهدافه، خصوصاً في كمبوديا وأثيوبيا وأنجولا ونيكاراجوا والشرق الأوسط( ) ، وقد اقترح ريغان أن يتم التقدم نحو عملية سلمية في هذه المناطق تكون أولاً بين الأطراف المباشرة على شكل تفاوضي، ثم اجتماع ممثلي كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لمناقشة ما يتم التوصل إليه ، وقد وافق السوفييت على اقتراحه ، ومن هنا تظهر العلاقة التبادلية بين الجانبين في إطار الحرب الباردة وبين موقفها من النزاعات الإقليمية، حيث تبدو علاقة التفاعل في هذا الوقت بين التقدم الذي يحدث على إحدى الجبهات وبين ما يوفره ذلك من تزايد مناخ الثقة بشكل يسمح باستقرار الأوضاع والإسهام الإيجابي بينهما من تسوية النزاعات الإقليمية، وبعبارة أخرى فإن مناطق الصراع فى العالم الثالث تنتظر استقرار العلاقات بين القوتين العُظمتين، حتى يمكن أن يتوفر مناخ ملائم لحلها ، وهذا ينطبق على قضايا إفريقيا والعالم العربي والشرق الأوسط بوجه عام ، أما على الجانب السوفيتي فقد حدثت تغييرات هامة بدأت منذ منتصف السبعينات، وتمثلت فى التراجع الاقتصادى الواضح للإتحاد السوفيتي بسبب تزايد الانفاق العسكري بهدف الحصول علي تكافؤ إستراتيجى كامل مع الولايات المتحدة فى المجال النووى، وقد أدى التراجع الأخير إلى اختلال المكانة واختلال فى الوضع الذي بدأه السوفييت فى منتصف السبعينيات( )
وتأكد ذلك عندما أخذت الجامعة العربية تصدر القرارات الكثيرة التي تطالب فيها الدول العربية ، بضرورة مساعدة ودعم حركات التحرر في الدول الإفريقية ، وتأييد القضايا الإفريقية في المحافل الدولية ، فلم تكد تنعقد دورة دون أن تخلو من قرار تأييد قضية من قضايا تحرير إفريقيا ( ) ، وعلى هذا الأساس تراجع سعي الاتحاد السوفيتي ايدولوجيا وعسكرياً داخل المنطقة العربية، وذلك في كسب هذا الحليف أو ذاك من الدول العربية، وتم التسليم بواقع النفوذ الغربي والسلام الأمريكي في العالم العربي، كما تراجع حجم الدعم السوفيتي العسكري والسياسي للبلدان العربية، وأدى إلى خسائر عربية نتيجة الهزيمة التي حكمت إدارة غورباتشوف والتي أدت إلى نهاية الحرب الباردة( )، وحدث نوع آخر من الاختلال، حيث بدأ نوع من فك الارتباط بين حركات التحرر الوطني والنظم الوطنية والاتحاد السوفيتي من جهة، وظهور موجة معاصرة من حركات التحرر الوطني والتحولات التقدمية بسبب انهيار الإمبراطورية السوفياتية في افريقيا ونضوج تناقضات النظم الاجتماعية شبه الانفصالية من جهة أخرى، ووسط هذه الظروف المختلفة التي أحاطت بالاتحاد السوفيتي أدت الأزمة الداخلية والفشل الداخلي إلى انقلاب مفاجئ في منتصف الثمانينيات، شمل حتى مفاهيم القيم السوفيتية، وعبرت عن ذلك ثورة غورباتشوف التي انتقدت الإمبراطورية السوفيتية بكافة صيغها خاصة الستالينية وطرح غورباتشوف الوفاق بدلا من المجابهة، أو الحرب الباردة، وبصرف النظر عن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي، والتحول الجذري في المنظومة الاشتراكية فقد كان لهذا الانهيار، وذلك التحول أبعاده، الدولية والإقليمية وخصوصا في أقاليم إفريقية والمنطقة العربية( ) .

ويرى البعض الآخر أن ذلك الأمر أمراً طبيعياً مصاحباً لاختلال التوازن الدولى، حيث تعتبر قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة -على التحرك " السبب المستقل " فى النسق الدولى - أكبر فى ظل الطابع التعددى للبنيان الدولى ، كلما زادت درجة الصراع بين القوى الكبرى فى هذا البنيان، حيث أن بنيان تعدد الأقطاب أو القطبية الثنائية يؤديان إلى زيادة قدرة الدول الصغيرة والمتوسطة على الحركة المستقلة ( ) وهذا الأثر يسرى على البلاد العربية والبلاد الإفريقية على حد سواء ، فإن الحليف السوفيتى السابق والمتفكك ينهى هامش المناورة أمام العرب فى قضاياهم، وهذا يؤدى بهذه الدول إلى مزيد من الاعتماد على المجموعة الغربية، مما يؤدي إلى تدهور مكانة البلاد العربية فى النسق الدولى العالمى من ناحية أهمية قضاياهم بصفة عامة ( ) ، وناءاً على ذلك يمكن القول بأن هذا الوضع الجديد، قد أفضى إلى نوع من الهيمنة الأمريكية، فى ظل عقلية تسودها روح الإنتصار الأيديولوجى على الاتحاد السوفيتى، كما أن التفكك السوفيتى، والتحالف الأمريكى الروسى بعث على الاعتقاد بأنه آن الأوان لتصفية كل بقايا هذا القديم فى العالم الثالث، سواء فى العالم العربي أو إفريقيا.

ومن ناحية أخرى، يلاحظ أن قدرة المجموعة العربية والإفريقية داخل الأمم المتحدة لم يعد لها نفس الاعتبار السابق إبان الحرب الباردة، حيث أن الأمم المتحدة فى عصر التوازن الدولى والحرب الباردة كانت إحدى الأدوات المتاحة لمثل هذه الدول للتعبير عن سياستها الخارجية، وأداة من أدوات تنفيذها والاستفادة من مواردها كما أن الاتحاد السوفيتى فى مجلس الأمن والجمعية العامة ساهم كثيراً فى مساعدة دول العالم الثالث، سواءاً العالم العربى أو إفريقيا، فى مشاكل تصفية الاستعمار ومحاربة التمييز العنصري وأغراض التنمية.
ومع انعقاد القمة العربية في عمان عام1987م ، عادت مصر إلى الجامعة العربية لتلعب دورها الطبيعي في تقوية التعاون العربي الإفريقي مرة أخرة ، وهذا ما بدا واضحا خلال الفترة (1989-1990)م ، حيث تمكنت الدبلوماسية المصرية من احتواء الأزمة الموريتانية السنغالية التي كانت تهدد بحرب قد تحصل بين الطرفين( ) ، وفى نهاية الثمانينات وبداية عصر التحول فى النظام الدولى أصبحت الأمم المتحدة أداة تابعة فى يد القوة العظمى الأولى والدليل على ذلك ما فرضته الولايات المتحدة الأمريكية من قرارات تؤيد إسرائيل أو تدعمها أوتجيز احتلال العراق وأفغانستان، ودورها فى إلغاء القرار رقم 3379 الصادر عن الجمعية العامة فى نوفمبر 1975م، القاضى بمساواة الصهيونية بالعنصرية استدال القرار بقرار آخر صادر أيضاً عن الجمعية العامة في ديسمبر ( )، لهذا فإن قدرة العرب على التأثير داخل الأمم المتحدة، لم تعد بنفس القوة التي كانت سائدة إبان الحرب الباردة ، كما أن دور المجموعة الإفريقية فى التوازنات السابقة خصوصاً داخل الجمعية العامة لم تعد بنفس القدر منذ نهاية الثمانينات.
والواقع أن فترة الحرب الباردة، والتي وصلت ذروتها في منتصف الثمانينات وما صاحبها من استقطاب دولي كانت قد مارست تأثيراتها على الأمم المتحدة فى اتجاهات مختلفة، منها تعذر تحقيق اتفاق بين الدول الدائمة العضوية فى مجلس الأمن، والإسراف فى استخدام الفيتو، وهو ما أعاق مسيرة الأمم المتحدة نحو العالمية وأثار العديد من المسائل المتعلقة بالعضوية فى المجلس ، كما أدى نظام القطبية الثنائية إلى انهيار نظام الأمن الجماعي، وأدت ظاهرة الاستقطاب من ناحية أخرى إلى إضفاء قدر كبير من الحيوية على الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي لعبت دوراً هاماً من المسائل الاقتصادية والاجتماعية وفى المسائل المتصلة بالمستعمرات، والمسائل الأخرى المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين بحيث يتجاوز الدور المنصوص عليه فى الميثاق( ) ، ومن أبرز أدوار دول العالم الثالث دور مجموعة الـــ77 والتي طرحت من خلالها مفاهيم جديدة تم تعميمها على كثير من الأنظمة والتي ترى أن التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي يجب أن يكونا مسئولية تضامنية للجمعية الدولية، كما استطاعت دول العالم الثالث- خصوصاً بعد نجاح الأوبك بعد حرب أكتوبر 1973م- فى طرح مطلب إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد من خلال دورة خاصة للجمعية العامة عام 1974م ( )، إلا أنه بعد الحرب الباردة، تمكنت الدول الغربية من السيطرة على مجلس الأمن، الذي تحول إلى حكومة عالمية فعلية تتمتع بصلاحيات واسعة، تسيطر عليها الولايات المتحدة وفرنسا وانجلترا.

لقد أحدثت الحرب البادرة انقساماً في العالم العربى يماثل الانقسام الذي أحدثته في القارة الأفريقية في بؤرة التوتر خاصة في الكونغو( 1960- 1961) م ، وأنغولا( 1974-1975) م والقرن الأفريقي
( 1977-1978) م حيث وقعت قضية إرتريا في إحدى فترات الحرب الباردة، ويمكن القول إن الحرب الباردة أعاقت إلى حد ما، بعض القضايا في العلاقات العربية الأفريقية، مثلما حدث في صراع القرن الأفريقي، وقضية ارتريا حيث تورطت فيهما معظم الدول العربية وانقسمت على نفسها مكونة فريقين متضادين بفعل الحرب الباردة من وراء القوتين العظمتين ، كما أن تقدير أثر الحرب الباردة على المنطقتين العربية والإفريقية يرجع إلى قابلية البيئة العربية والإفريقية للمؤثرات الخارجية، وتركيز طرفي الحرب الباردة على مسرح الصراع في المنطقتين أكثر من غيرهما كأمريكا اللاتينية أو آسيا.

ثانياً : آثر حركة عدم الإنحياز على العلاقات العربية الأفريقية
ضمت حركة عدم الإنحياز في عضويتها دولاً تنتمي إلى قارات أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية وأوربا وظهرت لأول مرة عام 1955م في المؤتمر الأفريقي الأسيوي في باندونج ، ومنذ أن وصلت إلى ذروتها في عام1961م توالت الاجتماعات كل ثلاث أعوام وذلك لمناقشة القضايا العالمية وبعد مرور ربع قرن على مؤتمر باندونج أصبح عدد الدول المنتسبة إلى الحركة حوالي 92دولة ( ) ، وكان المؤسسين لهذه الحركة يحاولون أن يحققوا هدفين أولهما تكوين منظمة عازلة من الدول غير المنحازة لمقاومة الضغوط الخارجية التي تحاول أن تدفع تلك الدول إلى أخذ موقف في صراع الحرب الباردة ، وثانيهما خلق تفوق سياسي عالمي للتعجيل بعملية تصفية الاستعمار، حيث أكدوا أن قوة الحركة تـنبع من حريتها، وعلى هذا الأساس تحولت أنظار العالم في منتصف الخمسينيات من النظر إلى الشرق والغرب فقط إلى النظر في العالم الثالث كأحد الأطراف الفاعلة( ) ، حيث رأت السياسة الأمريكية، أن حركة عدم الإنحياز، قد أخطأت حينما أخفقت في التمييز بين الحق والباطل, وبهذا احتجت أمريكا على وضعها على قدم المساواة مع الاتحاد السوفيتي في منظور قادة الحركة، ورأت أن النظرة الفلسفية للحركة لاتتحلى بالأخلاقية ( ) وأن الممارسة السياسية من قبل الحركة ضد الكتلتين لا يتعدى " الابتزاز الدولي".

والتفاعلات التي سادت السياسة الدولية في الحرب الباردة، وحتمية التنافس بين القوى الأساسية في الساحة الدولية، خلفت إحساساً من التوجس والخوف لدول العالم الثالث مثل الحرب الكورية1951، والعدوان الثلاثي على مصر1956،والغزو السوفيتي للمجر1956، وأزمة الصواريخ الكوبية1962، كلها وقائع هددت بنشوب صدام نووي، ولهذا كان منطقياً في مثل تلك الظروف الدولية، أن تدرك الدول الأسيوية الأفريقية ضرورة التعاون فى جميع الميادين، لمواجهة هذه البيئة المختلفة والتى بدورها أسهمت فى تكوين فكرة عدم الإنحياز( ).

إن أكثر الدول التي هي بحاجة إلى التعاون الدولي هي دول العالم الثالث عامة والدول الأفريقية خاصة، وذلك من أجل مواجهة مشاكل التخلف والحفاظ على استقلالها وتدعيمه، من هنا ينبع إدراك الدول الإفريقية والعربية لأهمية التعاون الدولي والنص عليه كهدف من أهداف كل من منظمة الوحدة الإفريقية وجامعة الدول العربية، ويتجلى ذلك في إيمان دولهما بميثاق المنظمتين والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وميثاق حركة عدم الإنحياز، وما تتضمنه من إقامة صرح التعاون السلمي والدولي، وأصبح التعاون بين الدول العربية والإفريقية يهتدي بمبدأ عدم الإنحياز، حيث أصبح التمسك بهذا المبدأ في السياسة الخارجية يمثل إحدى سمات التنظيم الدولي( ) ، ويأتي هدف حفظ السلم والأمن في مقدمة الأهداف التي تسعى منظمة عدم الإنحياز والمنظمتين الإفريقية والعربية لتحقيقها، والعلاقة بين هذه المنظمات وطيدة جداً فمعظم الدول العربية والإفريقية هي أعضاء في حركة عدم الإنحياز، وتجمعهم سمات عامة بدءاً بالسمات التاريخية والجغرافية والثقافية، كما أن هذه المشاكل التي تعانى منها هذه الدول نجدها متشابهة جداً، فمثلاً هناك تشابه في السيادة الوطنية وتسخير الموارد من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، كما أن هذه الدول تجمع بينها المشاكل مثل عدم استقرار الأوضاع الاقتصادية والسياسية وكثرة الانقلابات ، وقضية التنمية الاقتصادية( ).

كان دور الزعيم جمال عبدا لناصر واضحاً في تضامن دول عدم الانحياز حيث قادت مصر العمل نحو تحرير إفريقيا، فلم تشأ قيادة ثورة يوليو لحركة عدم الانحياز أن تغلق حدود مصر وأن تدير ظهرها لحركات التحرر الوطني، فساندت بالمال والسلاح والتدريب والمعلومات، ثورة الجزائر وحركات التحرر الوطني الإفريقية، كما أن تبنى سياسة عدم الانحياز لا يعنى الصمت عن العدوان الإسرائيلي المتكرر على الشعب الفلسطيني, فإزاء الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على غزه مند الرابع من أبريل 1956م والتي نجم عنها استشهاد ثلاث وستين قتيلاً وجرح مائة واثنين فلسطيني ومصري ، ردت قيادة الثورة المصرية بإدخال مائة فدائي مصري لفلسطين المحتلة ، حيث قاموا بعمليات فدائيه ضد المستعمرات الصهيونية بلغت ثمان وعشرين غارة في أبريل 1956م إضافة إلى ضرب خطوط المواصلات الإسرائيلية ، فلثورة يوليو دورها الكبير في القضايا السياسية مثل تصفية الاستعمار والتضامن الكفاحي والنضالي مع حركات التحرر الوطني واستقلال الشعوب ودعمها من الناحية الاقتصادية من خلال إقامة بعض المشاريع التنموية ،حتى بلغ الدور المصري ذروته بإصدار المنظمة الدولية قراراً يقضي بتصفية الاستعمار ذلك القرار الذي تبنته مجموعه من الدول الأفريقية والآسيوية في سبتمبر 1960م ، حيث تمت الموافقة علي المشروع بأغلبية 89 صوت ضد لاشي وامتناع تسعة دول عن التصويت.( )
إن التأكيد على تعاون دول الجنوب مع بعضها زادت أهميته في إعلان القاهرة لدول عدم الإنحياز الذي صدر عن مجموعة السبعة وسبعين في أغسطس عام1982 وهذا الإعلان هو الذي رسم معالم هذا التعاون، ثم جاء مؤتمر القمة الثامن لرؤساء دول وحكومات عدم الإنحياز الذي انعقد في هراري في زيمبابوي، حيث صاغ من جديد مضمون الفكرة وطالب بمحطة متكاملة للسير قدماً في هذا التعاون الذي أكدت فيه كل الدول على التعاون الاقتصادى بين الدول النامية( ) ، كما أكدت حركة عدم الإنحياز على أهمية هذا التعاون بخطوات على أرض الواقع من خلال التنسيق مع منظمتي الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية في عدة قضايا منها، قضايا حركات التحرر الوطني بمطالبة الدول الغير منحازة بقطع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع الدول الاستعمارية والعمل على مساعدة المنظمات في تصفية الاستعمار واتخاذ الإجراءات اللازمة لاستقلال كل الدول ( ) ، ففى البيان الموجه من القمة العربية المعقودة في الجزائر من الملوك والرؤساء العرب في أغسطس1973م، يؤكدون على تقديرهم لبلدان عدم الإنحياز في إفريقيا للتضامن الفعال الذي أيدته إزاء كفاح الشعوب العربية وحث بلدان عدم الإنحياز لمضاعفة نشاطهم الفردياً والجماعي ؛ لفائدة إيجاد حل في الشرق الأوسط يتفق مع مبادئ وقرارات بلدان عدم الإنحياز، ويعمل على استتباب الأمن في العالم، كما شجب الملوك والرؤساء التواطؤ الوثيق القائم بين إسرائيل والأنظمة الاستعمارية والعنصرية ، ودعوا بلدان عدم الإنحياز وشعوب العالم الثالث إلى تحمل مسئولياتها من أجل نصرة الحق والعدل( ) ، كما أكدت دول عدم الإنحياز في جميع مؤتمراتها على مكافحة التمييز العنصري بكافة أشكاله حيث شكلت هذه السياسة إحدى المحاور الرئيسية لسياسة حركة عدم الإنحياز واعتبرته انتهاكاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومبدأ المساواة بين الشعوب وأنه من الواجب عزل الحكومات التي لا تزال تتبع سياسة التمييز العنصري في العالم عزلاً تاماً إلى أن تكف عن سياستها التي تتنافى مع العدالة الإنسانية، وقد ساندت حركة عدم الإنحياز جنوب إفريقيا في التخلص من العنصرية بكافة أشكالها ( ) كما أكدت ذلك قمة الجامعة العربية في مؤتمر عمان في نوفمبر 1960،عند عرض برنامج عمل بين الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية والتي أشاروا فيها إلى ضرورة التنسيق بين المنظمتين ودول عدم الإنحياز بشأن دولهم في النضال ضد التمييز العنصري والاستعمار، ودعم حركات التحرر الوطنية التي تعترف بها منظمة الوحدة الإفريقية، وتأييد مبدأ حق تقرير المصير للشعوب( ).

كما أنه عندما برزت أهمية نزع السلاح بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت الأمم المتحدة نزع السلاح لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، لكن تصدى لهذه القضية مؤتمر القمة الثلاثي الذي انعقد بيوغسلافيا في يوليو1956، واشترك فيه كل من : الرئيس اليوغسلافي تيتو، والرئيس جمال عبد الناصر، ورئيس الوزراء الهندي نهرو، واعتبروا أن وجود السلاح النووي خطر على الإنسانية وسباق التسلح يشكل عاملاً أساسياً لتهيئة ظروف الحرب والعدوان، وبدورها فإن الحركة دعت جميع الدول لإبرام معاهدة شاملة لحظر التجارب النووية تخضع لإشراف دولي فعال ، وعلى الدول الحائزة على الأسلحة النووية أن توقف كافة التفجيرات التجريبية للأسلحة النووية، وقد رحبت دول الحركة بقرار الجمعية العامة الصادر في ديسمبر1992بشأن إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط ،كما رحبت دول الحركة بوضع مشروع اتفاقية بشأن اعتبار إفريقيا منطقة خالية من السلاح النووي ( ) ، كما تضافرت جهود الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية فى حث الدول النووية الكبرى على إنجاح نزع السلاح ( ).

ثالثاً : دور منظمة المؤتمر الإسلامي في توثيق التعاون العربي الإفريقي
• منظمة المؤتمر الإسلامي والقضايا العربية
تعتبر القضية الفلسطينية أومشكلة الشرق الأوسط هي المشكلة الرئيسية في العالم العربي كما أصبحت المشكلة الرئيسية في مؤتمرات منظمة المؤتمر الإسلامي مثل مؤتمر وزراء الخارجية الثالث الذي عقد في جدة في فبراير 1972م حيث أكد المؤتمر على قرارات مؤتمر الرباط ومؤتمر وزراء الخارجية الثاني في كراتشي، وبحث خطورة استمرار احتلال إسرائيل لأجزاء من ثلاث دول عربية إسلامية، الأمر الذي شكل انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة وتهديداً للسلام العالمي، وإصراراً على سياسية القوة وعدم انصياعها لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة ، كما أكد المؤتمر على إدانة إسرائيل 1979 بسبب عدوانها ضد البلدان العربية الشقيقة وعلى تماديها في انتهاك مبادئ الأمم المتحدة وعدم تنفيذها ، وتحميلها مسؤولية تدهور الوضع في الشرق الأوسط، وتمسكه بالانسحاب من جميع الأراضي العربية التي احتلها في يونيو 1967، وأيد المؤتمر تقريره للدول الإسلامية وجهود الدول الإفريقية والأسيوية بقصد إيجاد حل شامل للشرق الأوسط تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة وطالب الدول الكبرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بضرورة إيجاد الإجراءات اللازمة للضغط على إسرائيل من أجل الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ووقف تقديم أي دعم عسكري أو اقتصادي أو فني لها حتى لا تتمادى في عدم الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة وقد أكد مؤتمر وزراء الخارجية الإسلامي الرابع الذي عقد في مارس 1974 في بنغازي بليبيا نفس القرارات، كما أولى مؤتمر القمة الثاني الذي عقد في لاهور بباكستان في فبراير1974 اهتماما بالغاً بالوضع في الشرق الأوسط، وأكد المساندة الكاملة لمصر وسوريا والأردن والشعب الفلسطيني في نضالهم المشروع لاسترجاع جميع الأراضي المحتلة، والعمل في كافة المجالات لحمل إسرائيل على الانسحاب الفوري غير المشروط من جميع الأراضي العربية، وطلب من جميع الدول مساندة شعب فلسطين بكافة الوسائل في نضاله ضد الاستعمار الصهيوني العنصري.

وقد كانت سنة 1979 م متمثلة بحدتها في عقد معاهدة كامب ديفيد ، حيث كانت الأحداث خلالها محطاً لإهتمام المنظمة، ونوقش مسألة إبرام مصر المعاهدة، وطرحت مجموعة الرفض تجميد عضوية مصر في المنظمة جراء عقدها للمعاهدة، برغم أن الدول الافريقية الحاضرة في مؤتمر وزراء الخارجية العاشرة في فاس في مايو 1979م قد عارضت التعليق وامتنعت عن التصويت، لكن أسفرت النتيجة النهائية عن تجميد عضوية مصر في المنظمة ( ) ، وفي مؤتمر وزراء الخارجية الثالث عشر الذي عقد في نيامي بالنيجر في أغسطس 1982م أدان المؤتمر إسرائيل لاجتياحها الأراضي العربية اللبنانية ، واعتدائها على بيروت والمدن اللبنانية والمخيمات الفلسطينية فيه وأكد ضرورة تقديم الدعم للحكومة اللبنانية وتأييدها في المساعي التي تقوم بها في المحافل الدولية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي وشدد المؤتمر على حرصه على سلامة واستقلال لبنان ووحدة أراضيه وشعبه، وفي مؤتمر القمة الرابع الذي عقد في الدار البيضاء بالمغرب في يناير 1984أعيد تأكيد ما سبق وشجب المؤتمر قرار إسرائيل ضم مرتفعات الجولان إلى أراضيها( ) .

• منظمة المؤتمر الإسلامي والقضايا الإفريقية
تأتي في مقدمة هذه القضايا التي أولتها دول المؤتمر الإسلامي حيال الدول الإفريقية هي قضية تصفية بقايا الاستعمار والعنصرية ، حيث نجد أن المؤتمر الرابع لوزراء الخارجية الذي عقد في بنغازي في مارس 1974 قد دعا إلى التضامن مع الشعوب الأفريقية وأدان حكومات كل من جنوب أفريقية، والبرتغال ونظام الحكم الغير شرعي في (روديسيا الجنوبية) لإضطهادها حركات التحرير في جنوب أفريقيا، و(أنجولا) و(موزمبيق) وزيمبابوي( ) ، أما مؤتمر القمة الثاني الذي عقد في لاهور 1974م، فقد أكد اهتمامه بالقضية ودعا الدول الأعضاء لمواصلة تأييدها للقضايا الأفريقية ومناصرتها لها في كفاحها ضد الاستعمار والنظم العنصرية وخاصة في(روديسيا) و(جنوب أفريقيا)، كما حاول المؤتمر الضغط على الأنظمة العنصرية من خلال التعاون بين الدول النفطية العربية والإفريقية لحظر كافة منتجات النفط ومنع أي خروج من تلك القاعدة، وطالب المؤتمر سائر الدول الأعضاء تنسيق أنشطتها في المحافل الدولية بما يكفل تنفيذ القرارات( ) ، هذا وقد أولى المؤتمر السادس لوزراء الخارجية -الذي عقد جده في يوليو 1975م- اهتماما واسعا بقضية الفصل العنصري من خلال ما عبر عن تضامنه وتأييده للقرارات الصادرة من منظمة الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية و بيان دار السلام الذي أصدره وزراء الخارجية الأفارقة في أبريل 1975، وناشد المؤتمر الدول الداعية للسلام في كل أنحاء العالم أن تستخدم كل الوسائل والسبل المشروعة ضد حكومة الأقلية بما في ذلك فرض عقوبات سياسية، واقتصادية وعسكرية عليها، وأعرب المؤتمر عن مساندته المالية والعسكرية والمعنوية للنضال العادل الذي تخوضه حركات التحرير في جنوب أفريقيا، وقد تكاثفت الجهود داخل منظمة الأمم المتحدة مما أفضى إلى أن تتخذ الجمعية العامة في الدورة التاسعة والعشرين قراراً بشأن منع جنوب أفريقيا من المشاركة فيها، وناشد الدول بذل المزيد من الجهود لعزل جنوب إفريقيا من مجال المعاملات الدولية، كما حيَّا المؤتمر التلاحم والتضامن بين الأقطار العربية والإفريقية والأسيوية في نضالها المشترك ضد جميع الأنشطة العنصرية– آنذاك– (في جنوب أفريقيا- وروديسيا) وناميبيا وفلسطين، وحيا التلاحم بين حركات التحرير الإفريقية ومنظمة التحرير الفلسطينية ( ).

وأعيد التأكيد على التضامن مع الشعوب الإفريقية ضد الاستعمار والعنصرية في مؤتمر وزراء الخارجية السابع في اسطنبول عام 1976م وكذلك مؤتمر القمة الرابع في الدار البيضاء 1984م ( ) ، كما تعرض مؤتمر القمة الخامس بالكويت 1987م لمسألة التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا مؤكداً على قرارات السابقة ومعبراً عن ارتياحه لموافقة مجلس الشيوخ الأمريكي بالنسبة للعقوبات الاقتصادية ضد نظام الفصل العنصر (بريتوريا)، كما عبر عن ارتياحه لانسحاب بعض الشركات التجارية والمصارف الغربية في جنوب أفريقيا، وأرجع المؤتمر عدم الاستقرار في الجنوب الأفريقي بسبب السياسات التي تنتهجها جنوب أفريقيا ( ) ، وكما برز الاهتمام بالتنفيذ في المؤتمر الوزاري السابع عشر والذي عقد بعمان-الأردن 1988م إذ أصدر المؤتمر قراراً عبر من خلاله عن ترحيبه بالإعلان الصادر عن دول عدم الانحياز في مؤتمر (هراري زيمبابوي) في سبتمبر 1986م بشأن ناميبيا، كما أكد من جديد شرعية وعدالة النضال الذي يخوضه شعبي ناميبيا بكل الوسائل المتاحة بما فيها الكفاح المسلح تحت قيادة منظمة شعب جنوب أفريقيا (سوايو) كممثل وحيد وشرعي له، كما أدان المؤتمر قيام نظام بريتوريا بتصعيد إرهاب الدول الأفريقية المجاورة وكذلك سلبها لموارد (ناميبيا الوطنية) ، ودعم المؤتمر الحملة الدولية المتواصلة المناهضة للفصل العنصري والرامية إلى فرض العقوبات شاملة وإلزامية على نظام جنوب أفريقيا العنصري( ) .

وفى خطوة لتقديم الدعم المباشر سياسياً وإعلامياً دعا مؤتمر القمة الخامس بالكويت 1987 جميع الأعضاء على تشجيع فتح وإقامة مكاتب في عواصمها لتمثيل حركات التحرر الوطني في جنوب إفريقيا، المعترف بها ومنح هذه المكاتب الامتيازات والحصانات التي تحتاجها لإنجاز مهامها وتصدر الوضع فى جنوب أفريقيا مؤتمر القمة السادس الذي عقد في داكار (السنغال) من خلال تأكيد القرارات السابقة ومطالبة حكومة جنوب أفريقيا بأن تتخذ على الفور تدابير كفيلة بإنهاء العنف وتلتزم علناً وتبذل كل ما في وسعها لحماية حياة جميع السكان السود وممتلكاتهم( ) ، وفي مؤتمر وزراء الخارجية التاسع عشر الذي عقد في القاهرة في نوفمر 1990، حيث عبر المؤتمر عن نيته وترحيبه وارتياحه لنيل ناميبيا استقلالها في مارس 1991 ومن ثم انضمامها للأمم المتحدة والأسرة الدولية ودعا إلى دعم ناميبيا من قبل المجتمع الدولي لإقامة مؤسساتها الوطنية وتأسيس اقتصادها ( ).
ومن الأمور التي تبرز أثر المنظمة في توثيق العلاقات العربية الإفريقية هو أن المنظمة في عرضها للقضايا لا تكتفى بقضايا الأعضاء فحسب ، بل نجد اهتمامها بالدول الأخرى أيضاً إذ يبدو لنا من خلال العرض السابق أن مكافحة الاستعمار في إفريقيا لم تعن بها الدول الأفريقية الأعضاء فحسب بل تعداها إلى موضوع الاستعمار ومكافحته في جميع أنحاء القارة الإفريقية فتناول قضية التمييز العنصري والتركيز عليه رغم عدم عضوية دول الجنوب في المنظمة يبرز مدى إسهام المنظمة في تدعيم أواصر علاقات الجنوب في المنظمة، كما يتضح لنا أن المنظمة تسلك سلوك دولي كونها منظمة دولية حيث لم يقتصر اهتمام المنظمة بالقضايا ذات الصلة بأعضائها بل تعداها إلى غيرها من المنظمات والدول الأخرة التي ترتبط معها بعلاقات في جميع المجالات( ).
ولما كانت المنظمة ذات مؤسسات وأجهزة متعددة وتابعة لهاعلى مختلف الأصعدة وكافة الجوانب نجد أن المؤسسات الثقافية والأجهزة الاقتصادية هي أيضاً لعبت دوراً في توثيق الصلات، إذ أن للمراكز الثقافية دوراً هاماً في الانتشار الثقافي الإسلامي في الدول الإفريقية ، كما أن الأجهزة الاقتصادية كالبنك الإسلامي للتنمية تلعب دوراً هاماً في تشجيع التبادل التجاري بين الأعضاء ومن ضمنها الدول العربية الإفريقية، وما يقوم به البنك الإسلامي للتنمية من القيام بتمويل استيراد السلع من بين الدول الأعضاء ودفع القيمة ومن ثم استرجاعها من الدول المستوردة على فترات دونما أن يكون هناك أي سيولة نقذيه تدفعها، وهذا يعمل على تشجيع التبادل التجاري وبالتالي التكامل الاقتصادى بين الأعضاء من الدول العربية والإفريقية ( ) ، فالتعاون العربي الإفريقي في منظمة المؤتمر الإسلامي يعبر عن وحدة المصالح والأهداف، إذ لم يكن أمام الدول الإفريقية الإسلامية العضو في المنظمة من مصالح ضيقة تملى عليها تغليبها على المصالح الجماعية للمنظمة، فضلاً عن ذلك، إن الدول الإفريقية الإسلامية بتصويتها أو مواقفها في منظمة المؤتمر الإسلامي لاتميل إلى إظهار التكتل من أجل المساومة في قضايا أخرى إذ أن القضايا المطروحة على المؤتمر الإسلامي هي ذات منافع جماعية.
• أثر حرب الخليج على التعاون العربي الإفريقي
إن العرب والأفارقة قد دخلوا حقبة التسعينات، في ظل عالم يتشكل من حولهم فضلاً عن شبكة العلاقات الممتدة بينهما كانت تتعرض لتأثيرات عوامل التحول الكبرى التي كانت تشق مجراها بعمق في بنية النظام العالمي القديم وخاصة منذ منتصف الثمانينيات، والتي أدت في النهاية إلى بداية الحديث عن نظام عالمي جديد ، ثم جاءت حرب الخليج تعبيراً مباشراً عن إدارة النظام العالمي الجديد وعن طبيعة توجيهاته ( ) ، ففي التاسع والعشرين من نوفمبر 1990 حققت الولايات المتحدة الأمريكية نجاحها الدبلوماسي على العراق منذ أن اجتاح العراق الكويت في 22أغسطس من العام نفسه من خلال استصدارها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 687، والذي أجاز للأمم المتحدة استخدام القوة العسكرية لتنفيذ كافة قرارات المجلس السابقة، بدءاً من القرار رقم660 المتعلقة بإدانة اجتياح العراق للكويت وضرورة الانسحاب العراقي غير المشروط من أراضيها وإعادة السلطة الشرعية إليها وذلك مع إتاحة فرصة أخيرة للعراق في إبداء حسن النية كي يفعل ذلك خلال فترة زمنية تنتهي في 15 يناير1991( ).

كان صدور قرار من الأمم المتحدة بشأن الغزو العراقي للكويت تغطية للتدخل العسكري المباشر في منطقة الخليج من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية، خاصة بعد أن عجزت جامعة الدول العربية أو أية جهود عربية أخرى، عن الحيلولة دون وقوع الاجتياح العراقي للكويت وإقناع العراق بالانسحاب من أرض عربية عضو في الجامعة العربية، الأمر الذي أدى بالاتحاد السوفيتي مؤخراً إلى التخلي عن دعوته إلى اعتماد الحل العربي لحل أزمة الخليج وهو ما عبر عنه وزير خارجيته شفرنادزة في مذكرته الموزعة على أعضاء البرلمان السوفيتي في ديسمبر1990 والتي جاءوا فيها يتساءلون هل يجوز التدخل؟ فليحل العرب أنفسهم هذه المسألة ، كما نصح وزير خارجية الاتحاد السوفيتي العراق قائلاً:تربط بيننا صداقة وتعاون ومن واجب الصديق أن يحذر صديقه بإخلاص مما ينتظره ويشير إليه كيف ينبغي أن يتصرف لتجنب الأضرار والمآسي المحتملة، وبصفتنا أصدقاء ننصح قادة العراق بكل وضوح أن عليهم الانسحاب من الكويت لتستعيد سيادتها واستقلالها وسلطتها الشرعية( ) ، لكن لم يستمع العراق إلى نصح الصديق السوفيتي الذي قدمه مبعوثه (بريماكوف) في زيارته لبغداد، حيث قدم إلى وزير الخارجية (طارق عزيز) مجموعة من النصائح على لسان الرئيس السوفياتي (غورتانشوف) وذلك مثلما فعل من قبل تجاه المبادرة العربية الأخرى نظراً لأنها تنطلق أساساً من عدم إقرار حق العراق في ضم الكويت( ) ، إلا أن العراق سارع لقبول مبادرة (بوش) المفاجأة التي أعلنها بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 678، والتي دعا فيها إلى حوار أمريكي عراقي على مستوى وزير الخارجية في كل من بغداد وواشنطن ضمن المدة التي حددها القرار في يناير 1991م، وذلك من أجل التنفيذ الطوعي من جانب العراق لقرارات مجلس الأمن الدولي الأثنى عشر، ومن خلال الإثبات العملي أن الولايات المتحدة استنفذت كافة الوسائل السلمية لتنفيذ القرارات المذكورة رغم انتهاكها حق اللجوء إلى الخيار العسكري لغطاء سري دولي، وبعد عجز المبادرات السلمية على الوصول إلى حل عملت الولايات المتحدة إلى حشد قواتها في الخليج حتى وصلت إلى حوالي أربعمائة ألف جندي، وتم دعمهم بمئات من الدبابات الحديثة وقطع المدفعية الثقيلة ومئات الطائرات وثلاث حاملات طائرات أخرى ...إلخ، لتوفير مصداقية فعلية للخيار العسكري الأمريكي- الغربي وبهذا الصدد اتخذت القيادة العراقية قراراً مفاجئاً وهو إطلاق سراح جميع الرهائن الذين كانت تحتجزهم للحيلولة دون إقدام الولايات المتحدة والدول الغربية على مهاجمة العراق والكويت من خلال استخدامهم دروع بشرية ( ).
وفي ذات الوقت دخلت إسرائيل على الخط مبدية خشيتها من أن تتم تسوية أزمة الخليج على حسابها من خلال قبول الولايات المتحدة لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط لإرضاء حلفاءها العرب في الموقف ضد العراق هذا فضلاً عن خشيتها الأساسية من خروج القوة العسكرية العراقية المهددة لأمن إسرائيل والتى تشتمل على صواريخ أرض/أرض بعيدة المدى وأسلحة كيميائية خطيرة بالإضافة إلى الكميات الكبيرة من الأسلحة التقليدية ، وذلك في حال التوصل إلى حل سلمي للأزمة وانسحاب القوات العرقية من الكويت، لذلك قال وزير الدفاع الإسرائيلي (موشيه أرينز) في حديث إذاعي في ديسمبر 1990م أن الجيش الإسرائيلي متأهب لخوض حرب ضد العراق وإن هذه الحرب إذا اندلعت ستكون مختلفة تماماً عن الحروب التي خاضتها إسرائيل في الماضي لأنها ستدور عن بعد من خلال الصواريخ ( ) ، وفي ضوء مما ذكر بقى الحل العسكري للأزمة هو الحل والمخرج الطبيعي لها بعد انتهاء المهلة المحددة للعراق للإنسحاب من الكويت في يناير 1991م.

• موقف جامعة الدول العربية من الأزمة
منذ تفجر أزمة الخليج الثانية عام 1990 كانت الجامعة العربية تترقب الأمر دون معرفة أي تصور لما قد تصل إليه تلك الأزمة ، إذ أن العراق كانت قد دفعت مذكرة إلى الجامعة العربية تفيد ضلوع الكويت والإمارات العربية بعرض كميات ضخمة من النفط في السوق العالمية بغية الإضرار بها عن طريق تخفيض الأسعار، ولكن ما لبثت الدولتان أن تقدمتا إلى الجامعة بمذكرتين تفيدا أن كل منهما تقيدت بحصتها هذه وحينما توالت التطورات ووقعت الأزمة عقد مجلس وزراء خارجية الدول العربية دورة غير عادية بالقاهرة في الثالث من أغسطس أي بعد دخول العراق للكويت بيوم واحد، أصدر في نهايتها بياناً أدان فيه إحتلال العراق للكويت ورفض أي آثار مترتبة عليه، وعدم الاعتراف بتبعيته للعراق، وذلك بأغلبية أربعة عشر صوتاً من أصل واحد وعشرين صوتاً، ونص البيان على الأتي( ):
1. إدانة الغزو العراقي لدولة الكويت ورفض أية آثار مترتبة عليه وعدم الاعتراف بتبعيته.
2. مطالبة العراق بالانسحاب الفوري غير المشروط للقوات العراقية.
3. استنكار سفك الدماء وتدمير المنشآت.
4. رفع الأمر إلى الحكام العرب للنظر في عقد اجتماع قمة طارئ لمناقشة العدوان وبحث التوصل إلى حل تفاوضي دائم بقبول الطرفين.
5. التمسك المتين للحفاظ على السيادة والسلامة الإقليمية للدول الأعضاء.
6. رفض المجلس التدخل الأجنبي في الشؤون العربية.
7. تكليف الأمين العام بمتابعة تنفيذ القرار.
8. اعتبار المجلس دورته غير العادية في حالة انعقاد مستمر.
هذا وقد تم عقد القمة المقترحة والتي دعا إليها الرئيس المصري حسني مبارك خلال أربع وعشرين ساعة وذلك أكتوبر1990م وبعد الإطلاع على البيان الصادر عن المؤتمر التاسع عشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية فى القاهرة في الرابع من أغسطس 1990م، أكدت الدول على الإلتزام بقرار مجلس الأمن رقم 660 في أغسطس1990م بوصفه تعبيراً عن الشرعية الدولية، وإدانة العدوان العراقي على الكويت والتأكيد على سيادتها وتكليف الأمين العام لجامعة الدول العربية ومتابعة ذلك.

• رد الفعل الإفريقي تجاه الأزمة
أما موقف منظمة الوحدة الأفريقية من تلك الأزمة فقد تمثل في الإعلان عن إدانتها للغزو العراقي للكويت حيث جاء بيان أديس بابا في أغسطس 1990 م ممثلاً في إدانة الغزو العراقي للكويت والمطالبة بعودة الشرعية، وهو الموقف الرسمي لغالبية الدول الإفريقية حتى قبل أن يبت مجلس الأمن في الأزمة بالقرارات التي أصدرها ثم أعلنت المنظمة الإفريقية مساندتها لقرار الأمم المتحدة بشأن الغزو العراقي للكويت، وتضمن بيانها حول ذلك أن المنظمة تعرب عن أسفها للعواقب السلبية للصراع الحاصل هناك، خاصة ما تتعرض له النساء والأطفال العزل ، كما حث البيان سكرتير عام الأمم المتحدة خافير بيريز دي كويار على تعبئة المجتمع الدولي مع الوكالات المعنية في الأمم المتحدة لتكثيف الجهود وتقديم مساعدات إنسانية عاجلة إلى السكان المتضررين بالنزاع المسلح في الخليج، كما أكد البيان على ضرورة عقد مؤتمر دولي بشأن الشرق الأوسط ( ).
• موقف الدول الإفريقية تجاه الأزمة
انقسمت مواقف الدول الأفريقية إلى ثلاث فئات الأولى دول أدانت الاحتلال العراقي ، وأيدت قرارات الأمم المتحدة وشاركت في التحالف الدولي لإعادة الشرعية، وهي السنغال، النيجر، سيراليون، وقررت هذه الدول إرسال جنود للمشاركة في التحالف الدولي ، ودول أدانت وشجبت الاحتلال العراقي للكويت وأيدت قرارات الأمم المتحدة، وتمثلت في الغالبية العظمى من الدول الإفريقية مثل: أثيوبيا، الكامرون، زائير، الجابون، توجو إذ أصدرت هذه الدول بياناً عبرت فيه عن موقفها من الأزمة، إضافة إلى مشاركتها في القرارات الصادرة في المحافل الدولية، وفئة ثالثة مؤيدة للعراق وهي على الصعيد الرسمي تمثل دولة واحدة وهي مدغشقر( )
وتفسير الموقف السائد فى منظمة الوحدة الأفريقية هو أنه كان يساير الاتجاهات الجديدة للسنوات الأولى من انتهاء الحرب الباردة 1989 ، فالاتحاد السوفيتى وهو صديق وحليف لكثير من الدول الأفريقية أظهر استعداده للتعامل مع الولايات المتحدة فى نطاق الأمم المتحدة ، وهو الأمر الذى أدركته بعض الدول الأفريقية ، فاختارت أن تنساق مع التوجهات الجديدة ، بعدما اتضح لها أن الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على أن تجعل من مرحلة ما بعد الحرب الباردة فرصة لبسط هيمنتها ، ولذا رأت الدول الإفريقية أنه ليس من المنطق أن تقف فى وجه السياسة الأمريكية ، فالدول الأفريقية كانت برغماتية فى مواقفها حيث حسبت المنافع المادية المتوقعة من خياراتها فى الموافقة والمشاركة أو الرفض، فالدول الخليجية العربية خاصة السعودية والكويت تمثلان مصدراً هاماً للدعم الاقتصادى سواءاً تحت غطاء التعاون العربى الإفريقى أو الإسلامي ، وهو الدعم الذى أخذ صيغاً عديدة منها النفط والإستثمار والأعمال الخيرية ، كما أن الدول الأفريقية سواءاً الفرنكـفونية أو الأنكلفونية وقفت مع المواقف الأوروبية بعدما ساندت كل من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا العمل العسكرى الذى قادته الولايات المتحدة، حيث دأبت السياسة الخارجية لهذه الدول الأفريقية على الاقتداء بسياسات المركز الذي كانت تتبعه .

• الآثار الاقتصادية والسياسية لأزمة الخليج الثانية على العلاقات العربية الأفريقية
1 – أثارها الاقتصادية على الدول الإفريقية
حظيت أزمة الخليج وأثارها الاقتصادية والمؤثرة على الدول الأفريقية بالنصيب الأكبر من مناقشات الجمعية والهيئات والمؤتمرات الإفريقية ، لأن أغلبية الدول الإفريقية تعرضت لأضرار اقتصادية لكن بأحجام متفاوتة من دولة إلى أخرى، فهناك ما يزيد على مائة مليون دولار كانت تحصل عليها إفريقيا في صور منح من السعودية والكويت والإمارات، وقد انخفضت هذه المعونة كثيراً إبان الأزمة وبعدها، لأن هذه الدول تعرضت لضغط اقتصادي شديد أثر بميزانياتها، حيث تحولت من الفائض إلى العجز نتيجة لما تحمله من أعباء فرضتها الأزمة، فنجد أن متوسط العجز في ميزان السعودية وصل 9.6 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة 1990 – 1993.م . أما الكويت فقد بلغ العجز عام (1991-1992) م حوالي 4.5 مليار دينار بنسبة 86% من الميزانية، واقترضت 5.5 مليار دولار من أسواق المال العالمية وبلغ حجم مديونية الكويت عام 1993م مبلغ أربع وثلاثين مليار دولار، وهذا بدوره أدى إلى انعكاسات سلبية على الدول الأفريقية( ) ، كما أن ارتفاع أسعار البترول سواء قبل الأزمة أو بعدها، وما نتج عنه من ارتفاع أسعار الفائدة وما صاحبه من تضخم كان له أثره المخرب والمعيق على الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها بعض الدول الإفريقية المستوردة للبترول، في ظل هشاشة اقتصادياتها وإذا استبعدنا كل من الغابون، ونيجيريا، والكونغو باعتبارها دول منتجة للبترول، فأي ارتفاع في سعر برميل البترول يؤثر سلباً وتلقائياً على غالبية الدول الإفريقية، وبالإضافة إلى ذلك فإن اعتماد الدول الأفريقية على بترول الخليج بنسبة 80% في ظل توقف السفن القادمة عبر البحر الأحمر نتيجة لارتفاع أسعار التأمين البحري سيؤثر سلباً على اقتصادياتها، كما إن هناك صعوبة نقل وتصدير المنتجات الزراعية إلى الدول الخليجية، مما سبب قطع مورد هام من العملات الصعبة لأفريقيا( ) ، أضف إلى ذلك أن انصراف الدول المقدمة للمعونات للتخلي عن تقديم هذه المساعدات للدول الإفريقية ساهم في تدهو اقتصادياتها ، فالمعونات الأوربية والأمريكية توقفت بسبب الأزمة ولهذا حذرت هيئة الإغاثة الدولية من أن حرب الخليج أدت إلى انصراف الدول الغربية عن قضية معاناة أكثر من عشرين مليون أفريقي معرضين للموت جوعاً، فأعلن مدير مؤسسة (أوكسفام) الخيرية أن الأموال يتم توفيرها بسهولة لدعم قوات التحالف التي تعمل على تحرير الكويت، في حين أن كل ما تحتاجه القارة الإفريقية من حبوب وأغذية لإنقاذ منكوبي المجاعة خلال عام 1991م لا يتجاوز خمسة مليارات دولار لجميع الدول الإفريقية، وهو مقدار ما ينفق لمدة خمسة أيام فقط في حرب الخليج( ).
مما سبق نجد أن أزمة الكويت وتواكبها مع تغيير البيئة الدولية إثر انهيار الاتحاد السوفياتي قد أثر سلباً على العلاقات العرية الإفريقية ، بسبب أن معظم الدول العربية والإفريقية كانت ذات صلة جيدة بالمعسكر المنهار ، وهذا ما أثر على توجهاتها بعد سيطرة المعسكر الغربي .
2 – الآثار السياسية على الدول الإفريقية
وجهت حرب الخليج ضربة لتوجهات النظام العربي فى النظام العالمى التي كانت قد تأسست على ثلاثة دوائر متماسكة هى القومية العربية والإسلامية والإفريقية، حيث أفضت الأزمة إلى طغيان الجانب القطري فى التقديرات السياسية للدول العربية فى الجملة، والأقطار العربية على وجه الخصوص، فى السعي لإيجاد الحلول ( ) وغلبت عندها خيارات التبعية إلى الولايات المتحدة ، فأصبحت المحافل الدولية غطاءاً لمنح الشرعية لسياسات الولايات المتحدة، وتناقص الإهتمام بجدوى التجمعات الدولية مثل منظمة الوحدة الإفريقية التى كانت معيناً لمساندة سياسية وأخلاقية فى دعم القضايا العربية ، وأصبحت القناعات الإفريقية أكثر رسوخاً بأن جامعة الدول العربية غي قادرة على التصدى لمثل هذه المنازعات الداخلية، بعبارة أخرى أصبح العجز المؤسساتي متماثلا فى كلتا المنظمتين، وهو الأمر الذى سيسوغ للأقطار العضو اللجوء إلى خيار التبعية مرة أخرى.
ونظراً لأن موقف الجامعة العربية طيلة عقود علاقاتها مع المنظمة الإفريقية كان يتسم بالتماسك ووحدة الرأى فإن الانقسام العربى بشأن الأزمة أضعف قابليتها على التنسيق مع منظمة الوحدة الإفريقية. وهكذا يمكن الإشارة إلى أن أزمة الخليج من ضمن آثارها تفويت الفرص التي أتيحت للعلاقات العربية الإفريقية، بأن تنمو وتزدهر فيها، وقلصت أهم نقاط الارتكاز الرئيسية وإخراجها من نطاقها السابق والتي كان لها عظيم الأثر في تفعيل تلك العلاقات ( ) ، وهذا ما ولَّد فيما بعد عدم قدرة المنظمتين على إيقاف تداعيات نتائج الحرب الباردة ، فعلى سبيل المثال ، لم تستطع المنظمتان إيقاف إنهيار الدولة الصومالية ، واندلاع الحرب الأهلية فيها ، ثم اندلاع الحرب الأهلية في الكونغو الديمقراطية ، وسيراليون ، وليبيريا ، وغينيا بيساو، واستقلال كل من أرتيريا ، وناميبيا ، وانهيار النظام العنصري في جنوب إفريقيا( ) ، ثم حدوث النزاع الأريتري اليمني ، واحتلال أريتريا لجزيرة حنيش اليمنية ، وأسر مائة وخمسة وتسعين من جنود الحامية اليمنية ، وهذا ما حذا بالجامعة العربية إلى التنديد بذلك وتخوفها أن يؤدي هذا الصراع إلى خلاف عربي إفريقي ، لكن التدخل المصري والأثيوبي ساهم في حل تلك الأزمة ، كما أن الجامعة العربية والمنظمة الإفريقية عملتا على احتواء الوضع والدعوة إلى الاحتكام إلى الوسائل السلمية لإيجاد الحل للمشكلة ، والإشادة بالدور المصري والأثيوبي في التدخل لحل المشكلة( ) .

المبحث الثاني
القضايا والسياسات المشتركة ذات البعد الإقليمي

أولاً : الموقف الأفريقى من حرب أكتوبر
كانت العلاقات الرسمية بين إسرائيل والدول الإفريقية جنوب الصحراء قد شهدت أوجها قبل عام 1967م ، حيث كانت هناك ثلاث وأربعين بعثة دبلوماسية متبادلة بين الدول الإفريقية وإسرائيل منها اثنين وثلاثين بعثة دبلوماسية إسرائيلية في أفريقيا ، وإحدى عشرة بعثة دبلوماسية إفريقية في إسرائيل ، بالإضافة إلى خمس قنصليات فخرية أنداك في كل من " غينيا بيساو ، وروديسيا ، أنجولا ، موزمبيق ، سوازيلاند " ، هذا وما إن قامت حرب 1967م وثبت للعالم طبيعة المعتدي وأطماعه في الأرض العربية ، بدأت تنكشف إسرائيل باعتبارها امتداداً للاستعمار العالمي بشكله الجديد والقديم ، وبدأت عملية قطع العلاقات على مراحل بعد يونيو سنة 1967م ، وكان أولها عقب الحرب المباشرة حيث قطعت غينيا علاقتها مع إسرائيل ثم كانت المرحلة الثانية بين عامي (1972 -1973)م عندما قطعت الكونغو الشعبية وأوغندا وتشاد وبوروندي وتوجو وزائير هذه العلاقات( ) ، ومن ناحية أخرى كانت منظمة الوحدة الإفريقية بأعضائها قد اتخذت توجه إلى الجانب العربي ، ومن الممكن أن نلتمس ذلك جلياً من خلال ما طرح في المؤتمرات من توصيات وخاصة في المؤتمرات التي عقدت منذ 1971م ، حيث أصدر المجتمعون قراراً ينص على وجوب " انسحاب القوات الإسرائيلية فوراً من جميع الأراضي العربية التي احتلتها إلى خطوط يونيو 1967 ، كذلك دعا القرار بقوة إلى ضرورة العمل من أجل وضع قرار مجلس الأمن رقم 242 الصادر في نوفمبر عام 1967 موضع التنفيذ الكامل ويمثل الموقف الإفريقي دعماً للتفسير العربي لقرارات الأمم المتحدة خاصة فيما يتعلق بمسألة عودة القدس ، وإرجاع الوضع إلى حالته قبل العدوان ،وكما هو معلوم أن إسرائيل كانت ترفض هذا التفسير وعثرت على تأييد من الدول الغربية ، خاصة الولايات المتحدة ، ومما لاريب فيه أن هذا الموقف الإفريقي له أهمية في مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، فاعتراض الولايات المتحدة باستخدامها حق النقض في مجلس الأمن كان يعيق أي قرار لصالح القضية الفلسطينية ولا ينسجم مع الموقف الإسرائيلي ، وهو الأمر الذي جعل الجامعة العربية أمام خيار اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث أن التصويت بأسلوب الكتل له أثره الكبير في تمرير أي قرار من عدمه ( ) ، ولما كانت الكتلة الإفريقية هي الأكبر عدداً ، فإن عزل إسرائيل يمكن أن يتحقق على نطاق التعاون الجماعي في المحافل الدولية بين مجموعة جامعة الدول العربية والمجموعة الإفريقية على الرغم في أن العلاقات الثنائية المتبادلة بين إسرائيل وبعض الدول الإفريقية تبقى متينة ، فالدول الإفريقية لا تستطيع أن تبتعد عن التضامن الإفريقي مع المجموعات الأخرى ، مثل الجامعة العربية ، التي تشترك معها في قواسم أساسية أهمها مسألة التحرير ، ولاشك أن القضية الفلسطينية هي قضية تحرير أرض من الاحتلال ، فالاحتلال الذي مارسته جنوب أفريقيا في ناميبيا وتدخلها في أنغولا ودعمها للنظام العنصري في روديسيا تستدعي من الدول الإفريقية أن تتعاطف مع الموقف العربي الداعي إلى طرد الاحتلال ، كما أن الممارسات العنصرية التي لجأت إليها إسرائيل كانت متماثلة مع أساليب للابارتهايد في جنوب أفريقيا، فثمة أهداف مشتركة للعنصرية الصهيونية والأبارتهايد ولهما أساليب متماثلة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .
وفي مؤتمر القمة التاسع 1972م أصدر المجتمعون قراراً تحت عنوان " العدوان المستمر ضد الجمهورية العربية المتحدة " استنكر فيه القرار رفض إسرائيل لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادرة في ديسمبر 1971م ، وكذلك رفضها الاستجابة لمبادرات منظمة الوحدة الأفريقية الخاصة بتأكيد مبدأ عدم ضم الأرضي المحتلة ، كما حيا القرار مصر على تعاونها مع " لجنة العشرة " التابعة للمنظمة وعلى موقفها الإيجابي من قرارات المنظمة الدولية واستنكر القرار موقف إسرائيل السلبي المعوق لمهمة السفير " يارنج "، ودعا القرار إسرائيل إلى إعلان التزامها بمبدأ عدم ضم الأراضي باستعمال القوة وإلى الانسحاب الفوري من الأراضي العربية ( )، لكن بسبب تعنت الجانب الإسرائيلي قطعت بعض الدول الإفريقية علاقاتها مع إسرائيل ومنها : غينيا ، وأوغندا ، وتشاد ، والكونغو برازافيل ، والنيجر ، فعلى سبيل المثال كانت غينيا هي أول الدول الإفريقية التي أعلنت عن قطع علاقتها مع إسرائيل في الخامس من يونيو 1967 ، ووقفت موقفاً صريحاً في إدانتها لإسرائيل بسبب عدوانها على الدول العربية ، وكان الرئيس "أحمد سيكتوري" قد صاغ موقف غينيا بعرض كامل للقضية الفلسطينية باعتبارها جزءاً من حركة التحرر العالمية ، وأبدى الرئيس الغيني عن رأيه في تصريح للتلفزيون الفرنسي في ذكرى تأسيس الحزب الديمقراطي الغيني ، حيث أكد إن غينيا تدين الواقع السياسي الذي أدى إلى اغتصاب جزء من الأراضي الفلسطينية لفرض دولة يهودية خاصة ( ) ، وكان هذا الفعل له رداً جميلاً لما قامت به الدول العربية بقيادة ثوة يوليو من دعم لهذه الدولة وللدول الافريقية الأخرى في نضالها لتحقيق الاستقلال والتحرر .
• أوغندا
لقد بدأت العلاقات بين أوغندا وإسرائيل تتوتر عقب البيان المشترك لمحادثات الرئيس الأوغندي عيدي أمين والقائد الليبي معمر القذافي الذي صدر في شهر فبراير 1979 ، حيث أيد البيان المذكور كفاح الشعب العربي ضد الصهيونية والاستعمار وحق الشعب الفلسطيني في استعادة أراضية المسلوبة بشتى الوسائل ، وقد هاجمت وزارة الخارجية الإسرائيلية ذلك البيان ووصفته بأنه قائم على غير أساس ، ويسئ للعلاقة بين أوغندا وإسرائيل ، وفي الثالث والعشرين من مارس 1972 أعلن الرئيس "عيدي أمين " أنه لن يجدد الاتفاقيات الخاصة بالتدريب العسكري بين بلاده وإسرائيل ، ولن يجدد أية اتفاقيات معها واتهم الحكومة الإسرائيلية بأن سفارتها تقوم بممارسة نشاط تخريبي ضد حكومته ، ووجه إلى سفير إسرائيل تنبيها بأنه سيغلق السفارة إذا ثبت أن إسرائيل تعمل ضد مصالح أوغندا ، وأعلن عن وقف كل المشروعات التي تنفذها الشركات الإسرائيلية في بلاده ، و أن الأسلحة التي قدمتها إسرائيل إلى أوغندا قد استخدمت من قبل ثم أصلحت وبعثت لأوغندا ولا يمكن لأوغندا أن تدفع أموالاً في شراء معدات مستعملة وفي السابع والعشرين من مارس 1972 ثم ترحيل جميع الخبراء العسكريين الإسرائيليين المقيمين في أوغندا ( ) ، وقد أرجع القرار الأوغندي إلى عدة عوامل منها داخلية ، بالإضافة إلى شعور تضامني مع العالم العربي ، أما بالنسبة للعوامل الداخلية فتمثل في التدخل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية لأوغندا ، أو التغلغل داخل أجهزة الحكم والقوات المسلحة في أوغندا ، وتصاعد الأزمة الاقتصادية في أوغندا والتي انعكس على انخفاض احتياطي العملات الأجنبية بها ، فقد وصلت من 44.8 مليون دولار في يناير 1971 إلى خمسة ملايين دولار في نهاية العام ، وعندما طلبت أوغندا من إسرائيل تعديل شروط دفع ديون أوغندا لإسرائيل ، لم تهتم الأخيرة بالأمر ، كذلك خشي عيدي أمين من النفوذ الإسرائيلي الذي قد يدفع إلى تدبير انقلاب ضده على أيدي الجنرالات( ) ، وهناك من يربط بين الدور الليبي وقرار أوغندا ، فقد بادرت ليبيا في التحرك جنوب الصحراء وفي الحزام القريب منها إدراكاً منها للمخاطر التي أنطوى عليها التغلغل الإسرائيلي سواء على الأمن الليبي مباشرة أو على الأمن القومي العربي ، كما أن تلكؤ مصر في سياستها الإفريقية تجاه إسرائيل بعد اتفاقية كامب ديفيد ، وضع عليها مسئولية مباشرة للتصدي إلى ظاهرة تعمق وتوسع التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا ، خاصة وأن بين يديها وسائل لا يملكها غيرها في الدول العربية الإفريقية ، وأهم تلك الوسائل ، إن القيادة السياسية كانت تعتمد على الدبلوماسية الشخصية وما تحقق لها من توطيد العلاقات مع العلاقات الثورية وحركات التحرر الإفريقية في سياق إيديولوجية وحدة الكفاح المسلح وأن ليبيا كانت قادرة على أن تعوض خسارة الدول الإفريقية التي تختار قطع العلاقات أو تخفيضها بتقديم دعم مالي رغم قصور القابليات الفنية والخبرات ، وعندما حدث اللقاء بين الرئيسين الأوغندي عيدي أمين وقائد الثورة الليبية معمر القذافي ، أثار ذلك انطباعا بأن الموقف الأوغندي اتخذ نتيجة لوعود ليبية بمساعدات مالية ، ولكن نفى الرئيس الأوغندي ذلك وأشار إلى أنه اتخذ القرار قبل لقائه بالقائد الليبي ( )

• تشاد
أعلن رئيس تشاد في العاصمة التشادية نجامينا في فبراير 1972، في بيان له في ذكرى إعلان الجمهورية أن بلاده قررت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل وأوقفت كل أشكال التعاون معها ، وأن الوجود الإسرائيلي في تشاد يهدد أمن البلد والبلاد المجاورة وأن قطع العلاقات مع إسرائيل هو من أجل إزالة كل العوائق التي تعترض تضامن إفريقيا الكامل مع العرب ، كما ذكرت وكالة أنباء تشاد أن هذا القرار كان شجاعاً والمسألة تتعلق بتأكيد تضامن تشاد مع الشعب الفلسطيني الذي طرد من أرضه وسلبت حقوقه ، كما تتعلق في الرغبة في إبداء التضامن مع الأشقاء الأفارقة العرب الذين تقوم بينهم وبين إسرائيل الكثير من الحروب( )
• الكونغو برازافيل
أعلنت الخارجية الإسرائيلية في ديسمبر 1972م أنها قررت إغلاق سفارتها في الكونغو برازافيل ، وأن المسئولين الإسرائيليين رغم كونهم ليسوا مقتنعين بهذا القرار إلا أنهم مكرهين ، كما قال البيان الذي أصدرته الحكومة الكونغولية أن الكونغو تدين السياسة الامبريالية التوسعية التي تتبعها إسرائيل فهناك عوامل كثيرة كانت وراء هذا القرار منها أن النظام السياسي السوفييتي حينها كان متعاطفاً مع القضية الفلسطينية ومناهضاً للصهيونية في سياسته الداخلية والخارجية ، وكان لهذا أثره في فهم حقيقة الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية باعتبارها قاعدة للغرب في الشرق الأوسط ، ورأس جسر الاستعمار الجديد في القارة كما أن استمرار إسرائيل في عدم تنفيذ قرار مجلس الأمن 242 الصادر في 1967م الخاص بضرورة انسحابها من الأراضي العربية المحتلة وتمادي إسرائيل في تجاهل القرارات الدولية ومنها قرارات منظمة الوحدة الإفريقية التي أدانت السياسة التوسعية التي تنتهجها إسرائيل ، وطالبت بضرورة انسحابها الفوري من جميع الأراضي العربية المحتلة ( ) .
• بوروندى
أعلن وزير خارجية بوروندي أن بلاده قررت قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في مايو 1973م وأن هذا القرار يعد تطبيقاً لسياسة إدانة الاستيلاء على الأراضي العربية عن طريق القوة ، وعدم احترام إسرائيل لقرارات الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية بشأن الانسحاب من الأراضي المحتلة ، وأن الحكومة لديها قناعة بان إسرائيل كانت تدعم بعض الحركات والجماعات في الداخل لإسقاط الحكومة ( ) .

وصفوة القول أن القضايا المشتركة ذات الآفاق الإقليمية في المنطقة العربية وإفريقيا كانت قواسم مشتركة تتقارب منها السياسات والمواقف سواءاً جراء قرارات جماعية ذات صلة بمنطلقات مبدئية اتسمت بها الدول العربية والمجموعة الإفريقية أو بفضل مبادرة في دولة أو قيادة عربية كما وقع في نهج جمال عبد الناصر وتحرك القائد معمر القذافي .
ثانياً : أثر معاهدة كامب ديفيد على العلاقات العربية الإفريقية .
كان حديث الرئيس المصري أنور السادات أمام مجلس الشعب المصري في نوفمبر 1977 عند افتتاح دورته ، وما أعلن فيه عن نواياه لزيارة إسرائيل وإلقائه خطاب أمام الكنيست ، نقطة تحول في عملية السلام ، وفيما يلي عرض النقاط التالية :
• إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والأراضي العربية 1967.
• الاعتراف بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير بما فيه حقه في إقامة دولته.
• حق دول المنطقة في العيش في سلام داخل حدوده الآمنة والتي تؤمنها ضمانات .
• التزام جميع الدول بالمنطقة بإدارة علاقاتهم فيما بينهم بما يتماشى مع أهداف ومبادئ الأمم المتحدة وخاصة فيما يتعلق بعدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات .
• إنهاء حالة الحرب في المنطقة
لكن بعد هذا القرار توالت التطورات حتى انتهت بتوقيع كل من مصر وإسرائيل على وثيقتين برعاية الولايات المتحدة في سبتمبر 1978 وذلك في منتجع كامب ديفيد وقد اشتهرت الاتفاقيتين المذكورتين باتفاقية كامب ديفيد ، التي تتناول إطار للسلام في الشرق الأوسط وتصوراً مشتركاً في القواعد العامة لإقامة علاقة سلم بين إسرائيل و جيرانها العرب ، و إطار لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي تبحث في القواعد والمبادئ المنظمة للعلاقات الثنائية السليمة المحتملة بين البلدين ( )، وفي السادس والعشرين من مارس 1977 انتهت وفود الدول الثلاث مصر وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية إلى إنجاز تفصيلي لاتفاق يحقق انسحاب إسرائيل من الأراضي المصرية المحتلة في سيناء منذ حرب 1967 ، وإقامة علاقات طبيعية بين مصر وإسرائيل حيث سمي الاتفاق بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ( ).


• الموقف العربي من معاهدة كامب ديفيد
منذ بداية توقيع المعاهدة جرت اتصالات فيما بين الدول العربية ، نتج عنه عقد مؤتمر طرابلس الذي حضرته سوريا ،وليبيا ،العراق ، والجزائر ، واليمن الجنوبي آنذاك ، ومنظمة التحرير الفلسطينية ، وأصدر هذا المؤتمر في ديسمبر 1977 بياناً أهم نقاطه مايلي :
ـ تجميد العلاقات الدبلوماسية لأطراف المؤتمر مع مصر .
ـ مقاطعة كافة الشركات والمؤسسات المصرية التي قد تتعامل مع إسرائيل .
ـ الامتناع عن حضور اجتماعات جامعة الدول العربية التي تعقد في القاهرة .
ـ تقديم كافة المساعدات الضرورية إلى سوريا .
ـ توقيع معاهدة دفاع مشترك بين كل من الجزائر ، وليبيا ، واليمن الجنوني ، وسوريا وفي نفس اليوم أعلنت مصر قطع علاقاتها مع هذه الدول والمطالبة بمغادرة سفرائها واستدعاء العاملين في سفارات مصر خلال أرع وعشرين ساعة ، وأوضحت الحكومة المصرية أن موقفها هو رد فعل لبيان مؤتمر طرابلس( ) ، وانقسم الموقف العربي إلى رافضين مؤيدين وصامتين ، ثم انضم الرافضين إلى المؤيدين بعدما فقدوا الأمل بأن مصر قد تتراجع عن موقفها ، وفي تلك الأثناء انعقد مؤتمر قمة عربي في بغداد في الفترة في أكتوبر 1979 حيث تقرر عدم الموافقة على اتفاقيات كامب ديفيد ، وكل ما يترتب عليها من أثار سياسية واقتصادية وقانونية ، ودعوة رؤساء الدول العربية حكومة مصر إلى العودة نهائياً عن هذه الاتفاقيات ، وعدم توقيع معاهدة السلام ونقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس، والسعي في توسيع دائرة الرفض والاستنكار ( )أرسلت قرارات مؤتمر بغداد إلى منظمة الوحدة الإفريقية في مايو 1979 ، حيث كان أهم تلك القرارات هو إنشاء جبهة الصمود والتصدي لمواجهة إتفاقية كامب ديفيد ، وعزل النظام المصري عن المشاركة في القمم العربية ، وتحجيم دوره في القمم الإفريقية ، كونه أصبح يتحدث من منطلق قطري وليس عروبي قومي .

• رد الفعل الإفريقي تجاه الـمعاهدة.
عندما واجهت مصر الرفض العربى لنهج التسوية وأدركت أنها سوف تعزل أو تخفض مستويات العلاقات المصرية العربية، لم يكن أمامها سوى التوجه إلى الدول الإفريقية أولاً، لكي لا يصبح طوق العزلة خانقاً عليها، ولإستباق تحرك بعض الدول العربية ذات النفوذ والتأثير فى السياسة الإفريقية مثل ليبيا ولذلك لقطع الطريق عن حركة مصر صوب أفريقيا، وقد حضر السادات مؤتمر القمة العربية عام 1978 فى الخرطوم ومؤتمر القمة الإفريقية فى منوروفيا بليبيريا عام 1979 وذلك للحصول على تأييد الغالبية الساحقة من الدول الإفريقية، وكانت الإتجاهات فى مؤتمر القمة يرجح عندها تثبيت بعض المنطلقات الأساسية بشأن اتفاقية كامب ديفيد أهمها ( )
• الترحيب باستعادة مصر لأراضيها.
• إن معاهدة السلام المصرية خطوة على طريق الحل الشامل والدائم لمشكلة الشرق الأوسط.
• أن التسوية النهائية ينبغي أن تتضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وهى محور الصراع في الشرق الأوسط.
• إدانة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.

وقد بذلت بعض الدول المشاركة في مؤتمر بغداد جهوداً كبيرة في مؤتمر(منروفيا) من أجل حذف الفقرة التي تنص على التأييد والترحيب باستعادة مصر لأراضيها ، ولكنها لم تنجح في ذلك،وتجدر الإشارة إلى أن المجموعة العربية في المنظمة كانت تعمل على حرمان مصر من حضور مؤتمر القمة الإفريقي في منروفيا، إلا أن هذا التحرك فشل لرفض غالبية الدول الإفريقية لهذا لم يظهر الرفض للاتفاقية سوى عدد قليل من الدول الافريقية مثل مدغشقر،وموزمبيق،وأنجولا والرأس الأخضر، وغينيا بيساو، حيث تغيب رؤساء موزمبيق وانجولا عن الجلسة التي ألقى بها الرئيس المصرى محمد أنور السادات خطابه،كما أدان رؤساء كل من الرأس الأخضر،وغينيا بيساو،ومدغشقر اتفاقيات كامب ديفيد،إلا أن بقية الدول والتي تمثل الغالبية العظمى،رفضت الموافقة على المشروع والذي قدم من قبل مجموعة الرفض العربية،وهكذا أكتفت القمة الإفريقية بصيغة عامة بإدانة الاتفاقات الجزئية رافضة ذكر اتفاقية كامب ديفيد بالاسم( ) ، وسعت الدول العربية الإفريقية إلى تعليق عضوية مصر داخل منظمة الوحدة الإفريقية إلا أن ذلك لم يلقَ قبولاً نظراً لأن هذا الإجراء كان يعتبر سابقة في النظام الداخلي للمنظمة ولم يحدث من قبل، فأقصى ما تستطيع المنظمة أن تفعله هو الامتناع لبعض الوقت عن قبول وفد حكومة من الحكومات في حالات الصراع الداخلي ،كما رأت أغلبية الدول الإفريقية أن لمصر دوراً تاريخياً باعتبارها من الأعضاء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية وبالتالي سيكون من الصعب تنفيذ قرار فصلها ( ) وقد ظهر واضحاً أن هناك اتجاهاً إفريقياً قوياً ضد السياسة العربية التي وصفتها الدوائر الإفريقية بعدم المرونة، ولهذا رفضت إبعاد مصر من أجهزة التعاون لأن مصر تملك كامل حقوق الدولة العضو في المنظمة الإفريقية بغض النظر عن رفض الدول العربية لموقف مصر من اتفاقية كامب ديفيد ( ) ، فالموقف الإفريقي تجاه اتفاقية كامب ديفيد لم يقتصر على سياق منظمة الوحدة الإفريقية، بل أنه تعدى ذلك إلى نطاق حركة عدم الإنحياز، عندما بحث مكتب التنسيق للحركة- الذى شكلت المجموعة الإفريقية فية اثني عشر مقعداً فى أصل خمس وعشرين - جدول أعمال الحركة وحاولت الدول العربية الرافضة إدراج بند تعليق عضوية مصر، فلم تفلح فى دفع الموقف الإفريقي للأخذ برأيها حيث نتج عن ذلك:
• عدم إدراج بند مستقل على جدول أعمال الاجتماع الوزاري الخاص بتعليق عضوية مصر.
• عدم إدراج هذا البند على جدول أعمال هافانا الذي تم إقراره خلال الاجتماع في كولومبو.
• عدم صدور توجيه من مكتب التنسيق بتعليق عضوية مصر.
وفى مؤتمر نيودلهى لوزراء خارجية دول عدم الإنحياز في فبراير1981، اقترحت منظمة دول عدم الإنحياز تكوين لجنة داخل حركة عدم الإنحياز، لدراسة ماسمى بالأضرار التي سببتها السياسة المصرية للدول العربية وللشعب الفلسطيني وهو ما رفضته الدول الإفريقية ،وينبغي هنا الإشارة في هذا الصدد إلى أن الموقف الإفريقي أصر على عدم الإدانة والحيلولة دون صياغة قرار من شأنه إدانة مصر في جميع المؤتمرات التي عقدت إبان توقيع المعاهدة، فضلاً عن اجتماعات منظمة الوحدة الإفريقية،ونجد أن الموقف طال أيضاً المؤتمر الإسلامي العاشر الذي عقد(بفاس) رغم ما تم فيه من موافـقة على عضوية مصر في مايو1979، حيث كان رد الدول الإفريقية الأعضاء في هذا المؤتمر أن قامت بالامتناع عن التصويت على تجميد عضوية مصر في ذلك المؤتمر مؤكدة على أنه لابد من مشاورة بقية الدول الإفريقية غير العضو فى المؤتمر الإسلامي( ) .

لقد كان للدبلوماسية المصرية في إفريقيا دور نشيط انعكس على المواقف الإفريقية فرادى وجماعات قبل وأثناء الأزمة بين مصر والدول العربية، وتجدر الإشارة إلى أن موقف الدول الإفريقية من إدانتها للحلول الجزئية لم يكن اعتراضاً على الخطوة المصرية بل هو تأكيداً على مبدأ الحل الشامل للقضية بأكملها وأن إدانته للحلول الجزئية إنما هو إصرار من المنظمة على ضرورة حل النزاع برمته.( ) ومما لاريب فيه أن مصر حظيت بدعم غربى بعد توقيعها على إتفاقية كامب ديفيد، سواء على الصعيد المادى ، أو فى المحافل السياسية ، مما دفع بالدبلوماسية الغربية إلى مكافئة مصر ، فكانت مراكز القوة الغربية فى إفريقيا تدفع فى اتجاه احتضان مصر سياسياً ودبلوماسياً ، وتعويضها عن تعليق حركتها فى جامعة الدول العربية والأقطار العربية على الصعيد الثنائى.

ثانياً : أثر معاهدة كامب ديفيد على العلاقات العربية الإفريقية
كانت العلاقات الاقتصادية بين دول الجامعة العربية والدول الإفريقية قبل انعقاد معاهدة كامب ديفيد 1979 كبيرة نوعاً ما ، حيث حظيت قضية التنمية الإفريقية بإهتمام الجامعة العربية ، فعلى سبيل المثال عقد في مارس1973 مجلس الجامعة العربية دورته الثالثة والستين وأوصى بالموافقة على برنامج المساعدات العاجلة المقترح من الأمين العام للجامعة ،وذلك للدول الإفريقية التي حصلت على استقلالها عام 1975 ( )، لكن من أهم النتائج والانعكاسات التي طرأت على التعاون العربي الإفريقي والعلاقات العربية الإفريقية بعد معاهدة كامب ديفيد هو تجميد عدد من الهياكل المشتركة العربية الإفريقية للتعاون مثل اللجنة الدائمة للتعاون العربي الإفريقي، كما واجه التقدم في بناء مؤسسات التعاون نكسة كبيرة بخروج أكبر الدول العربية من الجامعة العربية وهذا بدوره أثر سلباً على مظاهر التعاون العربي الإفريقي ،ومن مظاهر ذلك توقف التعاون المؤسسي عام 1978 أي بعد عام واحد من المؤتمر، فبعد توقيع إتفاقيتى كامب ديفيد،أصر الجانب العربي على إخراج مصر من أطر التعاون بينما وافق الجانب الإفريقي على تواجد مصر في لجنة الإثنى عشر وفي أجهزة التعاون المشترك، وكان ذلك واضحاً على لسان الأمين العام لجامعة الدول العربية في اللقاء الثنائي الذي عقد بين الأمانتين في تونس في أكتوبر 1979حيث ورد بالبند الرابع من محضر اجتماعاتها تحت عنوان"مشاركة مصر في الاجتماعات العربية الإفريقية مايلى : تأكيد الجانب العربى بإلتزامه بقرارات بغداد بشأن مقاطعة مصر، وعدم توجيه الدعوة إليها للمشاركة فى الإجتماعات التي تعقد فى نطاق الجامعة العربية( ) ، ولكن من جهته أكد الجانب الإفريقى على دقة هذه المسألة وأنه ليس بوسعه سوى الإلتزام بدعوة جميع الدول دون تمييز مع حرص المنظمة على عدم تجاوز سيادة أى دولة ، إلا أن مصر استمرت تركز على إفريقيا وأنشأت صندوقاً خاصاً للمعونة الفنية لإفريقيا تابع لوزارة الخارجية( ) ، إلا أن الرفض العربي استمر لحضور الجانب المصرى وعضويته في اللجنة الدائمة لمنظمة الوحدة الإفريقية، التي تعتبر أقوى أجهزة التعامل حتى يوليو1980،حيث عاد الاتصال بين الجانبين بواسطة الأمانتين وتقرر تنشيط التنسيق بينهما، لكن لم يعد الوفاق بشكله المرجو،كمالم تجتمع اللجنة الدائمة إلى أن قام وزير الدولة للشئون الخارجية المصرية في قمة نيروبي عام1981م بالانسحاب من اللجنة حفاظاً على مسيرتها، وقد عقدت اللجنة الدائمة أول اجتماعاتها بعد الأزمة، في"داكار" بالسنغال في عام1982م ومن ثم توالت اجتماعاتها،ورغم ذلك كان إحراز التقدم فيها أقل مما عليها سابقاً ، بسبب ما سببه خروج الجانب المصري وضعف دوره ( ) .

لكن لم يمض فترة طويلة على المعاهدة،حتى أعادت بعض الدول الإفريقية العلاقات مع إسرائيل،مما أدى إلى توتر علاقاتها مع الدول العربية، ولكن إذا قورن الوضع العام للعلاقات الدبلوماسية العربية الإفريقية واستثنينا الحالة السابقة فقد تواصلت أوجه العلاقات على الصعيد الثنائي بين الدول العربية والإفريقية وظلت مكاتب الجامعة موجودة فى عدد من الدول الإفريقية.( ) ، خاصة أن الدول العربية سواءاً في إطار الجامعة العربية أو منظمة الوحدة الإفريقية ظلوا على عهدهم في مناهضة كافة أشكال الإستعمار في إفريقيا ،وهذا ما يفسر دعمهم لإستقلال نامييا عام 1990 ، حيث صرح الرئيس حسني مبارك بمناسبة استقلال ناميبيا في مارس 1990 " إن قارتنا هي مسؤوليتنا الجماعية ومصيرنا المشترك وهي أيضاً مسؤولية المجتمع الدولي ، إذ أننا نعيش في مجتمع يعتمد كل فيه على الآخر ويشترك في نفس المصير "( )
ثالثاً: الموقف العربي من التمييز العنصري .
إن قضية التفرقة العنصرية من أهم القضايا التي واجهتها القارة الإفريقية وقد أولت الجامعة العربية هذه القضية أهمية خاصة منذ إنشاءها، وتصاعد الإهتمام خلال السنوات الأخيرة ،حيث أن التفرقة العنصرية تقوم أساساً على إيجاد الفوارق بين الناس على أساس الجنس و العنصر ومع امتداد الاستعمار الأوربي ووصوله إلى القارة الأفريقية بدأت التفرقة العنصرية تتجلي بأوضح مظاهرها وتركزت في بادئ الأمر في وسط وجنوب القارة الإفريقية ، فالتمييز العنصري يعتبر انتهاكا صارخاً للإنسان الإفريقي الذي يشكل أغلبية السكان في القارة ( ).

أخذ الحزب الوطني الإفريقي الذي سيطرت حكومته منذ عام 1948م على الأوضاع السياسية في دولة جنوب أفريقيا كافة الإجراءات لوضع سياسته المعروفة باسم ((الآبارتهايد)) أي الفصل العنصري موضع التنفيذ ، ولقد أسست تلك السياسة العنصرية على مبادئ منها أن أي شعبين أبيض و أسود لايمكن أن يعيشا معا جنبا إلى جنب إلى مالا نهاية بدون حدوث انفجار مستقبلاً، فتم إصدار قانون يمنع التزاوج بين الأجناس عام 1949 م ، مستهدفاً منع الاختلاط الجنسي بين البيض و السود كما تم وضع قوانين أخرى عرفت باسم قوانين الأرض والتي أدت إلى حجز حوالي 98% من السود – في مساحة لاتزيد عن13% من مساحة دولة جنوب أفريقيا ، وقانون تسجيل الشعب وهو قانون يقسم مواطني دولة جنوب أفريقيا إلى أربعة أجناس عام 1950م، ثم صدر قانون آخر عام 1960م يمنع الاختلاط في التنظيمات السياسية وغيرها من القوانين الأخرى التي تؤكد العنصرية( )، ولهذه الأسباب وغيرها قاومت حركات التحرر الإفريقية في جنوب إفريقيا ومعها الدول الإفريقية ومنظمة الوحدة الإفريقية وكثير من الدول والمنظمات السياسية تلك السياسات المترتبة على نظام الأبارتهايد وقامت هذه الجهات باتخاذ السبل لمواجهة حكومات جنوب إفريقيا المتعاقبة والعمل على عزلها دولياً، ، وبفضل الدعم الذي وجدته القضايا الأفريقية من قبل العالم الثالث وما كان يعرف بالمعسكر الشيوعي فقد نجحت الدول الإفريقية وبعض حركات التحرر بالقارة الإفريقية في إقناع كثير من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة باتخاذ المئات من القرارات التي تؤيد القضايا الأفريقية ، وخاصة قضايا الجنوب الإفريقي ( ) ، ومن أهم القرارات الدولية التي اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم(1514) عام 1960 م الذي يقضي بمنح الاستقلال لجميع الشعوب المستعمرة ، كما صدر القرار رقم (2307)عام 1967م، وهو القرار الذي يشجب سياسة الفصل العنصري،أيضاً صدر القرار رقم(2384) لعام 1968م الخاص بالاضطهاد الذي يتعرض له معارضو الفصل العنصري،و القرار رقم (2440) الخاص بإدانة حكومة جنوب إفريقيا لمعاملتها المسجونين السياسيين معاملة قاسية ( )

وقد تنوعت القرارات المناهضة للعنصرية في أهدافها وصياغتها ، وكيفية التعامل معها ،فهناك القرارات التي أكدت علي الشجب والتنديد بأعمال وتصرفات حكومة جنوب إفريقيا ، لكن غالبية هذه القرارات كانت بشأن الرأفة بالمقاتلين في سبيل الحرية في جنوب إفريقيا ، والقرارات المتعلقة بمكافحة العنصرية والتمييز العنصري ،كذلك تواجد بعض القرارات التي تتخذها الجمعية العامة وهي عبارة عن توجيه أو لفت نظر مجلس الأمن الدولي كي يتخذ الإجراءات الأزمة بشأن القضية المعنية ، ومن أمثلة ذلك القرار رقم ( 36/172) لعام1981 ،والذي يحث مجلس الأمن علي أن يقرر" أن الحالة القائمة في جنوب أفريقيا، تشكل تهديداً خطيراً يمس السلم والأمن الدوليين ، على أن يفرض جزاءآت شاملة إلزامية على ذلك النظام بموجب الفصل السابع من الميثاق( ) ، وهذا ما ساهم في الضغط الدولي على ذلك النظام وجعله بعد سنوات قليلة يتنازل عن سيطرته على الحكم ويتيح المجال للأكثرية من السكان للمشاركة في الحكم ، بعد أن أيقن أن انعزاله عن المجتمع الدولي هو ضرب من المستحيل ، وأنه لن يستطيع الإستمرار من سياسته العنصرية ، كما أن هناك نوع ثالث من القرارات يحتاج إلي إجراءات تنفيذية من قبل الأعضاء في الأمم المتحدة ، والهيئات التابعة لها ، وسائر المنظمات الدولية والشركات والمصارف وغيرها، ومن هذه القرارات القرار رقم(3223)لعام 1974م والقرار رقم (33/446) لعام 1977م .والقرار رقم (93/34) لعام 1980م حيث طالبت تلك القرارات من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة باتخاذ إجراءات محددة مثل :
1- مقاطعة دولة جنوب أفريقيا في كافة المجالات .
2- الاعتراف بحركتي المقاومة في جنوب إفريقيا وهما : المؤتمر الإفريقي الوطني ، وحركة مؤتمر عموم إفريقيا ، وشرعية كفاحهما المسلح.
3- وقف تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات والمهاجرين والفنيين لما تلعبه هذه المسائل من دور هام في تطوير وتصنيع الأسلحة.
4- مطالبة المنظمات الدولية وخاصة المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي والشركات عبر الوطنية بالامتناع عن التعامل مع جنوب إفريقيا.
5- مطالبة الدول والحكومات المختلفة بمنع التأشيرات عن مواطني جنوب إفريقيا ، ولكن واجهت هذه القرارات مصاعب كبيره في عملية التنفيذ وذلك لأن هذا القرارات لم تكن تحصل على موافقة إجمالية من قبل كل الدول ، والدول التي صوتت لهذه القرارات لم تكن هي المعنية بها فعلاً( )

إلا أن غالبية الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وكندا قد عارضت استخدام سلاح لمقاطعة والحظر ضد دولة جنوب إفريقيا ، وأعلنت أن تلك القرارات التي تصدرها الجمعية ضد جنوب إفريقيا لاتخدم مصالح الأغلبية السوداء و أنها قرارات لاتساعد على تغير الوضع القائم في تلك الدولة العنصرية ، بالإضافة إلى اعتقاد حكومات تلك الدول بأن احتفاظها بعلاقاتها المختلفة مع دولة جنوب أفريقيا ومحاولة إقناعها بتغيير سياساتها العنصرية ،وهذه أيضاً وجهة نظر بعض دول أمريكا اللاتينية أيضاً ، مثل تشيلي ، كما أن أستراليا رأت أن الجمعية العامة للأمم المتحدة يجب أن تستخدم لغة تستقطب جميع الأعضاء ، وألا تترك لحكومة جنوب أفريقيا الفرصة للشك في موقف دول الجمعية العامة للأمم المتحدة ( ) ، أما رأي دول المعسكرين وبقية دول العالم الثالث لوجهة نظر الدول الإفريقية والعربية ، فقد أصرت الدول الإشتراكية ودول عدم الانحياز الأخرى – غير الإفريقية-على تقديم مشاريع قرارات تطالب بمزيد من الحظر والمقاطعة ضد دولة جنوب إفريقيا لأنها ترى أن تبريرات الدول الغربية كانت تبريرات تحجب خلفها دوافع أخرى ، والتي من أهمها الخوف على الاستثمارات الغربية الكبيرة وخاصة استثمارات كل من بريطانيا و الولايات المتحدة وألمانيا في دولة جنوب إفريقيا ، ذات شروط الاستثمار المشجعة على إقبال الدول الغربية على الاستثمار ، كما تذكر الأمم المتحدة من أن أهم عشرة شركاء تجاريين لدولة جنوب أفريقيا هم من الدول الغربية( )

• موقف الجامعة العربية
بحث مجلس الجامعة العربية الذي عقد في إبريل عام 1960م قضية التمييز العنصري في جنوب إفريقيا واضطهاد الأقلية للأغلبية الساحقة من أجل البلاد والوطنيين وما ترتب على ذلك من أحداث خطيرة تهدد الأمن في المنطقة والسلام العالمي ، و أنه بناء على قرارات مجلس الأمن الذي صدر في إبريل1960 والتزاماً بقرارات باندونج وسائر المؤتمرات الأسيوية والإفريقية بشأن مناهضة سياسة التمييز العنصري،فإن مجلس الجامعة شجب سياسة التمييز العنصري وحث على وقف أعمال العنف الجارية هنالك ،والدعوة إلى التعاون مع المجموعة الأسيوية والإفريقية وسائر الدول المؤيدة لها لاتخاذ خطة مشتركة في هذا الشأن مع الأمم المتحدة وهيئاتها ولجانها المختلفة وسائر المحافل الدولية وأيضاَ مضاعفة الجهود بشتى وسائل الإعلام لتبصير الرأي العام العربي والعالمي لقسوة سياسة التمييز العنصري والدعوة إلى التعاون الدولي للقضاء عليها دعماً للسلام العالي( ) ، فالتاريخ يذكر أنه عند الإعلان عن قيام جمهورية جنوب إفريقيا عام 1948م ،اعترفت بها معظم دول العالم ،لكن أصدر مجلس الجامعة العربية بإرجاء الدول العربية الاعتراف بها مادامت حكومتها لاتمثل الأغلبية و تنتهج سياسة التمييز العنصري وفى عام 1964م حدث تطورهام من جانب الجامعة العربية بالنسبة لسياسة التفرقة ،فقد تم الربط والمقارنة بين التمييز العنصري في جنوب إفريقيا والاحتلال الصهيوني لفلسطين وممارسات إسرائيل العنصرية ضد الشعب الفلسطيني ، كما ربطت بين الكفاح الوطني لفلسطين والكفاح الوطني في جنوب إفريقيا ( ) ، وقد أصدر مجلس الجامعة العربية قراراً في سبتمبر 1964م دعا فيه جميع الدول وبصفة خاصة التي مازالت لها علاقات دبلوماسية قنصلية واقتصادية مع حكومة جنوب إفريقيا أن تقطع هذه العلاقات وأن توقف أي صورة أخرى من صور تشجيع سياسة التمييز العنصري، وأدان المجلس التمييز العنصري في جميع صوره في إفريقيا وفي جميع أنحاء العالم، كما طالب بإطلاق سراح المناضل الجنوب إفريقي (نيلسون مانديلا) وسائر القومين المعتقلين بموجب القوانين الحكمية في جنوب إفريقيا ، كما طالب المجلس المذكور الدول المنتجة للبترول أن توقف كإجراء عاجل تصدير الزيوت و البترول إلى جنوب إفريقيا، ودعا الدول الإفريقية لتطبيق قرار أديس أبابا عام 1963م في مقاطعة بضائع جنوب إفريقيا ( ).

وكنتيجة لضغط الدول العربية والإفريقية وباقي دول العالم الثالث اضطرت جنوب إفريقيا الانسحاب من منظمة الأغذية و الزراعة الدولية عام 1963م ومنظمة الصحة العالمية عام 1964م ومن اليونسكو عام 1965م ، كما تم طرد جنوب إفريقيا من عدة مؤتمرات منها: إتحاد البريد العالمي وإتحاد المواصلات السلكية واللاسلكية ومنظمة الطيران المدني، وفي مارس عام 1967م أصدر مجلس الجامعة قراراً أكد فيه أن الكفاح الوطني في جنوب إفريقيا ضد التمييز العنصري وسيطرة الأقلية البيض على الحكم في جنوب إفريقيا مطابقة في دواعيه وأهدافه الكفاح العربي ضد الإحلال الصهيوني كما اعتبر المجلس أن شجب العنصرية بكافة أشكالها وألونها مبدأ أساسي من المبادي العربية خاصة والإنسانية عامة( ) ، وقد أعطى الحكام العرب المجتمعيين بالجزائر في نوفمبر 1973م، إهتماماً للأوضاع السياسية فى إفريقيا فعلى الرغم من أن أغلبية حركات التحرر قد أفلحت فى نيل الإستقلال ، إلا أن الكفاح والنضال كانا مطلباً للتصدى للوجود الاستعمارى البرتغالى والبريطانى فى موزمبيق ورودوسيا، لذلك أكدوا فى البيان الموجه إلى إفريقيا تأييدهم للبلدان الإفريقية تأييداً كاملاً في الكفاح من أجل التحرير الوطني والتقدم الاقتصادي ومن النضال ضد التمييز العنصري، وقطع جميع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية والاقتصادية والثقافية وغيرها مع جنوب إفريقيا والبرتغال وروديسيا من قبل الدول العربية التي لم تقم بذلك بعد وتطبيق حظر تام لتصدير البترول لهذه البلدان ( ) ، أما ليبيا فقد استضافت الدورة رقم (19) للجنة التنسيق لتحرير إفريقيا التي انعقدت بمدينة بنغازي في يناير1972 م وألقى أولى جلساتها قائد الثورة الليبية معمر القذافي كلمة قال فيه: "إن الجمهورية العربية الليبية لاتتردد في الاشتراك في عمليات عسكرية نظامية،وأن تخوض حربا رسمية في أي جزء من القارة من أجل تحريرها من الاستعمار والعنصرية بكافة أشكالها، والحفاظ على كرامة الإنسان فيها"( ).

من الخطوات الإيجابية التي اتخذت فى لجنة التنسيق لتحرير إفريقيا، هى التوصيات أو القرارات المتعددة التى تؤكد عزم الأفارقة على المضي قدماً فى سبيل استكمال تحرير القارة الإفريقية، وذلك فى الدورة الثلاثين لمجلس خارجية الأقطار الإفريقية بطرابلس، بأن الكفاح من أجل إفريقيا يجب أن يرتفع إلى مستوى التحديات التى تبديها الدول العنصرية فى إفريقيا، وما يلفت الانتباه على أن أسلوب الوصاية التى تفرض على دول إفريقيا هى محاولات مرفوضة وفاشلة، وأن القاعدة العسكرية فوق أرض أفريقيا تقوم بنفس الدور الذى تقوم به الإرساليات الغربية، والكنيست المسيحية، والشركات الغربية الإحتكارية، والمدرسة الغربية الاستعمارية، وفى النهاية كلها تسعى إلى استمرار استعمار إفريقيا، وفى كلمة العقيد معمر القذافى تناول الهيمنة الروحية على إفريقيا حيث أكد إن الإرساليات المسيحية التى دخلت إفريقيا منذ قرون، كانت هى الممهد النفسى للاستعمار الغربى لإفريقيا والتى تسعى إلى طمس الحضارات الافريقية، وإستبدال اللغات الافريقية باللغات الفرنسية والإنجليزية، والبرتغالية لإستمرار الهيمنة الاستعمارية على أفريقيا ثقافياً ( ) ، وفى حوار حول القضايا العربية والإفريقية للقائد معمر القذافى أجرته مجلة الدستور المصرية فى أبريل 1974 طالب بتحريرالأراضى الإفريقية التى يحكمها الاستعمار العنصرى فى جنوب إفريقيا ، وإن ليبيا مستعدة لاستقبال الشباب الإفريقي وإقامة المعسكرات التدريبية لأن الأراضى الليبية هى أراضى إفريقية، والدعوة للتحرير واجب قومى وطنى، كما أن الدعوة إلى تحرير إفريقيا، إذا تحققت سيؤدى إلى توحيد حركات التحرر الإفريقية التى ستنطلق وتتواجد على أرض ليبيا، وستحول ليبيا إلى مركز حركات التحرر( ).
وبمناسبة الاحتفال بالعيد الفضى لمنظمة الوحدة الإفريقية وبيوم إفريقيا الذى أقيم فى مدينة طرابلس ألقى العقيد معمر القذافى كلمة تحدث فيها عن دور ليبيا فى إفريقيا باعتبار ليبيا دولة فعالة فى الأسرة الأفريقية، وتشكل البوابة الشمالية لإفريقيا والجسر بين إفريقيا والبحر المتوسط وأوروبا، حيث أن ليبيا هى قبلة ثوار إفريقيا وإن أمل الشعوب الإفريقية وشعوب العالم، وأمل ثوار إفريقيا معقود على ليبيا لهذه المعطيات ، وتقديراً من قيادة الثورة لهذا اليوم تعلن القيادة الأخيرة اعترافها بتشاد، وتنهى كافة المشكلات المعلقة بينها وبين تشاد من أجل أن يتفرغ القادة الأفارقة وأن يصبوا جهودهم لحل مشاكل إفريقيا الإقتصادية ومواجهة العنصرية وتحرير جنوب إفريقيا وناميبيا( ) ، وفي مؤتمر الجزائر عام 1988م لحكام الدول العربية أكدوا في البيان الختامي للمؤتمرات إدانة الممارسات العنصرية بمختلف أشكالها في جنوب إفريقيا ، والتحالف العنصري بين الكيان الصهيوني ونظام بريتوريا، و التضامن الكامل مع شعوب جنوب إفريقيا وناميبيا ودعمه لحركات التحرر في الجنوب الإفريقي من أجل إنهاء الفصل العنصري وتمكين شعوب جنوب إفريقيا من استرجاع حريتها وسيادتها واستقلالها، وفي أغسطس 1990م وفي المؤتمر غير العادي الذي دعا إليه الرئيس صدام حسين في بغداد أكد الحكام العرب على تفعيل آليات التعاون العربي الإفريقي والعمل على التأكيد على تطبيق كل القرارات السابقة( )، لكن بسبب ضعف إمكانيات الجامعة العربية وضعف الروابط التي تربط الدول العربية مع بعضها البعض في إطار الجامعة العربية بسبب البروتكول المؤسس للجامعة ، فالموقف السائد فى نطاق جامعة الدول العربية لم يتعد النداءات وتكرار المضمون بصورة تلقائية وهذا يكشف أن الجامعة لم تنشغل بصورة كبيرة فى تطوير موقفها ؛ لأن الرأى السائد كان يميل إلى ترك الحلول للقوى والتطورات فى السياسة الدولية التى حددتها معطيات الحرب الباردة.

رابعاً : الموقف الإفريقي والعربي من التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا
• مرحلة التغلغل والاقتحام ( 1957 – 1962)م .
تتميز هذه المرحلة بالبعثات والزيارات المتعددة التي كانت ترسلها إسرائيل إلى إفريقيا على المستوى الرسمي، وقد ساعدت موجة الإستقلال التي اجتاحت الدول الإفريقية عام 1960 على ازدهار الدبلوماسية الإسرائيلية في القارة، حيث حرصت إسرائيل على تدعيم علاقاتها التي كانت قد بدأتها مع بعض الدول الإفريقية قبل الاستقلال والاعتراف بها رسمياً عن طريق البعثات الدبلوماسية ، وكانت أول دولة حصلت على استقلالها هي غانا عام 1957 ، وكانت تجربة الاعتراف بدولة غانا أولى التجارب، وقد استهدفت إقامة العلاقات الدبلوماسية معها وإيجاد قاعدة للانطلاق إلى الدول الأخرى في إفريقيا التي قد تنال استقلالها ( )، وعثرت الدبلوماسية الإسرائيلية على قوى خارجية تمهد لها سبيل التحرر والتوسع أهمها كان تأثير القوى الاستعمارية على مواقف الدول الإفريقية إزاء مبادرات إسرائيل لإقامة علاقات دبلوماسية معها، فمثلاً كل الدول الناطقة بالفرنسية والتي يبلغ عددها ثلاثة عشر دولة اعترفت عقب استقلالها مباشرة بإسرائيل وهذا أيضاً ينطبق على الدول التي كانت تقع تحت تأثير جنوب إفريقيا ( )، وكان من مظاهر النشاط الإسرائيلي في هذه المرحلة، قيام وزير الدفاع الإسرائيلي(موشي ديان) بزيارة لليبيريا وغانا سنة 1957، ثم تلتها زيارة وزية خارجية إسرائيل (جولدا مائير) لإفريقيا عام 1958، حيث زارت كلا من ليبيريا، وغانا، ونيجيريا، والسنغال،وساحل العاج، وقد أجرت (جولدا مائير) محادثات هامة مع زعماء هذه الدول وأسفرت هذه الزيارة على أن تقوم إسرائيل بتقديم المعونات للدول الإفريقية وإن تعمق شبكة علاقاتها معها ، وألا تقتصر صداقاتها على أوروبا وأمريكا فقط ( ) ، وكانت لرحلات مائير المكثفة للدول الإفريقية تأثير واضح على علاقات إسرائيل بهذه الدول وخاصة بعد موجة الاستقلال، إذا ساهمت هذه الزيارة في زيادة شعبية إسرائيل في إفريقيا بشكل لم يكن متوقعاً من قبل، كما مهَّدت الطريق أمام إسرائيل لاكتساب مساندة وإقناع الإفريقيين بكل ما هو إسرائيلي، كما وجهت مائير خلال زيارتها لإفريقيا عام 1958 الدعوة لبعض رؤساء الدول الإفريقية لزيارة إسرائيل، فخلال عامي 1958 – 1959 ، قام بعضهم بهذه الزيارات بدافع الإطلاع على التجارب الجديدة في مختلف مجالات التنمية فوصلت بعثة من النيجر، للاطلاع على الإنجازات في المجال الزراعي والاجتماعي، وتلتها بعثة من تشاد ثم بعثة من غينيا( ) .

أيضاً سارعت إسرائيل لتوقيع المعاهدات مع الدول الإفريقية، وسعت عبر مائير لإبراز إهتمام إسرائيل بإستقلال الدول الإفريقية الجديدة في إفريقيا، ففي يناير سنة 1960م زارت زيارات رسمية عدداً من الدول الإفريقية منها ليبيريا، وسيراليون، وغانا وغينيا ، أيضاً قام وزير المالية الإسرائيلي بعد أشهر قليلة من زيارة مائير بزيارة الكونغو لحضور إستقلالها، وبعد ذلك زارت مائير ساحل العاج وغانا وليبيريا، ومالي، والسنغال ونيجيريا ، وأعلنت عن تقديم قرض بمبلغ 2.5 مليون جنيه إسترليني لنيجيريا وتشكيل ثلاث شركات مشتركة ومنحها مائتي منحة دراسية، ولمالي خمس وعشرين منحة وعرضت عليها مساعدات في مجال المحاصيل الزراعية، وقد تميز عام(1961-1962) م بكثرة الوفود التي زارت إسرائيل، واتخذت العلاقات الأفروإسرائيلية في هذه الفترة شكلاً أكثر رسمية، وأصبح وصول الوفود الرسمية الإفريقية أمراً اعتيادياً( ) ، فقد وصل في هذه الفترة عدد البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا من ست بعثات عام 1960 إلى ثلاثة وعشرون بعثة في عام 1961، كما زار إسرائيل في هذه الفترة الكثير من الرؤساء الأفارقة فمن تلك الزيارات زيارة رئيس الجابون ووزير الخارجية والاقتصاد القومي، ورئيس مدغشقر مع وزير الزراعة، وتم في هذه الزيارات توقيع معاهدات في مجالات التعاون التجاري والفني كما شملت الاتفاقيات معاهدة صداقة بينها، و كما زار الرئيس الليبيري إسرائيل وكذلك رئيس ساحل العاج ، ورئيس وزراء أوغندا، كما أرسل عدداً كبيراً من الوفود الإسرائيلية إلى إفريقيا وتم إرسال عدداً كبيراً من الوزراء الإسرائيليين لتمثيل بلادهم في احتفالات الاستقلال الإفريقية كان منها الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه ديان لدار السلام وأعلن خلالها عن تقديم إسرائيل لمائة منحة دراسية لتجانيقا( ) ، وقد تم تتويج النشاط الدبلوماسي الإسرائيلي في إفريقيا خلال هذه المرحلة بتلك الزيارات التي قام بها رئيس الدولة الإسرائيلي في أغسطس 1962م لكل من ليبيريا و الكونغو برازفيل ( الكونغو الديمقراطية حالياً ) و جمهورية إفريقيا الوسطى والسنغال، هذا و قد لعبت البعثات والاتفاقيات الاقتصادية دوراً كبيراً في زيادة حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والدول الإفريقية، إذ وقعت إسرائيل اتفاقية مع غانا عام 1985م للتجارة وتبعتها أخرى عام 1962م شاملة للتعاون التجاري والفني، ووقعت إسرائيل سنة 1961م اتفاقيات مع توجو، وداهومي (بنين حالياٍ) وفولتا العليا (بوركينا فاسو حالياً) لتخفيض الرسوم الجمركية إلى خمسين المائة وذلك من أجل توسيع التبادل التجاري،كما وقعت اتفاقية مماثلة مع نيجيريا والجابون وليبيريا والكاميرون وكينيا وجمهورية إفريقيا الوسطى عام 1962 ( ).

• مرحلة الدعم( 1963 – 1967) م
منذ أن بدأت مائير جولتها في شرق إفريقيا عام 1963م ، العلاقات الإسرائيلية مع هذه الدول بدأت تتوطد حيث قامت بزيارة شخصية لكل من كينيا وأوغندا وتنجانيقا ، وتم توقيع اتفاقيات هامة للتعاون الفني في أوغندا وتنجانيقا، واجتمعت برؤساء هذه الدول وتم التصديق على معاهدة صداقة بينهم ,كما تم الاتفاق على دعم إسرائيل لهذه الدول ، كما قامت مائير بزيارة أخرى لشرق إفريقيا شملت كينيا بغية حضور احتفالات استقلالها وأخرى لأثيوبيا بدعوة شخصية من الإمبراطور هيلاسلاسي، وقد شملت الزيارة التالية التي قامت بها مائير لإفريقيا في أكتوبر 1964م شرق إفريقيا، وقد تابعت مائير الاتصالات التي سبقت إستقلال زامبيا بقصد حضور احتفالات إعلان قيامها كدولة، واجتمعت كبار المسئولين في فيها وواصلت الأخيرة رحلتها فزارت نيجيريا وأجرت محادثات هامة مع رئيسها ( )، كما زار رئيس الكنيست الإسرائيلي في أوائل 1965م سيراليون، وتشاد، وداهومي، والنيجر، وفولتا العليا، وغانا ، وساحل العاج، كما استمر تدفق الزعماء والوزراء والوفود النقابية والبعثات من الدول الإفريقية إلى إسرائيل ، ففي مايو 1963 قام رئيس الكاميرون (أحمد هيوجو) بزيارة لإسرائيل واعتبرت لفتة بالغة الأهمية من رئيس إفريقي مسلم لدولة تحتل إحدى الدول الإسلامية وفي سبتمبر 1963م زار إسرائيل رئيس داهومي، وفي ديسمبر 1963م زارها الرئيس الكنغولي ومعه وفد من كبار أعضاء حكومته وبين عامي( 1964– 1965) م زار ثلاث رؤساء أفارقة إسرائيل، وهم على التوالي رئيس توجو في أبريل وداهومي في يوليو ورئيس تشاد في أكتوبر ، كما توالت الوفود من ليبيريا والكاميرون وإفريقيا الوسطى والنيجر وتنزانيا وتشاد وسيراليون وساحل العاج( ) .

واتسمت هذه المرحلة بدعم العلاقات الإسرائيلية مع دول شرق إفريقيا وإجراء اتصالات واتفاقات جديدة مع زعماء الحركات الوطنية في بعض المناطق الإفريقية التي لم تكن قد نالت استقلالها بعد وبلغت العلاقات الإسرائيلية ذروتها خلال هذه المرحلة ووصل نجاح التغلغل الإسرائيلي قمته في عام 1967م، وأصبحت إسرائيل خلال هذه الفترة من أوائل الدول المساعدة للدول الإفريقية التي تشكو حاجتها الماسة للخبرة الفنية في مجالات الاقتصاد والزراعة ( ) ، فمن الاتفاقيات والمشاريع المبرمة خلال هذه الفترة على سبيل المثال لا الحصر، نجد أنه تم في يونيو 1967م اتفاقية لزراعة القطن في أثيوبيا بين شركة إسرائيلية وأخرى أثيوبية، وفي أواخر 1967م وافقت إسرائيل على إعطاء قرض لكينيا قدره 225 ألف جنيه إسترليني لبناء مجموعة من المخازن وفندق يتألف من ثلاث وعشرين طابق، وقد وقع اتفاق حول هذا المشروع في نيروبي بين وزير مالية كينيا وسفير إسرائيل كما فازت (سولنيل يونيته) الإسرائيلية بمناقصة لإقامة مبنى حزب (كانو) الحاكم، وأقيم في أوغندا اتفاق لتصدير منتجات شركة (الكور) الإسرائيلية إلى أوغندا بقيمة نصف مليون جنيه إسترليني، كما تم إبرام اتفاقية لإقامة وتشغيل مصفاة في سيراليون في نوفمبر1967، وكما تم توقيع بروتوكول أثناء زيارة بعثة تجارية اقتصادية لساحل العاج إلى إسرائيل وينص البروتوكول بتبادل المنتجات بين البلدين في حدود ثمانية ملايين دولار، كما تم إبرام إتفاق مالي بين ساحل العاج والشركة الإسرائيلية ( قرومان)( ).

وبالنظر إلى ما سبق نستنتج أن التحرك الإسرائيلي في إفريقيا قد اتسم بطابع السرعة والمرونة في تثبيت مواقعه، وكان يتبع أساليب وأهداف تتناسب مع خصائص التجمعات المتعددة لدول إفريقيا التي تحددها الظروف الجغرافية وآثار الاستعمار الأوربي ممثلة في دول شرق القارة الإفريقية وغربها ووسطها و جنوبها، كما لم يقتصر التحرك الإسرائيلي على رقعة جغرافية معينة في إفريقيا بل شمل جميع أنحاء القارة بهدف توسيع كسر الطوق على حركتها في إفريقيا، وقد اختارت التعاون الاقتصادي سبيلاً لها لأنها أدركت أن كل الدول الإفريقية حديثة الاستقلال تبنت سياسات تنموية استدعت تأمين إمكانيات تنفيذها، مما جعل الدعم الاقتصادي الإسرائيلي أكثر أغراءاً ، و يتسم بكونه لا يقتصر على الصلات مع الفئات أو الجهات الرسمية بل يمكن إسرائيل من التغلغل في النسيج الاجتماعي وميدانياً ، خاصة أن إسرائيل أكثر قدرة على تقديم مساعدات فنية من الدول العربية، خاصة النفطية التي ركزت على الدعم المالي، فأصبحت إسرائيل مصدراً رئيسياً في تقديم المعونة الفنية للدول الإفريقية حين ذاك حيث بلغ عدد الخبراء الإسرائيليين الذين عملوا في إفريقيا في الفترة من ( 1958– 1970) م حوالي 2484 خبيراً في مجالات الزراعة والتخطيط، والصحة والتعليم وغيرها من المجلات الأخرى، وفي المجال العسكري دربت إسرائيل حتى عام 1967م تسعة عشر جيشاً إفريقياً، كما أولت إسرائيل اهتماماً إلى الزيارات واستقبال الوفود والعلاقات الثقافية( ) ، وفي مجال الدعم المالي والقروض والمنح فقد كان إجمالي القروض قد وصل خمس وخمسين مليون دولار رغم أن هذه المنح والقروض كانت تخدم الجانب الإسرائيلي، كما أن إسرائيل كانت قد استفادت كثيراً من وراء تقديمها للمعرفة الاقتصادية والفنية للدول الإفريقية، سواءاً من حيث الكسب السياسي أو الدعم الاقتصادي لإسرائيل الذي وصل من ثمان وعشرين مليون دولار عام 1960م إلى واحد وخمسين مليون دولار عام 1967م، وكل ما تود إسرائيل من سعيها الدؤوب نحو الاقتراب من الدول الإفريقية هو من أجل أن يعترف بها كدولة في المحيط الدولي سياسياً واقتصادياً وأن تكسر حاجز العزلة التي تعاني منها( ).

أولا: مصلحة سياسية و إستراتيجية
إدراكا من إسرائيل لأهمية العمق الإستراتيجي لكيانها وارتباطها العضوي بأمنها وقدرتها على التوسع العسكري بذلت إسرائيل جهوداً مضنيةً في سبيل تعزيز علاقتها الإفريقية ، وخاصة مع دول البحر الأحمر باعتباره ممراً حيوياً بالنسبة لكثير من دول شرق إفريقيا ، كما سعت إسرائيل من وراء ما بذلته من كسب دعم الدول الإفريقية سياسياً في كثير من القرارات التي تهم الجانب الإفريقي ، أو على الأقل حياد الدول الإفريقية المستفيدة من المساعدات والخبرات التي تقدمها ، فبذلك كانت تهدف لتحقيق الكسب السياسي والاستراتيجي( ) ، ويمكن أن نستشف بعضا من الأغراض المباشرة للتوجه الإسرائيلي إلى إفريقيا من خلال التصريحات التي كان يدلي بها المسئولون الإسرائيليون على اختلاف مواقعهم، فمن تلك التصريحات ما صرح به وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق(أبا إيبان) حيث قال :"كانت إسرائيل في أمس الحاجة إلى إنشاء علاقات مع إفريقيا، علاقات تعطي ثماراً سياسية تضمن منح أصوات التأييد لإسرائيل على المسرح الدولي، لا يكفي أن تعتمد إسرائيل على الفيتو الأمريكي والبريطاني والفرنسي لمجلس الأمن الذي يعتبر الهيئة التنفيذية للمنظمة الدولية، كما نحتاج إلى أصوات عشرات الدول الأخرى لكي نحول دون تدهور مركزنا و عزلتنا في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي هي بمثابة برلمان للشعوب"( ) ، كما ذكر أحد السياسيين الإسرائيليين البارزين في هذا المجال "أنه ثمة مميزات واضحة سعت إسرائيل من أجلها لكسب الأصدقاء في الكتلة الإفريقية المتزايدة الأهمية فبذلك السعي تتمكن من كسر طوق العزلة الاقتصادية والسياسية التي تعاني منها في الشرق الأوسط"( ) ، وكذلك من تلك التصريحات ما قاله عميد جامعة حيفا وأستاذ العلوم السياسية السابق في الجامعة العبرية (بنيامين اكسين) حيث قال: "إن نقطة الإرتكاز في سياسة إسرائيل الخارجية يجب أن تكون ضمان وجود إسرائيل في الأسرة الدولية"( ) ، ومن ذلك أيضا ما قاله رئيس وزراء إسرائيل الأسبق (بنجوريون) "إن العلاقة الإسرائيلية الإفريقية تهدف في حدها الأدنى إلى تحييد إفريقيا في الصراع العربي الإسرائيلي وفي أحسن حالاتها ضمان مساندة إفريقيا للوضع الإسرائيلي"( )، وكان بنجوريون يردد باستمرار أن الطريق للسلام العادل في المنطقة سوف يتم عن طريق غير مباشرة بتقوية علاقات إسرائيل مع شعوب آسيا وإفريقيا، كما قال(بنجوريون) "إننا لا نستطيع أن نكره جيراننا على عقد السلام معنا، ولكن ما من شيء يمكن أن يؤدي إلى تخفيض حدة البغضاء لدى العرب نحونا وبالتالي يؤدي في النهاية إلى السلام بيننا وبينهم، أفضل من أن نكسب مزيداً من الأصدقاء بين دول إفريقيا وأسيا"( ) ، وقال أيضا بنجوريون:" إن أمن إسرائيل يتوقف على توطيد العلاقات مع إفريقيا إلى درجة كبيرة".( ) .
• مصلحة اقتصادية
إن إفريقيا توفر الخامات لإسرائيل تلك الخامات التي تعد في أمس الحاجة إليها في صناعتها ولاسيما خام الماس، الذي أصبح مادة رئيسية في الصناعة الإسرائيلية، فضلاً عن ذلك فإن بعض المشروعات الاقتصادية المشتركة بين إسرائيل وبعض الدول تخدم الاقتصاد الإسرائيلي ببعض المواد الأولية التي تحتاجها بأسعار أرخص مما لو تم استيرادها من أوروبا، كما أن النمو الصناعي الإسرائيلي يتطلب لكي يحافظ على استمرار تقدمه أن يكون له نفوذ في إفريقيا الشرقية بسبب القرب الجغرافي وأفضلية المنافسة، ولا شك أن جميع هذه الأهداف تساعد على تدعيم الاقتصاد الإسرائيلي ودفعه نحو الاستقلال وهو هدف استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، وهي تسعى بهذا إلى كسر طوق المقاطعة العربية( ) ، فيتضح فى هذه الملاحظات و التصريحات والجهود التي بذلتها إسرائيل مدى أهمية إفريقيا لإسرائيل آنذاك، كسر الطوق، ومحاولة الالتفاف من الخلف على الدول العربية وكسب التأييد من خلال ضم عدد من الدول الإفريقية إلى جانبها في المحافل الدولية، وتلميع صورتها فى العالم الإفريقي والتغلغل فى جميع الجبهات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

• الموقف العربي من التغلغل الإسرائيلي في القارة
عملت الدول العربية على مقاطعة إسرائيل وهذا شكل عاملاً حاسماً فى مواجهة النشاط الإسرائيلى فى إفريقيا حيث أن هذه المقاطعة حرمت إسرائيل من التعامل الإقتصادى مع العديد من الدول الأخرى وسدت أبواب العديد من الأسواق، حيث شعرت الأسواق الإسرائيلية بخطورة هذه المقاطعة، خاصة بعد أن أقامت الدول العربية مجتمعة علاقات دبلوماسية مع غالبية الدول الإفريقية إذ بلغ عدد السفارات الإفريقية حتى عام 1980م مائة واثني عشرة سفارة بدرجة سفير، وواحد وعشرين سفارة على مستوى قائم بالأعمال، بالإضافة إلى أربع وسبعين سفارة غير مقيمة ، ولا ننسى دور مصر في هذا المجال حيث لعبت مصر دوراً كبيراً في عزل إسرائيل و إبعادها عن المجال الإفريقي فمن أبرز مذكرات عبد الناصر تجاه إفريقيا قوله: " إن شعبنا على الباب الشمالي الشرقي لإفريقيا المناضلة وهو لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي"( ) ، وقد اعتمد على وسيلتين أساسيتين أولهما استخدام جميع المؤتمرات الإفريقية ومؤتمرات الدول النامية لإظهار حقيقة إسرائيل وكيف أنها أداة للاستعمار الجديد، وثانياً جهود الحكومة المصرية لإعاقة التغلغل في إفريقيا والذي برز في بداية الستينات وفي شتى الميادين حيث تم تخصيص إدارة للشئون الإفريقية ضمن إدارات وزارة الخارجية المصرية منذ الخمسينات، وفى وزارة الدفاع و مجلس الأمن القومي والمخابرات العامة ووزارة الإعلام ووزارة شئون الأزهر ووزارة التعليم( ) ، وقد أوضح الرئيس عبد الناصر في العديد من خطبه الدور الذي تلعبه إسرائيـل في إفريقيـا حيث قــال " إن إسرائيل تمنح معونات لإفريقيا ولكن نريد أن نعرف من أين تحصل إسرائيل على هذه الأموال، فإن هذه الدولة تتصرف كمعبر وكهمزة وصل بين القوة الاستعمارية والدول الإفريقية فهي تقوم بدور الذئب في وسط الأغنام "( ).

المبحث الثالث
مواقف الدعم والمساندة
بين الجانبين العربي والأفريقي

أولا : الدول العربية ومساندتها للقضايا الإفريقية في الجمعية العامة
أنشأت مجموعة من المؤسسات في إطار الجامعة العربية بهدف التعاون في المجالات الاقتصادية ، مثل المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا الذي يسهم في تمويل التنمية الاقتصادية للدول الإفريقية ، ويعمل على تشجيع رؤوس الأموال العربية وتوفير المعونة الفنية اللازمة لتحقيق تلك التنمية ، كما تم إنشاء الصندوق العربي الخاص لتقديم القروض للدول الإفريقية الذي خصصت فيه الدول العربية مساعدات للدول الإفريقية ، أيضاً تم إنشاء الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول العربية والإفريقية الذي يهدف إلى تقديم المعونة الفنية في مجالات التنمية الإقتصادية والاجتماعية والعلمية للدول الإفريقية ، وتنمية المهارات الفنية والإدارية بتوفير المنح التدريبية والدراسات المتخصصة ، وتقديم الخدمات الإستشارية ، وتوفير الخبراء ، وقد استطاع هذا الصندوق أن يقدم مساعدات لاكثر من أربعين دولة إفريقية ، وأوفد آلاف الخبراء في المجالات المختلفة ، إضافة إلى آلاف المنح الدراسة ومئات الدورات التدريبية في المجالات المختلفة ، أيضاً تم إنشاء الإدارة الإفريقية وهي متفرعة عن الإدارة العامة للشؤون السياسية في إطار الأمانة العامة لجامعة الدول العرية ، وتتولى تلك الإدارة متابعة العلاقات العربية الإفريقية وتقويتها والإعداد للمؤتمرات ، واللجان الخاصة بالعلاقات العربية الإفريقية من خلال الدراسات والبحوث بأشكالها المختلفة ، إلى جانب وجود قسم للشؤون الإفريقية في إطار الإدارة العامة للإعلام بجامعة الدول العربية ، ويتولى تقوية العلاقات العربية الإفريقية من خلال الوظيفة الإعلامية باللغة الإنجليزية في مواجهة الدعاية المضادة التي تضر بالعلاقات العربية الإفريقية( ).
كما لعبت الدول الإفريقية دوراً مهماً في تأييد القضايا العربية المطروحة في الجمعية العامة للأمم المتحدة،وبالمقابل لعبت الدول العربية نفس الدور بمساندتها للدول الإفريقية في قضاياها التي ألقيت على منبر الأمم المتحدة، فطالما سارعت الدول العربية للوقوف بجانب الدول الإفريقية في جميع قضاياها، كالعنصرية والقضاء على بقية الاستعمار، لذى نرى ضرورة التعرض لبعض تلك القرارات دون حصرها لكثرتها بغية فهم المواقف العربية من القضايا الإفريقية .

عقب حرب أكتوبر 1973م صدر قرارين الأول رقم (أ-305) ألف، والثاني رقم (280) حيث شجبت الجمعية العامة فيهما امتناع حكومة جنوب إفريقيا عن الامتثال للطلبات المتكررة الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن والداعية إلى إطلاق سراح جميع الأشخاص المسجونين أو المعتقلين أو المفروضة عليهم قيود ، بسبب معارضتهم للفصل العنصري، وقد طالبت الجمعية العامة مرة أخرى من حكومة جنوب إفريقيا أن تطلق سراح جميع هؤلاء الأشخاص دون شرط، وناشدت جميع الحكومات والمنظمات والأفراد القيام بعمل مشترك أقوى للتعريف بقضية الأشخاص المضطهدين في جنوب إفريقيا وإشادت بالمؤتمر النقابي الدولي لمكافحة التمييز العنصري الذي عقد في جنيف في يونيو 1973م، حيث أسفر التصويت على القرار أن صوتت جميع الدول العربية مع القرار، كما أسفر القرار تعديل الفقرة"و" من القرار نفسه عن تصويت جماعي مع صدوره والذي يفيد بمناشدة جميع الدول والمنظمات تقديم التبرعات للمنظمات الطوعية المعنية بالحملة ضد الفصل العنصري( ) ، وحصل نفس التوجه حينما صدر القرار (3061) (د8ح) في نوفمبر 1973م والذي كان يخص الوضع في (غينيا بيساو) واحتلال القوات العسكرية البرتغالية لبعض القطاعات فيها وكذلك ما قامت به قواتها من اعتداءات مسلحة على شعب غينيا والرأس الأخضر، إذ صوتت تسعة عشر دولة عربية مع القرار( ) ، ولاينبغى في هذا الإطار إغفال ما جاء في القرار(3411) (د30) في نوفمبر1975م والذي أدانت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء (البانـتستونات) من قبل النظام العنصري الحاكم في جنوب إفريقيا، ووصفت عملها بأنه يرمى إلى تدعيم سياسة الفصل العنصري، وأعلنت عن رفض إعلان استقلال الترنسكاى أو الاعتراف بها كدولة ، وأجمعت الدول العربية على تأييد هذا القرار( ) ، وفى إطار المساندة العربية نجد أنه حينما طرح قرارين إحداهما كان القرار ذو الرقم(33-40) في ديسمبر 1978 والذي نص على إدانة تواطؤ جميع الدول المتعاملة سياسياً ودبلوماسياً واقتصاديا وعسكرياً مع جنوب إفريقيا صوتت جميع الدول العربية مع القرار( ) ، لكن بعد القرارات التي وردت في أعقاب معاهدة كامب ديفيد القرار رقم (34-24 ) في نوفمبر1979م والذي نص على الطلب من الدول وأجهزة الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية، والمنظمات غير الحكومية تكثيف جهودها بغية الإسراع إلى أقصى حد من تحقيق الأهداف الرامية إلى القضاء الكامل والنهائي على جميع الأشكال العنصرية والتمييز العنصري في جنوب إفريقيا، نلاحظ أنه قد صوتت كل الدول العربية الحاضرة ( ) كما أن نتيجة تصويت على القرار(35-206) الصادر في ديسمبر1980م تعتبر كبيرة ، فقد صوتت كل الدول العربية الحاضرة وهى ستة عشر دولة مع القرار، والذي ينص على إدانة جميع الدول التي تستمر في التعاون مع جنوب إفريقيا في المجالين العسكري والنووي ولاسيما الدول الغربية وإسرائيل ( ).

فيلاحظ أن النمط التصويتى ماثلاً على النحو السابق حيث تم التصويت على القراررقم (39-أ ) في ديسمبر1989م الذي ينص فحواه على إدانة جنوب إفريقيا لرفضها قرارات استقلال ناميبيا وكذلك إدانة المساعدات المتزايدة التي تقدمها البلدان الغربية الكبيرة وإسرائيل لجنوب إفريقيا في الميادين السياسية والاقتصادية والمالية وبالذات الميدانيين العسكري والنووي، وقد صوتت سبعة عشر دولة عربية الحاضرة مع القرار( ) ، كما نجد التوجه ماثلاً إثر إصدار قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم39-72، (أ،ب،ج،د،ه،و،ز) في ديسمبر والتي تفرض جزاءات شاملة على نظام الفصل العنصري ودعم الكفاح من أجل التحرير في جنوب إفريقيا، ووضع برنامج لمناهضة الفصل العنصري هناك وتنشيط الإعلام والعمل الشعبي لمناهضة العنصرية وإقامة إجراءات دولية للقضاء على الفصل العنصري، وقد برزت الدول العربية بأن صوتت تسعة عشر دولة مع القرار( ) ، ومن واقع تماثل المستوى التصويتى للدول العربية تجاه القضايا الإفريقية أبان أكتوبر وما بعدها يلاحظ أن ما أحدثته المعاهدة من زوبعة لم تؤثر أو تصل تموجاتها إلى مواقف الدول العربية في الجمعية العامة ، كما يعكس النمط العام لموقف الدول العربية تجاه القضايا الإفريقية المطروحة في الجمعية العامة مدى الاهتمام الذي توليه الدول العربية لتلك القضايا( ).

وخلاصة الأمر إلى أنه بالنظر إلى ما فات من قرارات تخص الجانبين العربي والإفريقي وتأييد بعضهما البعض في الجمعية العامة للأمم المتحدة نجد أن التضافر العربي الإفريقي له دور فعال في تدعيم مطالب ومواقف الجانبين وخاصةً إذا وضعنا في الاعتبار إن الدول الإفريقية تناهز ثلث أعضاء الأمم المتحدة، فإذا أضفنا إليها الدول العربية فسيكون التأثير أكبر، فقد صوتت المجموعة العربية لصالح القضايا الإفريقية بالإجماع، ويمكن تفسير ذلك بأن سياسات الدول العربية فرادى كانت متماثلة فى هذه القضايا المركزية،وكذلك إلى لها قدر من الاستقلالية فى صناعة القرار فى مثل هذه القضايا التى لن يكون لها إنعكاسات سلبية على علاقاتها الدولية حتى مع حلفائها الغربيين اللذين كانوا يتخذون مواقف متباينة عن المواقف العربية، كما أن طبيعة النظام السياسى العربى يعطيها قابلية التنسيق وتوحيد المواقف فى المحافل الدولية خاصة أن التباينات والسياسات العربية ليست عميقة ومتشابهة أيديولوجياً بالمقارنة مع النظم السياسية الإفريقية.



ثانيا: الدول الإفريقية ومساندتها للقضايا العربية في الأمم المتحدة.
في سنة 1973م بلغ عدد الدول الإفريقية في الأمم المتحدة إحدى وأربعين دولة وكانت الدول الإفريقية قد تحولت من التأثير والفعل الهامشي البسيط إلى فعل أشد تجاه موقفها الجماعي من التصويت فكان لذلك أثر إيجابي وفعال تجاه القضايا والقرارات التي تصوت فيها ومن ضمنها القضايا العربية( ).
• حالة التصويت قبل حرب أكتوبر
يفيد القرار رقم 3005 في (الدورة 27) والصادر في ديسمبر1972 على مناشدة إسرائيل أن تكف عن كل السياسات المخالفة لحقوق الإنسان الخاصة بسكان الأراضي المحتلة، والطلب من لجنة حقوق الإنسان بالتحقيق في الإجراءات الإسرائيلية التي تتم داخل الأراضي المحتلة إذ صوتت مع إصدار القرار خمسة عشر دولة إفريقية وامتنعت ثلاثة عشر دولة وصوتت ضد القرار دولة واحدة( ) .

• حالة التصويت الإفريقي بعد أكتوبر
في هذا الإطار يعتبر القرار رقم(3092) في (دورة 28) والصادر في ديسمبر1973م أول القرارات المعنية في هذا الشأن وهو يتعلق بتقرير اللجنة الخاصة حول ممارسات إسرائيل التي تؤثر في حقوق الإنسان لسكان الأراضي المحتلة ( )، وقد نص القرار على مطالبة إسرائيل في تنفيذ اتفاقية جنين وكذلك شجبها لخرق هذه الاتفاقية، وقد صوتت مع هذا القرار اثنين وعشرين دولة إفريقية بينما امتنعت دولة واحدة عن التصويت ولم تحضر كلا من موروشيوس وسوازيلاند، وقد شهد الوضع التصويتي صعوداً، وذلك ما أكده القرار رقم(3175) في الدورة (28) في ديسمبر 1973م، والذي ينص على تأكيد السيادة العربية الدائمة على الثروات الطبيعية في المناطق العربية المحتلة، فقد أسفر التصويت عن سبع وعشرين دولة إفريقية مع القرار بينما امتنعت مالاوي وتغيبت إفريقيا الوسطى وناميبيا وسوازيلاند( ) ، كما شهد التصويت لصالح القرارات العربية ارتفاعاً ملحوظاً وذلك إثر التصويت على القرار رقم(3210) في الدورة(29) في أكتوبر1974م الذي نص على أن الجمعية العامة ترى أن الشعب الفلسطيني هو المتصرف الأساسي والمعنى بقضية فلسطين في جلساتها العامة، فقد صوتت مع القرار اثنين وثلاثين دولة إفريقية بينما امتنعت مالاوي وسوازيلاند وليستو( ) ، وحينما تم التصويت على القرار رقم (3236) في الدورة (29) في نوفمبر 1974م والذي نص على إقرار حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير دون تدخل خارجي، وحقه في الاستقلال والسيادة الوطنية وكذلك حق الفلسطينيين الغير قابل للتصويت في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم وقد صوتت ثلاث وثلاثين دولة من الدول الإفريقية مع القرار ولم تصوت ضد القرار سوى مالاوي وسوازيلاند( ).

فالقرارات التي لها صلة بحق تقرير المصير والسيادة تحظى بالتصويت إلى جانبها، فيتعذر على الدول الإفريقية أن تتنكر لهذا المبدأ الذي ناضلت من أجله، أما القرارات التي تتبنى وجهات نظر أخرى فإن بعض الدول قد تختار الامتناع عن التصويت أو تصوت ضد القرار ، ففى القرارات السابقة صوتت ناميبيا، وليوسيتو وسوازيلاند خارج الإجماع الإفريقي ويعود ذلك لأنها تقع تحت تأثير الضغط من قبل جنوب إفريقيا، أي أن موقف هذه الدول الثلاث متولد من خشيتها من انتهاج موقف يناهض إسرائيل وهى حليفة لجنوب أفريقيا وهذه الدول تعتمد على جنوب إفريقيا خاصة من الناحية الاقتصادية، ولا تعدل أو تهتم بالمنهاج الإفريقي الذى رسمه ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية، خاصة فى قضايا حق تقرير المصير والسيادة الإقليمية التى هي محور السياسة الإفريقية ( ) ، كما شهدت المساندة الإفريقية للجانب العربي في قضاياه على النحو الفائت والتي شهدت تصاعداً من الجانبين وعقد خلالها مؤتمرات مشتركة، بدءاً من المؤتمر الوزاري الأول في داكار وصولاً إلى مؤتمر القمة العربي الإفريقي في مارس1977م، وإن كانت معاهدة كامب ديفيد قد أحدثت ارتباكاً ولو لبعض الوقت في انسيابية العلاقات العربية الإفريقية كما يتضح في الآتي :
أولاً: نمط التصويت قبل المعاهدة من واقع القرارات
يمكن استخلاص نتيجة القرار رقم 32-5 الصادر في أكتوبر 1977م الذي ينص على "أن الإجراءات الإسرائيلية الغير مشروعة في الأراضي العربية المحتلة التي تستهدف تغيير الطبيعة القانونية والتشكيل الجغرافي، والتركيب السكاني فيها مخالفة لأحكام ميثاق الأمم المتحدة والتزامات إسرائيل الدولية طبقا لاتفاقية جنيف الرابعة المتداولة للتوصل إلى سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط "( ) ، وقد صوتت إثنين وثلاثين دولة إفريقية على القرار بينما امتنعت دولة واحدة هي مالاوي( ) ، كما يمكن الاسترشاد بالقرار رقم ( 33-28-أ-ب-ج) في ديسمبر 1978م الذي ينص على التأكيد أنه لا يمكن إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط دون تحقيق حل عادل لمشكلة فلسطين على أساس نيل الشعب الفلسطيني حقوقه غير القابلة للتصرف، وقد صوتت إثنين وثلاثين دولة إفريقية مع امتناع أربع دول هي : ساحل العاج، وسوازيلاند،وليستو، ومالاوي( ).

ثانياً نمط التصويت بعد المعاهدة:
ينبغي التعرض للقرارات التي وردت بعد المعاهدة من قبل القرار رقم (43/136) الصادر في ديسمبر 1979م والذي ينص على تأكيد حق الدول والشعوب العربية التي تقع أراضيها تحت الاحتلال الإسرائيلي في السيادة الدائمة والكاملة على مواردها الطبيعية وقد أسفر التصويت عن تأييد31 دولة أفريقية مع القرار مع امتناع دولة واحدة هي (ساحل العاج)، ومن ضمن تلك القرارات (د أ ط) 7/2 (الدورة الاستثنائية الطارئة) في يوليو 1980 م الذي ينص فحواه على مطالبة إسرائيل الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة منذ يونيو 1967م ، وقد جاء في هذا القرار أيضا التأكيد بوجه خاص أنه لا يمكن إقامة سلم شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط بموجب ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة، دون انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية والأراضي العربية الأخرى المحتلة بما فيها القدس، وقد صوتت لصالح القرار 34 دولة إفريقية دون امتناع أي دولة سوى ملاوي( )، كما أشارت نتيجة التصويت أن الموقف الإفريقي بات ثابتاً في تأييده للجانب العربي إذ أن جميع القرارات الصادرة تباعاً يشير معدل التصويت فيها إلى الثبات إن لم يكن ارتفاعاً في العدد، فمن تلك القرارات المبرهنة القرار رقم (د أ ط) 9/1 في فبراير 1985م والذي ورد فيه الإعلان بأن قرار إسرائيل فرض قوانينها وولايتها على مرتفعات الجولان باطل وملغي وقد أسفر التصويت عن 31 دولة مع القرار وامتنعت ثلاث دول هي الغابون، ومالاوي، وليبيريا( ).















جدول مساندة الدول الإفريقية للدول العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة
حالة التصويت قبل حرب أكتوبر 1973
دول مع التصويت دول ضد التصويت دول ممتنعة دول غائبة
15 13 1 ---
حالة التصويت الإفريقي بعد اكتوبر 1973
دول مع التصويت دول ضد التصويت دول ممتنعة دول غائبة
22 ----- 1(مالاوي) 2(مورشسيوس سيوزيلاند)
حالة التصويت عام 1974
دول مع التصويت دول ضد التصويت دول ممتنعة دول غائبة
32 ----- 3(مالاوي- سيوزيلاند-لسيوتو) -----
نمط التصويت قيل معاهدة كامب ديفيد 1977
دول مع التصويت دول ضد التصويت دول ممتنعة دول غائبة
32 ----- 1(مالاوي) -----
نمط التصويت بعد المعاهدة
دول مع التصويت دول ضد التصويت دول ممتنعة دول غائبة
31 ----- 1(مالاوي) -----
نمط تصويت مؤتمر السلام
دول مع التصويت دول ضد التصويت دول ممتنعة دول غائبة
33 ----- ----- -----
المصدر: صمم هذا الجدول من قبل الباحث اعتماداً على فهرس أعمال الجمعية للأمم المتحدة ، الدورة العادية السادس و الأربعون ،ملحق رقم (47/45/A) ، (1990 -1991)م ، أيضاً : صالح أبو بكر علي ، دور المنظمات الإقليمية والدولية في العلاقات الدولية ، مصدر سابق ذكره .

ومن القرارات التي تعنى بالدعم الإفريقي للجانب العربي قرار الجمعية العامة رقم 44/7 الصادر في أكتوبر 1989 والذي ينص على المطالبة بالتعاون بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لتنفيذ القرارات المتصلة بلبنان وفلسطين والشرق الأوسط، وقد برز في نتيجة التصويت في هذا القرار مدى كثافة أصوات الدول الإفريقية التي وصلت إلى ست وثلاثين دولة مع القرار( ).

وعندما طرح القرار رقم 45/36 في ديسمبر 1990 والذي ينص على إدانة إسرائيل لرفضها التخلي عن حيازة أسلحة نووية ومطالبتها أن تخضع مرافقها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك الطلب من جميع الدول التوقف عن تقديم المساعدة لإسرائيل في هذا المجال، صوتت لصالح القرار 28 دولة إفريقية بينما امتنعت عن التصويت كل من : إفريقيا الوسطى وزائير، والكنغو الديمقراطية ، ومالاوي ، وكوت ديفوار ( ) ، ولما كانت فترة ما بعد أزمة الخليج الثانية فترة وفاق على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي وتحولت الاصطلاحات من صراع ونزاع الشرق الأوسط إلى محادثات التسوية السلمية ومفاوضات السلام، شاركت الدول الإفريقية في دعوتها إلى استصدار القرارات الداعية إلى عقد مؤتمر للسلم في الشرق الأوسط فمن ذلك القرار رقم 45/68 في ديسمبر 1990م الذي ينص على الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط برعاية الأمم المتحدة ، وقد صوتت 33 دولة إفريقية مع القرار كما صوتت الدول الأفريقية بفاعلية للقرار 46/75 في ديسمبر 1971م بشأن عقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط برعاية الأمم المتحدة، والترحيب بانعقاد مؤتمر مدريد للسلام إذ صوتت 31 دولة أفريقية مع القرار دون أي ممتنع ( ).

بالنظر إلى ما ذكر من قرارات ومن خلال الجدول بخصوص القضايا التي تمس العالم العربي خاصة الوضع في الشرق الأوسط، ومن خلال ما طرح من تلك القضايا في الجمعية العامة للأم المتحدة وحال التصويت فيها من قبل الدول الإفريقية أصبح واضحاً مدى ما قدمته الدول الإفريقية من تأييد بتصويتها إلى جانب القرارات التي تخدم القضايا العربية، وبالنظر إلى معدل التصويت نجد أن المد الذي حدث في 1973م لم يحدث أي تقلص طول حقبة الدراسة ولم تؤثر معاهدة كامب ديفيد على معدل التصويت رغم التكهنات بحدوث تراجع في مواقف الدول الإفريقية تجاه الوضع في الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية( ) ، كما أن تلك الدول التي أظهرت امتناعا أو معارضة عن التصويت في بعض القضايا لم تكن مقتنعة تصرفها لكن فعلت ذلك بدافع أسباب خارجية حرصاً منها على مصالحها الحيوية التي تتمثل في شدة اعتماد تلك الدول على جنوب إفريقيا الحليف الأوحد لإسرائيل ، فوقوف هذه الدول مع المصالح الإسرائيلية ليس نتاج اقتناع وإنما تناج ضغوط خارجية تلعبها جنوب أفريقيا نيابة عن حليفتها إسرائيل، رغم أن الاقتناع كان مقصوراً في بادي الأمر على الدول ذات الاعتماد الكلي على جنوب إفريقيا، إلا أننا نجد وبخاصة في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينيات أن بعض الدول الأخرى دخلت في نفس الدائرة، إذ يبدو من التصويت أن بعض الدول كزائير وكودفوار وليبيريا اتخذت موقف الامتناع في بعض القرارات ، ومرد ذلك هو حدوث تراجع نسبي في هذا الصراع بعد معاهدة كامب ديفيد لمحاولة حل هذه المشكلة بالمحادثات السليمة وظهور انفراج محدود بتوجه نسبي تجاه إعادة العلاقات مع إسرائيل من قبل بعض الدول الإفريقية( ).

وفي خلاصة القول نرى أنه رغم حدوث بعض التجاوزات من قبل بعض الدول الإفريقية فإن الصورة العامة التي يمكن أن نلاحظها تخلص على مدى ما تكنه الدول الإفريقية من إهتمام بالقضايا العربية حيث يتضح ذلك من خلال التصويت الذي تتمثل صورته في مدى مساندة الدول الإفريقية في تدعيم المواقف العربية خاصة أن التصويت يتراوح بين 29 صوت إلى 36 صوت مع القرار.

ثالثاً: دول الجامعة العربية ومساندتها للقضايا الإفريقية
بين حربي ( أكتوبر 1973م ، الكويت 1991 م)
بالرغم من أن الدور الفعال الذي لعبته الدول العربية كدول فرادى في مساندة القضايا الإفريقية ، كان أكبر من دور الجامعة العربية كمنظمة دولية تهتم بالجانب العربي بشكل خاص ، وتدعم القضايا الإفريقية اعتماداً على الإرتباط الوثيق بين إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ، والدول العربية ، إلا أن دور تلك الدول كان في معظمه يعتمد على قرارات وتوصيات الجامعة العربية ، وبناءاً على ذلك نستطيع أن نقول إن دور هذه الدول في القضايا الإفريقية كان يعتمد بشكل غير مباشر على الجامعة العربية وتوصياتها ، وأهم هذه الدول التي كان لها دوراً مهماً في الإهتمام بهذه القضايا الدول الآتية:
أ- مصر متمثلة في ثورة يوليو
إن لمصر دور الريادة في دعم ومساندة حركات التحرر الإفريقية إبان ثورة يونيو مما ساعدها على متابعة دورها فى الحصول على صفقة الأسلحة التشيكية التي استلمتها عام 1955م اذ مكنتها من تسليح بعض حركات التحرر الإفريقية وظلت تتحمل هذا الدور حتى تم إنشاء لجنة التنسيق لتحرير إفريقيا التابعة لمنظمة الوحدة الإفريقية التي أنشأت عام 1963م( ) ، كما رحبت القاهرة بكثير من اللاجئين السياسيين تأكيداً منها لدورها الريادي في إفريقيا,كما كانت مدارس الصاعقة والكليات الحربية في مصر مفتوحة أمام الأفارقة لتدريبهم وإعدادهم عسكرياً, وأسهمت المكاتب السياسية لحركات التحرير الإفريقية التي فتحت في القاهرة في توطيد الصلة, وساعد فتح هذه المكاتب تسهيل اتصال هذه الحركات بالعالم الخارجي, وكانت هذه المكاتب عاملاً هاما في خلق إطار إفريقي من العمل المشترك وتبادل الخبرات والتجارب, فضلاً عن ترسيخ أسس الكفاح ضد الاستعمار, كما تمكن أصحاب المكاتب السياسية المتواجدين في مصر من حضور دورات الأمم المتحدة,كمراقبين حتى تتمكن هذه الحركات من عرض قضاياها على الوفود المشاركة في تلك الدورات وأمام لجنة الوصاية التابعة للأمم المتحدة لعرض القضايا الإفريقية على المنبر الدولي في حين كان الصراع السياسي والأيدلوجي شديداً بين الدول الرأسمالية من جهة وبين المعسكر الاشتراكي من جهة أخرى ( ) ، كما وجدت حركات التحرير الإفريقية, وسائل الإعلام المصرية الوسيلة الوحيدة لإسماع صوتها للعالم الخارجي ومخاطبة شعوبها وما أن نشأت إذاعة صوت إفريقيا باللغات الإفريقية المحلية مثل السواحيلية والهوسا, والولوف, وضعت هذه الإذاعة تحت تصرف حركات التحرير الإفريقية لعكس نضال شعوبها وشرح قضاياها, بغية إيصال قضاياها إلى الشعوب الإفريقية من أجل حشد الدعم السياسي للحركات في عملياتها النضالية,ومقاومة الحرب الدعائية التي سخرت لها الدول الاستعمارية إمكانياتها المادية والفنية,لاظهار عجز النضال وعزل القيادات السياسية للحركات عن قواعدها الشعبية في الداخل( ) ، وأصبحت القاهرة منبعاً للدعوة والتضامن الأفروأسيوي والوحدة الإفريقية منذ سنة 1957م وكان صمود مصر إزاء عدوان 1956م ، شعلة شجعت الشعوب العربية والإفريقية للتحرير ,ومن الشواهد التي توضح دور مصر بالنسبة لدعم حركات التحرير تصريحات بعض الزعماء الأفارقة, فمن ذالك ما صرح به نائب رئيس كينيا بعد العدوان الثلاثي قائلا "إن مصر وحدت إفريقيا وآسيا والعالم العربي ودفعت بحركات الاستقلال الوطني إلى بلوغ أهدافها , وهذا ما تأكد في الستينات بعد أن استقلت سبعة عشر دولة في عام 1960م, حيث قدمت مصر كل ما تملكه من تأييد ومساعدة ممكنة بالإضافة إلى الاستمرار في تأييد حركات التحرير في الدول التي لم تستقل بعد وظهر ذالك بصدور الميثاق الوطني المصري عام 1962 م الذي نص على إسناد الشعوب الإفريقية التي تناضل ضد القوى الاستعمارية من أجل تحريرها واستقلالها كما قامت منذ ذلك الوقت بقطع علاقاتها بالدول العنصرية التي خلفها الاستعمار في أرض القارة كروديسيا وجنوب إفريقيا( ).

• الجزائر
لقد كانت المقاومة الجزائرية العنيفة للاستعمار الفرنسي وإجباره على الاعتراف باستقلال الجزائر المحفز لبقية الشعوب حتى تحصل على الاستقلال,بعد أن ثبت لتلك الشعوب بأن درب النضال بالكفاح المسلح هو الطريق الوحيد للحصول على الحرية وكان لالتفات الحركات الإفريقية لهذا النهج مقلق للطرفين إذ أنه سرعان ما خيرت الدول الإفريقية جنوب الصحراء على استقلالها خشية أن تنتقل مظاهر الثورة إليها كما هو في الجزائر ( ) ، فالثورة الجزائرية عجلت موجة الاستقلال التي انتشرت في المناطق الإفريقية,التي كانت تسيطر عليها فرنسا وهو ما عبر عنه رئيس الحكومة الفرنسية عام 1955 م قائلاً :
" علينا كسب الزمن وذالك لأن مشاكل إفريقيا السوداء مثل مشاكل شمال إفريقيا"( ), وعندما شرح ديغول سياسته 1958م أوضح مدى أثر الثورة الجزائرية في تقرير مصير الشعوب الإفريقية حيث قال تحولت " مستعمراتنا السابقة في القارة السوداء وكذالك الجزيرة الكبيرة على المحيط الهندي (مدغشقر) إلى جمهوريات بمساعدتنا لأنني قدرت كم من ثورة قد تقوم في ممتلكاتنا السابقة إذا ما رفضنا لها ما هو عدل"( ) ، كما أنَّ حصول الجزائر على استقلالها ساهم في قيام منظمة الوحدة الإفريقية بعد تلاقي آراء الدول الإفريقية حول قضية إستقلالها ، كما جعل منها – الجزائر- مركز لضرب القوى الاستعمارية في القارة الإفريقية, فأصبحت الجزائر مركزا لتدريب الثوار الأفارقة من أقطار متعددة, كالكونغو,وموزمبيق, وغينيا بيساو, وساندت الجزائر هذه الدول في حربها التحررية, وفعلا استطاعت تلك الحركات التحررية تحقيق استقلالها الكامل من الاستعمار البرتغالي ، وهكذا أكدت الثورة الجزائرية للشعوب الإفريقية, إن قوة الدولة الاستعمارية لا يمكن أن تمنع الشعوب من الحصول على استقلالها ( ).

• ليبيا
حصلت ليبيا على استقلالها عام 1952م , حيث قامت بعد استقلالها بعملية الدفع والتأييد لحركات التحرير الإفريقية والتي وضحت على الصعيد الرسمي في إطار الجهود التي بذلتها ليبيا من خلال الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية ، كما قامت ببذل الجهود على المستوى الدبلوماسي والإعلامي، من خلال المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومن خلال الإذاعة والصحف لنصرة الحركات التحررية ، أيضاً قامت بالانضمام إلى لجنة تحرير إفريقيا في منظمة الوحدة الإفريقية وباستضافة بعض جلساتها آنذاك, وأكدت من خلال مساعيها دعم حركات التحرير في القارة, كما اتخذت المواقف الحازمة في ضرب الحركات الاستعمارية فقامت بقطع علاقاتها الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية مع جنوب إفريقيا العنصرية والبرتغال ، وقاطعت خطوط الطيران التي تتعامل مع النظام العنصري في جنوب إفريقيا سنة 1971م , ووصل الأمر إلى حد إرسال المتطوعين لإسناد الثوار الأفارقة في نضالهم في سبيل التخلص من الاستعمار ، فعلى سبيل المثال دعمت ليبيا المقاومة التشادية ضد المعاهدات التي فرضت عليها من قبل فرنسا عام 1985( ).

• دور الجامعة العربية في مكافحة الاستعمار وتحقيق التنمية في إفريقيا :
بعد نجاح الدول العربية في إنشاء منظمهم الإقليمية استطاعوا أن يحولوا فكرة الجامعة العربية من إطار التنظيم الإقليمي الذي يخلو ميثاقه تماماً من أي حديث عن الاستعمار ومظاهره وجوده في المنطقة إلي حركة قومية وحدوية خارج هذا الإطار ترفض الاستعمار وتصنع مشروعها الاستقلالي من خلال إمكانيات مصر بعد ثورة يوليو 1952م ، وكانت حركتها في هذا الإطار تتجه إلى دائرة التحرك الوطني الإفريقي الأسيوية( ) ، وفي هذا الخصوص لم تأل الجامعة جهداًً في سبيل تقوية أواصر التعاون مع الشعوب الإفريقية في فترة الاستعمار واتخذت عدداً من القرارات، فمن أهم القرارات التي حدثت بخصوص الاستعمار في الدول الإفريقية ما أصدرته الجامعة في عام 1953م بخصوص تبني فضية كينيا في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكذلك مشاركة الجامعة في الجهود التي بذلت لعرض قضية الكاميرون ، حيث استنكرت الجامعة استخدام القوة المسلحة ضد شعبها وأوصت الأمم المتحدة ، بضروة إجراء استفتاء عادل، كما أكد مجلس الجامعة تضامن الدول العربية مع سائر الدول الإفريقية في بذل المساعي لتحقيق رغبات شعب الكاميرون وحفظ وحدته وتأييد استقلاله ،وعندما انعقد مؤتمر منروفيا أصدر قراراته في أغسطس 1959م بالحث على إعطاء استقلال الكاميرون ووحدة أرضه ، وتأييد سائر قضايا الحرية، والعدل الدولي ، والدعوة إلى التعاون الوثيق بين الدول العربية وسائر الدول الإفريقية( ).

أيضاً دعا مجلس الجامعة إلى أن تقوم الدول العربية الأعضاء في الأمم المتحدة بتأييد قضية الكاميرون ومساندة شعبه في مطالبته بالاستقلال الذي تحقق في يناير 1960م ،ومنذ عام 1960والجامعة العربية توجه اهتماماً خاصاً إلى العلاقات مع الدول الإفريقية لدعم موقفها في الاحتفاظ باستقلالها, ومساعدة الدول التي لم تحصل بعد على الاستقلال، وقد وافق مجلس الجامعة على قرار اللجنة السياسية الخاصة بمساندة وتدعيم استقلال البلاد الإفريقية تمشياً مع السياسة العربية في كل ما يتعلق باستقلال الشعوب جميعاً وحريتها حيث قرر المجلس:
1- الترحيب بالدول الإفريقية المستقلة حديثاً.
2- تأييدها في جهودها لدعم استقلالها ودفع الأخطار الأجنبية عنها .
3- التعاون التام معها في الميادين الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية وغيرها كفالة للمصالح العامة المشتركة,وبذل المزيد من العناية للمنح الدراسية لأبناء القارة الإفريقية، وتبادل المدرسين والخبرات( ).

كما كان للجامعة دور فعال في مساعدة الدول التي استقلت جزئياً – حيث ظلت مرتبطة ببعض المعاهدات التي تحد من إستقلالها- بتأييد مواقفها الرامية إلى التحرر الكامل ، فمن تلك المعاهدات تأييد الجامعة لجزر القمر، كما شجبت التدخل العسكري والعدوان على الدول الإفريقية المجاورة لجنوب إفريقيا ، بذريعة باطلة وهي حق التبعية ، كما ناشدت الجامعة جميع الشعوب والدول المحبة للسلام والحرية أن تقف إلى جانب كفاح القارة الإفريقية ضد قوي الاستعمار( ) ، وجاء مؤتمر القمة الأول العربي الإفريقي عام 1977م ، ليضع بداية حقيقية لدور الجامعة العربية في دعم القضايا الإفريقية بأشكالها المختلفة ، الإقتصادية والإجتماعية والسياسية ، حيث أكد المؤتمر أهمية التعاون بين الجانبين وذلك من خلال مطالبته بعدة أمور أهمها( ) :
• تشجيع المؤسسات المالية الوطنية والمتعددة الأطراف على تقديم مساعدات فنية ومالية لدراسة الجدوى للمشروعات الإنمائية وهياكل البنية الأساسية في إفريقيا وإعدادها للتمويل .
• تدعيم موارد المؤسسات المالية الوطنية والمتعددة الأطراف والتي تعمل في ميدان التمنية الإفريقية .
• المساهمة في تدعيم الموارد المالية لبنك التنمية الإفريقي عن طريق الإقراض من أسواق المال العربية بأفضل الشروط الممكنة .
• زيادة موارد المصرف العربي للتنمية الإقتصادية في إفريقيا لتمكينه من زيادة المساهمة في تلبية إحتياجات التنمية الإفريقية .
• تدعيم العلاقات التجارية بين الدول الإفريقية والعربية عن طريق إعطاء معاملة تفضيلية متبادلة .
• تنسيق المساعدات المالية المقدمة من الدول العربية والمؤسسات المالية الجماعية وذلك تعزيزاً للأثر الإنمائي لتلك المساعدات في الدول الإفريقية المستفيدة .
• تشجيع الاستثمارات العربية خاصة عن طريق إنشاء مشروعات إفريقية / عربية ، مشتركة والعمل على وضع نظام لضمان الإستثمارات في الدول الإفريقية .
• تشجيع توظيف رؤوس الأموال العربية في الدول الإفريقية في شكل إستثمارات مباشرة أوقروض أو ودائع .
• تشجيع التعاون الفني بين الدول العربية والدول الإفريقية .
• زيادة المساعدات الثنائية المقدمة عن طريق الصناديق الوطنية إلى الدول الإفريقية .
• أن تقوم اللجنة الدائمة بالتنسيق مع المؤسسات الإفريقية والعربية المختصة بالعمل على وجه السرعة من أجل تنفيذ البنود السابقة .
ولوضع تلك الخطة موضع التنفيذ تم الإتفاق على عدة لجان ومجموعات عمل لتحقيق هذا التعاون ، وذلك على النحو التالي ( ):
• اللجنة الدائمة ، المؤلفة من 24 عضواً ( 12 ترشحهم الجامعة العربية ، و 12 ترشحهم منظمة الوحدة الإفريقية ) ، وتنعقد دورتين في كل سنة لهذه اللجنة ، وتحددت إختصاصات اللجنة في القيام بتنفيذ أعمال التعاون العربي الإفريقي
• مجموعات العمل واللجان المتخصصة التي تهتم بشؤون ( التجارة ، والصناعة والتعدين ، والزراعة والغابات وصيد الأسماك وتربية الحيوانات ، والطاقة ومصادر المياه ، والنقل والمواصلات السلكية واللاسلكية ، والتعاون المالي ، والتعاون التعليمي والاجتماعي والثقافي والإعلامي ، والتعاون العلمي والتقني ).
• لجنة التنسيق التي تتولى تنسيق عمل مجموعات العمل المختلفة وضمان تنفيذ القرارات الصادرة .
• محكمة إفريقية /عربية خاصة أو لجنة للتوفيق والتحكيم ، بهدف تقديم التفسير القانوني للنصوص التي تحكم التعاون العربي الإفريقي ، وفض أي نزاع قد ينشأ .




• حال المساندة من قبل دول الجامعة العربية خلال الفترة(1979-1991)م
أحدثت فترة 1979م تموجاً وارتباكاً على صعيد الوفاق العربي مما أثر سلباً على الوفاق العربي الإفريقي نتيجة لمعاهدة كامب ديفيد وعدم تطابق المواقف حيالها وبروز استياء عربي تجاهها لم يواكبه مجاراة إفريقية علي نفس التوجه ؛إذ خلَّف كل ذلك ، ما يمكن تسميته بأزمة في التطور المحرز في الوفاق العربي الإفريقي ، فبالنظر إلى موقف دول الجامعة تجاه التعاون العربي الإفريقي من خلال مسيرة التعاون العربي الإفريقي نتلمس حدوث تأزم في الموقف إثر الخلاف بين المجموعة العربية التي كانت تدعو إلى إقالة مصر من اللجنة المشتركة مع إصرار إفريقي علي بقاء مصر ، مع تأجيل الاجتماع المشترك الذي كان من المزمع إقامته في طرابلس في يناير1980م ، وفقاً لما جاء في الدورة الطارئة في تونس في يناي 1980م ، ورغم كثرة المحاولات إلا أنه لم يتسن للجانبين مواصلة الحوار على نحو ما كان عليه قبل المعاهدة ولم تسفر الدورة العادية الثالثة والسبعين بتونس عن أي حل مرضي( ) ، لكن رغم ما ساد بين الجانب العربي والإفريقي من اختلاف في المواقف غير أن الموقف العربي عاد إلى سابق عهده من حيث الإهتمام بالقضايا الإفريقية وذلك ما بدى في الدورة العادية الخامسة والسبعين لمجلس الجامعة في تونسفي مارس 1981م ، إذ جاء في القرار: "انطلاقا من المواقف المبدئية للدول العربية من الاستعمار، والتمييز العنصري وترسيخاً للعلاقات التي تربط بين الأمة العربية والشعوب الإفريقية في نضالها المشترك ضد النظام العنصري الصهيوني في فلسطين والنظام العنصري في جنوب إفريقيا وتأكيداً لمواقف الدول العربية المبدئية من تأييد حركات التحرر الإافريقية يؤكد المجلس من جديد تأييد الدول العربية لشعب ناميبيا فى كفاحه العادل من أجل الحرية ( ).

وفي الدورة الطارئة لمجلس الجامعة في تونسفي يونيو1981 م أشار المجلس إلى عدة أمور هي( ):
1- شجب الموقف المتعنت لنظام جنوب إفريقيا ورفضه لتنفيذ خطة التسوية التي أقرتها الأمم المتحدة.
2- تأييد نضال المواطنين داخل جنوب إفريقيا ضد سياسات التفرقة العنصرية.
3- إدانة العدوان المتكرر لنظام جنوب إفريقيا على دول المواجهة الإفريقية وسياستها الرامية إلى زعزعة الاستقرار في جنوب القارة الإفريقية.
4- إدانة غزو جنوب إفريقيا لجمهورية أنغولا والاعتداءات المتكررة على أراضيها وسيادتها وتأكيد تضامن الدول العربية مع جمهورية أنغولا.
5-التأكيد على موقف الدول العربية الثابت من عزل ومقاطعة نظام جنوب إفريقيا.
هذا وقد عاود مجلس الجامعة إهتمامه بالقضايا الإفريقية حيث أعرب مجلس الجامعة في دورته الطارئة في تونس في يناير 1982م ، على تأكيد استمرار ادراج بند قضايا التحرير الإفريقية في كل جدول أعمال مؤتمرات القمة، كما ورد في مجلس الجامعة الطارئ مارس 1983م ، من قرارات تمثلت في:
1. التعبير عن قلق الدول العربية إزاء تطورات الموقف في الجنوب الإفريقي ومحاولات النظام العنصري هناك عرقلة تنفيذ قرارات مجلس الأمن رقم 435 الخاص باستقلال ناميبيا.
2. التعبير عن المساندة الكاملة لموقف ثوار ناميبيا ومنظمة الوحدة الإفريقية الرافض لمقترحات دول مجموعة الاتصال بخصوص النظام الانتخابي المقترح الذي ينتقص من الحقوق الدستورية للأغلبية.
3. إدانة الاعتداءات المتكررة لنظام جنوب إفريقيا على دول المواجه وتأكيد مساندة الدول العربية لها في الدفاع عن سيادتها( ).

وقد أكدت الدورة 78 من مجلس الجامعة الذي عقد في نوفمبر1982 م ما سبق من قرارات مشددةً على التأكيد على تطبيق الحظر التام الذي أقرته قرارات القمة السابقة لمنع وصول النفط العربي لجنوب إفريقيا، كما أشارت قرارات مجلس الجامعة في تلك الدورة حيث بات من الواضح ورود بند قضايا التحرير والعنصرية في كل المجالس التالية فمن ذلك قرارات مجلس الجامعة رقم 79 في إبريل 1983 م ، وما ورد فيه من قرار يخص القضايا الإفريقية تمثلت في:
1. تجديد تأييد الدول العربية للموقف الإفريقي المتمثل في الإصرار على التنفيذ الفوري لقرار مجلس الأمن رقم 345 بشأن استقلا ل ناميبيا، بدون أي تزييف أوتحريف.
2. التنديد بموقف بعض الدول أعضاء مجموعة الاتصال الغربية الداعم لشروط نظام جنوب إفريقيا والضاغط لفرض تسوية منقوصة.
3. إدانة استمرار نظام جنوب إفريقيا العنصرية في سياسته العنصرية وممارساته القمعية ضد الوطنيين الإفارقة في جنوب إفريقيا وتأكيد تأييد الدول العربية لحقهم المشروع في الحرية والكرامة.
4. التنديد بالاعتداءات الظالمة والعدوان القاسي الذي يقوم به النظام العنصري في جنوب إفريقيا ضد دول المواجهة الإفريقية وتأكيد مؤازرة ومساندة الدول العربية لدول المواجهة الإفريقية.
5. توجيه التحية إلي المناضل الإفريقي نيلسون مانديلا والمطالبة بإطلاق سراحه ومناشدة المجتمع الدولي بالضغط علي النظام العنصري في جنوب إفريقيا لتنفيذ قرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن( ).

وفي إطار رصد ما تبنته الدول العربية في إطار الجامعة إزاء مكافحة العنصرية ،ينبغي استحضار ما أعلنت عنه الجامعة من دعوتها للأعضاء بضرورة المشاركة في المؤتمر العالمي الثاني لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري، فقد شاركت الدول العربية في المؤتمر وساند ت الدول الإفريقية في استصدار قرار بفرض المقاطعة الكاملة علي جنوب إفريقيا وفق ميثاق الأمم المتحدة رغم اعتراض أغلبية الدول الغربية بين الرفض المبدئي للمقاطعة (فرنسا) إلى عدم إمكانية الرفض أو الالتزام بها (سويسرا)، هذا وقد جددت الجامعة وأكدت مواقفها في الدورات المنعقدة تباعا إذ أعيد تأكيد ضرورة تطبيق القرار رقم 435 بخصوص استقلال ناميبيا وكذا إعادة التنديد بالدول الغربية التي تدعم شروط نظام جنوب أفريقيا والذي عقد في باريس في إبريل 1983م ، وكذلك المؤتمر الدولي لمناهضة التمييز العنصري الذي أنعقد-آنذاك- في جنيف في أكتوبر 1983م ، وكذا الدورة التاسعة عشر لمؤتمر القمة الإفريقي الذي انعقد في أديس أبابا في يوليو 1983م ( ).

ونشير هنا إلى أن الموقف العربي المتمثل في الجامعة وأعضائها بات أكثر اهتماماً بالوضع في جنوب إفريقيا رغم الركود العام الذي أصابه نتيجة للمعاهدة المصرية الإسرائيلية ، ولكن أثبتت الإجراءات التي قام بها مجلس الجامعة وخاصة من بعد عام 1981م ، مدى ما توليه الجامعة من إهتمام بالقضايا الإفريقية ومن ضمنها الوضع السائد في الجنوب الإفريقي ، وقد تأكد هذا الاتجاه بعودة مصر إلى المجموعة العربية إثر مؤ تمر بغداد 1990م ، التى كانت تسعى من جهتها لدعم القضايا الإفريقية فقد استطاعت الجولة الثانية للمفاوضات الرباعية فيما في يونيو1988م ، ثم اتبعت الدبلوماسية المصرية عن كثب تطورات استقلال ناميبيا إلى أن تم التوقيع علي الاتفاق النهائي في نيويورك في ديسمبر 1988م، كما لعبت مصر برئاسة منظمة الوحدة الإفريقية دوراً حيوياً في دعم الموقف الإفريقي في الجنوب الإفريقي علي صعيد استقلال ناميبيا الذي تم في1990م( ) ، ومن ناحية أخرى وفي الإطار نفسه عبر مجلس الجامعة رقم 93 عن ارتياح اللجنة للإعلان الخاص بمسألة جنوب إفريقيا الصادر في هراري في زيمبابوي في نهاية الثمانينات عن لجنة رؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية المختصة بإفريقية المختصة بإفريقيا الجنوبية وأكدوا على ضرورة تنفيذ ما ورد في هذا الإعلان من حتمية القضاء على التمييز العنصري وإطلاق سراح كافة المعتقلين بمن فيهم المعتقلين السياسيين دونما شروط وإزالة كافة القيود المفروضة على جميع المنظمات والأشخاص الذين يكافحون ضد الفصل العنصري وإلغاء حالة الطوارئ ، وتأييد الإعلان الصادر في المجلس السابق بخصوص ناميبيا والذي دعا فيه المؤتمر مجلس الأمن والأمين العام للأمم المتحدة إلى تحمل كامل مسئولياتهم والتزام اليقظة لضمان مشاركة الشعب الناميبي في الانتخابات وفقاً لقرار مجلس الأمن 435 لعام 1987م .

فدول الجامعة العربية كانت مهتمة منذ قيامها بالأوضاع والقضايا الإفريقية بدءاً بالاستعمار وانتهاءاً بالعنصرية، وطوال مدة دراستنا لم يبدو هناك تراخي وتخلي عن قراراتها بشاًن القضايا الإفريقية ،ويؤكد ذلك آخر قرار بخصوص القضايا الإفريقية في الفترة قيد الدراسة، وذلك عبر ما صدر من مجلس الجامعة في دورته العادية الخامسة والتسعين الذي عقد على مستوي وزاري في مايو1991م ، بعد التأكيد علي جميع القرارات الصادرة بخصوص التمييز العنصرى، والترحيب بالخطوات التي تم إحرازها في إطار إنهائه( ).

رابعاً: دور منظمة الوحدة الإفريقية في توثيق التعاون العربى الإفريقي
إن منظمة الوحدة الإفريقية لعبت دوراً هاماً في دعم العلاقات العربية الإفريقية وخاصة بوجود دول عربية ضمن صفوفها بل من مؤسسيها كل ذلك يقودنا إلى التسليم بأن للمنظمة دوراً فعـالاً في تفعيل العلاقات العربية الإفريقية.

موقف المنظمة من القضايا العربية
منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية كانت أهم قضية صادفتها من القضايا العربية هي قضية فلسطين، باعتبار أن قضايا الاستعمار ومشاكله بشكلها التقليدي قد انتهت، ولم تكن هناك دول تحت وطأة الاستعمار سواء الدول التي دخلت في المنظومة العربية بعد استقلالها كالصومال، وموريتانيا، وجيبوتي ، وجزر القمر ، لذا فقضية فلسطين كانت في الواجهة و في الصدارة رغم أنه في بداية تكوين المنظمة لم تكن القضية مثيرةً للإهتمام، إذ لم تدرج ضمن القضايا المطروحة في المؤتمر التأسيسي لها عام 1963م( ) .

• المرحلة الأولى: من 5 يونيو 1967 حتى 6 أكتوبر 1973.
على إثر حرب يونيو 1967م بين العرب وإسرائيل تغير الموقف الإفريقي عن سابقه، و بات أكثر إهتماماً وتفهما تجاه القضية العربية، والصراع العربي الإسرائيلي، وكان العدوان الإسرائيلي عاملاً لهذا التوجه، و يمكن أن ندرك ذلك من خلال مؤتمرات القمة التي عقدت في الفترة التالية لحرب يونيو 1967م إذ تبين أنه في مؤتمر القمة الرابع الذي عقد في كينشاسا قد صدر قراراً جماعياً عن المؤتمر يعبر عن تعاطف الدول الإفريقية مع الجمهورية العربية المتحدة ، إضافة إلى السعي داخل الأمم المتحدة للمطالبة باتخاذ إجراء إيجابي يكفل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، كما نجد في نفس الوقت الموقف ماثلاً في مؤتمر القمة الخامس الذي عقد في الجزائر في سبتمبر 1968م إذ ورد فيه المطالبة بانسحاب القوات الأجنبية من جميع الأراضي العربية المحتلة في يونيو 1967م، طبقاً للقرار الصادر من مجلس الأمن في نوفمبر 1967م ، كما ناشد جميع الدول الأعضاء في المنظمة استخدام نفوذها لضمان التنفيذ الدقيق لهذا القرار، وقد أعيد نفس الموقف وأكد عليه في مؤتمر القمة السادس الذى عقد في أديس بابا في يونيو 1971م، حيث أصدر المؤتمر قراراً يخص العدوان المستمر ضد الجمهورية العربية المتحدة، وأعرب عن تقديره للموقف الإيجابي الذي انعكس في ردها على مبادرة السلام التي تقدم بها الممثل الخاص من أجل السلام في فبراير1971 م ، كما طلب من رئيس المنظمة أن يتشاور مع رؤساء الدول والحكومات لكي يستخدموا نفوذهم لضمان تنفيذ القرار تنفيذاً كاملاً ( )، فلأول مرة في تاريخ مؤتمرات القمة بدأ الإهتمام الشديد بمشكلة الشرق الأوسط، إذ اقترح كنيث كاوندا رئيس جمهورية زامبيا آنذاك ضرورة قيام الدول الإفريقية بدور إيجابي لحل الأزمة، وفعل الرئيس الموريتاني مختار ولد داده بصفته رئيسا للدورة مشاورات مكثفة، انتهت بتكوين لجنتين إفريقيتين ( ) بغية وضع القرار الإفريقي موضع التنفيذ، وقد شكلت اللجنة الأولى من رؤساء عشر دول إفريقية، وأطلق عليها لجنة الحكماء، أما اللجنة الثانية وهي لجنة فرعية منبثقة عن اللجنة الأولى لتسهيل الإجراءات فقد تكونت من رؤساء أربع دول هي: الكاميرون، ونيجيريا، وزائير، والسنغال، وتولى رئاسة هذه اللجنة الرئيس السنغالي آنذاك، وقد قامت اللجنة بزيارة كل من مصر وإسرائيل لتفقد الأوضاع، ثم بحثت نتائج اللجنة الفرعية واقترحت لجنة العشرة الإفريقية استئناف المفاوضات بواسطة السفير جونا ديانج ، ومع أن مهمة اللجنة لم تكن الوساطة أو التدخل لحل النزاع وإنما مجرد لجنة لتقصي الحقائق،فإن مجرد اتخاذ القرار بتكوين هذه اللجنة في مؤتمر القمة الإفريقي يعد نقطة تحول من القضية في العلاقات العربية الإفريقية، وفي منظمة الوحدة الإفريقية ( )، لكن هناك تغيير طرأ على موقف المنظمة منذ عام 1971م وهو أن موقفها من القضية ازداد اهتماماً وتأييداً للجانب العربي بعد أن كان لا يتجاوز التعاطف ، وكما أشار أحد المختصين إلى أن مبدأ الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة الذي وافق عليه قرار المنظمة عام 1971م أدى دوره الهام في منظمة الوحدة الإفريقية تجاه النزاع العربي الإسرائيلي من ناحيتين :
الأولى: تحويل موقف المنظمة من موقف التعاطف إلى موقف التفاعل مع الدبلوماسية الدولية.
الثانية: توحيد مواقف كل الأعضاء في المنظمة حول عنصر أساسي من عناصر النزاع رغماً عن الاختلاف في اتجاهات بعض الأعضاء إزاء تفاصيل المشكلة.
وفي القمة التي تلتها نجد أن الموقف من قبل الدول الأعضاء، ومن مؤتمر القمة بات أكثر تجاوباً واهتماماً إذ أنه في الدورة التاسعة العادية لاجتماع القمة في المنظمة في الرباط في يونيو 1972م أكد مؤتمر القمة للمنظمة الإفريقية فيه على ما سبق من القرارات الداعية إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن، من وجوب انسحاب إسرائيل، وتأكيد تضامن المؤتمر مع جمهورية مصر وأشاد بتعاونها مع لجنة الحكماء، وشجب موقف إسرائيل الغير متجاوب مع لجنة العشرة، كما دعا إلى مساندة مصر من قبل جميع الدول الإفريقية، وطالب القرار الدول الإفريقية الامتناع عن إمداد إسرائيل بأي تأييد معنوي أو مادي يمكنها من الاستمرار في احتلال الأراضي العربية ( ) ولاشك إن هذا القرار يعد تطوراً كبيرا ملموساً في موقف المنظمة تجاه الجانب المصرى وتجاه إسرائيل بالرغم من الروابط الكثيرة والقوية سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الفني الذي يربط إفريقيا بإسرائيل,ومن حينها بدا الموقف الإفريقي متصاعداً وتأييده للجانب العربي متنامياً وذلك مابرهن عليه المؤتمر العاشر لاجتماع رؤساء وحكومات الدول الإفريقية في أديس أبابا في مايو1973م ، إذ صدر قرار عن استمرار احتلال إسرائيل جزءاً من الأراضي العربية ، كما أعاد المؤتمر تنديده بشدة لموقف إسرائيل السلبي وعرقلتها للجهود الرامية للتواصل إلى إيجاد حل عادل ومنصف للمشكلة وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242,ونجد أن القرار شمل ما يفيد أن جميع التغييرات التي تدخلها إسرائيل على الأراضي المحتلة باطله,ويتعهد بعدم الاعتراف بأي تغييرات تؤدى إلى خلق الأمر الواقع ، ومن الأمور المستجدة في مؤتمر قمة منظمة الوحدة الإفريقية عام 1973م تأكيده احترام الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني واعتباره عنصراً أساسياً في أي حل عادل ومنصف ، بالإضافة إلى أنها عامل لا غنى عنه لإقامة سلام دائم في المنطقة ، كما طلب القرار من الدول الكبرى التي تمد إسرائيل بالسلاح بأن تحجم عن ذلك وأيد المؤتمر المبادرة المصرية التي تطلب من السكرتير العام للأمم المتحدة تقديم تقرير إلى مجلس الأمن عن الموقف المتفجر السائد في الشرق الأوسط وقد عين المؤتمر وزراء خارجية كل من نيجيريا,وتشاد,وتنزانيا,وغينيا,والجزائر,وكينيا,والسودان لرفع هده المسألة أمام مجلس الأمن نيابة عن منظمة الوحدة الإفريقية وذلك في اجتماع المجلس في يونيو1973م,وكلف المؤتمر رئيس الدورة بأن يعرض وجهة نظر المنظمة حول هذه المسالة في الدورة التالية في الجمعية العامة للأمم المتحدة ( ) ، من هنا ندرك أن العيد العاشر لاجتماع رؤساء الدول والحكومات الإفريقية في مايو 1973م قد أحدث نوعاً جديداً من العلاقات العربية الإفريقية ، وأن هذا الاجتماع قد أثبت مدى عمق العلاقات بينهما ولا شك أن أبرز سمة تدل على ذلك التطور ما أسفرت عنه مؤتمرات القمة الأخيرة عن توجه جماعي لأعضاء المنظمة بقطع العلاقات مع إسرائيل إذ قطعت في تلك الآونة وقبل أكتوبر تسعة دول إفريقية علاقاتها مع إسرائيل( ).

• المرحلة الثانية: من بعد أكتوبر 1973م ، حتى قبل كامب ديفيد 1978م
لقد كان السادس من أكتوبر 1973م اختباراً كبيراً للدول الإفريقية لتضامنها حيال القضايا العربية ، حيث أظهرت النتائج تأييد الجانب العربي من قبل الدول الإفريقية وتمثل ذلك في تواصل قطع العلاقات الذي بدأ قبل أكتوبر وبعد مؤتمر القمة التاسع، حيث أصبح التأييد الإفريقي للقضية العربية في النزاع العربي الإسرائيلي في أكمل وجه، وقد برهنت المنظمة على مدى دعمها للقضية العربية إلى حد وضع المنظمة إستراتيجية لتحرير فلسطين واعتبارها قضية عربية إفريقية، وهذا يدل على التفهم العميق للموقف العربي والقضية الفلسطينية من جانب المنظمة آنذاك ( ) ، كما عكست الدورة الثامنة غير العادية لمجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية التي عقدت في أديس أبابا في نوفمبر1973م التحول فى فهم القضية الفلسطينية في تلك الفترة ، إذ قدم السكرتير الإداري للمنظمة تقريراً للمجلس تعرض فيه للظروف التي دعت إلى عقد هذه الدورة الاستثنائية وتناول بالتفصيل أزمة الشرق الأوسط وموقف الدول الأعضاء في المنظمة من هذه الأزمة ، والتي توصلت إلى أن التحالف الذي تم بين بريتوريا ولشبونة، وتل أبيب والذي عكسه العدوان الإسرائيلي في 6 أكتوبر 1973 شكل تهديداً لأمن القارة الأفريقية وبالتالي للأمن الدولي ، وأشار إلى التواطؤ الذي تم بين الاستعمار البرتغالي والأنظمة القائمة على الفصل العنصري والصهيونية قد عكس العون السياسي والعسكري والمالي الذي قدمته كل من البرتغال وجنوب إفريقيا لإسرائيل ،وأكد المؤتمر أيضاً حقوق الشعب الفلسطيني القومية الثابتة والشرعية ونضالها ضد الاستعمار، وأعرب عن اقتناعه بأن التضامن الإفريقي العربي يعتبر موقفاً إيجابياً من النضال ضد الاستعمار ويتفق مع مبادئ منظمة الوحدة الإفريقية كما دعا المؤتمر إلى فرض حظر اقتصادي وخاصة على النفط بالنسبة لإسرائيل والبرتغال وجنوب إفريقيا( ).

ورغم أن مسألة الشرق الأوسط لم يخصص لها بنداً أو قراراً في مؤتمر القمة الحادية عشر لاجتماع القمة الحادي عشر في مقديشو في ديسمبر1974م، إلا أنه لم يكن ذلك تراجعاً فى الموقف الإفريقى وذلك ما أكده مؤتمر القمة الثالث عشر فى كمبالا في يوليو 1975 م ، حيث أكد رؤساء حكومات الدول الإفريقية مساندة الشعب الفلسطيني فى استعادة أراضيه المحتلة وحقوقه المغتصبة بكافة الوسائل، كما أن مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية الذى انعقد فى الخرطوم في يوليو 1978م قد أكد على التضامن مع الشعب الفلسطيني ، كما أيد قرار الأمم المتحدة 324 بشأن تخصيص يوم سنوي للتضامن مع الشعب الفلسطيني يحتفل به فى التاسع عشر من نوفمبر كل عام، وأكد المجلس في جميع قراراته السابقة التنديد بإسرائيل وأيد شرعية النضال الذى يخوضه الشعب الفلسطيني ( ).

• المرحلة الثالثة: من كامب ديفيد 1979م حتى حرب الكويت1991م
تعتبر هذه المرحلة من المراحل التي تشير إلى درجة من انفراج حدة أزمة الشرق الأوسط وذلك إذا ما اعتبرنا أن المرحلة السابقة لمعاهدة كامب ديفيد هى مرحلة العداء لإسرائيل، والذي بددت المعاهدة الجانب الأعظم منها، حيث أن ترحيب منظمة الوحدة الإفريقية بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ليست تراجعاً إفريقياً عن تأييد قضية فلسطين بشكل عام وخاصة الاحتلال الإسرائيلي لبقية الأراضي العربية ومسألة فلسطين، إذ أنه بجانب تأييد المنظمة للمعاهدة ورد في مؤتمر (منروفيا) قراراً يفيد إدانة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ورغم ما يذكر من أن الدول الإفريقية أبدت تراخياً في موقفها من قضية الشرق الأوسط عقب المعاهدة المصرية الإسرائيلية ، إلا أنه بمتابعة ما صدر من قرارات عقب المعاهدة نرى أن القضية الفلسطينية ما زالت تتصدر قرارات مؤتمرات المنظمة ، فمن ذلك مؤتمر وزراء خارجية دول المنظمة في الدورة العربية الخامسة والثلاثين، الذي عقد فى سيراليون في يونيو 1980م والذي تم فيه التأكيد على جميع مواقف المنظمة المساندة للشعب الفلسطيني واعتبار منظمة التحرير الفلسطيني هي السلطة المنظمة لها، وإدانة سياسة إسرائيل التوسعية وعدم تطبيق قرارات الأمم المتحدة( ) ، وفي الدورة العادية السابعة والثلاثون لمجلس الوزراء والتي عقدت في نيروبي في يونيو 1981م، عبر المجلس عن قلقه من التحالف القائم بين إسرائيل وجنوب إفريقيا وأكد على مساندته للشعب الفلسطيني بقيادة ممثله الشرعي الوحيد وهو منظمة التحرير الفلسطينية ، وكما ينبغي الإشارة أنه مما يدعم تفاعل المنظمة من القضايا العربية إنفرادها في هذه الدورة بقرار بشأن مسألة العدوان الإسرائيلي على جمهورية العراق وتدميرها لمفاعل أوزراك (تموز) عام 1981م ، إذ عبر المؤتمر على شجبه واستنكاره للعدوان الإسرائيلي على العراق واعتبره خطيراً على حق العراق في التنمية، وأوضح تضامنه الكامل مع شعب العراق وحكومته، وعن ارتياحه لإدانة المجتمع الدولي للعدوان الإسرائيلي على جمهورية العراق( ).

لكن مما يشير إلى استمرارية إهتمام منظمة الوحدة الإفريقية بالقضية العربية في هذه المرحلة، ما أسفر عنه مؤتمر القمة التاسع عشر لرؤساء دول وحكومات منظمة الوحدة الإفريقية بأديس أبابا في يونيو 1983م إذ أصدر المؤتمر قراراً بشأن الشرق الأوسط عبر فيه عن شجبه للممارسات الإسرائيلية بِشأن الأراضي العربية المحتلة التي تجلت في عدوانها على لبنان في خريف عام 1982م ، كما طالب المؤتمر إسرائيل بالانسحاب فورا من لبنان وفقاً للقرارين ( 508 – 509 ) عام 1982م( ) ، وما يؤكد إهتمام المنظمة وتفاعلها مع القضايا العربية ما أسفر عنه مؤتمر القمة العشرين في نوفمبر 1984م من تأكيد المؤتمر للقرارات السابقة وتجديد تمسكها بعدم إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فقد أكد مؤتمر وزراء الخارجية نفس القرارات في دورته العادية الحادية والأربعون في أديس أبابا في فبراير1985م ، كما أكدتها الدورة الثانية والأربعين لمجلس الوزراء في يوليو من نفس العام مضيفاً إليها إدانتها لسياسة اسرائيل التي ترمي إلى فرض الأمر الواقع على الأراضي المحتلة وتوسعها في إقامة المستوطنات والتهجير الإجباري للسكان الأصليين، كما أدان بشدة تهجير يهود الفلاشا من إفريقيا إلى فلسطين المحتلة وطالب حكومة السودان ضرورة التحقق من موضوع التهجير وموافاة المنظمة بنتائجه ، كما أدان المؤتمر تنصيب إسرائيل رؤوس نووية في هضبة الجولان وصحراء النقب الأمر الذي شكل تهديداً للوطن العربي بشكل خاص والقارة الإفريقية بشكل عام ( )، وقد استجد في الدورة الثالثة والأربعون بأديس أبابا لمجلس الوزراء في فبراير 1986م استنكار وشجب قصف إسرائيل لتونس وضرب مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية فيها واعتبارها عملاً إرهابياً وعدوناً صارخاً على دولة مستقلة ذات سيادة، وتصرفاً استفزازياً يهدد السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، وعبر مؤتمر منظمة الوحدة الإفريقية السالف الذكر عن تضامنه مع تونس ، كما تعرض المؤتمر لمسألة اختطاف الطائرة الليبية التي كانت تقل وفداً رسمياً ليبياً من قبل الطائرات الإسرائيلية واعتبره عملاً من أعمال القرصنة وعدونا سافراً ، وفي مؤتمر القمة الخامس والعشرين الذي عقد في مايو 1988م أعاد المؤتمر تأكيده على المواقف التي تعبر عن تضامنها مع العالم العربي مشيراً في نفس الوقت على حرص المؤتمر على الالتزام بمبادئ وأهداف التعاون العربي الإفريقي التي تخدم مصالح الشعوب العربية والإفريقية، ونلمس نفس الموقف في مؤتمر القمة السادس والعشرين في أديس أبابا في يوليو 1990م ، وقراراتها تجاه قضية فلسطين والشرق الأوسط، والتزام المنظمة بدعم الموقف العربي من القضية( ).

وجاء في بيان أديس أبابا في أغسطس 1991م ، إدانة الغزو العراقي للكويت والمطالبة بعودة الشرعية، وهو الموقف الرسمي لغالبية الدول الإفريقية حتى قبل أن يبث مجلس الأمن في الأزمة، كما عادت المنظمة وأصدرت بيانا دعت فيه إلى وقف العمليات العسكرية في يناير1991م، وفي ذات الشهر أصدر المؤتمر قراراً خاصاً رحب فيه بقرارات وقف إطلاق النار وإعادة الشرعية للكويت، ودعا إلى البدء في إعادة تعمير المنطقة في أقرب وقت ممكن ( ) ، وهكذا فإن موقف منظمة الوحدة الإفريقية كان يمثل تعبيراً عن وجهة نظر إزاء القضايا المركزية العربية التى تابعتها الجامعة العربية واتخذت مواقف منها، كما لم يقتصر الأمر على القضية الفلسطينية فى إطارها العام الذى هو يتشابه مع الكفاح من أجل التحرر وإنما أخذت منظمة الوحدة الأفريقية بسياسة المساعي العملية للبحث عن حلول للقضية، وبهذه الخطوة انتقلت المنظمة من الاتجاه التقليدى فى الدعم وتكرار المواقف العريضة ذات الطابع الخطابي إلى دور أقرب إلى الوسيط أو الطرف المساعد على إيجاد تسوية ، ونفهم من هذا إن موقف المنظمة خرج من نمط رد الفعل لكل ما كان يقع فى القضية الفلسطينية إلى السياسة الإيجابية عبر دبلوماسية محاولة التقريب بين الطرفين، لكن المنظمة لم تجتهد فى ديمومة هذا الدور بسبب أن بعض أعضائها كانوا عرضة للضغط المباشر أو غير المباشر، وأن المنظمة أرادت ألا تصبح بديلاً عن منظمة الأمم المتحدة التى اتخذتها منظمة الوحدة الإفريقية منبراً لدعم السياسة العربية، ويضاف إلى ذلك أن الجامعة العربية لم تستثمر منظمة الوحدة الإفريقية بصورة جيدة، بل أخذت منها بعداً سياسياً دولياً للدعم وليس للضغط على إسرائيل مباشرةً من خلال العلاقات الثنائية بين إسرائيل وبعض الدول الإفريقية ، كما أنها لم تتمكن من تحقيق إجماع إفريقي داخل منظمة الوحدة الإفريقية مثل الذى كان سائداً داخل الجامعة العربية.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,645,603,678
- جرائم الحرب النويية الفرنسية تجاة الجزائر
- قيام الجامعة العربية وتأسيس الوحدة الأفريقية


المزيد.....




- مقتل 4 بينهم "أمير عربي" للجماعة المسلحة في غارة ب ...
- أول دعوى قضائية بشأن -الماليزية المفقودة-
- مقتل جنود سوريين بمعارك في جوبر
- وزيرة خارجية السويد: اعترفنا بدولة فلسطين ونعي قلق إسرائيل م ...
- ابتكار ورق خاص للكشف عن المصابين بـ -ايبولا-
- هاغل يطالب إدارة أوباما بتوضيح نواياها حيال الأسد
- مجلس الدولة الاسباني يدعم قرار الحكومة بالطعن على دستورية ال ...
- اتفاق بين موسكو وكييف بشأن استئناف امدادات الغاز الروسي إلى ...
- رئيس بوركينا فاسو يرفض التنحي الفوري عن السلطة
- مواطن أميركي يعترف بمحاولة دعم تنظيم داعش


المزيد.....

- مراحل انضمام دول الشمال الى الأتحاد الأوربي / شهاب وهاب رستم
- صدام التيّارات .. جوزيف ناي في مواجهة فريد زكريا : هل صارت أ ... / جلال خشيب
- النظرية و الممارسة في العلاقات الدولية : بعض من التصورات الش ... / جلال خشيب
- التحديات الامنية للسياسة الهارجية الامريكية في الشرق الاوسط ... / و أمين المشاقبة و سعد شاكر شبلي
- دردشات: العرب وصندوق باندورا / جودت شاكر محمود
- بنية الفاعلين في التحول بعد الحرب الباردة / بازغ عبد الصمد
- لماذا تشكل ايران الخطورة الاعظم؟ / عبد العالي الحراك
- العلاقات الثقافية العربية الإفريقية حتى 1991 / سالم علي محمد كتي
- جنوب السودان ..جذور المشكلة ..وتداعيات الانفصال / محمد نبيل الشيمي
- مقترح دستور جديد للملكة المغربية / عبد الله العلوي أبو إياد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سالم علي محمد كتي - التعاون السياسي بين الدول العربية والدول الإفريقية