أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مراد كلاطي - مفهوم السلطة في الفكر العربي الاسلامي















المزيد.....


مفهوم السلطة في الفكر العربي الاسلامي


مراد كلاطي

الحوار المتمدن-العدد: 2822 - 2009 / 11 / 7 - 08:21
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يرسخ فينا مجرى التاريخ دائما، العودة إلى ذلك التفاعل بين الماضي والحاضر من أجل التطلع إلى المستقبل، وذلك وفق منظورين اثنين : الأول تمجيد الماضي بما فيه من قيم ومقاصد وتصورات للحياة، والثاني إعادة توظيف هذا الماضي من أجل فك شفرات المستقبل الذي قد نعتبره التاريخ الجديد. وإن اهتمامنا بمفهوم السلطة في الفكر العربي الإسلامي في هذا البحث هو مثال لما أوردناه في هذا القول، حينما نضع بصيرتنا على السلطة في زمن الإمامة وما تلاها من خلافات ونشأة لأحزاب واختلاف الفرق من جهة، وبين السلطة في زمن شهد مولد الحداثة وتجلياتها في كل المستويات من جهة أخرى. وبالتالي وضع المقارنة التي تخفيها الأسئلة التالية : أي لغز للسلطة في عصر النبوة والخلافة الراشدة وما تلاها ؟ وأي لغز لهذا المفهوم في زمن الحداثة ؟ وكيف تمت قراءة هذا المفهوم عبر صيرورة التاريخ الذي اعتمدناه في هذا البحث ؟ ثم هل المناداة بمفهوم السلطة هو إدراك للتجربة السياسية في الإسلام ؟ أم أن السياسة هي المقام والمرتع الخصب الأول لهذا المفهوم ؟ وهل الفرد داخل الإسلام كائن سياسي بالفعل كما استدعته المقولة اليونانية ؟.
وعليه سوف نقـدم في البداية السيـاق التاريخي–المعرفي لمفهـوم السلطة مبرزين المقاربات ووجهات النظر التي تم التعامل بها مع هذا المفهوم، في محطات من تاريخ المعرفة التي تشهد تداخلا بين خصوصية التجربة الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والفلسفية، وما يمكن أن يتمخض عنها من خطابات متعددة في تناول موضوع معين.
كما سنعمد إلى تأطير نظرية السلطة كما وردت عند الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، مع تقديمنا لعرض مختصر لهذا الكتاب، مع جملة من مستويات التحليل التي تناولتها بعض الدراسات حول هذا الموضوع. كما أننا سنبرز بعض الرؤى الفكرية التي اهتمت بإشكالية مفهوم السلطة ما بعد الماوردي مقتصرين على مشروع المفكر محمد أركون، وكيفية تناوله لهذه القضية من خلال بعض دراساته.



1- عودة إلى التــاريــــخ :
إذا كانت البدايات الأولي لوضع التسمية لوجود فلسفة في الإسلام أو فلسفة إسلامية، قد تمخضت عنها نقاشات انطلقت في البداية حول وجود فكر عربي نشأ في ظل مساهمة رجال لم ينتموا إلى الإسلام، وخاصة جماعة التراجمة في العصر العباسي وكان جلهم نصارى، وكذلك أيضا ما أكده الفقهاء في البداية من عدم الحاجة إلى فلسفة في الإسلام، فإن كل هذا سيتراجع مع تطور المجتمع والتلاقح مع مجتمعات ذات لغة وثقافة مختلفة، سيتغير معها الوضع في وجهة حديثة ترى أن هناك فعلا " فلسفة إسلامية " إحدى مكونات الفكر الإسلامي إضافة إلى علم أصول الفقه، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية، وموضوعه، هو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من الأحكام الشرعية، والأحكام الكلية. والغاية من علم أصول الفقه تطبيق قواعده ونظرياته على الأدلة التفصيلية، للتوصل إلى الأحكام الشرعية التي تدل عليها، وكانت نشأة هذا العلم من الإسلام في القرن الثاني الهجري. وقد سلك علماء الكلام طرقا مختلفة للتأليف في هذا العلم، وعلماء الحنفية طريقا، فتعددت طرقهم، ثم علم الكلام(1) الذي عرفه البعض بأنه البحث في كلام الله، لأن أشهر مسألة اشتد حولها الخلاف هي مسألة كلام الله وخلق القرآن، إنه أيضا حركة فلسفية تمثل جانبا مهما من جوانب الفكر الديني في الإسلام. فانصب الاهتمام على محاولات التوفيق بين الدين والفلسفة، وتراثنا يسجل بقعا هامة في حركة التاريخ من خلال جملة من القضايا التي طرحها الإسلام من أول يوم له، والمشاكل التي تولدت عن عملية الاحتكاك بغير الإسلام والثقافات القديمة كالفارسية واليونانية. وبالتالي كان الفكر الإسلامي ذو منابع ومنازع عديدة. فبالإضافة إلى البحث في شؤون العقيدة والشريعة، هناك الفلسفة الإلهية والطبيعية، والسياسية، والاجتماعية، والأخلاقية.
وعلى إثر اختلاط الفكر الإسلامي مع غيره نجد السؤال التالي : ما هي المنفعة التي استفادتها حضارة العالم الإسلامي من تراث أوائل ؟ إلا أننا هنا لن نتحدث عن تلك الصدامات والاختلافات التي عرفها المجتمع الإسلامي حينما احتكت بحضارات عدة، بقدر ما سنبحث في هدف الفكر السياسي في الإسلام، وبالتالي تبلور مفهوم السلطة فيه.
نعلم أن العالم، يوم بعث الله رسوله الكريم بالهدى ودين الحق، كان يتيه في بيداء الظلم والجهل، والتقليد والفوضى، وأن العرب أمة عريقة في جاهلية الجهلاء تعيش اضطرابا اجتماعيا ودينيا، ولكنه لما بعث عز وجل رسوله المصطفى، بالهدى ودين الحق، وأذاع قيمة العقل فيهم، ودعاهم لنبذ التقليد، وأدمغهم بالحجة الحسنة، هاب في قلوبهم الدخول في الدين ومعرفة الله عز وجل، فبدأت حينها فتح المساءلة على الأمور الدينية والدنيوية، فثارت عجاجات من الكلام ارتبطت في بداياتها بأمور الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج وغير ذلك، لتمتد التأويلات إلى أحوال الآخرة والجنة والنار، والله وصفاته. فكان سند الجواب عن محنة التساؤلات، اعتماد النبي على القرآن(2) وما تنفس بين سطوره من حكم وعبر وحلول، فكان القرآن بمثابة سلطة يخدم فيها الدين الدنيا. لكن الأمر لن يظل على نفس الدرجة، حينما انتقل الرسول إلى دار البقاء، إذ سيظهر في المجتمع ما لم يخطر على بال بشر، وعقل تبصر، وقلب وجعٍ فيه الاختلافات تتوعر. فكان " أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين اختلافهم في الإمامة "(3). فالمسألة هنا تركز على نظرية الخلافة أو الإمامة، التي سيقع حولها نـزاع سياسي تولد معه ظهور فرق سياسية – دينية، من خوارج، وشيعة ومرجئة، وسيتطور النقاش بين هذه الفرق من قضايا متصلة بالعقيدة، إلى قضايا سينشأ عنها فيما بعد الجانب الفلسفي، الميتافيزيقي من الفكر الإسلامي، الذي أطلق عليه فيما بعد اسم "علم الكلام ". وبجانب هذا العلم سيأخذ علم " أصول الفقه " أيضا المساهمة مع الكلام ليشكلا بذلك " الجـانب الأصيل من الفكر الفلسفي في الإسلام ".(4)
رغم حملات التشويه التي استهدفت العلم الأول، بقي يقتضي في الأخير فقها دقيقا من أجل التكيف مع المجتمع الإسلامي في مسألة الخلافة من جهة، ويشكلان في الأخير، تداخلا بين العقدي والعملي في التجربة الإسلامية الأولى، واعتبارا كذلك للقدرة التي أبداها العديد من رموز " الثقافة الإسلامية " في الاضطلاع بالوظيفتين معا، وظيفة المتكلم، ووظيفة الفقيه، وسوف يدرك ابن خلدون أهمية هذا التداخل بين العلمين، ويُنبه إلى أبعاد تأثير الخطاب الكلامي في تطوير وإغناء علم أصول الفقه ذاته.(5)
شكلت مسألة الإمامة أو الخلافة الجانب السياسي في الفكر الإسلامي، واصطبغت عبر العصور بطابع العصر الذي أثيرت فيه ككل، أو كأجزاء. لكن التحول الذي سيغير مجرى التاريخ هو بروز حدث " انقلاب الخلافة إلى ملك "، والذي معه سيتطور معطى الكتابات السياسية مثل ما هو الأمر في الآداب السلطانية التي نشأت مع الحدث السابق. وكان جزء كبير منها نقلا واقتباسا من التراث السياسي الفارسي، واستعانة به في تدبير أمور الدولة الإسلامية، وهذه الآداب اعتمدت على جملة من التصورات السياسية الأخلاقية المأخوذة من ثلاث مرجعيات هي : السياسة الفارسية – الساسانية، والحكم اليونانية- الهلنستية، والتجربة العربية – الإسلامية، وعملت على تذويب هذه المرجعيات لتوجد لنفسها مكانا نقيا في الفكر الإسلامي. وتاريخ الاختلافات والتلاحقات تحكيه لنا بعض الكتب التي كانت تبحث في الحياة الروحية الإسلامية.(6)
وإن كنا قد أوردنا مجالا سياسيا، فإن هذا الأخير ستتحكم فيه خصوصيات بعض المفاهيم، وسنقتصر في هذا البحث على مفهوم السلطة، طالما أن هذا الأخير هو إشارة موجهة إلى مفهوم السياسة. فكيف بنيت معالم هذا المفهوم انطلاقا من دلالته المعجمية وصولا إلى دلالات أخرى
2- الحقل الدلالي لمفهوم السلطة :
يدل مفهوم السلطة في المعاجم اللغوية(7) على الملك والقدرة، وفي المعاجم الفلسفية(8) على عدة معاني يؤخذ البعض منها على أنها ذات طابع سياسي، اجتماعي، اقتصادي، وذلك النفوذ المعترف به كليا لفرد أو لتنظيم يحاول في الأخير تقديم خدمات معينة. ولقد حمل مفهوم السلطة عبر العصور، الكثير من المخلفات الميتافيزيقية، وحتى اللاهوتية، وبقي هذا التصور هو السائد والمسيطر. الأمر الذي جعل فيما بعد الفكر السياسي، المحتكر الوحيد للحديث عن السلطة. إذ غالبا ما تعرف السلطة بأنها سلطة الدولة، أو السلطة السياسية، أو أنها عبارة عن مؤسسات، وأنظمة وأجهزة، يخضع المواطنين أو الرعايا لقوانينها داخل حدود دولة ما، لذلك فالسلطة تشكل نظاما من السيطرة والهيمنة، التي تمارسها فئة ما على فئة أخرى، متخذة بذلك صورا متعددة منها : صورة العنف تارة، والتشريعات والقوانين تارة أخرى.
على هذا الأساس تتمظهر السلطة كأداة قمعية، أداة إيديولوجية، إنها ظاهرة في الأخير ترينا الوجه الأبيض في الواجهة، وحين نقترب منها تتبدل ألوانها، وتومئ حلكة الليل لحلكة ليل آخر، وخاصة حينما يظهر لنا أن القول بالسلطة هو قول يقْبر في طياته الاستبداد، أو أن تكون السلطة دلالة على الاستبداد، فهل الأمر كذلك حينما نقرأ – تاريخ تبلور مفهوم السلطة عند الفلاسفة ؟
إذا كان مفهوم الاستبداد يعود إلى الشخص المستبد، فإن هذا الأخير كان يعني رب الأسرة، أو سيد المنزل، أو السيد على عبيده، وبالتالي نجد أن هذه الدلالة خرجت من هذا النطاق إلى الدخول في عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق، الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه متمثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة. لكن هذا الخلط بين السلطة ما هو إلا تأويل لطغيان الحاكم بتمثله الأب بالنسبة للأسرة، إن سلطة هذا الأخير هي أخلاقية، وقراره مطاع واحترامه واجب في أسرته، لكن نقل هذه السلطة إلى السياسة، واعتبار الحاكم أبا والمواطنين أطفالا أمر غير مبرر، لكونها في الأخير تسمى بالسلطة السياسية وليست السلطة الأبوية، فلقد قارن أرسطو بين مصطلحي الاستبداد والطغيان، وقال أنهما نوعان من الحكم يعاملان الرعايا على أنهم عبيد، ويراه عند البرابرة (ويقصد بهم أرسطو البشر من غير اليونانيين ويسميهم أيضا الأغراب) فناقش أرسطو فكرة العبد هل هو عبد بالطبيعة أم أنه عبد بالطبع ؟ ويقصد بالطبيعة أن المرء يولد وهو عبد، لذا يجب عليه الخضوع لسيده ويجب عليه الطاعة، والقيام بالأعمال التي يوكلها إليه سيده، أما ما يقصده أرسطو بالطبع فهو العرف والتقاليد الاجتماعية، وهي التي تفرض على الإنسان أن يكون عبداً، وكانت المدرسة السفسطائية تميل إلى الرأي الثاني بينما أرسطو يميل إلى الرأي الأول الذي يعد العبد عبدا " بالطبيعة ".
يستولي الطاغية حسب وجهة نظر أفلاطون على السلطة عنوة، ويسعى للتخلص من خصومه بعد استيلائه عليها، ويلاحق الطاغية جميع الناس الذين يمتازون بالشجاعة وكبر النفس والحكمة والثورة لأنهم يشكلون خطرا عليه، تحيط به جماعة مستعبدة تتقاضى أجورا عالية لكي تحميه وتمدحه. ولهذا فأفلاطون وضع عدة أوصاف للطاغية، فقال إنه كائن حيواني ينشغل بالملذات المتقلبة، نقيض الروح الخالدة، هو من أتعس العالمين ومدينته شقية، والعلاقة بين الحاكم والمحكومين هي علاقة السيد بالعبد. فأفلاطون ميز بين جملة من أنظمة الحكم التي تتطور في الأخير إلى الطغيان. فهناك الحكم الأرستقراطي Aristocracy وهو عنده أفضل أنواع الحكم، إذ فيه حكم القلة الفاضلة، ويتجه نحو الخير مباشرة، ومن ثم فهو نظام الحكم العادل. وكذلك هناك الحكم التيمقراطي Timocracy وهو الذي يسوده طابع الطموح من محبي الشرف. وأيضا الحكم الأوليغاركي Oligarchy وهو حكومة القلة الغنية حيث يكون للثروة مكانة رفيعة. وكذا الحكم الديمقراطي Democracy وهو حكم الشعب حيث تقدر الحرية تقديرا عاليا. وفي الأخير حكم الطغيان Tyranny وهي حكومة الفرد الظالم أو الحاكم الجائر، حيث يسود الظلم الكامل. إذن فهذه الأنظمة التي قدمها أفلاطون، لا تنزع تلك القيمة لطموح الفيلسوف التي تعتبره مالكا للعالم والمعرفة، ومالكا للسلطة مستأثرا بها دون رجل السياسية، وذلك بأن يكون رئيس الدولة مديرا وحكيما، فيلسوفا وعالما، وبذلك دشن أفلاطون القول بامتلاك صاحب المعرفة العلمية لحق القرار السياسي وممارسة السلطة الفعلية المؤثرة(*). في هذا نجد الدكتور عبد المجيد الصغير(**) يشير أنه رغم عدم امتلاك العالم أو الفيلسوف لزمام القرار، فهو يمتلك قدرة على التحليل، والتقويم، ومؤهل للنقد، والتأثير، والتوجيه، الشيء الذي يجعل معرفته " سلطة " مؤثرة وبالتالي منافسة لتلك التي يتمتع بها رجل السياسية... – هذا الكلام يورده الدكتور في تمييزه بين القوة والسلطة.(9)
أمام كل هذا، تبقى السلطة عنصرا من الدولة، والسلطة العامة كوظيفة اجتماعية تمارس من قبل جيش، وبوليس، وموظفين ومحاكم، وأنظمة العقاب والزجر المختلفة. وحسب الماركسية، في مجتمع تهيمن فيه الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج تكون الدولة دائما أداة قمع في أيدي الطبقة المشغلة السائدة، فالسلطة على هذه الشاكلة أداة لقهر الجماهير المشغلة، بغض النظر عن طبيعة وشكل الحكم. وبتطور مفهوم السلطة، وآلية الحكم في الدولة العصرية، أصبحت السلطة تحتاج إلى جملة صفات وشروط كي يتم الاعتراف بها، كالقبول من أبناء المجتمع، المساواة القانونية والحرية، لتبنى دولة لجميع أبنائها.
لقد حاول ميشل فوكو توضيح الطبيعة الحيوية – السياسية لصيغة الحكم الجديد أو السلطة، مؤكدا أن القوة الحيوية هي أحد أشكال القوة التي تنظم الحياة الاجتماعية من داخلها، عبر اتباعها، وتعقبها، وتفسيرها، واستيعابها، وإعادة صياغتها، فالسلطة لا تستطيع بلوغ القيادة الفعالة لمجمل حياة السكان، إلا حينما تصبح وظيفة عضوية حيوية يبادر كل فرد طوعا على احتضانها وإعادة تفعيلها. لقد أصبحت الحياة الآن أحد أغراض السلطة كما أشار بذلك فوكو. أما الوظيفة الأسمى لهذه السلطة فهي إغناء الحياة أكثر فأكثر، في حين تتركز مهمتها الأولى على إدارة هذه الحياة، إن السلطة حسب فوكو قائمة في كل مكان... لأنها تأتي من كل اتجاه، أما السلطة الواحدة بما لها من دوام وتكرار وعطالة وإنتاج للذات ليست إلا بمفعول المجموع الذي ترتسم معالمه انطلاقا من كل هذه الحركيات، والترابط الذي يجد ركيزته في كل منها ويحاول بدوره أن يثبتها... إنه حيثما تكون هنالك سلطة تكون هناك مقاومة، ومن ثمة فإن هذه ليست أبدا في موقع خارجي بالنسبة إلى السلطة. هل يتعين أن نقول بأننا بالضرورة في السلطة، وبأننا لا نفلت منها، وأنه ليس هناك بالنسبة لها أي خارج مطلق لأننا سنكون بالحتم خاضعين للقانون ؟ أو بما أن التاريخ هو خدعة العقل، فإن السلطة ستكون هي خدعة التاريخ. أي تلك التي تنتصر دوما... وضمن هذا المجال من علاقات القوة، يتعين محاولة تحليل آليات السلطة. وبذلك نفلت من هذه المنظومة القانونية التي أذهلت لمدة طويلة الفكر السياسي، وإذا كان من الصحيح أن مكيافيل كان أحد القلائل الذين فكروا في سلطة الأمير بألفاظ علاقات القوة، وعدم الاقتصار على شخصية الأمير، لتشرع آليات السلطة انطلاقا من إستراتيجية ملازمة لعلاقات القوة "(10). غير أننا لا يجب أن ننسى أن الصراع حول أنظمة الحكم والسلطة عبر التاريخ ارتكزت على مذهبين اثنين:
الأول- مذهب الحكم المطلق : الذي يرى في الحاكم استمرار سلطة الله على الأرض، ويستند في إيديولوجية إلى العهد القديم من الكتاب المقدس، الذي أسس للنظام البطريارخي، ووجد في السلطة الشمولية والاستبدادية استمرارا له.
ثانيا- مذهب العقد الاجتماعي : الذي يفسر نشأة الدولة والسلطة على أساس تعاقد بين الأفراد كجماعة، أو بينهم وبين الحكام، ويمثل ذلك نقلة نوعية باتجاه الحكم الديمقراطي، حكم الشعب الحر.




الهامش.:
- يمكن الرجوع إلى :
- عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، دار الحديث القاهرة، 2003م، ص 11-16.
- عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، الطبعة الأولى، مؤسسة الرسالة، 2003، ص 7-19.
- وأيضا أحمد الحجي الكردي، بحوث في علم أصول الفقه، دار البشائر الإسلامية، 2004، ص 9-27.
- محمد عابد الجابري، وأحمد السطاتي، دروس في الفكر الإسلامي، الطبعة الثانية، دار النشر المغربية ص 63-66.
2- يعتبر القرآن الكريم أول مصدر ودليل للتشريع وهو " كلام نزل به الروح الأمين على قلب رسوله الكريم، بلفظ عربي مبين ومعان حقة ليكون حجة للرسول على أنه رسول، ودستورا للناس يهتدون بهداه، وقربة يتعبدون بتلاوته، والمدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر ". هذا التعريف للقرآن وللأدلة الشرعية من سنة وإجماع وقياس واستحسان، ومصالح مرسلة، والعرف، والاستصحاب، وشرع من قبلنا ومذهب الصحابيين، نجدها في عدة كتب لأصول الفقه، انظر كل من :
- عبد الوهاب خلاف، المرجع السابق، ص 21، أحمد حجي الكردي، المرجع السابق، ص 55، وعبد الكريم زيدان، المرجع السابق، ص 152-155.
3- الأشعري (أبي الحسن)، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1985، ص 39.
4- محمد عابد الجابري، وأحمد السطاتي، المرجع السابق، ص 201.
5- عبد المجيد الصغير، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، الطبعة الأولى، 1994، ص 41.
6- انظر عبد الرحمان بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسة لكبار المستشرقين، الطبعة الرابعة، دار القلم، 1980، ص 6-8.
7- نذكر بعض دلالات المفهوم التي وردت في بعض المعاجم مثلا كلمة autorité نجدها في :
- Dictionnaire alphabétique et analogique du langage français, par Paul Robert.
- Paul Foulquie, Dictionnaire de la langue philosophique, p : 556-557, 4ème édition 1982.
- Autorité :
1- Droit de commander pouvoir (reconnu ou non) d imposer l obéissance, V. commandement, domination force, puissance, souveraineté- l autorité suprême, l autorité du souverain, du chef de l état.
2- Les organes du pouvoir, les actes, les décisions, les agents, les représentants de l autorité, V. Gouvernement, administration. Pluriel, les autorités : les personne qui exercent l autorité, les autorité civiles, militaire, religieuses.
8- يورد جميل صليبا في معجمه الفلسفي الطبعة الأولى، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ص 670، 1981، تعريف السلطة كما يلي : في الفرنسية Autorité في الإنجليزية Autority، وفي اللاتينية Autoritas، والسلطة في اللغة، القوة والقدرة على الشيء، والسلطان الذي يكون للإنسان على غيره، ولها عندنا معان : السلطة النفسية، التي تعني قدرة الإنسان على فرض إرادته على الآخرين، لقوة شخصيته وثبات جنانه وحسن إشارته وسحر بيانه. وهناك السلطة الشرعية : وهي السلطة المعترف بها في القانون كسلطة الحاكم – والوالد والقائد. وهناك أيضا السلطة الدينية: التي تورد في البداية للوحي الذي أنزله الله على أنبيائه ولسنن الرسل، وقرارات المجامع المقدسة واجتهادات الأئمة. وجمع السلطة سلطات وهي الأجهزة الاجتماعية التي تمارس السلطة كالسلطات السياسية، والتربوية، والقضائية وغيرها.
* جان جاك شوڤالييه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة الدكتور محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية 1993، ص 37-53.
** الدكتور عبد المجيد الصغير : هو أستاذ للتعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، وله دكتوراه دولة في الفلسفة. تمحورت أبحاثه العلمية حول تاريخ الفكر في منطقة الغرب الإسلامي، مع اعتناء برصد ظروف النشأة وأسباب التطور، له العديد من الأبحاث في المجلات العلمية، ومن أعماله :
- الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، بيروت : دار المنتخب العربي، الطبعة الأولى 1994.
- التصوف كوعي وممارسة، الدار البيضاء، دار الثقافة، الطبعة الأولى 1999.
9- عبد المجيد الصغير، المرجع السابق، ص 7.
10- نص مأخوذ لفوكو :
M. Faucoult : la volante de savoir, Gallimard (1976).
وهو موجود ضمن نصوص مختارة، اختارها وترجمها د. محمد سبيلا، وعبد السلام بنعبد العالي، إفريقيا الشرق، 2001، ص 316-320.








رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,277,009,229
- تتمة في فلسفة الدين
- في معنى فلسفة الدين؟


المزيد.....




- الجزائر: عزل قاض رفض تطبيق -تعليمات فوقية- تخص محتجي الحراك ...
- وزير الخارجية الأمريكي يزور الحائط الغربي برفقة نتنياهو
- مصدر يكشف لـCNN تفاصيل اعتراف ترامب بـ-سيادة- إسرائيل على ال ...
- أبو الغيط: إعلان ترامب حول الجولان غير شرعي ونقف بالكامل مع ...
- الاتحاد الأوروبي يرفض دعوة ترامب للاعتراف بسيادة إسرائيل على ...
- الرئيس اللبناني: العقوبات الأمريكية على حزب الله تضر لبنان ب ...
- فيديو.. 15 عربة ترام حديثة في أول إضافة لشبكة ترام الإسكندري ...
- السيسي يوجه الحكومة المصرية لاتخاذ اجراءات لتحسين الأجور وال ...
- قائد الطائرة الإثيوبية المنكوبة لم يتدرب على جهاز محاكاة بوي ...
- الرئيس اللبناني: العقوبات الأمريكية على حزب الله تضر لبنان ب ...


المزيد.....

- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر
- في محبة الحكمة / عبدالله العتيقي
- البُعدُ النفسي في الشعر الفصيح والعامي : قراءة في الظواهر وا ... / وعد عباس


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مراد كلاطي - مفهوم السلطة في الفكر العربي الاسلامي