أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عبد الجليل الأسدي - قلادة وادي الرافدين














المزيد.....

قلادة وادي الرافدين


عبد الجليل الأسدي
الحوار المتمدن-العدد: 2906 - 2010 / 2 / 3 - 18:51
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    



مهداة إلى كل الإخوة المسيحيين العراقيين
قبل أيام قليلة شاءت الأقدار أن تحملني إلى اربيل عاصمة إقليم كوردستان ولحسن حضي أن سفري كان بالطريق البري . كنت جالسا في المقعد الخلفي للسيارة التي انطلقت بنا من بغداد وكان يشغل المقاعد التي أمامي مباشرة عائلة مكونة من أم مع ثلاثة أطفال ، كانت الأفكار التي تجول في خاطري وتنهش في روحي وتعصر قلبي منذ وقفت على الخراب والدمار الذي أحدثه تفجير الكرادة تلك المنطقة الحالمة الغافية بين أحضان نهر دجلة .. كانت تلك الأفكار تأخذني وتذهب بي بعيدا حتى صحوت على رنة انطلقت من هاتف أحد الركاب وقد بتنا على مشارف مدينة الخالص وسرعان ما تبين انه للمرأة التي تتقدمني في الجلوس في السيارة وقلبي ينبأني بأنها تتقدمي بكثير بأحزانها التي تبدو كبحر عميق كليل حالك الضلمة يكاد يبتلعنا نحن المسافرون ويبتلع الطريق بل يبتلع الدنيا بأسرها ، سارعت المرأة إلى هاتفها المحمول كي لا تسبب رنته التي أخذت تتعالى شيئا فشيئا في فزع احد أطفالها الثلاثة وكان ولداً قد غفا على حجرها منذ إن انطلقت بنا السيارة من بغداد لكنها لم تفلح في ذلك فقد صحا الطفل ذو الثلاث سنوات من نومته رافعا رأسه شاخصا ببصره نحوي ولم أتبين سوى وجنة توردت من شد التصاقها على حجر الأم وعينين زرقاوين لازال النعاس يحاصرهما بشدة ، أما الاثنان الأخريان فهما ولداً وبنتا فقد كفا عن التهامس ورسم صورا شتى على زجاج السيارة المبتلة بقطرات ندى الصباح وركزا أنظارهما نحو الأم منتظرين أن ترد على الهاتف ومن ثم تبلغهما بالأخبار وفعلا فقد سارعت الأم ودست الهاتف مابين إذنيها وخصلات شعرها وبدأت بالكلام همسا الو..... حينها سمحت لنفسي بالتنبؤ بقصة هذه المرأة فاليقين إنها ذاهبة في رحلة اللاعودة ، إن ملامح وجهها تخبر الجميع إن يومها هذا هو أول يوم في المسير نحو المجهول وسرعان ما صدقت النبوءة فقد بانت تفاصيل المكالمة .. المتصل هو الأب في الانتظار بعد أن هيأ المستلزمات لعائلته في أربيل أولا ومن بعدها إلى إحدى الدول الأوربية. إنهم من ضمن الآلاف من سبقوهم وقد تركوا بغداد التي ولدوا فيها ونشأوا وكبروا تاركين خلفهم كل شيء حتى أحلامهم وذكرياتهم حالهم كحال عشرات الآلاف من مسيحي العراق هؤلاء اللون الجميل في النسيج العراقي المتنوع باتوا اليوم تمتلئ بهم مجاهل الدنيا كيف حصل هذا ولماذا ؟ الإجابة لا تبدو صعبة ً أو عصية الفهم فتاريخنا القريب يحكي لنا إن الحكومة العراقية أسهمت في تهجير أهم الطوائف الدينية في العراق . إنهم اليهود أقدم سكان وادي الرافدين حطوا رحالهم فيه منذ أن اقتادهم إلى بابل الملك الكلداني الشهير نبوخذ نصر بين عامي 597 ق.م و586 ق.م حتى تهجيرهم جماعيا في أوائل خمسينات القرن الماضي إلى إسرائيل عن طريق إصدار القانون رقم (1) لسنة 1950 (( إسقاط الجنسية العراقية رقم 62 لسنة 1933 )) وتبعه القانون رقم (5) لسنة 1951 (( مراقبة وإدارة أموال اليهود الذين سقطت عنهم الجنسية العراقية)) وممن تركوا العراق في تلك الفترة مبدعون عشقوا العراق وافتتنوا به كالمرحوم أنور شاؤول المحامي والأديب وكذلك قارئ المقام فلفل كرجي والصحفي منشي زعرور والمؤرخ مير بصري والمئات حتى إن السيد محمود عباس ( أبومازن) رئيس السلطة الفلسطينية حاليا يقول في مقال له نشرته مجلة الطليعة القاهرية في تموز 1976 ( الصفحات من 176- 178) إن هجرة يهود العراق إلى إسرائيل أسهمت في زيادة عدد سكان الدولة اليهودية ورحم الله (يوسف رزق الله غنيمة ) لا لأنه أخرج لنا فضائل يهود العراق في كتابه ( نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق) الذي خرج في طبعته الأولى من مطبعة الفرات في بغداد عام 1924 بل لأنه مسيحي تغنى بحبه لوطنه.
إن بلادنا تأكل أبناءها على الدوام وفي قصة اليهود لم تأكلهم فحسب بل سلمتهم إلى قبضة الصهيونية . واليوم هاهم مسيحوا العراق قد أصبحوا طرائداًََ وفرائسا ًَ لجهات شتى بل إنهم أصبحوا جزأًًًًَََ ًمن الصفقات السياسية للأحزاب والكتل المتناحرة على الساحة السياسية في العراق . هاهم اليوم ينفرطون شيئا فشيئا من قلادة وادي الرافدين الثمينة وهم الأجمل فيها كيف يمكن أن تسمح حكوماتنا بذلك ؟ كيف يمكن أن يدخل الشعب في حسابات الحكام كما تدخل البضاعة في حسابات التجار كيف يمكن أن تمتد أيدينا إلى تراثنا لتضرم النار فيه وهو تراث خالد أسهمت في صناعته وتكوينه كل سواعد العراقيين ومنهم مسيحوا العراق الذين قدموا لهذا البلد الكثير من المفكرين والعلماء والأدباء حتى إنهم أصبحوا جزأ ً لا يتجزأ ًمن قدر هذا البلد .
أنهت الأم الحزينة مكالمتها التي استمرت لخمس دقائق فقط ، بكلمات وداع تجر معها حسرة وأعادت هاتفها إلى حقيبتها لتعود لتغرق في إحزانها من جديد أما الطفل الصغير الذي ظل طيلة فترة الاتصال يرصدني بحدقتي عينية الزرقاوين فقد عاد ليخفي رأسه مجددا على حجر أمه واستأنف الطفلان الأخريان همسهما من جديد ليعاودا رسم صورا شتى على زجاج نافذة السيارة المبتلة بقطرات الندى التي بدأت شمس الصباح تذيبها شيئا فشيئا وعدت انا لتلك الأفكار التي تأخذني وتذهب بي بعيدا.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,003,115,933
- المسودة .. وعي النقصان ...


المزيد.....




- نادي -مستر أربيل- للرجال في العراق..أزياء أنيقة وشوارب منمقة ...
- شاهد.. ماذا سيحدث إن اصطدمت طائرة آلية بطائرة ركاب؟
- كيف ستبدو أزياء ميغان ماركل خلال فترة حملها؟
- أمارافاتي في الهند.. هل ستُصبح المدينة المستدامة الأضخم؟
- مفوضة أممية حول قضية خاشقجي: لا ينبغي استخدام الحصانة لـ-عرق ...
- بومبيو يشكر الملك سلمان على التزامه بدعم إجراء تحقيق شامل بش ...
- قضية خاشقجي.. لقاء بومبيو ومحمد بن سلمان في السعودية
- خدرها واغتصبها على شاطئ جزيرة في تايلاند.. والشرطة تغلق القض ...
- ماذا غرد محمد عبده وأحلام وناصر القصبي وبلقيس حول قضية خاشقج ...
- قتلى وعشرات الجرحى في انقلاب قطار بالمغرب


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - عبد الجليل الأسدي - قلادة وادي الرافدين