أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الآلوسي - ( بول كلي ) وموسيقى اللون















المزيد.....

( بول كلي ) وموسيقى اللون


بديع الآلوسي

الحوار المتمدن-العدد: 2831 - 2009 / 11 / 16 - 22:20
المحور: الادب والفن
    


حين وصلت الى باريس مطلع التسعينات ، كنت اتردد على المركز الثقافي الفرنسي ، وشاءت المصادفة أن أعثر على مجلدات ( بول كلي ) .. لأقف مطولا ً في تأمل تلك اللوحات التي أغرتني وتركت في الذاكرة متعة بصرية .كان من الصعب أن أكتشف حينها سر العلاقة بيني وبين مسيو ( كلي ) او ذلك التعاطف والحب مع لوحاته الصغيرة .

لوحة ( الأتزان القلق ) نفذت عام 1922 بالألوان المائية وهي بحجم 17× 34،هنا بول كلي قد طور رؤيته وأخذت منحى تجريدي صرف ،،خلق تركيب موزائيكي كخلفيه وقد حاول ان يطعمها بالملس الخشن ،،قيمة اللون ساعدته في العثور على توازن ديناميكي والأسهم الصغيرة تحدد الأنحراف بين الحالة القلقة وما يعيدها نحو السكون المطلق .

حقا ً كانت رؤيته تعد بالنسبة لي إنفتاحا ً على عالم جميل زاخر بالشعر والموسيقى.

والأن بعد عقدين من الزمن أرى نفسي منقادا ً للكتابة عن روحه المتجددة .

اذا تحدثنا عن الأبداع كمنجز جمالي فبالتأكيد ( كلي ) يفرض نفسه كفنان ادرك لعبة الحداثة وكان له تأثير على الصعيد التشكيلي في المانيا وسوسيرا على نحو خاص والعالم بشكل عام .

لوحة ( المكان المدهش )..رسمت هذة اللوحة عام 1922 وحجمها 32×33 سم ونفذت بالألوان المائية المائية aquarelle هذا التكوين فيه ما هو غير متوقع يأخذ معناً محدد وعميق عند بول كلي،،وأمام تك الصرامة نجد التدرج اللوني المتسلسل للون والذي يضفي على المكان الهدوء والعمق ،،، يبدو انه منظر متخيل لكنه يحمل في طياته عمق الراحة الحالمه ،، وانا اقف مندهش امام ذلك السهم الأسود الذي يقتحم العوالم الساحرة .

ولد هذا الفنان الموهوب في سويسرا عام 1879 ،قضى فترة شبابه في مدينة برن السويسريه .. وكان غير متعلق بالمدرسة وكتب في مذكراته ( كنت اود ان أترك التعليم الثانوي ، لكن ابوي رفضا ذلك ) . بعدها سافر الى المانيا ودرس الرسم ومكث هنالك اربع سنوات ،كانت هذة الرحلة منعطف مهم في حياته .

بين عام 1902 ـ 1906 اشتغل( كلي) في كتابة النقد المسرحي والعزف والرسم وتجارب الطباعة على النحاس والزجاج .

عام 1906 تزوج ونتقل الى المانيا ،، ليعمل مدرسا ًلفن الرسم في اكادمية ( الباوهاوس ) .

عام 1913 * 1914 قام بجولة الى تونس والتي كتب الكثير عن اهمية هذه الرحلة وأثرها على حياته ( تملك اللون كل حواسي وأستحوذ علي الى الأبد وأصبحت أنا واللون واحدا ً )

سنة 1933 ومع تصاعد النظام النازي أضطر( كلي) الى العودة الى سويرا مكرها ً ،،حينها قد اعتبر شخصا ً غير مرغوب فيه ومنبوذ لميوله اليسارية ولفنه ذو الصبغة الحداثوية . وقد حورب حيث منع عرض أعماله في المتاحف وصالات العرض ،وكان ذلك الحدث من أصعب الفترات العصية التي واجهت ( بول كلي ) فنيا ً وأجتماعيا ً.

عاد الى بيت العائله في( برن ) ليقضي فيها سنواته السبع الأخيرة ،كان غزير ألأنتاج رغم اشتداد المرض عليه .

مات مسيو (كلي ) في 29 /يونيو / 1940 ،،تاركا ًكما ًهائلا ً من اللوحات الصغيرة و مذكراته ومراسلاته المتنوعة والغنية والتي نجد فيها رؤاه عن العصر والفن ،،كما تعد نافذة على تطلعاته وتكشف الغموض عن شخصيته الألمعيه .

لوحة( زهور على الصخر) ،،أبدع (بول كلي) هذا العمل الفني قبل وفاته بأشهر ، حجم اللوحة 90×70 سنتمتر ونفذت على قماش الأكياس ،، نرى خطوط( كلي) الكرافيكيه البسيطة والتي تسبح على بقع لونية متداخله هارمونيا ً ،،في سنين السبع الأخيرة من حياته اعتمد الفنان على ابراز اللون الأسود كتعبير احتجاجي ضد الموت والحرب

نجد في هذة اللوحة مسحة واضحة فهي تنتمي الى الأسلوب التجريدي الذي يأخذ قوته من روح الطفولة التي تبحث عن الأنسجام مع كل ما هو طبيعي

******************************





عندما اتطلع على لوحات ( كلي ) بتعاقبها الزمني أرى بوضوح النمو التصاعدي لرؤيته من ناحية البناء التكويني او تطوره اللوني ،، ان اكثر ما يثيرنا في اعماله لغتها البسيطة إضافة الى شفافيتها وشاعريتها ،،كل ذلك يدلل بصورة واضحة على صدق عاطفة ذلك الفنان الذي عاش حياة ً مليئة بالتواصل مع التيارات والتجمعات الفنية في عصره .

في سنواته العشرة الأخيرة من نشاطه الفني اعتمد مبدأ التبسيط والتكثيف سواء على صعيد الفكرة او اللون .

وتميزت اعماله بالشفافية والعمق ،،فهو في كل لوحة يحاول ان يقيم عالما ً جماليا ً متماسكا ً بعيد عن الثرثرة ،لذلك تحمل رؤيته الدفء الأنساني .

تطور فن كلي وتنوع لكنه بقي تجريبا ً وبذكاء كان يخضع لوحاته الى منطق صارم ويتعامل مع اللوحة بحذر ومنهجيه معتمدا ً على الحلول العملية والتطبيقية التي تغني العمل الفني بالأحساسيس والمشاعر الجديدة .

نتلمس في اعماله نوع من الصمت الصوفي ،،لذلك اميل الى تصنيفها بالتجريدية مع ان بول كلي نفسه يدرجها الى الرومانسية الباردة .

كانت له علاقة حميميه مع الفنان الروسي ( كاندنسي ) وكان لهذة العلاقة ثمارها الطيبه على الطرفين وقد تداخلت رؤيتهما حول علاقة الموسيقى باللون .

كان ( كلي ) يتمتع بروح بسيطة وصادقة وبوهيميه رغم أنه يميل وينتمي الى الفئة البرجوازيه . روحه الطفوليه دفعته الى التجريب والتمرد مقتفيا ً عوالم الطفولة وبرائتها ،هكذا أنتج لنا وبعفويه وصدق نتاجا ً يتمركز على الصفاء في المشاعر المتدفقه .

يبدو لي ان كلي لم يؤسس مدسة واضحة المعالم او أسلوب فني ذا منهج واضح لكنه بحق كان ميالا ًالى تجربته الخاصة وعوالمه الداخلية والتي ميزت فنه الرفيع وخياله الذي لم تحده الأنماط المعتارف عليها .

وأني أشاطر الناقد تونر بالتساؤل : هل كان يعاني قلقا ً خلف هذا الأنسجام .

أرى في اعماله يتحكم فيها قانون اللحظية خلال الأداء فهو سريع التنفيذ ولكنه يتمتع بمهارة عالية ، فلوحاته تتأرجح بين مستويات عدة مشحونه بدفقات مختلفه على صعيد الذاكره ،، اجد انه لا يميل الى لون بعينه ،،لكن كل لوحة تشعرنا بالغموض والبحث عن الامرئي وغير المحسوس .

ورغم انه شخص أنطوائي لكن نجد إن ماينجزه فيه الحيويه وألفة ويحوي طاقة تشكيلية حره من هنا يكمن سرعظمته و عمق لغته السحرية

من لوحاته المهمه ( السمك الذهبي ـ و صورة الموت والخوف ـ ولوحة الموت والنار ـ ودنيا في ريح الخريف .......الخ.)

عاش (كلي ) في العصر الذهبي للفن ، في حقبة تجمع عمالقة الفن الحديث ،لكنه بطقوسه الهادئه استطاع ان يثبت مبادئا ً وقيما ً نوعية تمجد الفن الرفيع وستظل اعماله الفنية مصدر الهام للعديد من الفنانين ومتذوقي الجمال في العالم ،،وان حقيقة ديمومتها وحضورها توجت بأنشاء المركز الفني الخاص للفنان (كلي ) في سويسرا ...سوف لا ينسى الجمهور الواعي عظمة هذا الفنان الذي ساهم في رفد النهضة الفنيه بما هو رصين وإنساني .




كل ما نكتبة او نقرأه عن ( بول كلي) ما هو إلا محاوله تمهيدية للدخول والتقرب من أجواء وتجربة الفنان المسكون بالطاقة التعبيرية .

اختتم رحلتي بعبارة (كلي ) الوجودية واتي يقول فيها : هنا على هذة الأرض ،، يصعب العثور علي َ ، فأنا أعيش بين ألأموات وبين الذين لم يولدوا بعد ،، في مكان قريب من الخلق وبعيد عنه )

كلمة لا بد منها : لو أتاحت لنا الحياة فرصة حقيقية لفهم تجربة هذا الفنان البارع لربما عثرنا نحن متذوقي الفن على الحجر الذي يضيء شيئا ً مهم في وعينا وادراكنا للعالم .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,357,128,205
- تباريح الشوق
- حكابة ( الخنجر )
- اربع قصص قصيرة جدا
- موعد ألإمبراطور مع الذباب
- تأملات في ما قبل النصب وما بعد الحرية
- المنحوته المنحوسة
- بين الحلم والواقع شعرة
- حيرة الغرانيق
- تشكيل اللوحة انصار للعقل
- آه ...جورنيكا
- قراءة في عيون وفاء سلطان


المزيد.....




- عراك واشتباك بالأيدي في حفل توزيع جوائز مهرجان بارز للموسيقى ...
- أمسية ثقافية لنادى الأدب بقصر الثقافة الفيوم
- زوجة فنان مصري تعلن معاناتها مع المرض وخوفها من فراق أولادها ...
- هل تفكر في استئجار حافلة فيلم “Spice World”؟
- عاجل.. الحموتي والمنصوري ينقلبان على بنشماس.. أزمة البام تتف ...
- قبل منحه جائزة شرفية في كان.. ألان ديلون يقول مسيرتي الفنية ...
- قبل منحه جائزة شرفية في كان.. ألان ديلون يقول مسيرتي الفنية ...
- بسبب نظام “إمتحان التابلت “.. غضب وإستياء طلاب الثانوية العا ...
- الأولى عربيا.. جائزة الدوحة للكتابة الدرامية تبدأ المشوار
- الفن التشكيلي سلاح فعال لدى الاستخبارات الروسية في القرن الـ ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الآلوسي - ( بول كلي ) وموسيقى اللون