أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - كارل ماركس - النضال الطبقي في فرنسا 1848 -1850















المزيد.....



النضال الطبقي في فرنسا 1848 -1850


كارل ماركس
الحوار المتمدن-العدد: 5333 - 2016 / 11 / 4 - 22:58
المحور: الارشيف الماركسي
    


مقدمة
بقلم إنجلز( )
هذا البحث الذي يعاد طبعه هنا كان أول محاولة قام بها ماركس لتفسير مرحلة معينة من التاريخ، على أساس مفهومه المادي، وانطلاقًا من وضع اقتصادي معين. وقد سبق أن طُبقت هذه النظرية في "البيان الشيوعي" بخطوطها الكبرى على التاريخ الجديد كله؛ وفي المقالات المنشورة في “Neue Rheinische Zeitung” ( ) لجأنا ماركس وأنا على الدوام إلى هذه النظرية لأجل توضيح الأحداث السياسية الجارية. أما في هذا البحث، فقد كان المقصود كشف الصلة السببية الداخلية للأحداث السياسية التي وقعت في سياق مرحلة مديدة من التطور التاريخي كانت مرحلة حرجة ونموذجية في آن واحد بالنسبة لأوروبا برمتها، وكان المقصود بالتالي، وفقًا لمفهوم المؤلف، تفسير الأحداث السياسية بفعل أسباب هي اقتصادية في آخر تحليل.
عند الحكم على الأحداث وسلسلة الأحداث في التاريخ الجاري، لا يمكن التوصل أبدًا إلى الأسباب الاقتصادية النهائية. وحتى في الوقت الحاضر، إذ تعطي الصحف المختصة المناسبة هذه الكمية الضخمة من المواد، يستحيل حتى في إنجلترا تتبع سير تطور الصناعة والتجارة في السوق العالمية، تتبع التغيرات التي تطرأ على طرائق الإنتاج، وتتبعها يومًا فيومًا بحيث يمكن في كل لحظة استخلاص النتيجة العامة لهذه العوامل الشديدة التعقد والمتغيرة باستمرار، التي يفعل قسمها الأكبر والأهم، فضلاً عن ذلك، بصورة خفية، في غضون زمن مديد، قبل أن يظهر بفجأة وقوة. وأنه لمن المستحيل أبدًا الحصول على لوحة واضحة عن التاريخ الاقتصادي في مرحلة ما من المراحل وعن الأحداث نفسها في آن واحد؛ فلا يمكن الحصول عليها إلا بعد مرور حقبة من الزمن، بعد جمع المادة والتحقق منها. وهنا يشكل الإحصاء وسيلة معاونة لازمة؛ والحال، يتأخر الإحصاء على الدوام. ولهذا، عند تحليل الأحداث الجارية، يتعين أحيانًا كثيرة جدًا اعتبار هذا العامل الذي يتسم بأهمية حاسمة عاملاً دائمًا، واعتبار الوضع الاقتصادي الذي تكوَّن قبل بداية المرحلة المبحوثة وضعًا معطيًا ثابتًا لا يتغير بالنسبة للمرحلة كلها، أو حتى الاقتصار على مراعاة تلك التغيرات في هذا الوضع التي تنبع من الأحداث الجارية الجلية للعيان، وبالتالي الجلية تمامًا أيضًا. ولهذا يتعين أحيانًا كثيرة جدًا على الطريقة المادية أن تكتفي هنا بحصر النزاعات السياسية في الصراع بين مصالح الطبقات الاجتماعية القائمة ومصالح الفئات الطبقية التي خلقها التطور الاقتصادي، وباعتبار مختلف الأحزاب السياسية كتعبير سياسي ملائم إلى هذا الحد أو ذاك عن هذه الطبقات نفسها وعن فئاتها.
وغني عن البيان أنه لا بد لهذا التجاهل الذي لا مناص منه للتغيرات الطارئة في الوقت نفسه على الوضع الاقتصادي، على هذا الأساس الحقيقي لجميع التطورات المبحوثة، أن يكون مصدرًا للأخطاء. ولكن جميع شروط العرض المعمم للأحداث الجارية تنطوي، لا مناص، على مصادر للأخطاء، الأمر الذي لا يجبر أحدًا، مع ذلك، على الامتناع عن كتابة تاريخ الأحداث الجارية.
وعندما عكف ماركس على كتابة هذا البحث، كان من غير الممكن بمقدار أكبر تجنب مصدر الأخطاء المذكور آنفًا. ففي زمن ثورة 1848 – 1849، كان من المستحيل حقًا وفعلاً تتبع التغيرات الاقتصادية الطارئة في الوقت نفسه أو حتى إبقاؤها في مجال البصر. كذلك كان هذا من المستحيل في الأشهر الأولى من الهجرة القسرية في لندن، أي في خريف وشتاء 1849 – 1850. ولكن ماركس بدأ كتابة بحثه هذا في ذلك الوقت على وجه الضبط. ورغم هذه الظروف غير الملائمة، استطاع ماركس، بفضل معرفته الدقيقة سواء للوضع الاقتصادي في فرنسا عشية ثورة شباط (فبراير) أو لتاريخ هذه البلاد السياسي بعد ثورة شباط، أن يقدم عرضًا للأحداث يكشف صلتها الداخلية بكمال يستحيل التفوق عليه حتى الآن؛ وهذا العرض نجح نجاحًا باهرًا في امتحانين أجراهما ماركس فيما بعد.
الامتحان الأول أجرى ارتباطًا بالواقع التالي وهو أن ماركس وجد من جديد، ابتداء من ربيع 1850، متسعًا من الوقت لأجل الدراسات الاقتصادية، وأنكب في المقام الأول على دراسة التاريخ الاقتصادي للسنوات العشر الأخيرة. وبالنتيجة اتضح له تمامًا من الوقائع ما استخلص نصفه قبل ذلك على البديهة من مادة أبعد من أن تكون كاملة، وأعني به أن الأزمة التجارية العالمية التي نشبت في 1847 هي التي أدت على الأخص إلى نشوب ثورتي شباط (فبراير) وآذار (مارس)، وأن النهوض الصناعي الذي حل من جديد تدريجيًا منذ أواسط 1848 وبلغ الازدهار التام في 1849 و1850 كان قوة منعشة للرجعية الأوروبية التي قويت من جديد. وقد كان لهذا الأمر أهمية حاسمة. فإذا كان لا يزال يتبدى في المقالات الثلاث الأولى (التي صدرت في إعداد كانون الثاني وشباط وآذار – يناير وفبراير ومارس – من مجلة “Neue Rheinische Zeitung. Politisch-ökonomische Revue” ( )، هامبورغ، 1850) انتظار نهوض جديد في العزيمة الثورية في القريب العاجل، فإن اللمحة التاريخية (آيار – تشرين الأول، مايو – أكتوبر) التي كتبناها ماركس وأنا، لأجل العدد المزدوج الذي صدر في خريف 1850 تقطع بحزم وإلى الأبد كل صلة مع هذه الأوهام: "إن ثورة جديدة غير ممكنة إلا أثر أزمة جديدة. ولكن نشوبها محتم مثله مثل نشوب هذه الأخيرة" (راجع هذا الكتاب، ص 158. الناشر). ولكن هذا كان التغيير الجوهري الوحيد الذي أدخلناه. ففي تفسير الأحداث الوارد في المقالات السابقة، لم يكن هناك قطعًا ما يجب تغييره في الصلات السببية المعروضة فيها، كما تبين بقية السرد من 10 آذار (مارس) إلى خريف 1850 المدرجة في اللمحة نفسها. ولهذا أدرجت هذه البقية، بوصفها المقالة الرابعة، في هذه الطبعة ( ).
وكان الامتحان الثاني أشد صرامة. ففور الانقلاب الذي قام به لويس بونابرت في 2 كانون الأول (ديسمبر) 1851 ( )، درس ماركس من جديد تاريخ فرنسا من شباط 1848 حتى هذا الحدث الذي اختتم المرحلة الثورية لفترة من الزمن (" الثامن عشر من برومير لويس بونابرت"، الطبعة الثالثة، هامبورغ، ميسنر، 1855). إن هذا الكراس يحلل من جديد، وأن بصورة أوجز، المرحلة المدروسة في بحثنا المعاد طبعه. فقارنوا هذا العرض الثاني المكتوب على ضوء الحدث الحاسم الذي وقع بعد سنة ونيف، بالعرض الأول، تقتنعوا بأن الكاتب لم يغير إلا قليلاً جدًا.
هناك عامل يضفي على هذا البحث أهمية خاصة تمامًا، هو أنه أعطى للمرة الأولى صيغة تلخص بها الأحزاب العمالية، في جميع بلدان العالم، بإيجاز وإجماع، مطلبها بالتحويل الاقتصادي: امتلاك المجتمع لوسائل الإنتاج. وقد جاء في الفصل الثاني، بصدد "الحق في العمل"، المسمى هناك "بالصيغة الخرقاء الأولى التي تلخص بها المطالب الثورية للبروليتاريا": "ولكن وراء الحق في العمل تكمن السلطة على الرأسمال، ووراء السلطة على الرأسمال - امتلاك وسائل الإنتاج، وإخضاعها للطبقة العاملة المنظمة في جمعياتها، والقضاء بالتالي على العمل المأجور والرأسمال وعلى العلاقات بينهما" (راجع هذا الكتاب، ص 76. الناشر). وهكذا صيغت هنا للمرة الأولى موضوعة تتميز بها الاشتراكية العمالية المعاصرة بصورة حادة سواء عن جميع أنواع الاشتراكية، الإقطاعي والبرجوازي والبرجوازي الصغير إلخ.، أو عن "شيوعية الملكية" الضبابية التي تقدمت بها الشيوعية الطوبوية والعمالية العفوية. وإذا كان ماركس قد شمل بهذه الصيغة فيما بعد امتلاك وسائل التبادل أيضًا، فإن هذا التوسيع للصيغة، الناجم، فضلاً عن ذلك، من تلقاء ذاته من "البيان الشيوعي"، لم يكن غير استنتاج من الموضوعة الأساسية. ومؤخرًا أضاف بعض الحكماء في إنجلترا إلى هذا أنه تنبغي إحالة "وسائل التوزيع" أيضًا إلى المجتمع. ومن المشكوك فيه أن يكون في مستطاع هؤلاء السادة أن يوضحوا ماهية وسائل التوزيع الاقتصادية هذه التي تتميز عن وسائل الإنتاج ووسائل التبادل. ترى، ألا يقصدون وسائل التوزيع السياسية: الضرائب، رعاية الفقراء، بما فيها إعانات ساكسنفالد ( )، والإعانات الأخرى؟ ولكن وسائل التوزيع هذه هي، أولاً، في الوقت الحاضر بالذات، ملك المجتمع، وتخص الدولة أو المشاعة، وهي ثانيًا الوسائل التي نريد القضاء عليها.
* * *
عندما انفجرت ثورة شباط، كنا نحن جميعنا متأثرين في تصوراتنا حول شروط الحركات الثورية وظروفها وسيرها بالخبرة التاريخية الماضية، ولا سيما بخبرة فرنسا. فهي التي لعبت الدور الرئيسي في كل تاريخ أوروبا ابتداء من عام 1789. وهي التي أعطت آنذاك والآن من جديد إشارة الانقلاب العام. ولهذا كان من الطبيعي والمحتم تمامًا أن تكون تصوراتنا حول طابع وسير الثورة "الاجتماعية"، ثورة البروليتاريا، التي أعلنت في شباط 1848 في باريس، مصبوغة بشكل ساطع بذكريات عن النماذج المسبقة في مرحلة 1789 – 1830. وعندما وجدت الانتفاضة الباريسية صدى في الانتفاضات المظفرة في فيينا وميلانو وبرلين؛ وعندما اجتذبت أوروبا كلها حتى الحدود الروسية إلى الحركة؛ وعندما وقعت بعد ذلك في حزيران (يونيو) في باريس أول معركة كبيرة من أجل السيادة بين البروليتاريا والبرجوازية؛ وعندما بلغت الأمور إلى حد أن انتصار الطبقة البرجوازية ذاته هز البرجوازية في جميع البلدان إلى درجة أنها ارتمت من جديد في أحضان الرجعية الملكية الإقطاعية التي كانت قد أسقطت للتو، - لم يكن من الممكن في ظروف ذلك الوقت أن يخالجنا أي شك في أن المعركة الفاصلة الكبرى قد بدأت وأنه يجب السير بها إلى النهاية في سياق مرحلة ثورية طويلة وحافلة بالتقلبات، وأنه لا يمكن مع ذلك لهذه المعركة أن تنتهي إلا بانتصار البروليتاريا النهائي.
وبعد هزائم 1849، لم نشاطر إطلاقًا أوهام الديمقراطية المبتذلة الملتفة in partibus (In partibus infidelium – في بلد الكفار، أي في الخارج أو في المهجر. الناشر) حول حكومات المستقبل المؤقتة. فقد كانت هذه الديمقراطية تأمل بانتصار عاجل ونهائي يحرزه "الشعب" على "الطغاة"؛ أما نحن، فإننا كنا نأمل بنضال مديد، بعد إزالة "الطغاة"، بين العناصر المتضادة الكامنة في هذا "الشعب" ذاته. كانت الديمقراطية المبتذلة تتوقع يومًا بعد يوم انفجارًا جديدًا، أما نحن، فقد صرحنا في خريف 1850 أن الطور الأول من المرحلة الثورية قد انتهى على كل حال وأنه لن يحدث شيء قبل نشوب أزمة اقتصادية عالمية جديدة. ولهذا تعرضنا للحرم كخونة للثورة من قبل نفس أولئك الذين أقدموا جميعهم تقريبًا بلا استثناء على التصالح فيما بعد مع بيسمارك لأن بيسمارك تكرَّم عليهم بهذا.
ولكن التاريخ بيَّن أننا نحن أيضًا لم نكن على حق وأن وجهة النظر التي كنا نتسمك بها كانت وهمًا من الأوهام. بل أن التاريخ سار إلى أبعد؛ فهو لم يبدد ضلالنا آنذاك وحسب؛ بل غير أيضًا تمامًا الشروط والظروف التي ينبغي للبروليتاريا خوض النضال في ظلها. فإن وسيلة النضال التي استخدمت في عام 1848 قد شاخت الآن من جميع النواحي، وهذه النقطة تستحق، والحالة هذه، دراسة أكثر إسهابًا.
إن جميع الثورات السابقة كانت تقتصر على إحلال سيادة طبقة معينة محل سيادة طبقة أخرى؛ ولكن جميع الطبقات التي سادت حتى الآن لم تكن تشكل غير أقلية ضئيلة بالقياس إلى سواد الشعب المحكوم. وعليه كانت أقلية سائدة تسقط، وتحل أقلية أخرى محلها في دست الحكم وتغير نظم الدولة وفقًا لمصالحها. وفي كل مرة، كانت السيادة تعود إلى ذلك الفريق من الأقلية الذي كان، في ظل الحالة المعنية من التطور الاقتصادي، قادرًا على السيادة ومدعوًا إلى السيادة، ولهذا السبب بالذات، - ولهذا السبب وحده – كانت الأغلبية المحكومة تعمد عند حدوث الانقلاب، أما إلى الاشتراك في الانقلاب في صالح هذا الفريق، وأما إلى الرضوخ بهدوء للانقلاب. ولكن إذا طرحنا جانبًا المضمون الملموس لكل حالة بمفردها، فإن الشكل العام لجميع هذه الثورات قد تلخص في أنها كانت ثورات الأقلية. وإذا كانت الأغلبية أيضًا قد اشتركت فيها، فإنها لم تفعل ذلك – عن وعي أو عن غير وعي – إلا في مصلحة الأقلية؛ ولكن هذا على وجه الضبط أو حتى مجرد سلوك الأغلبية الخامل، انعدام المقاومة من جانبها، هو الذي جعل هذه الأقلية تبدو كأنها تمثل الشعب بأسره.
بعد أول نجاح كبير، كانت الأقلية المنتصرة تنقسم على نفسها عادة؛ فكان قسم منها يرضى بما تم التوصل إليه، وكان القسم الآخر يرغب في المضيّ قدمًا، ويتقدم بمطالب جديدة تناسب، جزئيًا على الأكثر، المصالح الحقيقية أو الموهومة للجماهير الشعبية الواسعة. وفي بعض الحالات، كانت هذه المطالب، وهي أكثر جذرية، تحقق ولكن في معظم الأحوال لفترة قصيرة جدًا من الوقت؛ فإن حزبًا أكثر اعتدالاً كان يحرز الغلبة من جديد، فإذا المكتسبات الأخيرة تزول كليًا أو جزئيًا؛ وآنذاك كان المغلوبون يشرعون في الزعيق بالخيانة أو يفسرون الهزيمة بالصدفة. أما في الواقع، فإن الأمور كانت في معظم الأحوال تسير كما يلي: كان ما يتم الظفر به بنتيجة النصر الأول لا يصبح متينًا ثابتًا إلا بفضل نصر ثان يحرزه حزب أكثر راديكالية؛ وما إن كان يتم التوصل إلى هذا، وما إن كان يتحقق بالتالي ما كان ضروريًا في اللحظة المعنية، حتى كان الراديكاليون يغادرون الحلبة من جديد مع منجزاتهم.
في جميع ثورات الزمن الجديد، ابتداء من الثورة الإنجليزية الكبرى في القرن السابع عشر، تبدت هذه السمات التي كانت تبدو سمات ملازمة لكل نضال ثوري، لا تنفصم عنه. وقد خيل أنها ملازمة أيضًا لنضال البروليتاريا من أجل تحررها خصوصًا وأنه كان من الممكن، في عام 1848 على وجه الضبط، أن يُعد على الأصابع أولئك الذين كانوا يفهمون، وأن بعض الشيء، في أي اتجاه ينبغي البحث عن هذا التحرر. وحتى في باريس، لم يكن من الواضح إطلاقًا للجماهير البروليتاريا ذاتها بعد النصر أيضًا أي سبيل يجب عليها أن تسلكه. ومع ذلك، كانت الحركة بادية للعيان، غريزية، عفوية، يستحيل كبتها. ترى، ألم يكن هذا الوضع الذي كان لا بد أن تتكلل في ظله بالنجاح ثورة تقودها الأقلية، والحق يقال، ولكن لا في مصلحة الأقلية هذه المرة، بل في مصلحة الأغلبية، في مصلحتها الحقيقية، الأصيلة؟ وإذا كانت الجماهير الشعبية الواسعة قد سمحت لنفسها بمثل هذه السهولة في جميع العهود الثورية الطويلة نوعًا بأن تجذبها مغريات فارغة كاذبة رمت بها إليها جماعات من الأقلية مندفعة إلى أمام، ترى، هل كان من الممكن أن تكون أقل تقبلاً لأفكار كانت أدق انعكاس لوضعها الاقتصادي، لأفكار لا تعدو أن تكون تعبيرًا واضحًا ومعقولاً عن مطالبها التي لا تفهمها بعد، ولكن التي تشعر بها هي ذاتها شعورًا مبهمًا؟ صحيح أن مزاج الجماهير الثوري هذا كان يحل محله دائمًا تقريبًا، وبعد فترة وجيزة جدًا في معظم الأحوال، الإرهاق أو حتى الانعطاف إلى الجانب المضاد، ما أن كانت الأوهام تتبدد وتطل خيبة الأمل. ولكن الأمر لم يكن يتعلق هنا بالمغريات الكاذبة، بل بتحقيق مصالح الأغلبية الهائلة، مصالحها الحقيقية، الأصيلة؛ صحيح أن هذه المصالح لم تكن بعد آنذاك واضحة على الإطلاق لهذه الأغلبية الهائلة، ولكنه كان لا بد لها أن تصبح بعد فترة وجيزة واضحة لها الوضوح الكافي في سياق تحقيقها عمليًا، وبفعل الجلاء المقنع. وإذا كان تطور الجمهورية البرجوازية التي انبثقت عن ثورة 1848 "الاجتماعية" قد آل، فضلاً عن ذلك، نحو ربيع 1850، كما برهن ماركس في مقالته الثالثة، إلى انحصار السيادة الفعلية في يد البرجوازية الكبيرة، التي كانت بالإضافة ملكية المزاج، بينا جميع الطبقات الاجتماعية الأخرى، الفلاحون والبرجوازيون الصغار، قد التفت بالعكس حول البروليتاريا، بحيث أنه كان لا بد أن يكون العنصر الحاسم في حال النصر المشترك وبعده، لا هذه الطبقات، بل البروليتاريا التي حنكتها التجربة، - ترى، ألم يكن من الممكن تمامًا في هذه الأحوال الأمل في أن تتحول ثورة الأقلية إلى ثورة الأغلبية؟
لقد بيّن التاريخ أننا نحن وجميع الذين يفكرون مثلنا كنا على غير حق. فقد بيّن بوضوح أن حال التطور الاقتصادي في القارة الأوروبية كانت في ذلك الوقت أبعد من أن تكون ناضجة إلى حد يتيح إلغاء أسلوب الإنتاج الرأسمالي؛ وبين هذا بتلك الثورة الاقتصادية التي شملت القارة بأسرها ابتداء من 1848 ووطدت بالفعل للمرة الأولى للصناعة الكبيرة في فرنسا والنمسا والمجر وبولونيا، ومؤخرًا في روسيا، وحولت ألمانيا مباشرة إلى بلد صناعي من الدرجة الأولى، - وكل هذا على أساس رأسمالي كان لا يزال يملك بعد، على هذا النحو، في 1848، قدرة كبيرة جدًا على التوسع والامتداد. ولكن هذه الثورة الصناعية بالذات هي التي حملت في كل مكان الوضوح إلى العلاقات بين الطبقات: فقد أزالت كثرة من الفئات الوسيطة المتحدرة من عهد المانيفاكتورة، وحتى من الحرفة في أوروبا الشرقية، وولدت برجوازية حقيقية وبروليتاريا حقيقية عاملة في الصناعة الكبيرة، ودفعتهما إلى مقدمة التطور الاجتماعي. ومن جراء هذا، نرى أن النضال بين هاتين الطبقتين الكبيرتين، الذي جري في 1848، علاوة عن إنجلترا، في باريس وحدها، ولربما أيضًا في بعض المراكز الصناعية الكبيرة، قد انتشر الآن في عموم أوروبا وبلغ قدرًا من القوة لم يكن بعد من الممكن تصوره في عام 1848. فآنذاك كانت هناك كثرة من الأناجيل المبهمة لشتى الملل مع ترياقاتها الشاملة؛ أما الآن، فهناك نظرية واحدة يعترف بها الجميع، وواضحة غاية الوضوح، هي نظرية ماركس، التي تصوغ أهداف النضال النهائية بدقة؛ آنذاك، كانت هناك جماهير مقسمة ومتفرقة بفعل الخصائص المحلية والقومية، ولا يجمع بينها غير الشعور بالآلام المشتركة، جماهير غير متطورة، تنتقل بدافع العجز من الحماسة إلى اليأس؛ أما الآن، فهناك جيش أممي كبير واحد موحد من الاشتراكيين، يزحف إلى الأمام بلا مرد ويقوي يومًا بعد يوم من حيث العدد والتنظيم والانضباط والوعي والثقة في النصر. وإذا كان جيش البروليتاريا الكبير هذا لما يبلغ الهدف مع ذلك، وإذا كان مضطرًا، عوضًا عن إحراز النصر بضربة حاسمة واحدة، إلى التحرك إلى أمام ببطء، كاسبًا موقعًا تلو الآخر في غمرة من النضال العنيد القاسي، فإن هذا يثبت نهائيًا إلى أي حد لم يكن من الممكن في 1848 التوصل إلى التحول الاجتماعي بمجرد الهجوم المفاجئ.
برجوازية منقسمة إلى كتلتين ملكيتين سلاليتين ( )، ولكنها تطالب قبل كل شيء بالهدوء والأمن لأجل شؤونها المالية، وضدها بروليتاريا صحيح أنها مغلوبة على أمرها ولكنها لا تزال رهيبة، ويلتف حولها أكثر فأكثر البرجوازيون الصغار والفلاحون، - خطر دائم بانفجار عنيف لم يبعث مع ذلك أي أمل في حل القضية حلاً نهائيًا، - هكذا كان الوضع الذي كأنما أنشئ لأجل انقلاب الطامع الثالث، الديموقراطي المزيف، لويس بونابرت. ففي 2 كانون الأول (ديسمبر) 1851 وضع حدًا، بواسطة الجيش، للوضع المتوتر وضمن لأوروبا بالهدوء الداخلي: وأسعدها بالمقابل بعهد جديد من الحروب ( ). فانتهت مؤقتًا مرحلة الثورات من القاعدة، وعقبتها مرحلة الثورات من القمة.
إن العودة إلى الإمبراطورية في عام 1851 أعطت برهانًا جديدًا على عدم نضج التطلعات البروليتارية في ذلك الزمن. ولكنه تعين على الإمبراطورية ذاتها أن تخلق الشروط والظروف التي كان لا بد في ظلها أن تبلغ هذه التطلعات حد النضج. فإن الهدوء الداخلي قد أمن المجال الرحب لنهوض الصناعة من جديد؛ وآلت ضرورة تشغيل الجيش وتوجيه الميول الثورية وجهة السياسة الخارجية إلى نشوب الحروب التي حاولت بونابرت بواسطتها، وبذريعة الدفاع عن "مبدأ القوميات"، أن يحقق بشتى الحيل إلحاقات في صالح فرنسا. وقد استوعب مقلده بيسمارك السياسة نفسها في صالح بروسيا؛ ففي 1866، قام بانقلابة، بثورته من القمة حيال الحلف الألماني وحيال النمسا ( )، وكذلك حيال المجلس البروسي الذي دخل في نزاع مع الحكومة. ولكن أوروبا كانت صغيرة جدًا على بونابرتين، وإذا بيسمارك يطيح ببونابرت، لما فيه سخرية التاريخ، وإذا غليوم، عاهل بروسيا، لا ينشئ إمبراطورية ألمانيا الصغرى وحسب، بل ينشئ كذلك الجمهورية الفرنسية ( ). أما النتيجة المشتركة، فقد تلخصت في أن استقلال الأمم الأوروبية الكبيرة ووحداتها الداخلية، باستثناء بولونيا، أصبحا أمرًا واقعًا، ضمن حدود متواضعة نسبيًا، والحق يقال، ولكن، مع ذلك، ضمن حدود على قدر من الاتساع يكفي لكي لا يتعرقل مجرى تطور الطبقة العاملة بفعل تعقيدات ذات صبغة قومية. لقد أمسى حفارو قبر ثورة 1848 منفذي وصيتها. وإلى جانبهم كان ينهض وريث 1848 بشكل رهيب، ونعني به البروليتاريا ممثلة بشخص الأممية(10أ).
بعد حرب 1870 – 1871 اختفى بونابرت عن المسرح، وتبين أن رسالة بيسمارك قد تحققت، فغدا بإمكانه أن يتحول من جديد إلى يونكر عادي. ولكن كومونة باريس ( ) كانت خاتمة هذه المرحلة. فإن محاولة تيير الغادرة لسرقة مدفعية الحرس الوطني الباريسي ( ) استتبعت انتفاضة مظفرة. وتبين من جديد أنه لم يبق من الممكن أن تقوم في باريس أي ثورة غير الثورة البروليتارية. وبعد النصر، عادت السيادة إلى الطبقة العاملة من تلقاء ذاتها، دون أن ينازعها منازع. ومن جديد تبين إلى أي حد كانت سيادة الطبقة العاملة هذه غير ممكنة حتى آنذاك، أي بعد انقضاء عشرين سنة على المرحلة الموصوفة في هذا الكراس. فمن جهة تركت فرنسا باريس وشأنها لحكم القدر، مراقبة بلا مبالاة كيف تنزف دماء باريس تحت قنابل ماك ماهون؛ ومن جهة أخرى، استنفدت الكومونة قواها في صراع عقيم بين حزبين انقسمت إليهما هما: حزب البلانكيين (الأغلبية) وحزب البرودونيين (الأقلية)، ولم يكن لا هؤلاء ولا أولئك يعرفون ما ينبغي فعله. وهكذا تبين أن الانتصار السهل في 1871 كان عقيمًا بقدر عقم الهجوم المفاجئ في 1848.
كانوا يأملون أن يدفنوا نهائيًا، مع كومونة باريس، البروليتاريا المناضلة. ولكن نهوضها الأقوى يبدأ، على العكس تمامًا، منذ الكومونة والحرب الفرنسية البروسية. ثم أن تجنيد جميع السكان الصالحين للخدمة العسكرية في الجيوش التي كانت تضم آنذاك ملايين الجنود، واستعمال السلاح الناري وقذائف المدفعية والمتفجرات التي تتميز بقوة فعل لا سابق لها، - كل هذا أحدث انقلابًا تامًا في جميع الشؤون العسكرية. فمن جهة وضع هذا الانقلاب حدًا على الفور للمرحلة البونابرتية من الحروب وأمّن التطور الصناعي السلمي، وجعل من المستحيل قيام أي حرب أخرى غير حرب عالمية لا سابق لقساوتها ويستحيل إطلاقًا التكهن بمآلها. ومن جهة أخرى، أدى هذا الانقلاب إلى تزايد النفقات العسكرية بمتوالية هندسية، واستتبع بصورة لا ندحة عنها ارتفاع الضرائب ارتفاعًا فاحشًا وقذف بالتالي الطبقات غير الميسورة من السكان إلى أحضان الاشتراكية. وقد أمكن لضم الألزاس واللورين إلى ألمانيا، أي لأقرب سبب للسباق المسعور وراء التسلح، إن يؤجج نيران شوفينية البرجوازية الفرنسية والبرجوازية الألمانية حيال بعضهما بعضًا، ولكنه لم يصبح بالنسبة لعمال البلدين غير حلقة واصلة أخرى. وقد غدا يوم الذكرى السنوية لكومونة باريس أول عيد عام مشترك للبروليتاريا بأسرها.
إن حرب 1870 – 1871 وهزيمة الكومونة قد نقلتا مؤقتًا مركز ثقل الحركة العمالية الأوروبية، كما تنبأ ماركس، من فرنسا إلى ألمانيا. ففي فرنسا كان لا بد من سنوات وسنوات لأجل التعافي من عملية إراقة الدم التي أجريت في أيار (مايو) 1871. أما في ألمانيا حيث كان يتسارع أكثر فأكثر تطور الصناعة، التي أمنت لها المليارات الفرنسية المفيدة ( )، بالإضافة، أحوالاً دافئة حقًا وفعلاً، فقد أخذت الاشتراكية الديمقراطية، على العكس، تتنامى بمزيد من السرعة والدأب والثبات. وبفضل تلك المهارة التي استغل بها العمال الألمان الحق الانتخابي العام المقرر في عام 1866، أصبح نمو الحزب المدهش واضحًا للعالم كله من الأرقام التالية التي لا مراء فيها: 102000 صوت اشتراكي – ديموقراطي في 1871، 352000 في 1874، 493000 في 1877. ثم جاء الاعتراف بهذه النجاحات من أعلى بشكل القانون ضد الاشتراكيين ( )؛ فتحطم الحزب مؤقتًا، وهبط عدد الأصوات التي نالها في عام 1881 حتى 312000 صوت. ولكن سرعان ما ذلل الحزب هذا الوضع، وإذا نمو سريع حقًا وفعلاً يبدأ في ظل كابوس القانون الاستثنائي، بدون صحافة، وبدون منظمة علنية، وبدون حق الجمعيات والاجتماعات: 550000 صوت في 1884، 763000 في 1887، 1427000 في 1890. وهنا ضعفت يد الدولة. فزال القانون ضد الاشتراكيين، وارتفع عدد الأصوات الاشتراكية حتى 1787000 صوت، أي أكثر من ربع جميع الأصوات المعطاة. واستنفدت الدولة والطبقات السائدة جميع وسائلها، ولكن عبثًا، سدى، هباء. واضطرت السلطات، ابتداء منا الحارس الليلي حتى مستشار الريخ، إلى الارتضاء بأنها حصلت – ومن العمال الحقراء، زيادة في الطين بلة! – على براهين محسوسة على عجزها؛ وهذه البراهين كانت بالملايين. ودخلت الدولة في مأزق؛ أما العمال، فقد شرعوا للتو يسيرون في طريقهم.
ولكن إلى جانب هذه الخدمة الأولى التي قدمها العمال الألمان لقضية الطبقة العاملة بمجرد وجودهم بوصفهم أقوى الأحزاب الاشتراكية وأكثرها انضباطًا وأسرعها نموًا، قدموا لها أيضًا خدمة كبيرة أخرى. فقد أعطوا رفاقهم في جميع البلدان سلاحًا جديدًا –من أمضى الأسلحة – بتبيانهم لهم كيف ينبغي استغلال الحق الانتخابي العام.
إن الحق الانتخابي العام كان قائمًا من زمان في فرنسا، ولكنه كسب هناك شهرة سيئة بعد أن أساءت الحكومة البونابرتية استخدامه. وبعد الكومونة لم يكن هناك حزب عمالي في وسعه استخدامه. وفي أسبانيا، كان هذا الحق مقررًا أيضًا في عهد الجمهورية، ولكن الاستنكاف عن الاشتراك في الانتخابات كان من زمان في أسبانيا قاعدة عامة تتبعها جميع الأحزاب المعارضة الجدية. كذلك نتائج التجربة السويسرية فيما يخص الحق الانتخابي العام كانت أقل ما يمكنه أن يشجع الحزب العمالي؛ وكان العمال الثوريون في البلدان اللاتينية قد اعتادوا اعتبار الحق الانتخابي فخًا وأداة بيد الحكومة للكذب والخداع. أما في ألمانيا، فقد كان الحال آخر. فإن "البيان الشيوعي" كان قد أعلن أن نيل الحق الانتخابي العام، نيل الديموقراطية هو مهمة من أولى وأكبر مهام البروليتاريا المناضلة. وكان لاسال قد تقدم بهذا المطلب من جديد. وعندما اضطر بيسمارك إلى إقرار الحق الانتخابي العام بوصفه الوسيلة الوحيدة لإثارة اهتمام الجماهير الشعبية بمشاريعه، أخذ عمالنا فورًا المسألة على محمل الجد وأرسلوا أوغست بيبل إلى الريخستاغ التأسيسي الأول. ومذ ذاك استغلوا الحق الانتخابي إلى حد أن هذا عاد عليهم بالذات بنفع جزيل وصار مثالاً لعمال جميع البلدان. فإن الحق الانتخابي، كما جاء في البرنامج الماركسي الفرنسي، تم بفضلهم transformé de moyen de duperie qu’il a été jusqu’ici en instrument d’émancipation تحويله من وسيلة للخداع كما كأنها حتى الآن أداة للتحرر ( ). وحتى لو افترضنا أن الحق الانتخابي العام لم يعد بأي نفع غير النفع الناجم من كونه قد أتاح لنا أن نحسب قوانا مرة كل ثلاث سنوات؛ وأنه، بفضل نمو عدد الأصوات نموًا فجائي السرعة وملحوظًا بانتظام، قوي بالقدر نفسه ثقة العمال في النصر وذعر الأعداء، وصار بالتالي أفضل وسيلة بين وسائلنا للدعاية؛ وأنه أعطانا معلومات دقيقة عن قوانا بالذات وعن قوى جميع أحزاب أخصامنا، وأفسح بالتالي أمامنا مجالاً لا يقاس بأي مجال آخر لأجل تقدير أعمالنا وتصرفنا، ووقانا سواء من التردد في غير أوانه أم من الجرأة الطائشة في غير أوانها، - حتى لو كان هذا هو النفع الوحيد الذي أعطانا إياه حق التصويت، لكان هذا أكثر من كاف. ولكنه أعطانا أكثر بكثير. ففي حقبة التحريض قبل الانتخابات، أعطانا هذا الحق أفضل وسيلة للاتصال بالجماهير الشعبية حيث كانت لا تزال بعيدة عنا، ولإجبار جميع الأحزاب على الدفاع أمام الشعب كله عن آرائها وتصرفاتها في وجه حملاتنا؛ ناهيك بأنه قدم لممثلينا في الريخستاغ مننبرًا كان في وسعهم أن يخاطبوا منه خصومهم في البرلمان والجماهير وراء جدرانه على السواء بقدر أكبر بكثير من الهيبة والنفوذ والحرية مما في الصحافة وفي الاجتماعات. وأي فائدة كانت للحكومة والبرجوازية من قانونهما ضد الاشتراكيين، إذا كان التحريض ما قبل الانتخابات والخطابات الاشتراكية في الريخستاغ تشق فيه الثغرات بلا انقطاع؟
ولكن مع هذا الاستغلال الناجح للحق الانتخابي العام، أخذ يوضع موضع التطبيق أسلوب جديد تمامًا من أساليب نضال البروليتاريا، وهذا الأسلوب تطور فيما بعد بسرعة. فقد وجدوا أن مؤسسات الدولة التي تنظم البرجوازية سيادتها بواسطتها، توفر كذلك إمكانيات أخرى لأجل نضال الطبقة العاملة ضد هذه المؤسسات بالذات. فشرع العمال يشتركون في الانتخابات إلى لاندتاغات _(مجالس) مختلف الدويلات والبلديات ومحاكم العمل، وطفقوا ينافسون البرجوازية على كل منصب انتخابي، إذا اشترك في الانتخابات لأجل إشغاله عدد كاف من العمال. وكانت النتيجة أن أخذت البرجوازية والحكومة تخافان من النشاط العلني لحزب العمال أكثر بكثير مما تخافان من نشاطه غير العلني، أي من النجاحات في الانتخابات أكثر بكثير من النجاحات في الانتفاضة.
لأن ظروف النضال تغيرت هنا أيضًا بصورة جوهرية. فإن الانتفاضة من الطراز القديم، أي النضال في الشارع من وراء المتاريس، الذي كان في كل مكان قبل عام 1848 يبت في المسألة في آخر المطاف، قد ولي زمنه بصورة ملحوظة.
ولن نعلل أنفسنا بالأوهام في هذا المجال: فإن انتصارات الانتفاضة الفعلي على القوات المسلحة في نضال الشارع، أي انتصارًا كالذي يحدث في معركة بين جيشين، هو أمر نادر للغاية. ولكن الثوار نادرًا للغاية أيضًا ما أملوا في انتصار كهذا. فإن القضية كلها كانت تتلخص بالنسبة لهم في زعزعة معنويات القوات المسلحة بالتأثير المعنوي الذي لا يضطلع بأي دور في النضال بين جيشي بلدين متحاربين أو يضطلع على كل حال بدور أقل بكثير. فإذا أمكن هذا، فإن الجنود يرفضون إطلاق النار، أو يضيع الآمرون رؤوسهم فتنتصر الانتفاضة؛ وإلا، فإن الأفضليات الناجمة عن التسلح الأفضل والتدرب الأفضل وعن القيادة الموحدة، وعن الاستخدام المنهاجي للقوى القتالية وعن التقيد بالانضباط تفعل فعلها في صالح القوات المسلحة حتى وأن كان عدد أفرادها أقل. وأكثر ما تستطيع الانتفاضة بلوغه بالمعنى التاكتيكي الصرف إنما هو بناء متراس منفرد ما والدفاع عنه حسب جميع قواعد الفن. فإن المساندة المتبادلة، وتوزيع الاحتياطيات واستعمالها بالطريقة المناسبة، - وبكلمة، تنسيق الأعمال بين مختلف الوحدات والتعاون فيما بينها، الضروريين حتى لأجل الدفاع عن دائرة واحدة ما في المدينة، وبالأحرى لأجل الدفاع عن مدينة كبيرة بكاملها، - إن كل هذا ليس في المنال إلا بقدر ضئيل جدًا، بل أنه في معظم الأحوال مستحيل المنال إطلاقًا؛ وهنا يزول من تلقاء ذاته عنصر حشد القوى القتالية في نقطة حاسمة واحدة. ولهذا كان الدفاع السلبي هو الشكل المهيمن بين أشكال النضال؛ وإذا ما شن هجوم في مكان ما، فلا يشن إلا من قبيل الاستثناء، لأجل الهجمات الصدفية والحملات الجانبية؛ أما على العموم، فإن الهجوم يقتصر على احتلال المواقع التي تخلت عنها القوات المتراجعة. ناهيك بأن القوات المسلحة تملك المدافع والوحدات الهندسية الحسنة التسلح والتدرب، بينا الثوار لا يملكون البتة في جميع الأحوال تقريبًا وسائل النضال هذه. ولذا لا غرابة إذا كانت حتى تلك المعارك من معارك المتاريس التي ضربت فيها أعظم آيات البطولة – في باريس في حزيران (يونيو) 1848، في فيينا في تشرين الأول (أكتوبر) 1848، في درسدن في أيار (مايو) 1849 – قد انتهت بهزيمة الانتفاضة ما أن طرح قادة القوات المسلحة المهاجمة جميع الاعتبارات السياسية جانبًا وشرعوا يعملون انطلاقًا من وجهة النظر الحربية الصرف، وأمكنهم الاعتماد على جنودهم.
إن النجاحات العديدة التي أحرزها الثوار قبل عام 1848 تفسرها أسباب متنوعة جدًا. ففي باريس في تموز (يوليو) 1830 وفي شباط (فبراير) 1848، وكذلك في أغلبية معارك الشوارع في أسبانيا، كان يقف الحرس الوطني بين الثوار والجنود، وكان إما ينتقل مباشرة إلى جانب المنتفضين، وأما يثير بسلوكه السلبي والمتردد التذبذبات في صفوف الجنود أيضًا، وكان بالإضافة يقدم الأسلحة للمنتفضين. وحيث كان هذا الحرس الوطني منذ البداية بالذات ضد الانتفاضة، كما حدث في باريس في حزيران (يونيو) 1848، كانت الانتفاضة تمني بالهزيمة. وفي برلين في عام 1848، انتصر الشعب، جزئيًا بسبب انضمام قوى قتالية جديدة كثيرة إليه في ليلة وصباح 19 آذار (مارس)، وجزئيًا بسبب إعياء الجنود وسوء تموينهم، وجزئيًا أخيرًا بسبب الأوامر التي كانت تشل أعمالهم. ولكن المنتفضين كانوا يحرزون النصر في جميع الأحوال لأن الجنود كانوا يرفضون إطلاق النار، ولأن الآمرين كانوا يفقدون الحزم و التصميم، أو لأن أيديهم كانت مقيدة.
وهكذا، حتى في الأزمنة الكلاسيكية لمعارك الشوارع، كان تأثير المتراس المعنوي أكبر من تأثيره المادي. فقد كان المتراس وسيلة لزعزعة صلابة الجنود. فإذا تسنى له أن يصمد حتى بلوغ هذا الهدف، فقد كان يتم إحراز النصر؛ وإلا، فإن النضال كان ينتهي بالهزيمة. تلك هي النقطة الرئيسية التي يجب أخذها بالحسبان كذلك عند دراسة احتمالات النجاح والإخفاق، عند دراسة معارك الشوارع الممكنة الوقوع في المستقبل (هذه الجملة لم ترد في النص الصادر في مجلة „Die Neue Zeit“ وفي طبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حدة في 1895 الناشر).
وأن هذه الاحتمالات كانت في 1849 سيئة جدًا. ففي كل مكان كانت البرجوازية قد انتقلت إلى جانب الحكومات؛ وكان ممثلو "النور والملكية" يحيون ويضيِّفون الجنود العاملين على قمع الانتفاضات. وكان المتراس قد فقد جاذبيته: فلم يعد الجنود يرون وراءه "الشعب" بل أخذوا يرون وراءه العصاة، والمشاغبين، والنهابين، وأنصار التقاسم، ونفايات المجتمع؛ ومع مرور الزمن، كان الضباط قد امتلكوا ناصية تاكتيك القتال في الشوارع، فكفوا عن المضي رأسًا وبلا تغطية إلى متراس مرتجل، وشرعوا يلتفون حوله عبر الحدائق والأفنية والبيوت. وأخذ هذا، إذا ما اقترن ببعض الحذق والدهاء، يتكلل الآن بالنجاح في تسع حالات من كل عشر.
ولكن تغيرات كثيرة أخرى طرأت أيضًا مذ ذاك، وكلها في صالح الجنود. فإذا كانت المدن الكبيرة قد نمت بصورة ملحوظة، فإن عدد أفراد الجيش قد نما بصورة أكبر. فمنذ عام 1848 لم يزداد عدد سكان باريس وبرلين إلى أربعة أمثاله، بينا أزداد عدد أفراد حاميتيهما إلى أكثر من أربعة أمثاله. وبفضل السكك الحديدية، يمكن، في 24 ساعة، زيادة عدد أفراد هاتين الحاميتين أكثر من 100 بالمخئة، وزيادته في 48 ساعة إلى عدد أفراد جيوش ضخمة. وسلاح هذا الجيش الذي نما نموًا فائقًا أصبح أكثر فعالية بما لا يقاس. ففي 1848، - البندقية الزنادية الملساء الماسورة، التي تعبأ من الفوهة؛ والآن البندقية الصغيرة العيار وذات الخزنة، التي تعبأ من الخزنة، وهي بندقية تطلق أبعد من القديمة بأربع مرات وأدق وأسرع بعشر مرات. من قبل، مدفعية ذات كلل وقذائف ضعيفة الفعالية نسبيًا؛ والآن رمانات متفجرة تكفي الواحدة منها لتدمير خير متراس. من قبل معول عسكري الهندسة لشق جدار صامد للنار؛ والآن أصبع ديناميت.
أما في صف الثوار، فإن جميع الظروف والشروط قد تغيرت، على العكس، نحو الأسوأ. فمن المشكوك فيه أن تتكرر الانتفاضة التي تعطف عليها جميع فئات الشعب؛ ويجب الظن أن الفئات المتوسطة لن تلتف أبدًا جميعها بلا استثناء، في غمرة النضال الطبقي، حول البروليتاريا بحيث يزول تقريبًا الحزب الرجعي الملتف حول البرجوازية. وعليه، سيعمل "الشعب" دائمًا بصفوف متفرقة، ولن يكون هناك بالتالي ذلك الرافع الجبار الذي كان شديد الفعالية في عام 1848. وإذا ما انضم إلى جانب المنتفضين عدد أكبر من الجنود الذين مروا بالخدمة العسكرية، فإن تسليحهم سيكون بالمقابل أصعب. ثم أن بنادق الصيد والبنادق الغالية الصنع من مخازن الأسلحة – حتى إذا لم يعطلوها سلفًا، بناء على أوامر البوليس، حتى في حال الإطلاق عن مسافة قريبة، لا يمكن أن تضاهي بنادق الجنود ذات الخزانات. قبل عام 1848، كان بوسع المرء أن يصنع بنفسه منه البارود والرصاص الشحنة الضرورية؛ أما الآن فإن كل بندقية تتطلب خراطيش خاصة لا يشبه بعضها بعضًا إلا من حيث أنها كلها من منتوج الصناعة الكبيرة المعقد، ولا يمكن بالتالي صنعها على الفور بلا إبطاء، ولذا تبقى البنادق بمعظمها غير نافعة إذا لم تتوفر لها خراطيش حربية مناسبة لها بالذات. وأخيرًا، يبدو كأن الشوارع الطويلة، المستقيمة، العريضة في الأحياء المشيدة حديثًا بعد عام 1848 في المدن الكبيرة مكيفة قصدًا وعمدًا لأجل عمل المدافع والبنادق الجديدة. وأنه لمجنون ذلك الثوري الذي يختار بنفسه لأجل قتال المتاريس الأحياء العمالية الجديدة في القسمين الشمالي والشرقي من برلين.
فهل هذا يعني أن نضال الشوارع لن يضطلع في المستقبل بأي دور؟ كلا، أبدًا. فإن هذا يعني فقط أن الظروف والشروط قد أصبحت منذ 1848 أقل ملاءمة بكثير للمحاربين من السكان المدنيين، وأكثر ملاءمة بكثير للجنود. وهكذا لا يمكن أن يؤدي نضال الشوارع المقبل إلى النصر إلا إذا جاءت عناصر أخرى توازن هذه النسبة غير الملائمة بين القوى. ولهذا سيحدث نضال الشوارع في مستهل الثورة الكبيرة أقل مما سيحدث في مجراها اللاحق، وسيتعين القيام به بقوى أكبر بكثير. وينبغي الظن أن هذه القوى ستفضل، كما في سياق الثورة الفرنسية الكبرى كلها، وكما في 4 أيلول (سبتمبر) و31 تشرين الأول (أكتوبر) 1870 في باريس( )، الهجوم السافر على تاكتيك المتاريس السلبي (كل هذا المقطع لم يرد في نص „Die Neue Zeit“ وفي طبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حدة في 1895. الناشر).
فهل يفهم القارئ الآن لماذا تريد الطبقات السائدة أن تستدرجنا من كل بد إلى حيث تنطلق البنادق وتقطع السيوف؟ لماذا يتهموننا الآن بالجبانة لأننا لا نرغب في الخروج إلى الشارع على الفور دون روية واحتراس، حيث تنتظرنا الهزيمة، كما نعرف سلفًا؟ لماذا يتوسلون إلينا بمثل هذا الإلحاح لنوافق في آخر الأمر على الاضطلاع بدور طعام للمدافع؟
ولكن عبثًا وسدى يفرط هؤلاء السادة في طلباتهم وتحدياتهم. فلسنا أغبياء إلى هذه الدرجة. وبنفس القدر من النجاح يمكنهم أن يطلبوا في حرب مقبلة من عدوهم أن يصف قواته في خط كما في عهد فريتز العجوز أو في طوابير من فرق كاملة كما في وغرام وواترلو ( )، ناهيك بأن يسلحها ببنادق بقداحة صوانية. وإذا كانت قد طرأت تغيرت على الظروف والشروط لأجل الحرب بين الشعوب، فلم تطرأ تغيرات أقل على الظروف والشروط لأجل النضال الطبقي. وقد ولى زمن الهجمات المفاجئة، وزمن الثورات التي تقوم بها أقلية واعية ضئيلة تتراس الجماهير غير الواعية. وحيث يكون المقصود تحويل النظام الاجتماعي تحويلاً تامًا، ينبغي على الجماهير بالذات أن تشترك في هذا، ينبغي عليها بالذات أن تدرك الهدف الذي يدور النضال من أجله، الهدف الذي تهرق دماءها وتضحي بحياتها من أجله (في نص „Die Neue Zeit“ وطبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حده في 1895، ورد "الهدف الذي ينبغي عليها النضال من أجله" عوضًا عن "الهدف الذي تهرق دماءها وتضحي بحياتها من أجله" الناشر). وهذا ما علمنا إياه تاريخ السنوات الخمسين الأخيرة. ولكنه لا بد من عمل مديد دائب لكي تفهم الجماهير ما يجب فعله، وهذا العمل على وجه الضبط هو ما نقوم به الآن، ونقوم به بنجاح يدفع خصومنا إلى أحضان اليأس والقنوط.
وفي البلدان اللاتينية أيضًا أخلوا يفهمون أكثر فأكثر أنه تنبغي إعادة النظر في التاكتيك القديم. والمثال الألماني لاستغلال الحق الانتخابي وللاستيلاء على جميع المواقع التي في منالنا يجد تطبيقات له في كل مكان؛ وفي كل مكان تراجعت الحملات غير المحضرة إلى المؤخرة (في نص „Die Neue Zeit“ وطبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حده في 1895، لم ترد كلمات "وفي كل مكان تراجعت الحملات غير المحضرة إلى المؤخرة" الناشر). وفي فرنسا، حيث التربة شقها عدد من الثورات منذ مائة سنة ونيف، وحيث لا يوجد حزب لم يكن له ضلع في المؤامرات والانتفاضات وشتى الأعمال الثورية الأخرى؛ في فرنسا حيث الحكومة لا تستطيع البتة، من جراء هذا، أن تعتمد بثقة على الجيش، وحيث الأحوال على العموم لأجل الانتفاضات المفاجئة أكثر ملاءمة بكثير مما في ألمانيا، - حتى في فرنسا يزداد الاشتراكيون اقتناعًا يومًا بعد يوم بأنهم لا يستطيعون أن يحرزوا نصرًا راسخًا إلا إذا اجتذبوا مسبقًا إلى جانبهم جمهورًا واسعًا من الشعب، أي من الفلاحين في الحالة المعنية. وهناك أيضًا يعتبر العمل الدعائي الصبور والنشاط البرلماني أقرب مهام الحزب. ولم تلبث النجاحات إن ظهرت. فلم يتم الظفر بجملة كاملة من البلديات وحسب، بل هناك أيضًا 50 اشتراكيًا في المجلسين، وقد أسقطوا حتى الآن ثلاث وزارات، ورئيسًا للجمهورية. وفي بلجيكا، ظفر العمال في السنة الماضية بالحق الانتخابي وأحرزوا النصر في ربع الدوائر الانتخابية. وللاشتراكيين في سويسرا وإيطاليا والدانمارك وحتى في بلغاريا ورومانيا، ممثلون عنهم في البرلمانات. وفي النمسا، خلصت جميع الأحزاب بالإجماع إلى استنتاج مفاده أنه لم يبق من الممكن قطع الطريق أمامنا إلى الريخسرات. وسنتسرب لا محالة إلى هناك، وينحصر النقاش في معرفة أي باب سنتسرب منه. وحتى إذا انعقد في روسيا الزيمسكي سوبور الشهير، - هذه الجمعية الوطنية التي يعارض نيقولاي الشاب عبثًا في دعوتها إلى الانعقاد، - ففي وسعنا أن نأمل عن ثقة ويقين في أنه سيكون لنا هناك أيضًا ممثلون عنا.
وغني عن البيان أن رفاقنا في الخارج لا يتخلون، من جراء هذا، في أي حال من الأحوال، عن حقهم في الثورة. ذلك أن الحق في الثورة هو "الحق" الوحيد "التاريخي" فعلاً، الحق الوحيد الذي ترتكز عليه جميع الدول الحديثة بلا استثناء، بما فيها مكلنبورغ حيث انتهت ثورة النبلاء في 1755 "بمعاهدة حول الوراثة"، بهذه الوثيقة الإقطاعية المشهودة التي لا تزال سارية المفعول في الوقت الحاضر. أن الحق في الثورة قد ترسخ في الإدراك العام إلى حد أن الجنرال فون بوغوسلافسكي ذاته يستخلص من هذا الحق الشعبي وحده الحق في إجراء انقلاب في مصلحة إمبراطوره.
ولكن، مهما جرى في البلدان الأخرى، فإن الاشتراكية الديمقراطية الألمانية تشغل وضعًا خاصًا، وهذا ما يحدد مهمتها الخاصة للمستقبل القريب العاجل على الأقل. فإن المليوني ناخب الذين ترسلهم إلى صناديق الاقتراع، وكذلك الشباب والنساء الذين يدعمونها مع أنهم ليسوا ناخبين، يشكلون الجمهور الأوفر عددًا والأشد تراصًا، "الفصيلة الصدامية" الحاسمة في الجيش البروليتاري الأممي. وهذا الجمهور يؤلف الآن أكثر من ربع جميع الأصوات المعطاة، وهو ينمو باستمرار، كما تثبت الانتخابات الإضافية إلى الريخستاغ والانتخابات إلى اللاندتاغات (المجالس) في مختلف الدويلات وإلى البلديات ومحاكم العمل. ونموها يجري بصورة عفوية، وبلا انقطاع، وبلا مرد، وفي الوقت نفسه بهدوء، تمامًا مثل أي تطور يجري في الطبيعة. وقد باءت بالفشل جميع محاولات الحكومة لعرقلة هذا النمو. وبوسعنا أن نأمل الآن في كسب مليونين وربع مليون ناخب. وإذا استمر الحال على هذا النحو، فإننا سنكسب في أواخر هذا القرن القسم الأكبر من الفئات المتوسطة في المجتمع، البرجوازية الصغيرة والفلاحين الصغار، ونصير في البلد قوة حاسمة ينبغي على جميع القوى الأخرى أن تنحني أمامها شاءت أم أبت. ومهمتنا الرئيسية، الإسهام بفائق الجهد في هذا النمو إلى أن يعلو من تلقاء ذاته فوق رأس النظام الحكومي السائد، وعدم القضاء على هذه الفصيلة الصدامية المتزايدة قوة يومًا بعد يوم في اشتباكات أمامية، بل الاحتفاظ بها في حرمة وحصانة حتى اليوم الحاسم (في نص „Die Neue Zeit“ وفي طبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حده في 1895، لم ترد كلمات "وعدم القضاء على هذه الفصيلة الصدامية المتزايدة قوة يومًا بعد يوم في اشتباكات أمامية، بل الاحتفاظ بها في حرمة وحصانة حتى اليوم الحاسم". الناشر). إن وسيلة واحدة فقط من شأنها أن توقف مؤقتًا وحتى أن تدفع إلى الوراء لفترة من الزمن نمو القوى الكفاحية الاشتراكية المتواصل في ألمانيا، وهذه الوسيلة هي صدام كبير مع القوات المسلحة، وإهراق الدماء كما في 1871 في باريس. ولكننا سنتغلب على هذا أيضًا مع مرور الزمن إذا ما حدث. فمن المستحيل محو حزب يضم الملايين من على وجه الأرض؛ فلهذا الغرض لا تكفي جميع البنادق ذات الخزنات في أوروبا وأميركا. ولكن من شأن هذا أن يكبح المجرى العادي للتطور، وأن يبقينا في اللحظة الحرجة، كما يمكن الظن، بدون فصيلة صدامية، فتتأجل المعركة الحاسمة (في نص „Die Neue Zeit“ وفي طبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حدة في 1895، لم ترد كلمات "وأن يبقينا في اللحظة الحرجة، كما يمكن الظن، بدون فصيلة صدامية"، ووردت كلمة "القرار" عوضًا عن كلمتي "المعركة الحاسمة". الناشر) وتبتعد وتكلف تضحيات أشد وطأة وإرهاقًا.
إن سخرية التاريخ العالمي تقلب كل شيء رأسًا على عقب. فنحن "الثوريين"، "الانقلابيين" نحرز من النجاحات بالأساليب الشرعية أكثر مما نحرز بالأساليب غير الشرعية أو بالانقلاب. أما الأحزاب التي تسمي نفسها بأحزاب النظام، فإنها تهلك من الوضع الشرعي الذي خلقته بنفسها. وبدافع اليأس تزعق مع أوديلون بارو: la légalité nous tue الشرعية تقتلنا، في حين أننا نحن نكتسب في ظل هذه الشرعية عضلات مرنة وخدودًا حمراء، ونزهر كالحياة الأبدية. وإذا ما انزلقنا نحن في لجة الحماقة إلى حد أن ننجر إلى نضال الشوارع لما فيه صالح هذه الأحزاب، فلا يبقى لهذه الأحزاب في آخر المطاف غير أمر واحد، هو أن تنتهك بنفسها هذه الشرعية المشؤومة.
وفي هذه الأثناء، تضع هذه الأحزاب قوانين جديدة ضد الانقلاب. ومن جديد يوضع كل شيء رأسًا على عقب. ترى، ألم يكن أعداء الانقلاب الألداء الحاليون هم أنفسهم بالأمس انقلابيين، ترى، هل نحن الذين استثرنا الحرب الأهلية في 1866؟ ترى، هل نحن الذين طردنا ملك هانوفر، وكورفورست (أمير) هيسن، ودوق ناساو من أراضيهم الأصلية، الشرعية، الموروثة واستولينا على هذه الأراضي؟ وهؤلاء الذين قلبوا الاتحاد الألماني وثلاثة تيجان هي من نعمة الله يتذمرون الآن من الانقلاب!
(ترى، هل يمكن الصبر عندما يغتاظ غراكوس من الفتنة؟ (يوفينال، الأهجية الثانية). الناشر) Quis tulerit Gracchos de seditione querentes? ومن ذا الذي يمكنه أن يسمح لأنصار بيسمارك بشتم الانقلاب؟
ولكن، ليطبقوا مشاريع قوانينهم ضد الانقلاب، وليجعلوها أشد وحشية وضراوة، وليحولوا جميع القوانين الجزئية إلى مطاط، فإنهم لن يتوصلوا إلا إلى ما يشكل برهانًا جديدًا على عجزهم. فلأجل إيذاء الاشتراكية – الديموقراطية جديًا، ينبغي عليهم اللجوء أيضًا إلى إجراءات مختلفة تمامًا. فضد الانقلاب الاشتراكي – الديموقراطي الذي يعمل في صالحه في الظرف الراهن التقيد بالقوانين على وجه الدقة، لا يمكنهم اللجوء إلا إلى انقلاب تقوم به أحزاب النظام، إلى انقلاب لا يمكن أن يتحقق بدون انتهاك القوانين. أن السيد روسلو، البيروقراطي البروسي، والسيد فون يوغوسلافسكي، الجنرال البروسي، قد بينا لهم الوسيلة الوحيدة التي يمكن استعمالها، على الأرجح، ضد العمال حين لا يسمحون بجرهم إلى نضال الشوارع. مخالفة الدستور، الديكتاتورية، العودة إلى الحكم المطلق (إرادة الملك هي القانون الأعلى! الناشر) regis voluntas suprema lex! المزيد من الجرأة، أيها السادة، فلا مجال هنا للثرثرة، هنا يجب العخمل!
ولكن لا تنسوا أن الإمبراطورية الألمانية، مثلها مثل جميع الدول الصغيرة ومثل جميع الدول الحديثة على العموم، هي نتاج اتفاق: أولاً اتفاق بين الملوك، وثانيًا، اتفاق بين الملوك والشعب. فإذا خالف أحد الطرفين الاتفاق، فإن الاتفاق بمجمله يفقد قوته، ويتحرر الطرف الآخر أيضًا من التزاماته. وهذا ما قدم لنا عليه بيسمارك البرهان الساطع في عام 1866. وعليه، إذا خالفتم دستور الإمبراطورية، فإن الاشتراكية – الديموقراطية ستتحرر هي أيضًا من التزاماتها وسيكون بوسعها أن تتصرف حيالكم حسبما تراه ضروريًا. أما ما ستفعله على وجه التدقيق، فهذا سر من المشكوك فيه أن تفشيه لكم الآن (في نص „Die Neue Zeit“ وفي طبعة "النضال الطبقي في فرنسا" الصادرة على حدة في 1895، لم ترد الجمل الثلاث الأخيرة من هذا المقطع. الناشر).
منذ قرابة 1600 سنة، عمل في الإمبراطورية الرومانية حزب للانقلاب شديد الخطر. فقد قوض هذا الحزب الدين وجميع أسس الدولة، وأنكر صراحة أن تكون إرادة الإمبراطور القانون الأعلى، وكان بلا وطن، كان أمميًا؛ وقد انتشر في جميع أقاليم الإمبراطورية، من بلاد الغال إلى آسيا، وتسرب إلى ما وراء حدودها. وزمنًا طويلاً جاهد خفية وعمل سرًا، ولكنه شعر خلال حقبة مديدة نسبيًا بأنه صار من القوة بحيث يستطيع العمل جهارًا وعلنًا. فإن حزب الانقلاب هذا، المعروف باسم حزب المسيحيين، قد كسب لنفسه عددًا كبيرًا من الأنصار في صفوف القوات المسلحة أيضًا: فقد غدت فيالق برمتها مسيحية. وعندما كانوا يرسلونها إلى حضور احتفالات الكنيسة السائدة الوثنية من أجل أداء المراسم العسكرية، كان الجنود المنتمون إلى حزب الانقلاب يتجاسرون ويعلقون على خوذاتهم علامات خاصة هي الصلبان، دليلاً على احتجاجهم. بل أن المضايقات العادية في الثكنات من جانب الرؤساء كانت تبقى بلا جدوى. ولم يبق بوسع الإمبراطور ديوقليسيانوس أن يرى بهدوء كيف يتقوض النظام والطاعة والانضباط في صفوف قواته، فاتخذ تدابير حازمة قبل فوات الأوان. فقد أصدر قانونًا ضد الاشتراكيين – أي ضد المسيحيين. ومنعت اجتماعات الانقلابيين، وأغلقت أماكن اجتماعاتهم بل أنها دمرت، ومنعت الشارات المسيحية – الصلبان وغير ذلك – كما منعت في سكسونيا المناديل الجيبية الحمراء. وحُرم المسيحيون من حق شغل الوظائف الحكومية، ولم يكن بوسعهم أن يكونوا حتى جنودًا أولين. وبما أنه لم يكن هناك بعد في ذلك الوقت قضاة مروضون كما ينبغي حسب أصول "التحيز"، قضاة يرتأى وجودهم مشروع القانون الذي تقدم به السيد فون كيللر بشأن درء الانقلابات ( )، فقد كان ممنوعًا بكل بساطة على المسيحيين أن يفتشوا عن الحماية في المحكمة. ولكن هذا القانون الاستثنائي بقي هو أيضًا بلا جدوى. وبدافع التهكم والازدراء، كان المسيحيون ينزعون نص القانون عن الجدران، بل أنهم، كما يقال، حرقوا في نيقوميديا قصرًا كان يقيم فيه الإمبراطور حينذاك. وحينذاك انتقم من المسيحيين باضطهادهم بالجملة في عام 303 بعد الميلاد. وقد كان ذلك آخر اضطهاد من هذا النوع. وكان أثره قويًا إلى حد أن الأغلبية الساحقة من الجيش كانت تتألف بعد 17 سنة على انقضائه من المسيحيين، وإلى حد أن قسطنطين، الحاكم المطلق التالي لعموم الإمبراطورية الرومانية، الذي لقّبه رجال الكنيسة بقسطنطين الكبير، أعلن المسيحية دين الدولة.
لندن، 6 آذار (مارس) 1895
فريدريك أنجلس
صدرت (مع اختصارات) في مجلة
„Die Neue Zeit“
المجلد 2، العددان 27 و28 لعامي
1894 – 1895، وفي كتاب:
Kasr Marx, „Die Klassenkämpfe in Frankreich 1848 bis 1850“ Berlin, 1859





النضال الطبقي في فرنسا
من 1848 إلى 1850

إن كل باب هام إلى هذا الحد أو ذاك من تاريخ الثورة في 1848 – 1849، باستثناء بعض الفصول، يحمل العنوان التالي: هزيمة الثورة!
ولكن ليست الثورة هي التي هلكت في هذه الهزائم. فقد هلكت بقايا التقاليد مما قبل الثورة، ونتائج العلاقات الاجتماعية التي لم تبلغ بعد من التأزم درجة التناقضات الطبقية الحادة، وهلكت الأشخاص، والأوهام، والتصورات، والمشاريع التي لم يتحرر منها حزب الثورة قبل ثورة شباط (فبراير)، والتي لم يكن من الممكن أن يحرره منها انتصار شباط، بل فقط جملة من الهزائم.
وبكلمة، سارت الثورة إلى الأمام وشقت الطريق لنفسها، لا بمكاسبها المضحكة المبكية المباشرة، بل، بالعكس، بكونها أدت إلى نشوء ثورة مضادة متراصة وقوية، أدت إلى ظهور عدو كان حزب الانقلاب يتحول في سياق النضال ضده بالذات إلى حزب ثوري حقًا.
وأن الغاية من المقالات التالية هي تقديم البرهان على ذلك.

1
هزيمة حزيران 1848
بعد ثورة تموز (يوليو) ( )، حين كان المصرفي الليبرالي لافيت يرافق "أشبينه" (في النص الأصلي وردت الكلمة الفرنسية „compère“ وتعني 1- الاشبين، 2- العراب، 3- الشريك في دسيسة أو في مغامرة. الناشر) الدوق أورليان ( )، في موكبه المظفر إلى دار البلدية، أفلتت منه الجملة التالية: "من الآن وصاعدًا سيحكم المصرفيون". لقد أفشى لافيت بسر الثورة.
وفي عهد لويس فيليب، لم تحكم البرجوازية الفرنسية، بل فئة واحدة منها فقط – المصرفيون، وملوك البورصة والسكك الحديدية، وأصحاب مناجم الفحم الحجري ومناجم الحديد والغابات، والقسم المنضم إليها من أصحاب الملكية العقارية الكبيرة – أي ما يسمى بالأريستقراطية المالية. فقد اعتلت هذه الفئة العرش، وأملت القوانين في المجلسين، ووزعت المراكز الرابحة في الدولة، ابتداء من المناصب الوزارية وانتهاء بدكاكين الدخان الحكومية.
وكانت البرجوازية الصناعية الصرف جزءًا من المعارضة الرسمية، أي أنها لم تكن ممثلة في المجلسين إلا بصورة الأقلية. وكانت معارضتها تشتد بقدر ما كانت أوتوقراطية الأريستقراطية المالية تتخذ شكلاً أصفى فأصفى، وبقدر ما كانت تتصور أن سيادتها على الطبقة العاملة قد أصبحت ثابتة وطيدة بعد انتفاضات أعوام 1832 و1834 و1839 ( ) التي قمعت بالحديد والنار. فإن الصناعي غراندن من مدينة روان، المتعصب الأشد تطرفًا وضراوة بين رجال الرجعية البرجوازية في الجمعية الوطنية التأسيسية والجمعية الوطنية التشريعية، كان في مجلس النواب أعنف خصم لغيزو. وكان ليون فوشيه، الذي اشتهر فيما بعد بمساعيه العقيمة للنهوض إلى مستوى غيرزو الثورة المضادة الفرنسية، يشن في أواخر عهد لويس فيليب حربًا كلامية دفاعًا عن الصناعة وضد المضاربة وذنبها – الحكومة وكان باستيا يحرض باسم بوردو وجميع صناع الخمور الفرنسيين ضد النظام السائد.
وكانت البرجوازية الصغيرة بجميع فئاتها، وكذلك الفلاحون قد أقصيت كليًا عن الاشتراك في السلطة السياسية. وأخيرًا، كان ممثلو الطبقات المذكورة الأيديولوجيون والمدافعون عنها: علماؤها ومحاموها وأطباؤها، وإلخ.، - أي، باختصار، من يسمون "بمواهبـ"ـها، يقفون في صفوف المعارضة الرسمية أو خارج pays légal (خارج حلقة الأشخاص الذين يتمتعون بحق الانتخاب. الناشر) تمامًا.
وكان العوز المالي قد وضع ملكية تموز، منذ بادئ بدء، في حال تبعية إزاء الأوساط العليا من البرجوازية، وإذا تبعيتها إزاء الأوساط العليا من البرجوازية تغدو بدورها مصدرًا لا ينضب معينه لعوز مالي مشتد أبدًا. فلا يمكن إخضاع إدارة الدولة لمصالح الإنتاج الوطني طالما لم يبعث التوازن في الميزانية، التوازن بين نفقات الدولة وإيراداتها، ولكن كيف يبعث هذا التوازن بدون تخفيض نفقات الدولة، أي بدون اللمس بمصالح أعمدة النظام السائد وبدون تعديل نظام الضرائب، أي بدون إلقاء قسم كبير من عبء الضرائب على كاهل الأوساط العليا من البرجوازية؟
وكانت مديونية الدولة، على العكس، تخدم المصالح المباشرة لتلك الفئة من البرجوازية التي كانت تسود وتشترع بواسطة المجلسين. فقد كان عجز الدولة على وجه الضبط الموضوع الرئيسي لمضارتبها والمصدر الأهم لإثرائها. ففي نهاية كل سنة – عجز جديد. وبعد كل أربع أو خمس سنوات – قرض جديد. والحال، كان كل قرض جديد يوفر للأريستقراطية المالية فرصة مناسبة جديدة لنهب الدولة، المسنودة بصورة مصطنعة على عتبة الإفلاس، - كان يتعين على الدولة أن تأخذ قروضًا من المصرفيين بأجحف الشروط. وفضلاً عن ذلك، كان كل قرض جديد يوفر فرصة إضافية لنهب الجمهور الذي يوظف رساميله في أوراق الدولة المالية ذات الفائدة المئوية، وذلك عن طريق عمليات البورصة، التي كانت الحكومة والأغلبية البرلمانية مطلعة على سرها. وضع قروض الدولة غير المستقر والإطلاع على أسرار الدولة، ذلك هو، على العموم، ما كان يؤمن للمصرفيين وشركائهم في المجلسين وفي العرش إمكانية استثارة تقلبات فجائية، استثنائية في أسعار أوراق الدولة المالية، كانت تستتبع حتمًا، في كل مرة، خراب عدد كبير من صغار الرأسماليين وإثراء كبار المضاربين بسرعة لا تصدق. أن واقع أن عجز الدولة كان يخدم المصالح المباشرة للفئة السائدة من البرجوازية، يفسر لماذا كانت نفقات الدولة الاستثنائية في السنوات الأخيرة من عهد لويس فيليب توازي أكثر من ضعفي نفقات الدولة الاستثنائية في زمن نابليون؛ فقد كانت تبتلع سنويًا حوالي 400 مليون فرنك في حين أنه كان من النادر أن تبلغ جميع صادرات فرنسا بالمتوسط 750 مليون فرنك في السنة. وكانت المبالغ الضخمة التي تمر بهذه الطريقة في يد الدولة، تخلق، علاوة على ذلك، فرصة ملائمة لأجل المقاولات الاحتيالية وعمليات الرشوة والاختلاسات والحيل من كل شاكلة وطراز. إن نهب الدولة الذي كان يجري بالجملة عن طريق القروض، كان يتكرر بالمفرق عن طريق المقاولات الحكومية. وما كان يقع في العلاقات بين المجلس والحكومة كان يتكرر مرارًا في العلاقات بين مختلف الدوائر الحكومية ومختلف أرباب الأعمال.
وكما أن الطبقة السائدة كانت تستغل نفقات الدولة على العموم وقروض الدولة، كذلك كانت تستغل بناء السكك الحديدية. وكان المجلسان يلقيان العبء الرئيسي من النفقات على عاتق الدولة، بينما كانا يضمنان الثمار الذهبية للأريستقراطية المالية المضاربة. والجميع يتذكرون الفضائح التي تفجرت في مجلس النواب عندما تبين صدفة أن جميع نواب الأغلبية، بمن فيهم عدد من الوزراء، كانت لهم مصلحة، بوصفهم مساهمين، في مشاريع بناء السكك الحديدية ذاتها التي كانوا فيما بعد، بوصفهم مشترعين، يجبرون الدولة على تنفيذها على نفقتها.
وكان أقل إصلاح مالي يتحطم، بالعكس، على مقاومة المصرفيين. مثلاً. الإصلاح البريدي. فقد احتج روتشيلد. فهل تجرأت الدولة، يا ترى، على تخفيض تلك المصادر من دخلها التي كان ينبغي أن تدفع منها الفوائد عن دينها المتعاظم باستمرار؟
إن ملكية تموز لم تكن غير شركة مساهمة لأجل استثمار الثروة الوطنية الفرنسية؛ وكانت أرباحها توزع على الوزراء، والمجلسين، وعلى 240000 ناخب مع أذنابهم. وكان لويس فيليب مديرًا لهذه الشركة – ضربًا من روبير ماكير ( ) على العرش. وكان هذا النظام ما ينفك يعرض للمخاطر ويضر بالتجارة والصناعة والزراعة والملاحة، وبمصالح البرجوازية الصناعية التي سجلت على رايتها في أيام تموز gouvernement a bon marché – حكومة رخيصة.
وبما أن الأريستقراطية المالية كانت تسن القوانين، وتصرف شؤون الدولة، وتتصرف بكل جهاز سلطة الدولة المنظم، وبالنظر لمثل هذا الوضع، ولأنها بالصحافة كانت تقبض بيدها على الرأي العام، لذا ففي جميع الميادين، ابتداء من البلاط الملكي وانتهاء بأوكار الدرجة السفلي، كان يسود العهر نفسه، والكذب الوقح نفسه، والولع نفسه بالإثراء، لا عن طريق الإنتاج، بل عن طريق اختلاس ثروة الغير المتوفرة وسرقتها بحذاقة وشطارة. وفي الأوساط العليا من المجتمع البرجوازي على الأخص، كانت تتبدى مطامع جامحة، غير سليمة، فاسدة، تصطدم لدى كل خطوة حتى بالقوانين البرجوازية، وتفتش فيها الثروة المكتسبة بالمقاربة لنفسها، بالطبع، عن ترضية تصبح فيها المتعة خلاعة ويتعازج فيها الذهب والقذر والدم معًا. إن الأريستقراطية المالية ليست، من حيث أسلوب إثرائها، ومن حيث متعاتها، غير انبعاث لحثالة البروليتاريا في الأوساط العليا من المجتمع البرجوازي.
ولقد صاح الذين لم يشتركوا في حكم هذه الفئة من البرجوازية الفرنسية: "يا للفساد!" وصاح الشعب: "ليسقط اللصوص الكبار! ليسقط القتلة!"، عندما كانت تمثل في عام 1847، على أعلى حلبات المجتمع البرجوازي، نفس تلك المشاهد التي تسوق حثالة البروليتاريا، عادة، إلى أوكار الدعارة وإلى مآوي العجز وإلى دور المجانين، وتقودها إلى قفص الاتهام وإلى الأشغال الشاقة وإلى المقصلة. كانت البرجوازية الصناعية قد رأت خطرًا على مصالحها، وكانت البرجوازية الصغيرة مفعمة بالغضب الأخلاقي، وكان خيال الشعب مستاء. وكانت باريس غارقة في أهاجي من نوع: "سلالة روتشيلد"، "المرابون – ملوك زماننا"، وإلخ. كانت تفضح وتدمغ بالخزي والعار، بقدر متفاوت من الفكاهة والظرافة، سيادة الأريستقراطية المالية.
لا فلس من أجل المجلد! المجلد لا يجلب أي ربح! السلام بأي ثمن كان! الحرب تخفض أسعار الأوراق المالية ذات الفائدة 3 أو 4 بالمئة! – ذلك ما سجلته فرنسا رجال البورصة على رايتها. ولهذا كانت سياستها الخارجية تتلخص في جملة من الإهانات للكرامة القومية الفرنسية. ولقد غضبت هذه الكرامة بقوة خاصة لضم كراكوفيا إلى النمسا الذي أنجز نهب بولونيا، ولأن غيزو وقف بنشاط إلى جانب الحلف المقدس ( ) في حرب زوندربوند السويسرية ( ). إن انتصار الليبراليين السويسريين في هذه الحرب المهزلة قد رفع في المعارضة البرجوازية في فرنسا شعورها بكرامتها، والانتفاضة الشعبية الدامية في باليرمو فعلت فعلها، كالتيار الكهربائي، في الجمهور الشعبي المشلول وأيقظت ذكرايته ومشاعره الثورية العظيمة (ضم كراكوفيا إلى النمسا، بموافقة روسيا وبروسيا، في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1846؛ حرب زوندربوند السويسرية من 4 إلى 28 تشرين الثاني 1847؛ انتفاضة باليرمو في 12 كانون الثاني (يناير) 1848؛ قصف المدينة بالمدافع مدة تسعة أيام في أواخر كانون الثاني من قبل قوات نابولي. (ملاحظة أنجلس لطبعة 1895)).
وأخيرًا تسارع انفجار الاستياء العام، وتحول التذمر إلى انتفاضة بفضل حادثين اقتصاديين عالمي الشأن.
فإن مرض البطاطا وسوء الموسم في 1845 و1846 قد قويا التذمر العام في صفوف الشعب. وفي 1847، أدى غلاء الأسعار في فرنسا، كما في القارة كلها إلى وقوع مصادمات دموية. إلى جانب إفراط الأريستقراطية المالية بلا حياء في العربدة والقصف والفجور – نضال الشعب من أجل وسائل العيش الضرورية! في بوزانس يعدمون المشتركين في عصيانات الجياع، وفي باريس تنتزع العائلة الملكية من يد القضاء النصابين المتخمين!
وكانت الأزمة التجارية والصناعية العامة في بريطانيا الحادث الاقتصادي الثاني الكبير الذي عجل في انفجار الثورة. فقد سبق وأنبأ عنها في خريف 1845 الإفلاس الشامل الذي أصاب المضاربين بأسهم السكك الحديدية، وأخرتها في عام 1846 جملة من الظروف العرضية كإلغاء رسوم الحبوب المتوقع، وانفجرت أخيرًا، في خريف 1847، بصورة الإفلاسات التي حلت بكبار تجار لندن المتاجرين ببضائع المستعمرات، والتي تبعتها على الفور إفلاسات المصارف العقارية وإغلاق المصانع في الدوائر الصناعية في بريطانيا. وقبل أن تنعكس في القارة إلى النهاية عواقب هذه الأزمة، نشبت ثورة شباط.
إن الوباء الاقتصادي الذي أصاب التجارة والصناعة، قد زاد من وطأة حكم الأريستقراطية المالية المطلق فوق ما هو عليه من وطأة لا تطاق. فشنت البرجوازية المعارضة في فرنسا كلها حملة من المآدب دعمًا للإصلاح الانتخابي كان المقصود منها أن تؤمن لها الأغلبية في المجلسين وتطيح بوزارة البورصة. وفي باريس، استتبعت الأزمة الصناعية، على الأخص، عاقبة أخرى: فقد أجبرت جمهور الصناعيين وكبار التجار الذين لم يبق في وسعهم، بحكم الظروف الناشئة، أن يسيروا أمورهم في السوق الخارجية، على الاندفاع إلى السوق الداخلية. فأسسوا شركات كبيرة أنزلت منافستها الخراب بصغار أصحاب الدكاكين. وهذا ما يفسر الإفلاسات العديدة في هذا القسم من البرجوازية الباريسية ومسلكه الثوري في أيام شباط. ومعلوم أن غيزو والمجلسين قد ردوا على اقتراحات الإصلاحات بتحد لا لبس فيه ولا إبهام، وأن لويس فيليب اعتزم تعيين وزارة بارو بعد فوات الأوان بكثير، وأن الأمور بلغت حد الاصطدام بين الشعب والجيش، وأن الجيش كان منزوع السلاح بالمسلك الخامل الذي سلكه الحرس الوطني، وأن ملكية تموز اضطرت إلى إخلاء المكان للحكومة المؤقتة.
إن الحكومة المؤقتة التي نشأت على متاريس شباط كانت، لا مناص، من حيث قوامها، انعكاسًا لمختلف الأحزاب التي تقاسمت فيما بينها ثمار النصر. ولم يكن من الممكن أن تكون إلا مساومة بين مختلف الطبقات التي أطاحت بملكية تموز بتضافر جهودها، ولكن التي كانت مصالحها متناقضة. كانت الأغلبية الساحقة من الحكومة المؤقتة تتألف من ممثلي البرجوازية. وكان ليدرو – رولان وفلوكون ممثلي البرجوازية الصغيرة الجمهورية؛ وكانت البرجوازية الجمهورية ممثلة بجماعة من „National“ ( )، والمعارضة الملكية الأسرية ( ) بكريميه ودوبون دي ليروم وغيرهما. وكان للطبقة العاملة ممثلان فقط هما لويس بلان والبر. وأخيرًا، لم يكن لامارتين في الحكومة المؤقتة معبرًا حقًا وفعلاً عن مصلحة فعلية ما، عن طبقة معينة ما؛ فقد كان صورة مجسدة لثورة شباط نفسها، للانتفاضة العامة بأوهامها وشعرها ومضمونها الخيالي وتعابيرها. وعلى كل حال، كان ممثل ثورة شباط هذا، من حيث وضعه ومن حيث آرائه، ينتمي إلى البرجوازية.
وإذا كانت باريس تسود على فرنسا بفضل المركزية السياسية، فإن العمال يسودون على باريس في أزمان الهزات الثورية. وقد كانت أول خطوة قامت بها الحكومة المؤقتة أنها حاولت أن تتخلص من هذا النفوذ الساحق بالاحتكام إلى فرنسا الصافية الذهن ضد باريس الثملة بنشوة النصر. فقد نازع لامارتين مجاهدي المتاريس الحق في إعلان الجمهورية. وقال أنه لا يمكن أن يفعل ذلك غير أغلبية الأمة الفرنسية، وأنه يجب انتظار تصويتها، وأنه يجب على بروليتاريا باريس أن لا تشوه انتصارها بالاغتصاب. إن البرجوازية تسمح للبروليتاريا باغتصاب واحد فقط، هو اغتصاب النضال.
في 25 شباط (فبراير)، عند الظهر، لم تكن الجمهورية قد أعلنت بعد، ولكن جميع الحقائب الوزارية كانت قد وزعت بين العناصر البرجوازية في الحكومة المؤقتة والجنرالات والمصرفيين والمحامين الملتفين حول „National“. إلا أن العمال قرروا أن لا يسمحوا هذه المرة بهذا الخداع كما حدث في تموز (يوليو) 1830. فقد كانوا على استعداد لاستئناف النضال ونيل الجمهورية بقوة السلاح. ولإبلاغ ذلك راح راسباي إلى دار البلدية. وأمر الحكومة المؤقتة، باسم بروليتاريا باريس، بأن تعلن الجمهورية؛ وإذا لم تنفذ مشيئة الشعب هذه في غضون ساعتين، فإنه سيعود على رأس 200000 شخص. كانت جثث المجاهدين المستشهدين لم تبرد بعد، وكانت المتاريس لم ترفع بعد، وكان العمال لم تنزع بعد منهم أسلحتهم، وكان الحرس الوطني القوة الوحيدة التي كان من الممكن معارضتهم بها. وفي هذه الأوضاع، تبددت على الفور اعتبارات الحكمة السياسية والحساسية الشرعية عند الحكومة المؤقتة. وقبل انقضاء مدة الساعتين، كانت جميع جدران باريس تزدهي بالكلمات الجبارة التاريخية:
الجمهورية الفرنسية! الحرية، المساواة، الإخاء!
ومع إعلان الجمهورية على أساس حق الانتزاع العام زالت أيضًا ذكرى تلك الأهداف والبواعث المحدودة التي دفعت البرجوازية إلى ثورة شباط. فعوضًا عن بضع فئات من البرجوازية، توفرت فجأة لجميع طبقات المجتمع الفرنسي إمكانية الوصول إلى السلطة السياسية، واضطرت إلى ترك اللوجات والصالة والشرفة وإلى الظهور على الحلبة الثورية بوصفها أشخاص المسرحية! ومع الملكية الدستورية، زال أيضًا استقلال الدولة الظاهري حيال المجتمع البرجوازي، ومع هذا الاستقلال زالت جملة كاملة من المصادمات المشتقة، الناجمة عن هذا الوهم!
وما أن أجبرت البروليتاريا الحكومة المؤقتة، ومن خلالها فرنسا كلها، على القبول بالجمهورية، حتى برزت على الفور في المقدمة كحزب مستقل، ولكنها استثارت إلى النضال ضدها كل فرنسا البرجوازية. لقد كسبت فقط التربة لأجل النضال في سبيل تحررها الثوري، ولكنها لم تكسب البتة هذا التحرر نفسه.
وبالعكس، كان يتعين على جمهورية شباط قبل كل شيء أن تجعل سيادة البرجوازية أكمل من ذي قبل: فبفضلها توفرت لجميع الطبقات المالكة إمكانية الوصول إلى السلطة السياسية جنبًا إلى جنب مع الأريستقراطية المالية. وانتشلت الجمهورية أغلبية ملاكي الأراضي الكبار، والشرعيين (الليجيتيميين – Legitimes) من تلك الحقارة السياسية التي حكمت عليهم بها ملكية تموز. وليس عبثًا حرضت „Gayette de France“ ( ) مع جرائد المعارضة بصوت واحد، وليس عبثًا وقف لاروشجاكلين في جلسة مجلس النواب في 24 شباط (فبراير) إلى جانب الثورة. فلقد وضع حق الاقتراع العام مصير فرنسا في أيدي المالكين الإسميين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي، - في أيدي الفلاحين. وأخيرًا، حطمت جمهورية شباط التاج الذي كان يختفي الرأسمال وراءه، فظهرت سيادة البرجوازية الآن على المكشوف.
وكما ظفر العمال في أيام تموز بالملكية البرجوازية، كذلك ظفروا في أيام شباط بالجمهورية البرجوازية. وكما اضطرت ملكية تموز إلى إعلان نفسها ملكية مطوقة بمؤسسات جمهورية، كذلك اضطرت جمهورية شباط إلى إعلان نفسها جمهورية مطوقة بمؤسسات اجتماعية. فإن بروليتاريا باريس قد انتزعت هذا التنازل أيضًا.
وقد أملى مارش، العامل، المرسوم الذي تعهدت بموجبه الحكومة المؤقتة المشكلة للتو بأن تؤمن للعمال وسائل عيشهم بالعمل، وتضمن العمل لجميع المواطنين، وهكذا دواليك. وعندما نسيت وعودها بعد بضعة أيام، وغابت البروليتاريا عن بالها كليًا، على ما يبدو، تحرك جمع من 20000 عامل إلى دار البلدية صائحين: تنظيم العمل! تشكيل وزارة خاصة للعمل! وبعد مناقشات طويلة، عينت الحكومة غصبًا عنها، لجنة دائمة خاصة عهدت إليها بالبحث عن الوسائل لتحسين أوضاع الطبقات الكادحة. وقد تألفت هذه اللجنة من مندوبي الطوائف الحرفية في باريس برئاسة لويس بلان والبر. وقد وضع قصر اللوكسمبورغ تحت تصرفها لعقد جلساتها. وهكذا طرد ممثلو الطبقة العاملة من المبنى الذي كانت تعقد فيه الحكومة المؤقتة جلساتها، وقبض القسم البرجوازي من هذه الحكومة في يده بوجه الحصر على سلطة الدولة الفعلية وعلى مقاليد الحكم. وإلى جانب وزارات المالية والتجارة والأشغال العامة، وإلى جانب المصرف والبورصة، أقيم الكنيس الاشتراكي الذي كانت مهمة كاهنيه الأولين، لويس بلان والبر، فتح أرض الميعاد، والتبشير بالإنجيل الجديد، وتوفير العمال لبروليتاريا باريس. وخلافًا لكل سلطة دولة دنيوية، كانا لا يملكان أي ميزانية وأي سلطة تنفيذية. كان ينبغي عليهما أن يحطما بجبهتيهما دعائم النظام البرجوازي. وبينما كانوا يبحثون في قصر اللوكسمبورغ عن الحجر الفلسفي، كانوا يصكون في دار البلدية النقود المتداولة.
ولكنه يجب القول أنه لم يكن من الممكن فعلاً أن تتحقق مطالب بروليتاريا باريس إلا بشكل لجنة اللوكسمبورغ الغامض لأنها كانت تتجاوز إطار الجمهورية البرجوازية.
لقد قام العمال بثورة شباط مع البرجوازية سوية؛ والآن حاولوا أن يذودوا عن مصالحهم إلى جانب البرجوازية، - إذ أنهم قد أجلسوا عاملاً واحدًا في قلب الحكومة المؤقتة إلى جانب الأغلبية البرجوازية. تنظيم العمل! ولكن العمل المأجور – إنما هو التنظيم البرجوازي القائم للعمل. وبدونه، لا رأسمال، ولا برجوازية، ولا مجتمع برجوازي. وزارة خاصة للعمل! ولكن أليست وزارات المالية والتجارة والأشغال العامة، يا ترى، وزارات برجوازية للعمل؟ وإلى جانبها، لم يكن من الممكن أن تكون الوزارة البروليتارية غير وزارة العجز، وزارة التمنيات البريئة، لجنة اللوكسمبورغ. إن العمال، وقد آمنوا بإمكان تحررهم جنبًا إلى جنب مع البرجوازية، كانوا يأملون كذلك بتحقيق ثورتهم البروليتارية ضمن حدود فرنسا الوطنية، جنبًا إلى جنب مع سائر الأمم البرجوازية. ولكن علاقات فرنسا الإنتاجية تشترطها تجارتها الخارجية، ووضعها في السوق العالمية وقوانين هذه السوق. وهل يسع فرنسا، يا ترى، أن تخالف هذه القوانين دون أن تستثير حربًا ثورية أوروبية يتردد صداها في بريطانيا، سيدة السوق العالمي هذه؟
حين تثور طبقة تتركز فيها مصالح المجتمع الثورية، تجد مباشرة في وضعها بالذات المضمون والمادة لأجل نشاطها الثوري: فتقضي على الأعداء، وتتخذ التدابير التي تمليها مقتضيات النضال، وعواقب أعمالها تدفعها إلى أبعد. وهي لا تنصرف إلى البحوث النظرية في مهامها. إلا أن الطبقة العاملة الفرنسية لم تكن في مثل هذه الوضع، ولم تكن قادرة بعد على تحقيق ثورتها بالذات.
إن تطور البروليتاريا الصناعية مشروط، على العموم، بتطور البرجوازية الصناعية. ففي ظل سيادتها فقط، تكتسب البروليتاريا الصناعية وجودًا قوميًا واسعًا قادرًا على رفع ثورتها إلى مستوى ثورة وطنية، وفي ظل سيادتها فقط تصنع البروليتاريا الصناعية وسائل الإنتاج العصرية التي تشكل في الوقت نفسه وسائل تحررها الثوري. فقط سيادة البرجوازية الصناعية تستأصل جذور المجتمع الإقطاعي المادية وتمهد التربة التي يمكن عليها وحدها قيام الثورة البروليتارية. إن الصناعة الفرنسية هي الأكثر تطورًا في القارة كلها، والبرجوازية الفرنسية هي الأكثر ثورية. ولكن، ألم تكن ثورة شباط موجهة مباشرة، يا ترى، ضد الأريستقراطية المالية؟ إن هذا الواقع قد بين أن البرجوازية الصناعية لم تكن سائدة في فرنسا. فلا يمكن أن تقوم سيادة البرجوازية الصناعية إلا حيث حولت الصناعة العصرية جميع علاقات الملكية على هواها؛ ولكنه لا يمكنها أن تبلغ هذه الدرجة من الجبروت إلا متى ظفرت بالسوق العالمي، لأن الحدود الوطنية لا تكفي لأجل تطورها. أما الصناعة الفرنسية، فإنها لا تحتفظ لنفسها بالسوق الداخلي بدرجة معينة إلا بفضل نظام من الرسوم المانعة معدل إلى هذا الحد أو ذاك. ولهذا، إذا كانت البروليتاريا الفرنسية تملك في باريس في زمن الثورة قوة فعلية ونفوذًا فعليًا يدفعانها إلى أبعد مما يتناسب مع وسائلها، فإنها في بقية فرنسا غير متمركزة إلا في بعض المراكز الصناعية المتفرقة، ضائعة تقريبًا في الأغلبية الساحقة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة. إن النضال ضد الرأسمال، بشكله العصري، بطوره الأعلى، نضال العامل المأجور الصناعي ضد البرجوازي الصناعي هو في فرنسا واقع جزئي. وبعد أيام شباط، كان بوسعه، أقل من ذي قبل، أن يكون بمثابة مضمون قومي للثورة خصوصًا وأن النضال ضد أساليب الاستثمار الرأسمالي الثانوية – نضال الفلاح ضد الربا والرهن العقاري، نضال البرجوازي الصغير ضد التاجر الكبير والمصرفي الكبير والصناعي الكبير، وبكلمة، ضد الإفلاس، - كان لا يزال مخفيًا تحت غلاف الانتفاضة العامة ضد الأريستقراطية المالية. ولهذا لا غرابة إذا كانت بروليتاريا باريس قد حاولت أن تزود عن مصالحها جنبًا إلى جنب مع المصالح البرجوازية، عوضًا عن تقديمها بوصفها المصلحة الثورية للمجتمع نفسه؛ ولا غرابة إذا كانت قد نكست الراية الحمراء أمام الراية المثلثة الألوان ( ). ولم يكن بوسع العمال الفرنسيين أن يسيروا أي خطوة إلى الأمام، ولم يكن بوسعهم أن يمسوا وأن شعرة واحدة من الصرح البرجوازي، طالما لم يستنهض مجرى الثورة ضده، ضد سيادة الرأسمال، جمهور الأمة الواقف بين البروليتاريا والبرجوازية، جمهور الفلاحين وصغار البرجوازيين، طالما لم يجبرهم على الانضمام إلى البروليتاريا، والاعتراف بها مناضلهم الطليعي. ولم يستطع العمال أن يشتروا هذا النصر إلا بثمن هزيمة تموز الرهيبة.
وأنه لتبقى للجنة اللوكسمبورغ، لصنيعة عمال باريس هذه، مأثرة مفادها أنها كشفت من على منبر أوروبا سر ثورة القرن العشرين، ألا وهو تحرير البروليتاريا. لقد احمر وجه „Moniteur“ ( ) عندما اضطرت إلى الترويج رسميًا "للهذيانات الوحشية" التي كانت حتى ذاك مدفونة في تأليف الاشتراكيين المشكوك في صحتها والتي لم تكن تصل إلى مسامع البرجوازية إلا بين الفينة والفينة بصورة أساطير ما، بعيدة، رهيبة نصفيًا، مضحكة نصفيًا. وإذا أوروبا المندهشة تستيقظ فجأة من نعاسها البرجوازي. وهكذا إذن، أزيلت سيادة البرجوازية، عند تأسيس الجمهورية، من تصورات البروليتارييين الذين كانوا يخلطون بين الأريستقراطية المالية وبين البرجوازية على العموم؛ ومن خيال السذج الجمهوريين الذين كانوا ينكرون وجود الطبقات ذاته أو كانوا يعتبرونها، في أحسن الأحوال، عاقبة للملكية الدستورية؛ ومن الجمل والتعابير المنافقة لتلك الفئات من البرجوازية التي كانت قد أقصيت حتى ذاك عن الحكم. وفي ذلك الحين، تحول الملكيون جميعهم إلى جمهوريين، وأصحاب الملايين الباريسيون جميعهم إلى عمال. وكانت fraternité – التآخي العام والأخوة الشاملة – الكلمة المناسبة لهذا القضاء الخيالي على العلاقات الطبقية. هذا الانصراف الرغيد عن التناقضات الطبقية، هذا التوفيق العاطفي بين المصالح الطبقية المتضادة، هذا التحويم الخيالي فوق النضال الطبقي، وبكلمة، هذه الأخوة، - ذلك ما كان شعار ثورة شباط الحقيقي. كل ما في الأمر، أن سوء فهم بسيط قد قسم المجتمع إلى طبقات؛ وفي 24 شباط، نعت لامارتين الحكومة المؤقتة بأنها "حكومة تضع حدًا لسوء الفهم الرهيب القائم بين مختلف الطبقات". فانتشت بروليتاريا باريس بهذه النفحة السمحاء من الأخوة العامة.
أما الحكومة المؤقتة التي اضطرت إلى إعلان الجمهورية، فقد بذلت، من جهتها، قصارى جهدها لتجعل الجمهورية مقبولة بالنسبة للبرجوازية والأقاليم. فقد تنكرت للفظائع الدموية المقترفة في عهد الجمهورية الفرنسية الأولى ( ) بإلغائها عقوبة الإعدام عن الجرائم السياسية؛ وكان من الممكن الذود في الصحافة عن جميع النظرات بكل حرية؛ وبقي الجيش والقضاء والإدارة، سوى بعض الاستثناءات، في أيدي الموظفين القدامى؛ ولم يحل إلى المحاكمة أي من كبار مجرمي ملكية تموز. وتعلل الجمهوريون البرجوازيون من جماعة „National“ بكونهم قد استعاضوا عن الأسماء والألبسة الملكية بالأسماء والألبسة الجمهورية القديمة. فإن الجمهورية لم تكن بالنسبة لهم غير حلة جديدة لحفلة راقصة من أجل المجتمع البرجوازي القديم. واعتبرت الجمهورية الفتية أن مأثرتها الرئيسية تقوم، لا في تخويف أي كان، بل، بالعكس، في تخويف نفسها بالأحرى، والذود عن وجودها ونزع سلاح العداء باللطف والليونة وعدم المقاومة. وأعلنت بطبل وزمر عن مسالمتها للطبقات المميزة داخل البلد وللدول الاستبدادية في الخارج. عش ودع الآخرين يعيشون – ذلك كان شعارها. وفي ذلك الوقت على وجه الضبط، بعد ثورة شباط على الفور، ثار الألمان والبولونيون والنمساويون والمجريون والإيطاليون – كل شعب وفقًا لظروف وضعه الخاصة. ولم تكن روسيا وبريطانيا على استعداد للتدخل، - فالأخيرة كانت هي نفسها قد شملت الحركة، وكانت الأولى تخاف من هذه الحركة. ولهذا لم تلق الجمهورية في طريقها أي عدو قومي. وهذا يعني أنه لم تقم هناك تعقيدات خارجية كبيرة من شأنها أن تلهب العزيمة، وتعجل العملية الثورية، وتدفع الحكومة المؤقتة إلى الأمام أو تلقي بها إلى البحر. أن بروليتاريا باريس، التي رأت في الجمهورية وليدها، قد رحبت، طبعًا، بكل خطوة من الحكومة المؤقتة تساعد هذه الحكومة في توطيد مكانتها في المجتمع البرجوازي. وبطيبة خاطر قدمت لكوسيديير خدمات بوليسية لحماية الملكية في باريس وعهدت إلى لويس بلان بامر فض الخلافات بين العمال وأرباب العمل حول الأجور. وكانت ترى من الشرف لها أن تبقى شرف الجمهورية البرجوازي في عيون أوروبا نقيا لا تشوبه شائبة.
ولم تلق الجمهورية أي مقاومة لا من الخارج ولا من الداخل. وهذا ما نزع سلاحها. وعليه غدت مهمتها، لا تحويل العالم بالسبيل الثوري، بل مجرد تكييف نفسها لأوضاع المجتمع البرجوازي. أما بأي تعصب عكفت الحكومة المؤقتة على أداء هذه المهمة، فإن إجراءاتها المالية هي خير ما يبين ذلك.
كان تسليف الدولة والتسليف الخاص متخلخلين بالطبع. فإن تسليف الدولة يرتكز على الثقة بأن الدولة تدع الماليين – المرابين يستثمرونها. ولكن الدولة القديمة سقطت، وكانت الثورة موجهة قبل كل شيء ضد الأريستقراطية المالية. وكانت تشنجات الأزمة التجارية الأوروبية الأخيرة لم تتوقف بعد. وكانت الإفلاسات لا تزال تتعاقب الواحد تلو الآخر.
إذن، كان التسليف الخاص مشلولاً، والدورة التجارية معسرة، والإنتاج مقوضًا قبل انفجار ثورة شباط. وجاءت الأزمة الثورية تقوي الأزمة التجارية. فإن التسليف الخاص يرتكز على الثقة بأن مجمل علاقات الإنتاج البرجوازي كله، بأن النظام البرجوازي كله يبقى سليمًا مصونًا؛ فكيف كان يجب أن تؤثر فيه ثورة كانت تتهدد أساس الإنتاج البرجوازي ذاته، أي عبودية البروليتاريا الاقتصادية، - ثورة كانت قد عارضت البورصة بأبي الهول في اللوكسمبورغ؟ إن تحرير البروليتاريا يعني القضاء على التسليف البرجوازي لأنه يعني القضاء على الإنتاج البرجوازي والنظام البرجوازي. والحال، أن تسليف الدولة والتسليف الخاص، إنما هما ميزان الحرارة الاقتصادي الذي يشير إلى شدة الثورة. فبقدر ما يهبط التسليف، بقدر ما ترتفع حرارة الثورة وتتنامى قوتها الخلاقة.
لقد أرادت الحكومة المؤقتة أن تكشف عن وجه الجمهورية قناع العداء للبرجوازية. ولهذا الغرض كان ينبغي قبل كل شيء أن تؤمن لشكل الدولة الجديد قيمة تبادلية، سعرًا في البورصة. ومع تسعير الجمهورية في البورصة، كان لا بد بالضرورة أن يرتفع التسليف الخاص من جديد.
ولتبديد أدنى شك بأن الجمهورية لا تريد أو لا تستطيع أداء الالتزامات التي أخذتها إرثًا عن الملكية، ولبعث الثقة في إيفائية الجمهورية وفي نزاهتها البرجوازية، لجأت الحكومة المؤقتة إلى تبجح غير لائق بقدر ما هو صبياني. فقد دفعت قبل الموعد القانوني لدائني الدولة فوائد الأوراق المالية ذات القيمة 5 و4.5 و4 بالمئة. ولقد استعاد الرأسماليون في الحال كل ثقتهم البرجوازية بالنفس وكل زهوهم البرجوازي بالنفس عندما رأوا بأي تسرع وجبن يجهدون لشراء ثقتهم.
يقينًا أن المصاعب المالية التي تواجهها الحكومة المؤقتة لم تقل من جراء هذه النزوة المسرحية التي أفقدتها احتياطيها من النقد السائل. ولم يبق من الممكن إخفاء العوز النقدي زمنًا أطول، فاضطرت البرجوازية الصغيرة والخادمات والعمال إلى أن يسددوا من جيوبهم ثمن المفاجأة الطيبة التي فوجئ بها دائنو الدولة.
وقد أعلنت الحكومة أن صناديق الادخار لن تدفع بعد الآن بموجب الدفاتر من النقود مبلغًا يربو على 100 فرنك. فقد صودرت المبالغ المودعة في صناديق الادخار، وحولت بمرسوم من الحكومة إلى دين على الدولة لا يترتب تسديده. الأمر الذي أثار على الجمهورية حقد البرجوازية الصغيرة التي تتخبط، فضلاً عن ذلك، في وضع حرج. وإذا بها، وقد تلقت سندات دين على الدولة عوضًا عن دفاتر الادخار، تضطر إلى بيع هذه السندات في البورصة، وتسليم نفسها على هذا النحو لكبار مرابي البورصة الذين كانت ثورة شباط موجهة ضدهم.
كان المصرف (البنك) هيكل الأريستقراطية المالية التي كانت سائدة في ملكية تموز. وكما تقبض البورصة في يدها على قرض الدولة، كذلك المصرف يسير التسليف التجاري.
إن ثورة شباط لم تهدد سيادة المصرف وحسب، بل هددت كذلك وجوده بالذات؛ ولهذا حاول بادئ ذي بدء أن يشوه سمعة الجمهورية، بجعله العجز عن التسليف ظاهرة عامة. فقد توقف فجأة عن تسليف المصرفيين والصناعيين والتجار. إن هذه المناورة لم تستتبع على الفور ثورة مضادة، ولكنها أنزلت حتمًا ضربة بالمصرف نفسه. فقد استرجع الرأسماليون نقودهم المحفوظة في أقبية المصرف. واندفع مالكو البنكنوت (البنكنوت – الورقة المصرفية. الورقة النقدية) إلى صندوق المصرف ليبادلوها بالذهب والفضة.
وكان بمقدور الحكومة أن تكره المصرف على الإفلاس، بصورة شرعية تمامًا، ودون التدخل بالعنف، ولهذا الغرض، كان حسبها أن تبقى مكتوفة اليدين وتدع المصرف وشأنه. أن إفلاس المصرف كان من شأنه أن يكون بمثابة طوفان يطهر في لحظة واحدة التربة الفرنسية من الأريستقراطية المالية، من هذه القاعدة الذهبية لملكية تموز، من هذا العدو الأقوى والأخطر للجمهورية. ولو أفلس المصرف، لتعين على البرجوازية نفسها أن تقف من تأسيس الحكومة للمصرف الوطني ومن إخضاع التسليف الوطني لمراقبة الأمة موقفها من آخر محاولة يائسة للخلاص.
ولكن، عوضًا عن هذا، أقرت الحكومة المؤقتة سعرًا إلزاميًا للبنكنوت. وفضلاً عن ذلك، حولت جميع المصارف الإقليمية إلى فروع لمصرف فرنسا، وأتاحت له بالتالي مد شبكته في عموم فرنسا. وفيما بعد، أخذت قرضًا من المصرف، ورهنت له غابات الدولة على سبيل الضمانة. وهكذا وطدت ثورة شباط ووسعت مباشرة نفس تلك البنكوقراطية (البنكوقراطية – سلطة أو حكم المصرف) التي كان ينبغي عليها الإطاحة بها.
ولكن الحكومة المؤقتة كانت تنوء أكثر فأكثر تحت عبء العجز المتفاقم. وعبثًا الحت في السؤال، مستعطفة التضحيات الوطنية. العمال وحدهم رماو لها بصدقة. فكان لا بد من اللجوء إلى وسيلة بطولية – إلى فرض ضريبة جديدة. ولكن على من يفرضون الضريبة؟ على ذئاب البورصة وملوك المصارف، ودائني الدولة وأصحاب الريع، والصناعيين؟ ولكنه لم يكن من الممكن على هذا النحو استمالة البرجوازية إلى الجمهورية. وكان هذا يعني تقويض تسليف الدولة والتسليف التجاري بيد، وتحميله تضحيات مذلة باليد الأخرى. ولكنه كان لا بد من أن يفتح أحد صرته. فمن ذا الذي ضحى به على مذبح التسليف البرجوازي؟ Jacques le bonhomme ( ) ، الفلاح.
فقد أقرت الحكومة المؤقتة ضريبة إضافية على جميع الضرائب المباشرة الأربع مقدارها 45 سنتيما لكل فرنك. وكذبت الصحافة الحكومية على بروليتاريا باريس زاعمة أن هذه الضريبة تقع بصورة رئيسية على الملكية الكبيرة للأرض، على أصحاب المليار الذين أنعم عليهم به عهد العودة ( ). أما في الواقع، فقد أصابت الضريبة في المقام الأول الفلاحين أي الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي. واضطر الفلاحون إلى تحمل نفقات ثورة شباط، - ولذا شكلوا جيش الثورة المضادة الرئيسي. كانت الضريبة الجديدة من 45 سنتيما قضية حياة بالنسبة للفلاح الفرنسي، فجعل منها بدوره قضية حياة أو موت بالنسبة للجمهورية. ومذ ذاك أخذت ضريبة "45 سنتيما الإضافية تجسد الجمهورية في عيني الفلاح الفرنسي، بينما أخذت بروليتاريا باريس تبدو له مبذرا يتنعم على حسابه.
وبينما بدأت ثورة 1789 بتحرير الفلاحين من عبء الإتاوات الإقطاعية، كان أول عمل قامت به ثورة 1848 فرض ضريبة جديدة على سكان الريف لكي لا تلحق ضررًا بالرأسمال ولكي تؤمن سير آلة دولته.
ولم يكن بوسع الحكومة المؤقتة أن تزيل جميع هذه المصاعب وتحرف الدولة عن مجراها القديم إلا بطريقة واحدة فقط، وأعني بها إعلان إفلاس الدولة. إن الجميع يتذكرون كيف تشدق ليدرو – رولان فيما بعد أمام الجمعية الوطنية بأنه رفض بغضب فاضل اقتراحًا من هذا القبيل تقدم به صقر البورصة، المرابي فولد، وزير المالية الفرنسية حاليًا. إلا أن فولد عرض عليه تفاحة من شجرة المعرفة القديمة.
وبما أن الحكومة المؤقتة اعترفت بالكمبيالات التي حررها المجتمع البرجوازي القديم على الدولة، فقد وقعت تحت تأثيره. ولقد وقعت في وضع مدين متورط للمجتمع البرجوازي، بدلاً من أن تظهر بالنسبة إليه في دور دائن رهيب يسترد ديونه الثورية القديمة. كان ينبغي عليها أن توطد العلاقات البرجوازية المتزعزعة لكي تؤدي الالتزامات التي لا يمكن أداؤها إلا في إطار هذه العلاقات. وأصبح التسليف شرطًا ضروريًا لوجودها، بينما غدت التنازلات في صالح البروليتاريا والوعود المغدقة عليها قيودًا كان ينبغي تحطيمها مهما كلف الأمر. أن تحرير العمال – وحتى جملة واحدة في هذا الصدد – صار بالنسبة للجمهورية الجديدة خطرًا لا يطاق، لأن هذا المطلب كان احتجاجًا دائمًا على بعث التسليف الذي يرتكز على الاعتراف الوطيد الراسخ بالعلاقات الطبقية الاقتصادية القائمة. ولهذا كان ينبغي تحطيم العمال.
كانت ثورة شباط قد طردت الجيش من باريس. وكان الحرس الوطني أي البرجوازية على اختلاف فئاتها، يشكل القوة الحربية الوحيدة، ولكنه لم يكن يشعر بأن على ما يكفي من القوة للتغلب على البروليتاريا. ناهيك بأنه اضطر، وأن بعد مقاومة بالغة العناد، وأن بعد مئات العوائق من كل شاكلة وطراز، لأن يفسح المجال، شيئًا فشيئًا، أمام البروليتاريين المسلحين للانضمام إلى صفوفه. وعليه، لم يبق غير مخرج واحد هو استعداء قسم من البروليتاريين على قسم آخر.
ولهذا الغرض شكلت الحكومة المؤقتة 24 كتيبة من الحرس المتنقل من شبان تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والعشرين، كل كتيبة من ألف شخص. وكان هؤلاء بمعظمهم من حثالة البروليتاريا الموجودة في جميع المدن الكبيرة والتي تختلف اختلافًا بينًا عن البروليتاريا الصناعية. فإن هذه الفئة التي تقدم اللصوص والمجرمين من كل نوع تتأليف من عناصر تعيش من فتائت مائدة المجتمع، من أناس ليست لديهم مهن معينة، من أفاقين – gens sans feu et sans aveu؛ وهم يتميزون بعضهم عن بعض تبعًا للمستوى الثقافي للأمة التي ينتسبون إليها، ولكنهم يحتفظون في كل مكان وزمان بسمات اللاتساروني المميزة ( ). وفي تلك السن التي جندتهم فيها الحكومة المؤقتة، سن الفتوة، كانوا متقلقلين للغاية، فكان بمقدورهم الإقدام على أعظم ضروب البطولة والتفاني، وكذلك على أحط أعمال النهب واللصوصية وعلى أقذر عمليات الارتشاء وبيع الذات. وقد دفعت الحكومة المؤقتة لهم في اليوم الواحد فرنكًا واحدًا و50 سنتيما أي أنها اشترتهم. وألبستهم معطفًا عسكريًا خاصًا، أي أنها فرقتهم من حيث الهيئة الخارجية عن ذوي القمصان الفضفاضة ( ). أما الآمرون، فإما أعطوهم إياهم جزئيًا من ضباط القوات النظامية، وأما اختاروهم بأنفسهم جزئيًا من بين الشبان البرجوازيين المدللين الذين أسروهم بالكلمات المدوية عن الموت في سبيل الوطن وعن الإخلاص للجمهورية.
وعليه، كان يقف ضد بروليتاريا باريس جيش منتخب من بينها ومؤلف من 24 ألفًا من الشبان الأقوياء المستقتلين. وقد حيت البروليتاريا الحرس المتنقل في شوارع باريس بالهتافات المدوية "هورا". فقد رأت فيه مناضليها الطليعيين على المتاريس. واعتبرته حرسًا بروليتاريًا تمييزًا له عن الحرس الوطني البرجوازي. وكانت غلطتها غلطة لا تغتفر.
وإلى جانب الحرس المتنقل، قررت الحكومة أن تجمع حولها كذلك جيشًا من عمال الصناعة. فقد وظف الوزير ماري مائة ألف عامل كان مرمى بهم إلى الشارع من جراء الأزمة والثورة، فيما يسمى بالمشاغل الوطنية. ووراء هذا الاسم المدوي، كان يكمن أمر واحد فقط، هو استخدام العمال في أعمال حفر وردم مملة، رتيبة، غير منتجة، بأجر قدره 23 فلسًا. "بيوت عمل"( ) إنجليزية في الهواء الطلق – هذا ما كانته هذه المشاغل الوطنية. وقد ظنت الحكومة المؤقتة أنها وجدت فيها جيشًا بروليتاريًا ثانيًا ضد العمال أنفسهم. ولكن البرجوازية أخطأت هذه المرة بصدد المشاغل الوطنية مثلما أخطأ العمال في الحرس المتنقل. فقد أنشأت جيشًا للفتنة.
ولكن هدفًا واحدًا قد تحقق.
المشاغل الوطنية – هكذا كانت تسمى المشاغل الشعبية التي بشر بها لويس بلان في اللوكسمبورغ. أما مشاغل ماري، فقد أنشئت حسب خطة معارضة تمامًا لخطة اللوكسمبورغ، ولكنها فسحت المجال، بفضل وحدة الاسم، لكبة من الأخطاء جديرة بكوميديا أسبانية حافلة بحيل الخدم وشيطناتهم. بل أن الحكومة المؤقتة نفسها نشرت سرًا إشاعة مفادها أن هذه المشاغل الوطنية هي من اختراع لويس بلان، وقد بدت هذه الإضاعة قابلة للتصديق خصوصًا وأن لويس بلان، بشير المشاغل الوطنية، كان عضوًا في الحكومة المؤقتة. وقد كانت بيوت العمل هذه، بالنسبة للبرجوازية الباريسية التي خلطت الأمرين جزئيًا عن سذاجة وجزئيًا عن قصد وعمد، وبالنسبة للرأي العام في فرنسا وأوروبا المطبوخ بمهارة، أول خطوة نحو تحقيق الاشتراكية، الأمر الذي جعل الاشتراكية موضع تشهير وتجريح.
لقد كانت المشاغل الوطنية باسمها، إن لم يكن بمضمونها، صورة مجسدة لاحتجاج البروليتاريا على الصناعة البرجوازية والتسليف البرجوازي والجمهورية البرجوازية. فانصب عليها كل حقد البرجوازية؛ فقد رأت فيها تلك النقطة التي يمكنها أن توجه إليها ضربتها، ما أن تبلغ من القوة ما يكفي لكي تقطع على المكشوف كل صلة بأوهام شباط. كذلك وجه البرجوازيون الصغار كل استيائهم، كل كدرهم ضد المشاغل الوطنية التي غدت هدفًا مشتركًا. وقد حسبوا، وهم يصرون بأسنانهم، مبالغ النقود التي ابتلعها العمال الطفيليون، بينما كان وضعهم هم يغدو يومًا بعد يوم أشد فأشد إرهاقًا. وشرعوا يقولون في أنفسهم بدمدمة وتذمر: معاش الدولة مقابل التظاهر بالعمل، تلك هي الاشتراكية! ورأوا في المشاغل الوطنية وفي بيانات اللوكسمبورغ، وفي مظاهرات عمال باريس في الشوارع سبب حالتهم البائسة. وما من أحد كان يستشيط غضبًا من دسائس الشيوعيين الموهومة مثل البرجوازي الصغير الواقف على شفير الإفلاس، دون أي أمل في الخلاص.
وهكذا كانت جميع الأفضليات، جميع المواقع الفائقة الأهمية، جميع فئات المجتمع المتوسطة في يد البرجوازية في الاشتباك العتيد بين البرجوازية والبروليتاريا. وفي هذا الوقت بالذات، كانت موجات ثورة شباط تتدفق عاليًا فوق أوروبا، وكان كل بريد يحمل أنباء الثورة تارة من إيطاليا، وطورًا من ألمانيا، وحينًا من أقصى جنوب شرقي أوروبا، ويدعم الشعب في نشوته العاملة، ناقلاً إليه بلا انقطاع البراهين الجديدة على انتصاره الذي كانت ثماره قد أفلتت من يديه.
كان 17 آذار (مارس) و16 نيسان (إبريل) الاشتباكين الأولين في النضال الطبقي العظيم الذي كان يكمن في أحشاء الجمهورية البرجوازية.
ففي 17 آذار، تكشف وضع البروليتاريا ذو الوجهين، الذي لا يسمح بأي أعمال حازمة. فقد كان الهدف الأولي من مظاهرتها، إعادة الحكومة المؤقتة إلى سبيل الثورة، وإجبارها، عند الاقتضاء، على طرد الأعضاء البرجوازيين من قوامها، وتأجيل موعد الانتخابات إلى الجمعية الوطنية والحرس الوطني. ولكن البرجوازية، الممثلة في الحرس الوطني، نظمت في 16 آذار مظاهرة ضد الحكومة المؤقتة. وقد تحركت المظاهرة نحو دار البلدية هاتفة: "ليسقط ليدور – رولان!". الأمر الذي أجبر الشعب على الهتاف في 17 آذار: "عاش ليدرو – رولان! عاشت الحكومة المؤقتة!" وللرد على البرجوازية، اضطر الشعب إلى الدفاع عن الجمهورية البرجوازية التي خيل إليه أنها في خطر. فعزز موقف الحكومة المؤقتة بدلاً من أن يخضعها لنفسه. وانتهى 17 آذار بمشهد ميلودرامي. صحيح أن بروليتاريا باريس قد عرضت مرة أخرى قوتها العملاقة، إلا أن هذا لم يفعل غير أن قوى البرجوازية – داخل الحكومة المؤقتة وخارجها – في عزمها على تحطيم البروليتاريا.
وكان 16 نيسان سوء فهم خلقته الحكومة المؤقتة بالتحالف مع البرجوازية. ففي ميدان مارس وفي ميدان سباق الخيل، تجمع عدد كبير من العمال للتباحث في الانتخابات المقبلة إلى هيئة الأركان العامة للحرس الوطني. وإذا إشاعة تنتشر فجأة بسرعة البرق في عموم باريس، من طرف إلى آخر، مفادها أن جموعًا مسلحة من العمال قد احتشدت في ميدان مارس برئاسة لويس بلان وبلانكي وكابيه وراسباي، بقصد السير إلى دار البلدية وإسقاط الحكومة المؤقتة وإعلان الحكومة الشيوعية. ويقرعون أجراس الاحتشاد العام، - وفيما بعد أخذ ليدرو – رولان وماراست ولامارتين يتنازعون فيما بينهم شرف هذه المبادرة، - وإذا 100000 رجل يقفون بعد ساعة تحت السلاح والحرس الوطني يحتل دار البلدية، والهتافات "ليسقط الشيوعيون! ليسقط لويس بلان وبلانكي وراسباي وكابيه!" تدوي في عموم باريس. وتتدفق على الحكومة المؤقتة وفود لا عد لها للأعراب عن إخلاصها وعن استعدادها لإنقاذ الوطن والمجتمع. وعندما ظهر العمال، أخيرًا، أمام دار البلدية لكي يسلموا الحكومة المؤقتة حاصل التبرعات النقدية الوطنية التي جرت في ميدان مارس، علموا، لما فيه دهشتهم، أن برجوازية باريس قد أحرزت للتو نصرًا على ظلهم في صراع موهوم محاط بأعظم إجراءات الاحتراس. ولقد كان الاعتداء الرهيب في 16 نيسان ذريعة لأجل إعادة الجيش إلى باريس، - الأمر الذي كان حقًا وفعلاً هدف كل هذه المهزلة الفظة، - ولأجل مظاهرات أنصار الاتحاد (أنصار تحويل فرنسا إلى اتحاد بين الأقاليم، إلى دولة اتحادية) الرجعية في الأقاليم.
وفي 4 أيار (مايو)، التأمت الجمعية الوطنية (هنا وفيما بعد، حتى الصفحة 101، يقصد بالجمعية الوطنية الجمعية التأسيسية „Constituante“ التي دامت من 4 أيار (مايو) 1848 إلى أيار 1849. الناشر) الناجمة عن الانتخابات العامة والمباشرة. إن حق الاقتراع العام لم يكن يملك تلك القوة السحرية التي نسبها إليه الجمهوريون من الطراز القديم. فإن هؤلاء كانوا يرون في عموم فرنسا أو على الأقل في أغلبية الفرنسيين "مواطنين" لهم مصالح واحدة، ونظرات واحدة، وإلخ.. وكان ذلك عندهم ضربًا من عبادة الشعب. ولكن الانتخابات أظهرت، عوضًا عن شعبهم المتخيل، الشعب الفعلي، أي ممثلي مختلف الطبقات التي ينقسم إليها. ونحن نعرف لماذا سار الفلاحون والبرجوازية الصغيرة في الانتخابات وراء البرجوازية ذات النزعة القتالية ووراء كبار ملاكي الأراضي المتحرقين إلى عهد العودة (عودة النظام الملكي الإقطاعي. الناشر). ولكن، إذا لم يكن حق الاقتراع العام تلك العصا السحرية التي كان يعتبره إياها الجمهوريون السذج، فإنه كان يتحلى بميزة أخرى، أعلى بما لا يقاس: فقد أطلق العنان للنضال الطبقي، وأجبر مختلف الفئات المتوسطة في المجتمع البرجوازي على التخلي بسرعة عن أوهامها وخيباتها؛ ورفع دفعة واحدة إلى قمة الدولة جميع فئات الطبقة الاستثمارية كاشفًا بالتالي عن وجوهها أقنعتها الكاذبة، في حين أن الملكية كانت قد شوهت بنصابها الانتخابي المالي سبعة فئات معينة من البرجوازية، وأتاحت للفئات الأخرى التخفي وراء الكواليس وإحاطة ذاتها بهالة المعارضة العامة.
في الجمعية الوطنية التأسيسية التي افتتحت في 4 أيار، كان يهيمن الجمهوريون البرجوازيون، الجمهوريون من جماعة „National“. وحتى الشرعيون والأورليانيون لم يتجاسروا في البدء على الظهور إلا بقناع النزعة الجمهورية البرجوازية. فباسم الجمهورية فقط، كان يمكن شن النضال ضد البروليتاريا.
من 4 أيار، لا من 25 شباط، ينبغي حساب بداية الجمهورية، أي الجمهورية المعترف بها من الشعب الفرنسي؛ فإن هذه الجمهورية ليست تلك الجمهورية التي فرضتها بروليتاريا باريس على الحكومة المؤقتة، وليست الجمهورية ذات المؤسسات الاجتماعية، ليست ذلك الحلم الذي تراءى أمام المقاتلين على المتاريس. إن الجمهورية الشرعية الوحيدة، الجمهورية التي نادت بها الجمعية الوطنية، لم تكن سلاحًا ثوريًا ضد النظام البرجوازي، بل كانت، بالعكس، إعادة لبنيانه السياسي توطد المجتمع البرجوازي سياسيًا من جديد، - أي أنها كانت، بالاختصار، جمهورية برجوازية. وهذا التأكيد دوى من على منبر الجمعية الوطنية، وتردد صداه في كل الصحافة البرجوازية، الجمهورية منها والمعادية للجمهورية.
ولقد رأينا أن جمهورية شباط لم تكن بالفعل ولم يكن من الممكن أن تكون إلا جمهورية برجوازية، وأن الحكومة المؤقتة اضطرت، تحت ضغط البروليتاريا المباشر، إلى إعلانها جمهورية ذات مؤسسات اجتماعية؛ وأن بروليتاريا باريس لم تكن بعد قادرة على الخروج من إطار الجمهورية البرجوازية إلا في أحلامها، في الخيال، - وأنها كانت في الواقع تخدمها في كل مكان بكل نشاطها؛ وأن الوعود التي أغدقت عليها صارت خطرًا لا يطاق على الجمهورية الجديدة، وأن كل وجود الحكومة المؤقتة اقتصر على النضال المتواصل ضد مطالب البروليتاريا.
وفي شخص الجمعية الوطنية كانت فرنسا كلها قاضية بروليتاريا باريس. ولقد بددت الجمعية على الفور جميع الأوهام الاجتماعية لثورة شباط ونادت على المكشوف بالجمهورية البرجوازية، والجمهورية البرجوازية فقط. واستعجلت إلى فصل ممثلي البروليتاريا، لويس بلان وألبر، من اللجنة التنفيذية المنتخبة من قبلها ( )؛ ورفضت الاقتراح القائل بإنشاء وزارة خاصة للعمل وقابلت بالاستحسان العاصف كلمات الوزير تريلا: "إن المقصود الآن واحد فقط، وهو إعادة العمل إلى ظروفه السابقة".
ولكن كل هذا لم يكن كافيًا. فإن جمهورية شباط قد ظفر بها العمال بتأييد البرجوازية الضمني. وعن حق وصواب، اعتبر البروليتاريون أنفسهم المنتصرين في نضال شباط وتقدموا بمطالب المنتصر المتعالية. فكان لا بد من التغلب عليهم في قتال الشوارع، كان لا بد من تقديم البرهان لهم على أنهم سيمنون بالهزيمة حين يقاتلون ضد البرجوازية، لا بالتحالف معها. ففي حينه، اقتضى الحال، لأجل إنشاء جمهورية شباط مع تنازلاتها للاشتراكية، معركة البروليتاريا، المتحدة مع البرجوازية، ضد الملكية؛ أما الآن، فقد كان الحال يقتضي معركة جديدة لأجل تحرير الجمهورية من التنازلات التي أجرتها في صالح الاشتراكية، لأجل توطيد سيادة الجمهورية البرجوازية رسميًا. كان ينبغي على البرجوازية أن ترفض، بقوة السلاح، مطالب البروليتاريا. إن هزيمة حزيران، وليس انتصار شباط، هي التي كانت مهد الجمهورية البرجوازية الحقيقي.
وقد عجلت البروليتاريا النهاية باقتحامها الجمعية الوطنية في 15 أيار، وبقيامها بمحاولة فاشلة لاستعادة نفوذها الثوري السابق، - ولكنها لم تبلغ غير أمر واحد، هو وقوع زعمائها الحازمين في أيدي سجاني البرجوازية ( ). Il faut en finir! يجب وضع حد لهذا! في هذا الهتاف، تجلى عزم الجمعية الوطنية الراسخ على إجبار البروليتاريا على دخول المعركة الحاسمة. فأصدرت اللجنة التنفيذية جملة من المراسيم المتحدية، كالمرسوم بمنع التجمعات الشعبية، مثلاً، وإلخ.. ومن على منبر الجمعية الوطنية التأسيسية، تعالت التحديات السافرة والشتائم والسخريات الموجهة إلى العمال. ولكن المشاغل الوطنية هي التي كانت، كما رأينا، الموقع الرئيسي لأجل الهجوم. وعليها دلت الجمعية التأسيسية، بلهجة آمرة، اللجنة التنفيذية التي كانت تنتظر وحسب أن تصادق الجمعية الوطنية بصيغة الأمر على خطتها بالذات.
بدأت اللجنة التنفيذية بأن صعبت الدخول إلى المشاغل الوطنية، وأحلت الأجرة بالقطعة محل الأجرة باليوم، وأبعدت جميع العمال من غير مواليد باريس إلى سولون بحجة أعمال الحفر والتتريب الجارية هناك. إلا أن هذه العمال، - كما أعلن العمال، الذين عادوا من هناك خائبي المل، لرفاقهم، - كانت مجرد صيغة بيانية ينبغي لها أن تلطف طردهم. وأخيرًا، في 21 حزيران (يونيو)، صدر في „Moniteur“ مرسوم يأمر بطرد جميع العمال العازبين من المشاغل الوطنية بالقوة أو بتجنيدهم في الجيش.
ولم يكن لدى العمال مجال للاختيار: كان ينبغي عليهم أما أن يموتوا جوعًا، وأما أن يشرعوا بالنضال. وقد ردوا في 22 حزيران بانتفاضة جلية – هي أول معركة كبيرة بين الطبقتين اللتين ينقسم إليهما المجتمع الحديث. كان ذلك نضالاً من أجل بقاء أو فناء النظام البرجوازي. وتمزق اللحاف الذي كانت تلتحف به الجمهورية.
ومعلوم بأي شجاعة لا نظير لها وبأي نبوغ صمد العمال، طوال خمسة أيام، دون أن يكون لهم زعماء، دون أن تكون لهم خطة عامة للعمل، دون أن تكون لهم الأموال بله الأسلحة في معظم الأحوال، في وجه الجيش والحرس المتنقل، والحرس الوطني الباريسي، ورجال الحرس الوطني القادمين من الأقاليم. ومعلوم أن البرجوازية قد انتقمت للخوف المميت الذي كابدته بأعمال وحشية لم يسمع بمثلها من قبل، وذبحت أكثر من 3000 أسير.
ولقد كان ممثلو الديمقراطية الفرنسية الرسميون متأثرين بالأيديولوجية الجمهورية إلى حد أنهم لم يشرعوا في استشفاف أهمية معركة حزيران إلا بعد مرور بضعة أسابيع عليها. فكأنما قد أعمى أبصارهم دخان البارود الذي تبددت فيه جمهوريتهم الغريبة الخيالية.
وأن القارئ ليسمح لنا بأن ننقل بأقوال "الجريدة الرينانية الجديدة" الانطباع المباشر الذي أحدثته هزيمة حزيران في نفوسنا:
"لقد تلاشت البقية الرسمية الأخيرة من ثورة شباط – اللجنة التنفيذية – كالشبح، أمام جدية الحدث؛ وألعاب لامارتين النارية تحولت إلى قصف مدافع كافينياك. وهكذا هو fraternité، إخاء الطبقتين المتضادتين اللتين تستثمر إحداهما الأخرى، هذا الإخاء المبشر به في شباط، المكتوب بأحرف ضخمة على جبين باريس، على كل سجن، على كل ثكنة. تعبيره الحقيقي، غير المقلد، العادي إنما هو الحرب الأهلية، الحرب الأهلية بكل منظرها الرهيب، - الحرب بين العمل والرأسمال. إن هذا الإخاء قد توهج أمام جميع نوافذ باريس في مساء الخامس والعشرين من حزيران، عندما أقامت باريس البرجوازية زينة من الأنوار بينما كانت باريس البروليتاريا تحترق في النار، وتطلق الأنين، وتنزف دمًا. ولم يستمر الإخاء إلا حيث كانت مصالح البرجوازية تتطابق مع مصالح البروليتاريا.
إن متحذلقي التقاليد الثورية القديمة من عام 1793، العقائديين الاشتراكيين، الذين طلبوا الرحمة للشعب من البرجوازية، والذين كان يجوز لهم إلقاء المواعظ الطويلة وتشويه سمعتهم بأنفسهم، إلى أن يفلحوا في هدهدة الأسد البروليتاري؛ والجمهوريين الذين يحرصون على النظام البرجوازي القديم كله ولكن بدون رأس متوج؛ والمعارضين الأسريين الذين حملت لهم الصدفة انهيار الأسرة عوضًا عن تغيير الوزارة؛ والشرعيين الذين يجهدون لكي لا يخلعوا بزتهم المميزة، بل لتغيير تفصيلها فقط، - هؤلاء كانوا الحلفاء الذين قام الشعب معهم بشباطه...
إن ثورة شباط كانت ثورة جميلة، ثورة العواطف العامة، لأن التناقضات التي تكشفت فيها بسطوع ضد السلطة الملكية، كانت لا تزال تغفو بأمان، جنبًا إلى جنب بشكل غير متطور، لأن النضال الاجتماعي الذي يشكل خلفيتها كان لا يزال يعيش عيشة الأشباح، عيشة الأقوال والكلمات أما ثورة حزيران، فهي، على العكس، ثورة كريهة، منفرة، لأن الفعل حل محل القول، لأن الجمهورية كشفت رأس المسخ نفسه، بخلعها عنه التاج الذي يقنعه ويخفيه. النظام! – هكذا كانت صيحة غيزو الحربية. الناظم! صاح سيباستياني، نصير غيزو، عندما استولى الروس على فرصوفيا. النظام! يصيح كافينياك، هذا الصدى الفظ للجمعية الوطنية الفرنسية والبرجوازية الجمهورية. النظام! – لعلع رصاصه ممزقًا جسد البروليتاريا. ما من ثورة من الثورات العديدة التي قامت بها البرجوازية الفرنسية منذ 1789 كانت تطاولاً على النظام، لأن جميع هذه الثورات لم تمس البتة السيادة الطبقية وعبودية العمال والنظام البرجوازي، وإن كان تغير أحيانًا كثيرة الشكل السياسي لهذه السيادة وهذه العبودية. ولكن حزيران تطاول على هذا النظام. فالويل لحزيران!" ("الجرية الرينانية الجديدة"، 29 حزيران (يونيو) 1848).
الويل لحزيران! – يردد الصدى الأوروبي.
لقد أجبرت البرجوازية بروليتاريا باريس على القيام بانتفاضة حزيران. وأن هذا الظرف بحد ذاته قد حكم عليها مسبقًا بالإخفاق. وليست الحاجة المباشرة، الواعية هي التي دفعت البروليتاريا إلى هذه المحاولة لقلب البرجوازية بالعنف؛ ناهيك بأنه لم يكن بعد بمقدورها أن تنفذ هذه المهمة. وكان لا بد أن تعلن لها „Moniteur“ رسميًا أنه انقضى ذلك الزمن الذي كانت الجمهورية فيه بحاجة إلى المراوغة أمام أوهامها؛ والهزيمة وحدها هي التي كشفت لها هذه الحقيقة، وهي أن أقل تحسن في وضعها في إطار الجمهورية البرجوازية يبقى طوبوية وأن هذه الطوبوية تمسي جريمة لدن أول محاولة لتحقيقها. وآنذاك، عوضًا عن المطالب التي شاءت البروليتاريا أن تجبر جمهورية شباط على تلبيتها، المطالب المفرطة من حيث الشكل، ولكن التافهة وحتى البرجوازية من حيث الجوهر، ظهر الشعار الثوري الجريء: إسقاط البرجوازية! ديكتاتورية الطبقة العاملة!
إن البروليتاريا، إذ حولت قبرها إلى مهد للجمهورية البرجوازية، أجبرتها في الوقت نفسه على الظهور بمظهرها الحقيقي، كدولة مهمتها المنشودة تخليد سيادة الرأسمال وعبودية العمل. وكان لا بد لسيادة البرجوازية، المحررة من جميع القيود، والتي ترى دائمًا أمام عينيها عدوًا مثخنًا بالندوب والجراح، لدودا، غير مقهور، غير مقهور، لأن وجوده حاجة حيوية للبرجوازية ذاتها، - أن تصبح على الفور إرهاب البرجوازية. وبعد أن غادرت البروليتاريا المسرح لفترة من الزمن، واعترف رسميًا بديكتاتورية البرجوازية، كان لا بد للفئات المتوسطة من المجتمع البرجوازي – البرجوازية الصغيرة والفلاحين – أن تأخذ بالانضمام إلى البروليتاريا بوثوق مشتد، بقدر ما كان وضعها يتردى والتناحر بينها وبين البرجوازية يتفاقم. وكما رأت من قبل سبب مصائبها في تزايد قوة البروليتاريا، كذلك كان لا بد لها أن تراه الآن في هزيمة البروليتاريا.
وإذا كانت انتفاضة حزيران عززت في كل مكان في القادة أدراك البرجوازية لوضعها وحملتها على الدخول في حلف سافر مع الملكية الإقطاعية ضد الشعب، فمن ذا الذي كان أول ضحية لهذا الحلف؟ البرجوازية القارية ذاتها. فإن هزيمة حزيران قد أعاقتها عن توطيد سيادتها وإبقاء الشعب راضيًا جزئيًا، خائب الأمل جزئيًا، في أسفل دركات الثورة البرجوازية.
وأخيرًا، كشفت هزيمة حزيران أمام الدول الاستبدادية في أوروبا هذا السر وهو أنه من الضروري لفرنسا أن تحافظ على السلام مع جاراتها مهما كلف الأمر، لكي يكون بمقدورها أن تخوض غمار الحرب الأهلية في أرضها بالذات. وقد وضع هذا في قبضة روسيا والنمسا وبروسيا شعوبًا شرعت تناضل في سبيل استقلالها الوطني، ولكن مصير هذه الثورات الوطنية صار في الوقت نفسه مرهونًا بمصير الثورة البروليتارية، وزال استقلالها الظاهري عن الانقلاب الاجتماعي العظيم. فلا المجريون، ولا البولونيون، ولا الإيطاليون سيصبحون أحرارًا ما دام العامل عبدًا!
وأخيرًا، غيرت انتصارات الحلف المقدس أوروبا إلى حد أن كل انتفاضة بروليتارية جديدة في فرنسا تستتبع حتمًا حربًا عالمية. إن الثورة الفرنسية الجديدة ستكون ملزمة بأن تتخطى على الفور النطاق الوطني وتظفر لنفسها بالحلبة الأوروبية التي لا يمكن أن تتحقق ثورة القرن التاسع عشر الاجتماعية إلا عليها.
وهكذا إذن، كانت هزيمة حزيران وحدها هي التي خلقت تلك الظروف التي تستطيع فرنسا في ظلها أن تأخذ زمام مبادرة الثورة الأوروبية. إن الرابطة المثلثة الألوان، إذ تغمست بدم عصاة حزيران، قد صارت راية الثورة الأوروبية – راية حمراء!
وإننا لنهتف: ماتت الثورة، عاشت الثورة!

2
13 حزيران 1849
إن 25 شباط 1848 قد أعطى فرنسا الجمهورية، و25 حزيران فرض عليها الثورة. ولكن الثورة صارت تعني بعد حزيران: إسقاط المجتمع البرجوازي، في حين أنها كانت تعني قبل شباط: إسقاط شكل الدولة.
إن الكتلة الجمهورية من البرجوازية هي التي قادت نضال حزيران، فوضع النصر بالطبع السلطة في يدها. وقد طرحت حالة الحصار تحت قدميها باريس المقيدة اليدين والقدمين، العاجزة عن المقاومة؛ وفي الأقاليم ساد الجو المعنوي لحالة الحصار، ساد الصلف الرهيب والفظ للبرجوازية المحتفلة بالنصر، وساد تعصب الفلاحين الأعمى المنفلت من عقاله، تعصب الملكية الخاصة. وهكذا، لم يكن هناك أي خطر يتهدد من أسفل!
ومع قدرة العمال الثورية، حُطم نفوذ الديموقراطيين السياسي، أي نفوذ البرجوازيين الصغار، الجمهوريين، الذين كان ليدرو – رولان ممثلهم في اللجنة التنفيذية، وحزب الجبل ( ) في الجمعية الوطنية التأسيسية، و“Réforme“ ( ) في الصحافة. فمع الجمهورين البرجوازيين حاكوا في 16 نيسان (إبريل) مؤامرة ضد البروليتاريا، ومعهم قاتلوا ضدهم في أيام حزيران. وهكذا قوضوا بأنفسهم ذلك الأساس الذي كانت ترتكز عليه قوة حزبهم، لأن البرجوازية الصغيرة لا تستطيع الصمود في المواقع الثورية ضد البرجوازية إلا إذا اعتمدت على البروليتاريا. فحصلوا على الإقالة. لقد فسخ الجمهوريون البرجوازيون على المكشوف ذلك الحلف الموهوم الذي عقدوه مع البروليتاريا غصبًا عنهم ولدافع خفي في عهد الحكومة المؤقتة واللجنة التنفيذية. وانحط الجمهوريون الديموقراطيون، المنبوذون بازدراء كحلفاء، إلى حد القيام بدور الحراس الشخصيين للجمهوريين المثلثي الألوان، مع العلم أنه لم يكن بوسعهم أن يحصلوا منهم على أي تنازل، وأنهم كانوا، مع ذلك، ملزمين بأن يدافعوا عن سيادتهم كلما كان الخطر يتهدد هذه السيادة ويتهدد معها الجمهورية، على ما يبدو، من جانب الكتل المعادية للجمهورية من البرجوازية. وأخيرًا، كانت هذه الكتل، الأورليانيون والشرعيون، منذ بادئ بدء، أقلية في الجمعية الوطنية التأسيسية. بل أنها قبل أيام حزيران لم تتجاسر على العمل إلا تحت قناع النزعة الجمهورية البرجوازية؛ إلا أن انتصار حزيران وحد للحظة البرجوازية الفرنسية كلها حول كافينياك فحيته كمنقذها؛ وعندما شرع الحزب المعادي للجمهورية يعمل من جديد بصورة مستقلة بعد أيام حزيران بفترة وجيزة، لم تسمح له الديكتاتورية العسكرية وحالة الحصار في باريس إلا بعد ملامسة بوجل وحذر.
منذ عام 1830 تجمعت كتلة الجمهوريين البرجوازيين في شخص كتابها وخطبائها ونوابغها، في شخص طامحيها ونوابها وجنرالاتها ومصرفييها ومحاميها، حول جريدة „National“ الباريسية. وكانت للـ“National“ جرائد فرعية في الأقاليم. وكانت عصبة „National“ سلالة الجمهورية المثلثة الألوان. فاستولت في الحال على جميع مناصب الدولة – على الوزارات، ومديرية البوليس، ومديرية البريد، ومناصب المحافظين، ومناصب كبار الضباط الفارغة في الجيش. وعلى رأس السلطة التنفيذية، وقف جنرالها كافينياك، وصار رئيس تحريرها ماراست رئيسًا دائمًا للجمعية الوطنية التأسيسية. ولكنه كان، في استقبالاته، يقوم، على غرار رئيس التشريفات، بواجب الضيافة بالنيابة عن الجمهورية "الفاضلة".
فحتى الكتاب الفرنسيون الثوريون، تمشيًا مع تبجيلهم للتقليد الجمهوري، ثبتوا الرأي الزائف الزاعم بأن الملكيين هم الأغلبية في الجمعية الوطنية التأسيسية. وعلى العكس، ظلت الجمعية التأسيسية منذ أيام حزيران مقتصرة على تمثيل الجمهورية البرجوازية، وهي تبرز نزعتها الجمهورية بحزم أكبر كلما تضاءل نفوذ الجمهوريين المثلثي الألوان خارج الجمعية. وعندما تناول الأمر مسألة الذود عن شكل الجمهورية البرجوازية، كانت تحت تصرف الجمعية أصوات الجمهوريين الديموقراطيين؛ ولكن عندما تناول الأمر الذود عن مضمونها، فإن هذه الجمعية لم تختلف حتى بأسلوب الكلام عن الكتل الملكية للبرجوازية، ذلك لأن مصالح البرجوازية والظروف المادية لسيطرتها الطبقية وللاستغلال الطبقي هي التي تشكل مضمون الجمهورية البرجوازية.
وعليه، ليست النزعة الملكية، بل النزعة الجمهورية البرجوازية هي التي تجسدت في حياة ونشاط هذه الجمعية التأسيسية التي لم تمت ولم تقتل في آخر المطاف، بل تعفنت وحسب.
وبينما كانت الجمعية التأسيسية تمثل الرواية على مقدمة المسرح من أجل الجمهور الفائق الاحترام، كان يجري، في كل زمن سيادتها، تقديم الضحايا بلا انقطاع في أعماق المسرح – ونعني بذلك الأحكام الصادرة بلا نهاية عن محاكم الميدان الحربية بحق عصاة حزيران الأسرى أو نفيهم بلا محاكمة. وقد تحلت الجمعية التأسيسية بلباقة الاعتراف بأنها لا تحاكم في عصاة حزيران مجرمين، بل تبيد أعداء.
إن أول عمل قامت به الجمعية الوطنية التأسيسية كان تأسيس لجنة تحقيق في أحداث أيام حزيران و15 أيار وفي القسط الذي اشترك به فيها زعماء الحزبين الاشتراكي والديموقراطي. وكان التحقيق موجهًا مباشرة ضد لويس بلان وليدرو – رولان وكوسيديير. وكان الجمهوريون البرجوازيون يتحرقون بفارغ الصبر للتخلص من هؤلاء المنافسين. ولوضع انتقامهم موضع التنفيذ، لم يكن بوسعهم أن يجدوا شخصًا أنسب من السيد أوديلون بارو، الزعيم السابق للمعارضة الأسرية. وهذه الصورة المجسدة لليبرالية، هذه التفاهة المتفاخرة، هذا الثرثار الثقيل الدم أراد، لا أن ينتقم للأسرة وحسب، بل أن يحاكم الثوريين، علاوة على ذلك، بسبب منصب رئاسة الوزارة الذي أفلت من يديه. فيا للضمانة الأكيدة على قساوته! وبارو هذا هو الذي عُين رئيسًا للجنة التحقيق، فنظم محاكمة حقيقية ضد ثورة شباط انحصرت فيما يلي: 17 مارس – مظاهرة، 16 نيسان – مؤامرة، 15 أيار – اعتداء، 23 حزيران – الحرب الأهلية! ولماذا لم يرجع ببحوثه الجنائية العلمية حتى 24 شباط؟ الجواب عن هذا السؤال أعطته „Journal des Débats“ ( ): أن 24 شباط هو نوع من تأسيس لروما. إن أصل الدول يضيع في مجال الأساطير التي يجب تصديقها، والتي لا تجوز مناقشتها. وقد أحيل لويس بلان وكوسيديير إلى المحاكمة. وأنجزت الجمعية الوطنية عملية تطهيرها بالذات، التي بدأت بها في 15 أيار.
ردت الجمعية التأسيسية مشروع ضريبة الرأسمال – بشكل ضريبة على الرهونات العقارية – الذي أعدته الحكومة المؤقتة وقدمه غودشو من جديد؛ وألغي القانون الذي يحدد يوم العمل بعشر ساعات؛ ومن جديد طبقت عقوبة السجن بسبب الديون؛ وأقصى الأميون الذين يشكلون قسمًا كبيرًا من سكان فرنسا عن الاشتراك في هيئات المحلفين. فلم لا يحرمونهم كذلك في آن واحد من حق الاقتراع؟ ومن جديد، فرضت الضمانة المالية على الجرائد، والقيود على حق الجمعيات.
إلا الن الجمهوريين البرجوازيين اصطدموا في تسرعهم ليعيدوا إلى العلاقات البرجوازية القديمة ضماناتها القديمة ويقضوا على جميع الآثار التي خلفتها الموجات الثورية، بمقاومة تهددتهم بخطر غير متوقع.
ففي أيام حزيران، لم يناضل أحد من أجل إنقاذ الملكية وبعث التسليف بمثل التعصب الذي ناضلت به البرجوازية الصغيرة الباريسية – أصحاب المقاهي والمطاعم، وتجار الخمور، وصغار التجار، وأصحاب الدكاكين، وأصحاب المشاغل الحرفية الصغيرة وخلافهم. لقد اضطرب الدكان فاندفع ضد المتاريس لكي يبعث الحركة السائرة من الشارع إلى الدكان. ولكن وراء المتراس كان الشارون ومدينو صاحب الدكان، وأمام المتراس كان دائنوه. وعندما دمرت المتاريس، وهزم العمال، وعندما اندفع أصحاب الدكاكين في نشوة النصر إلى الوراء نحو دكاكينهم، تبين أن المدخل إليها مغلق بمتراس أقامه منقذ الملكية، العميل الرسمي للتسليف، الذي استقبلهم بشعارات رهيبة. الكمبيالة فات موعدها! دفع بدل الإيجار فات موعده! سند الدين فات موعده!.. ضاع الدكان! ضاع صاحب الدكان!
إنقاذ الملكية! ولكن البيت الذي كانوا يعيشون فيه لم يكن ملكهم؛ والدكاكين التي كانوا يتاجرون فيها لم تكن ملكهم؛ والبضائع التي كانوا يصرفونها لم تكن ملكهم. فلا دكانهم ولا الصحن الذي كانوا يأكلون منه، ولا الفراش الذي كانوا ينامون عليه، بقيت ملكًا لهم. وضدهم بالذات على وجه الضبط كان ينبغي إنقاذ هذه الملكية، - لأجل صاحب البيت الذي أجرهم بيته، لأجل المصرفي الذي خصم الكمبيالات، لأجل الرأسمالي الذي سلفهم النقود، لأجل الصناعي الذي ائتمنهم على بضائعه لبيعها، لأجل التاجر بالجملة الذي أمد أصحاب المشاغل الحرفية الصغيرة بالمادة الخام على سبيل القرض. بعث التسليف! ولكن التسليف الذي جدد قواه أظهر نفسه مثل إله حي ومنتقم وذلك، قبل كل شيء، بكونه طرد المدين المفلس من مسكنه، طرده مع زوجته وأولاده، وأعطى ملكيته الموهومة للرأسمال، وزج به هو ذاته في سجن الديون الذي انتصب من جديد رهيبًا مرعبًا فوق جثث عصاة حزيران.
ولقد أدركت البرجوازية الصغيرة برعب أنها، بهزمها العمال، سلمت نفسها بلا مقاومة في أيدي دائنيها. أما إفلاسها الذي امتد زمنيًا منذ شباط، والذي لم يول أي أهمية، على ما يبدو، فقد أعلن رسميًا الآن، بعد حزيران.
لقد كانوا يتركون الملكية الإسمية للبرجوازية الصغيرة في أمان طالما كانوا بحاجة إلى نضالها من أجل الملكية. أما الآن، وقد سويت القضية الكبيرة التي تتعلق بالبروليتاريا، فقد صار من الممكن أيضًا تصفية الحسابات الصغيرة مع الحانوتي. ففي باريس، بلغت قيمة الكمبيالات التي فات موعد دفعها أكثر من 21 مليون فرنك، وفي الأقاليم 11 مليون فرنك. وكان أصحاب أكثر من 7000 مؤسسة تجارية في باريس لم يدفعوا بدل إيجار متاجرهم منذ شباط.
ولئن كانت الجمعية الوطنية قد قررت التحقيق في الجرائم السياسية ابتداء من شباط، فإن البرجوازية الصغيرة قد طالبت، من جهتها، بالتحقيق في الديوان المدنية لما قبل 24 شباط. وقد اجتمع البرجوازيون الصغار بأعداد كبيرة في قاعة البورصة وأعلنوا مطالبهم بلهجة التهديد والوعيد، وقوامها ما يلي: كل تاجر يثبت أنه لم يفلس إلا بعد الركود الذي أحدثته الثورة في الأعمال، وأن أعماله كانت قبل 24 شباط في حالة حسنة، ينبغي أن يحصل من المحكمة التجارية على تأجيل لدينه، ناهيك بأن الدائن ملزم بتصفية دعواه مقابل دفع الفوائد المعتدلة. وقد بحثت هذه المسألة في الجمعية الوطنية بشكل مشروع قانون في الاتفاقيات الحبية. وترددت الجمعية؛ ثم علمت فجأة أن الآلاف من نساء العصاة وأولادهم قد تحشدوا في هذا الوقت بالذات قرب بوابة سان ديني ويهيئون التماسًا بالعفو.
ارتعدت فرائض البرجوازية الصغيرة أمام شبح حزيران المنبعث، وتصلبت الجمعية في موقفهم من جديد. وإذا الاتفاقيات الحبية – concordats a l’amiable – بين الدائن والمدين ترفض في بنودها الجوهرية.
وعليه، بعدما كان ممثلو البرجوازية الجمهوريون في الجمعية الوطنية قد دفعوا عن أنفسهم من زمان ممثلي البرجوازية الصغيرة الديموقراطيين، اكتسبت هذه القطيعة البرلمانية معنى برجوازيًا، معنى اقتصاديًا واقعيًا مؤداه أن البرجوازيين الصغار المديونين قد وضعوا تحت رحمة البرجوازيين الدائنين. فحل الخراب التام بقسم كبير من هؤلاء المديونين، وسمح للمديونين الباقين بمواصلة أعمالهم بشروط جعلت منهم عبيدًا للرأسمال بلا قيد ولا شرط. وفي 22 آب (أغسطس) 1848، رفضت الجمعية الوطنية الاتفاقيات الحبية، وفي 19 أيلوي (سبتمبر) 1848، في زمن حالة الحصار، انتخب الأمير لويس بونابرت وسجين فنسان ( )، الشيوعي راسباي، ممثلين عن باريس. أما البرجوازية، فقد انتخبت المصرفي المرابي والأورلياني فولد. وهكذا أعلنت الحرب السافرة من جميع الجهات دفعة واحدة على الجمعية الوطنية التأسيسية، وعلى النزعة الجمهورية البرجوازية وعلى كافينياك.
وغني عن البيان أنه كان لا بد للإفلاسات الشاملة التي أصابت البرجوازيين الصغار الباريسيين أن تمس حلقة من الناس أوسع بكثير من حلقة المتضررين مباشرة، وأن تهز الدورة التجارية البرجوازية من جديد، في وقت زادت فيه النفقات بسبب انتفاضة حزيران من عجز الدولة المالي فوق ما هو عليه، وقلت فيه أكثر فأكثر إيرادات الدولة من جراء الركود في الإنتاج، ومن جراء تقلص الاستهلاك والاستيراد. ولم يكن بوسع كافينياك والجمعية الوطنية أن يبحثا عن مخرج إلا في قرض جديد يشد عليهما أكثر من ذي قبل نير الأريستقراطية المالية.
وإذا كانت البرجوازية لم تنل من انتصار حزيران غير الإفلاس والبيع بالمزاد العلني، فإن رجال الحرس المتنقل، انكشارية( ) كافينياك هؤلاء، قد وجدوا لأنفسهم مكافأة في معانقة الحسناوات اللطيفات وفي التحيات التي كانوا ينهالون بها على "منقذي المجتمع الفتيان" في صالونات ماراست، فارس الراية المثلثة الألوان هذا، الذي لعب في آن واحد دور الغني المحسن القدير والشاعر الجوال للجمهورية "الفاضلة". ولكن هذا التفضيل من جانب المجتمع لرجال الحرس المتنقل، ورواتبهم العالية بصورة غير مناسبة، أغضبت الجيش، وفي الوقت نفسه، تبددت جميع الأوهام القومية التي استطاعت النزعة الجمهورية البرجوازية أن تشد بها إليها قسمًا من الجيش والفلاحين بواسطة جريدتها „National“، في عهد لويس فيليب. أن دور الوسيط الذي لعبه كافينياك والجمعية الوطنية في إيطاليا الشمالية، إذ باعاها مع إنجلترا سوية للنمسا – أن هذا اليوم وحده من استلام مقاليد السلطة قد قضي على نتائج 18 سنة من معارضة „National“. وما من حكومة كانت وطنية بنفس القدر من القلعة الذي كانته به حكومة „National“، وما من حكومة كانت تابعة مثلها لإنجلترا، - هذا مع العلم أن „National“ كانت تعيش في عهد لويس فيليب بتحويرها يومًا بعد يوم قول كاتو الأكبر Carthaginem esse delendam (يجب تدمير قرطاجا. الناشر)، - وما من حكومة تزلفت إلى الحلف المقدس بمثل سفالتها، في حين أن „National“ طالبت شخصًا لا وزن له من طراز غيزو بفسخ معاهدات فيينا ( ). إن سخرية التاريخ قد جعلت باستيد، المحرر السابق لقسم الأنباء الخارجية في „National“ وزيرًا لخارجية فرنسا لكي تكذب كل من برقياته كلا من مقالاته.
ولقد آمن الجيش والفلاحون في وقت من الأوقات بأن الديكتاتورية العسكرية ستضع من أجل فرنسا الحرب الخارجية و"المجد" في جدول الأعمال. ولكن كافينياك لم يكن صورة مجسدة لديكتاتورية السيف على المجتمع البرجوازي، بل لديكتاتورية البرجوازية بواسطة السيف. ولم تبق ثمة حاجة إلى الجندي الآن إلا في دور الدركي. وتحت قناع صارم من التواضع الجمهوري القديم، أخفى كافينياك خضوعه الخسيس لوظيفته البرجوازية وشروطها المذلة. L’argent n’a pas de maître! النقود لا تعرف سيدا! وقد أصبغ كافينياك والجمعية التأسيسية على هذا الشعار القديم للمرتبة الثالثة، هالة مثالية، بترجمته إلى لغة السياسة بالكلمات التالية: البرجوازية لا تعرف ملكا، والشكل الحقيقي لسيادتها هو الجمهورية.
وفي صياغة هذا الشكل، في صياغة الدستور الجمهوري، كان ينبغي أن يتلخص "العمل العضوي العظيم" للجمعية الوطنية التأسيسية. أن تغيير التقويم المسيحي بالتقويم الجمهوري والقديس بارتوليمي بالقديس روبسبيير ما كان من شأنه أن يغير الطقس أكثر مما غير الدستور أو أكثر مما كان يجب عليه أن يغير المجتمع البرجوازي. وحيث تجاوز الأمر تغيير اللباس، اكتفى الدستور بأن سجل في المحضر الوقائع القائمة منذ حين. فهكذا، مثلاً، سجل بمهابة واحتفال واقع قيام الجمهورية، وواقع حق الانتخاب العام، وواقع الجمعية الوطنية السيدة الوحيدة عوضًا عن المجلسين الدستورين المقيدين. وهكذا، مثلاً، سجل وأثبت شرعًا وقانونًا واقع ديكتاتورية كافينياك مستعيضًا عن السلطة الملكية الدائمة، غير المسؤولة، الوراثية بسلطة ملكية عابرة، مسؤولة، منتخبة، هي سلطة الرئاسة لمدة أربع سنوات. ثم لم تلبث أن جعلت من تلك السلطة الاستثنائية التي عهدت بها الجمعية الوطنية إلى رئيسها بعد فظائع 15 أيار و25 حزيران في مصلحة سلامتها بالذات، قانونًا أساسيًا. وكان الباقي في الدستور مسألة تعابير ومصطلحات. فقد نزعت عن آلية الملكية القديمة اللصائق الملكية، وألصقت محلها اللصائق الجمهورية. وأن ماراست الذي كان من قبل رئيس تحرير „National“ وصار الآن رئيس تحرير الدستور، قد أدى هذه المهمة الأكاديمية، وليس بدون موهبة.
كانت الجمعية الوطنية تشبه ذلك الموظف التشيلي الذي اعتزم مسح الأرض لأجل تعيين الحدود بين الملكيات العقارية بمزيد من الدقة، وذلك في نفس اللحظة التي أنبأ فيها هدير باطن الأرض بانفجار بركاني كان لا بد له أن ينتزع هذه الأرض من تحت قدميه. وبينما كانت الجمعية الوطنية تصوغ في ميدان النظرية أشكالاً دقيقة لأجل التعبير الجمهوري عن سيادة البرجوازية، كانت في ميدان الواقع لا تصمد إلا بإنكار جميع الصيغ، إلا بمجرد العنف، إلا بواسطة حالة الحصار. فقبل يومين من بدء صياغة الدستور، مددت أجل حالة الحصار. في الأزمنة السابقة، كانت الدساتير تصاغ وتتخذ عندما كان يقوم التوازن في سياق الانقلاب الاجتماعي، عندما كانت العلاقات الطبقية الجديدة تصبح ثابتة، وعندما كانت الكتل المتصارعة من الطبقة السائدة تلجأ إلى مساومة من شأنها أن تتيح لها مواصلة الصراع فيما بينها واستبعاد جماهير الشعب الخائرة القوى عن هذا الصراع. أما هذا الدستور، فإنه لم يؤكد أي ثورة اجتماعية؛ بل أكد الانتصار المؤقت الذي أحرزه المجتمع القديم على الثورة.
في مشروع الدستور الأول الذي وضع قبل أيام حزيران، ورد ذكر „droit au travail“، الحق في العمل، هذه الصيغة الخرقاء الأولى التي تلخص بها المطالب الثورية للبروليتاريا. أما الآن، فقد تحولت هذه الصيغة وصارت „droit a l’assistance“، الحق في الإحسان الاجتماعي، - وأي دولة حديثة لا تطعم شحاذيها بنحو أو آخر؟ إن الحق في العمل هو، بالمعنى البرجوازي، سخافة، أمنية بريئة حقيرة؛ ولكن وراء الحق في العمل تكمن السلطة على الرأسمال، ووراء السلطة على الرأسمال – امتلاك وسائل الإنتاج، وإخضاعها للطبقة العاملة المجتمعة، والقضاء بالتالي على العمل المأجور والرأسمال وعلى العلاقات بينهما. ووراء "الحق في العمل" كانت تقف انتفاضة حزيران. وأن الجمعية التأسيسية التي وضعت بالفعل البروليتاريا الثورية hors la loi، خارج القانون، إنما كان يتعين عليها أن تشطب صيغتها من الدستور، من قانون القوانين هذا، أن تصب اللعنة والحرم على "الحق في العمل". ولكنها لم تكتف بهذا. فكما طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته، كذلك طردت إلى الأبد من جمهوريتها ضريبة الدخل التصاعدية. ولكن هذه الضريبة ليست فقط تدبيرًا برجوازيًا صرفًا قابلاً للتطبيق إلى هذا الحد أو ذاك في إطار علاقات الإنتاج القائمة، - بل كانت أيضًا الوسيلة الوحيدة لربط الفئات المتوسطة من المجتمع البرجوازي بالجمهورية "الفاضلة"، وتقليل دين الدولة، والرد على الأغلبية المعادية للجمهورية من البرجوازية.
إن الجمهوريين المثلثي الألوان، إذ رفضوا الاتفاقيات الحبية، قد ضحوا عمليًا بالبرجوازية الصغيرة في مصلحة البرجوازية الكبيرة وقد جعلوا من هذا الواقع الوحيد مبدأ، بإضفائهم الصفة القانونية على منع ضريبة الدخل التصاعدية. وقد وضعوا الإصلاح البرجوازي في مصف واحد مع الثورة البروليتارية. فأي طبقة بقيت إذن، بعد هذا، دعامة جمهوريتهم؟ البرجوازية الكبيرة. ولكن أغلبيتها كانت معادية للجمهورية. وإذا كانت قد استغلت جمهوريي „Nationale“ لكي توطد العلاقات الاقتصادية القديمة، فإنها اعتزمت، من جهة أخرى، أن تستفيد من توطد العلاقات الاجتماعية القديمة لكي تبعث الأشكال السياسية المناسبة لها. وفي مستهل تشرين الأول، رأى كافينياك نفسه مضطرًا إلى تعيين دوفور وفينيان، وزيري لويس فيليب سابقًا، وزيرين للجمهورية، رغم كل ما أطلقه المتزمتون الأغبياء من حزبه ذاته من ضجيج وصياح.
إن الدستور المثلث الألوان نبذ كل مساومة مع البرجوازية الصغيرة وعجز عن أن يربط بشكل الدولة الجديد أيًا من العناصر الاجتماعية الجديدة، ولكنه أسرع وأعاد الحصانة التقليدية إلى تلك الطائفة التي كانت أشد المدافعين عن النظام القديم ضراوة وتعصبًا. فقد رفع إلى مستوى القانون الأساسي استحالة عزل القضاة التي كانت قد تطاولت عليها الحكومة المؤقتة السابقة. إن الملك الوحيد الذي أطاح به قد انبعث بالآلاف في أشخاص قضاة محاكم التفتيش هؤلاء الذين يستحيل عزلهم.
لقد أوضحت الصحافة الفرنسية تناقضات دستور السيد ماراست العديدة، ومنها، مثلاً، وجود سيدين في آن واحد، هما الجمعية الوطنية والرئيس، وما إلى ذلك.
ولكن التناقض الرئيسي في هذا الدستور يقوم فيما يلي: بواسطة حق الانتخاب العام، يمنح السلطة السياسية لتلك الطبقات التي ينبغي عليه أن يخلد عبوديتها الاجتماعية، - أي للبروليتاريا والفلاحين والبرجوازية الصغيرة. أما تلك الطبقة التي يثبت الدستور سلطتها الاجتماعية القديمة، - أي الطبقة البرجوازية، - فهو يحرمها الضمانات السياسية لهذه السلطة. وقد حصر السيادة السياسية للبرجوازية في إطارات ديموقراطية تيسر لدى كل خطوة انتصار أخصام البرجوازية وتضع في كف عفريت أسس المجتمع البرجوازي ذاتها. وهو يطلب من البعض أن يمتنعوا عن السير إلى الأمام من التحرر السياسي إلى التحرر الاجتماعي، ومن البعض الآخر أن يمتنعوا عن السير إلى الوراء من العودة الاجتماعية إلى العودة السياسية.
كان الجمهوريون البرجوازيون في شاغل عن هذه التناقضات. فبقدر ما كفوا عن أن يكونوا ضرورين، - ولم يكونوا ضروريين إلا بوصفهم طليعة المجتمع القديم في نضاله ضد البروليتاريا الثورية، - بقدر ما كفوا، بعد انتصارهم ببضعة أسابيع، عن أن يكونوا حزبًا وانحطوا إلى وضع زمرة. لقد كان الدستور بالنسبة لهم مؤامرة كبيرة. كان على الدستور أن يقيم سيادة زمرتهم. وكان ينبغي أن يبقى كافينياك رئيسًا. كان ينبغي أن تكون الجمعية التشريعية استمرارًا للجمعية التأسيسية. أما السلطة السياسية للجماهير الشعبية، فقد كانوا يأملون أن يجعلوا منها وهما من الأوهام: بل أنهم كانوا يحسبون أنهم سيتمكنون من التلاعب بسهولة بهذا الوهم ومن إبقاء أغلبية البرجوازية على الدوام في حالة من الخوف والذعر، بطرح معضلة أيام حزيران أمامها: أما حكم „Nationale“ وأما حكم الفوضى.
بدأ إعداد الدستور في 4 أيلوي وانتهى في 23 تشرين الأول. ففي الثاني من أيلول، قررت Constituante (Assemblée Constituante الجمعية التأسيسية – جمعية انتخبت بالاقتراع العام بعد ثورة شباط 1848 لكي تضع دستورًا Constitution جديدًا لفرنسا. – والمقصود بها هنا الجمعية التأسيسية). أن تظل منعقدة حتى صدور القوانين العضوية المستكملة للدستور. ومع ذلك، قررت أن تدفع إلى حلبة الحياة وليدها بالذات، الرئيس، ابتداء من كانون الأول، أي قبل زمن طويل من انتهاء مجالها الحيوي بالذات. فلقد كانت واثقة بأنها سوف تحيي في شخص هومونكول( ) الدستور ابن أمه. وعلى سبيل التحوط، تقرر أن ينتقل حق الانتخاب من الأمة إلى Constituante فيما إذا لم ينل أي من المرشحين مليوني صوت.
وعبثًا كان هذا التحوط! فإن اليوم الأول لتطبيق الدستور كان اليوم الأخير لسيادة Constituante. ففي قاع صندوق الاقتراع، كان حكم الإعدام بحقها. لقد فتشت عن "ابن أمه"، ولكنها وجدت "ابن أخي عمه" ( ). فقد أحرز شاوول – كافينياك مليون صوت فقط، وأحرز داود – نابليون ستة ملايين. وهكذا هزم شاوول – كافينياك سداسًا ( ).
كان العاشر من كانون الأول يوم انتفاضة الفلاحين. ومنذ هذا اليوم فقط، بدأ شباط بالنسبة للفلاحين الفرنسيين. إن الرمز الذي أفصح عن دخولهم في الحركة الثورية، الخرافة الفطنة، الخرقاء – الماكرة، الساذجة – الغشاشة، السخيفة – السامية، المهزلة الرائعة، المفارقة التاريخية العبقرية – التافهة، النكتة المشاكسة من التاريخ العالمي، الهيروغليف غير المفهوم بالنسبة للعقل المتحضر، - هذا الرمز كان موسومًا بكل جلاء بسمة تلك الطبقة التي هي ممثلة البربرية في قلب الحضارة. لقد أعلنت الجمهورية له عن وجودها بشخص جابي الضرائب، وأعلن هو لها عن وجوده بشخص الإمبراطور. فقد كان نابليون الرجل الوحيد الذي وجدت فيه مصالح طبقة الفلاحين المتشكلة حديثًا في عام 1789 وخيالها تعبيرًا شافيًا وافيًا عنها. لقد كتب الفلاحون اسمه على موجهة الجمهورية، فأعلنوا بذلك الحرب على الدول الأجنبية، والنضال من أجل مصالحهم الطبقية في داخل البلد. لقد كان نابليون بالنسبة للفلاحين برنامجًا، لا فردًا. وقد مضوا إلى صناديق الاقتراع مع الرايات والموسيقى، هاتفين:
„Plus d’impots, a bas les riches, a bas la république, vive l’Empereur!”
- "لتسقط الضرائب، ليسقط الأغنياء، لتسقط الجمهورية، عاش الإمبراطور!". ووراء ظهر الإمبراطور، كانت تتخفى الحرب الفلاحية. فإن الجمهورية التي أحبطوها في الانتخابات كانت جمهورية الأغنياء.
كان العاشر من كانون الأول انقلابًا سياسيًا قام به الفلاحون الذين أطاحوا بالحكومة القائمة. ومنذ ذلك اليوم، أي منذ أن انتزعوا من فرنسا حكومة وأعطوها حكومة أخرى، كانت أبصارهم مصوبة على الدوام إلى باريس. لقد قاموا للحظة بأدوار أشخاص المسرحية الثورية؛ وبعد ذاك لم يبق من الممكن فرض دور الجوقة الخامل وغير الفعال عليهم.
وقد ساعدت الطبقات الأخرى في إنجاز نصر الفلاحين الانتخابي. ففي انتخاب نابليون، رأت البروليتاريا، قبل كل شيء، نهاية كافينياك وConstituante، وتصفية النزعة الجمهورية البرجوازية، - وكان ذلك يعني بالنسبة لها نقض انتصار حزيران. وبالنسبة للبرجوازية الصغيرة، كان انتخاب نابليون يعني انتصار المديونين على الدائنين؛ وبالنسبة لأغلبية البرجوازية الكبيرة، كان يعني القطيعة السافرة مع تلك الكتلة التي كانت لمدة من الزمن أداة بيد هذه الأغلبية ضد الثورة، ولكن التي أمست عبئًا على أغلبية البرجوازية الكبيرة منذ أن أرادت أن توطد الوضع المؤقت بالدستور. نابليون عوضًا عن كافينياك – كان هذا يعني، بالنسبة لأغلبية البرجوازية الكبيرة، الملكية عوضًا عن الجمهورية، بداية العودة الملكية، إيماءة وجلة بالرأس إلى دوق أورليان، الزنبقة المتسترة بين زهور البنفسج ( ). وأخيرًا، صوت الجيش، بانتخابه نابليون، ضد الحرس المتنقل، ضد طمأنينة السلام، من أجل الحرب.
وهكذا، على حد تعبير "الجريدة الرينانية الجديدة"، حظي أقصر الناس نظرًا في فرنسا بأوسع الدلالة (في النص الألماني – تلاعب كلام: einfältig – ضيق النظر؛ vielfältig – واسع الدلالة. الناشر). ولأنه كان شخصًا حقيرًا تافهًا، لهذا السبب بالذات، كان بوسعه أن يعني كل شيء، - ما عدا شخصه. ولكن، على الرغم من أن اسم نابليون كان له أكثر المعاني اختلافًا على ألسنة مختلف الطبقات، كانت جميعها تكتب مع هذا الاسم على ورقة الاقتراع: "ليسقط حزب „Nationale“!، ليسقط كافينياك، لتسقط Constituante لتسقط الجمهورية البرجوازية!". وقد أعلن الوزير دوفور هذا على المكشوف في الجمعية التأسيسية قائلاً: "إن العاشر من كانون الأول كان نسخة عن الرابع والعشرين من شباط".
لقد صوتت البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا en bloc (بالجملة، سوية. الناشر) مع نابليون لكي تصوتا ضد كافينياك، ولكي تحرما Constituante، بتركيز جميع الأصوات على مرشح واحد، من إمكانية اتخاذ القرار الفاصل. ولكن القسم الأكثر تقدمًا في كل من هاتين الطبقتين قدم مرشحًا خاصًا به. لقد كان نابليون اسم جنس لجميع الأحزاب المتحدة ضد الجمهورية البرجوازية، وكان ليدرو – رولان وراسباي أسمى علم، الأول للبرجوازية الصغيرة الديمقراطية، والثاني للبروليتاريا الثورية. فإن التصويت مع راسباي – هكذا أعلى أمام الملأ العمال وزعماؤهم الاشتراكيون – كان يتسم بطابع مظاهرة وحسب؛ كان احتجاجًا جماهيريًا على كل نظام رئاسي بوجه عام، أي ضد الدستور نفسه؛ وكان في الوقت نفسه تصويتًا ضد ليدرو – رولان؛ كان أول عمل تجلى فيه انفصال البروليتاريا، بوصفها حزبًا سياسيًا مستقلاً، عن الحزب الديموقراطي. وعلى العكس، نظر هذا الحزب الأخير – البرجوازية الصغيرة الديموقراطية، وممثلها في البرلمان، "الجبل" – إلى ترشيح ليدرو – رولان بتلك الجدية الكاملة التي تملك بها تلك العادة المهيبة لاستحماق نفسها بنفسها. وعلى كل حال، كانت هذه محاولتها الأخيرة للعمل بصورة مستقلة إلى جانب البروليتاريا. ففي العاشر من كانون الأول، لم تنزل الهزيمة بحزب البرجوازية الجمهورية وحسب، بل أيضًا بالبرجوازية الصغيرة الديموقراطية و"جبلها".
وإلى جانب "الجبل"، صار لفرنسا الآن نابليون – الأمر الذي يدل على أن هذا وذاك لم يكونا غير صورتين كاريكاتوريتين جامدتين لظاهرتي الواقع العظيمتين اللتين كانتا تحملان اسميهما. فإن لويس نابليون كان مع نسره الإمبراطوري وقبعته الثلاثية الزوايا صورة حقيرة تافهة عن نابليون القديم مثلما كان "الجبل" مع وضعاته المتصنعة الديماغوجية وتعابيره وجمله المقتبسة من عام 1793 صورة تافهة حقيرة عن "الجبل" القديم. وهكذا وضع حد للوهم التقليدي حيال عام 1793 مع تبدد الوهم التقليدي حيال نابليون. ولم تصبح الثرة ثورة حقًا وفعلاً إلا عندما تلقت اسمها الخاص، الأصلي، الأمر الذي لم يصبح ممكنًا إلا عندما برزت الطبقة الثورية الجديدة – البروليتاريا الصناعية – في مقدمتها بقوة وحزم. ويمكن القول أن العاشر من كانون الأول كان مفاجأة لحزب الجبل وأنه قد أوقعه في حيرة وارتباك لأن النكتة الفلاحية الخشنة مزقت مع الضحك التشبيه الكلاسيكي بالثورة القديمة.
في 20 كانون الأول، ألقي كافينياك واجباته عن كاهله، ونادت الجمعية التأسيسية بلويس نابليون رئيسًا للجمهورية. وكانت في 19 كانون الأول، في اليوم الأخير من حكمها المطلق، قد رفضت اقتراحًا بالعفو عن عصاة حزيران. إلغاء مرسوم السابع والعشرين من حزيران الذي حكمت فيها بلا محاكمة على 15000 من العصاة بالنفي – أو لم يكن يعني هذا التبروء من مجزرة حزيران نفسها؟
أصبح أوديلون بارو، آخر وزير للويس فيليب، أول وزير للويس بونابرت. وبما أن لويس نابليون كان يحسب بداية حكمه، لا من العاشر من كانون الأول، بل من مرسوم مجلس الشيوخ الصادر في عام 1804 ( )، فقد وجد لنفسه أول وزير كان يحسب هو أيضًا بداياته وزارته، لا من العاشر من كانون الأول، بل من المرسوم الملكي الصادر في 24 شباط. إن لويس نابليون، بصفته الوريث الشرعي للويس فيليب، قد خفف عملية تغيير الحكومة، وذلك باحتفاظه بالوزارة السابقة ناهيك بأن هذه الوزارة لم يكن قد تسنى لها الوقت لتستنفد قواها لأنه لم يكن قد تسنى لها الوقت لرؤية النور.
وهذا الاختيار أوحى له به زعماء الكتل الملكية من البرجوازية. فإن رئيس المعارضة الأسرية القديمة، الذي قام عن غير وعي بدور درجة انتقالية إلى جمهوريي „Nationale“، كان يصلح بالأحرى ليكون عن وعي تام جسرًا من الجمهورية البرجوازية إلى الملكية.
كان أوديلون بارو زعيم الحزب المعارض القديم الوحيد الذي لم يكن قد تسنى له الوقت، بسبب سعيه الدائم عبثًا للحصول على حقيبة وزارية، ليشوه سمعته نهائيًا. إن الثورة قد رفعت بسرعة إلى قمة الدولة جميع الأحزاب المعارضة القديمة الواحد تلو الآخر، لكي تضطر إلى التنكر، إلى التبرؤ، لا بالأفعال وحسب، بل أيضًا بالأقوال، من جملها وتعابيرها القديمة ولكي يرمي الشعب بها جميعها معًا في آخر المطاف، بوصفها خليطًا كريهًا تمامًا، إلى مزبلة التاريخ. وبارو، هذه الصورة المجسدة لليبرالية البرجوازية، هذا الرجل الذي أخفي طوال ثمانية عشر عامًا على التوالي خساسته وفراغه الداخليين تحت ستار من التشامخ الظاهري، لم يتجنب أي درجة من الارتداد. ولئن كان التناقض المفرط في الحدة بين أشواك الحاضر وأكاليل غار الماضي يخيفه هو نفسه من حين إلى آخر، فقد كان حسبه أن ينظر إلى المرآة حتى يعود إليه من جديد رباطة جاشة الوزارية وعبادة الذات البشرية. ففي المرآة كانت تشع أمامه سحنة غيزو – غيزو الذي حسده، هو بارو، على الدوام، والذي كان يعامله على الدوام كتلميذ، - غيزو نفسه، ولكن مع ملامح أوديلون الأولمبية. بيد أنه لم ير على نفسه إلا شيئًا واحدًا هو أذنا ميداس ( ).
في الرابع والعشرين من شباط لم يظهر بارو نفسه إلا في بارو العشرين من كانون الأول؛ وإليه، هو الأورلياني والفولتيري، انضم الشرعي والجزويتي فالو بصفة وزير للأديان.
وبعد بضعة أيام، أعطيت وزارة الداخلية للمالتوسي ليون فوشيه. القانون، الدين، الاقتصاد السياسي! كل هذا كان في وزارة بارو، ناهيك بأنه جمع الشرعيين إلى الأورليانيين. إلا أنه كان ينقص فقط بونابرتي. كان بونابرت لا يزال يخفي ادعاءه بدور نابليون، لأن سولوك لم يكن قد تظاهر بأنه توسان لوفرتور.
كان حزب „Nationale“ قد أقصى في الحال من جميع المناصب الرفيعة التي استطاع بلوغها. مديرية البوليس، مديرية البريد، النيابة العامة، بلدية باريس، - كل هذا صار من نصيب صنائع الملكية السابقين، وقد جمع الشرعي شانغارنيه في يديه قيادة الحرس الوطني في محافظة السين والحرس المتنقل ووحدات فرقة الجيش الأولى؛ وعين الأورلياني بوجو آمرًا لجيش الألب. إن هذا التغيير في الموظفين قد استمر بلا انقطاع في زمن وزارة بارو. وكان أول عمل قامت به وزارته هو بعث الإدارة الملكية القديمة. وفي طرفة عين، تغير المسرح الرسمي كله – الكواليس، الألبسة، اللغة، الممثلون، الكومبارس، المشتركون في المشاهد الجماهيرية، الملقنون، مواقف الأحزاب، القوى المحركة في الدراما، جوهر النزاع، جميع الديكورات. فقط الجمعية التأسيسية، التي انبثقت قبل خلق العالم، بقيت في مكانها. ولكن منذ أن نصبت الجمعية التأسيسية بونابرت، ونصب بونابرت بارو، وبارو شانغارنيه، انتقلت فرنسا من مرحلة تأسيس الجمهورية إلى عهد الجمهورية المؤسسة. وفي هذه الحال، ما الداعي لبقاء هذه الجمعية التأسيسية في جمهورية تم تأسيسها؟ فبعد خلق الأرض، لم يبق لخالقها ما يفعله غير الفرار إلى السماء. إلا أن الجمعية التأسيسية وطدت العزم على عدم العمل بمثاله؛ فقد كانت الجمعية الوطنية الملجأ الأخير لحزب الجمهوريين البرجوازيين. ولئن كانت قد انتزعت منها جميع مقاليد السلطة التنفيذية، أفلم تبق في يديها مقاليد السلطة التشريعية الكلية القدرة؟ وكانت أول فكرة خطرت في بالها، هي أن تحتفظ لنفسها بمنصبها الرفيع، مهما كلف الأمر، وأن تستعيد لنفسها بواسطته مواقعها المفقودة. حسبها أن تسقط وزارة بارو وتستعيض عنها بوزارة „Nationale“؛ وفي هذه الحال، سيتعين على الموظفين الملكيين أن يخلوا المكاتب والدوائر، وعلى الموظفين المثلثي الألوان أن يعودوا إليها من جديد بشكل مظفر. وقد قررت الجمعية الوطنية إسقاط الوزارة، وأعطتها الوزارة نفسها ذريعة للهجوم لم يكن بوسع Constituante حتى أن تبتكر ذريعة أنسب منها.
لنعد إلى الأذهان أن لويس بونابرت كان يعني بالنسبة للفلاحين: لتسقط الضرائب! ستة أيام جلس في كرسي الرئاسة، وفي اليوم السابع، في 27 كانون الأول، اقترحت وزارته إبقاء ضريبة الملح التي كانت قد ألغيت بمرسوم من الحكومة المؤقتة. أن ضريبة الملح تشاطر ضريبة الخمور امتياز كونهما كبش الفداء للنظام المالي القديم في فرنسا، ولا سيما في عيون سكان الريف. ولم يكن من الممكن أن توحي وزارة بارو لمنتخب الفلاحين بشعار ساخر هجائي من ناخبيه أشد لذعًا من كلمات: بعثه ضريبة الملح. ومع ضريبة الملح، فقد بونابرت ملحه الثوري، - لقد ماع وضاع نابليون الانتفاضة الفلاحية، كشبح ضبابي، ولم يبق غير انطباع مبهم عن مؤامرة ملكية برجوازية. وليس عن غير قصد، قامت وزارة بارو بهذا العمل الخالي من الذوق لتحطيم الأوهام بأول عمل حكومي للرئيس تحطيمًا فظًا.
وتلقفت Constituante بسرور، من جهتها، الفرصة المزدوجة: إسقاط الوزارة، والقيام ضد منتخب الفلاحين بدور المدافع عن مصالح الفلاحين. فردت اقتراح وزير المالية، وخفضت ضريبة الملح حتى ثلث مقاديرها السابقة، فزادت بالتالي عجز الدولة البالغ 560 مليونًا مقدار 60 مليونًا، وانتظرت بهدوء بعد هذا التصويت بعدم الثقة استقالة الوزارة. هكذا قلما فهمت العالم الجديد المحيط بها ووضعها بالذات الذي تغير. فوراء الوزارة، كان يقف الرئيس، ووراء الرئيس، ستة ملايين ناخب كان كل منهم قد وضع في صندوق الاقتراع تصويتًا بعدم الثقة في Constitante. وقد أعادت Constituante إلى الأمة تصويتها بعدم الثقة. تبادل مضحك! لقد نسيت Constituante أن تصويتاتها قد فقدت قيمتها القسرية. وهي إذ رفضت ضريبة الملح، لم تفعل غير أن وطدت عزم بونابرت ووزرائه على "التخلص" منها. وبدأ صراع طويل يملأ كل النصف الثاني من وجودها. وقد كان التاسع والعشرين من كانون الثاني، والحادي والعشرون من آذار، والثامن من آيار الأيام الكبيرة في هذه الأزمة، وبشيرة الثالث عشر من حزيران.
لقد رأى الفرنسيون – لويس بلان مثلاً – في التاسع والعشرين من كانون الثاني مظهرًا للتناقض الدستوري بين الجمعية الوطنية السيدة التي لا يجوز حلها والتي نجمت عن حق الاقتراع العام، وبين الرئيس المسؤول على الورق أمام الجمعية ولكن المثبت بالفعل، مثله مثل الجمعية، بانصباب الأصوات العام عليه، ناهيك بأنه يجمع في شخصه وحده جميع تلك الأصوات المقسمة والمكسرة مائة مرة بين مختلف أعضاء الجمعية الوطنية؛ وناهيك بأن الرئيس يحصر في يديه السلطة التنفيذية كلها التي تحوم الجمعية الوطنية فوقها بصفة قوة معنوية فحسب. أن هذا التفسير لأحداث التاسع والعشرين من كانون الثاني يخلط بين الشكل الكلامي للنضال في البرلمان وفي الصحافة وفي النوادي وبين مضمونه الفعلي. فإن لويس بونابرت والجمعية الوطنية التأسيسية لم يكونا البتة هيئتين مختلفتين، لسلطة دستورية واحدة. ولم يكن بونابرت سلطة تنفيذية تواجه السلطة التشريعية. فإن بونابرت إنما كان الجمهورية البرجوازية نفسها التي تم تأسيسها والتي أخذت تواجه بالدسائس الطماحة والمطالب الأيديولوجية الكتلة الثورية من البرجوازية، هذه الكتلة التي أسست الجمهورية ووجدت الآن، لما فيه دهشتها، إن الجمهورية التي أسستها تبدو تمامًا مثل ملكية معادة، وأرادت الآن أن تمدد بالعنف المرحلة التأسيسية بظروفها الخاصة، وأوهامها ولغتها وأشخاصها، وتعيق الجمهورية البرجوازية الناضجة عن الظهور بمظهرها الناجز والمميز. وكما كانت الجمعية التأسيسية تمثل كافينياك الهابط من جديد في بيئتها، كذلك برز بونابرت ممثلاً للجمعية الوطنية التشريعية التي لم تنفصل بعد عنه، أي للجمعية الوطنية للجمهورية البرجوازية التي تم تأسيسها.
ولم يكن من الممكن أن يجد انتخاب بونابرت تأويلاً إلا بعد أن وضعت مكان اسم واحد دلالاته العديدة، وبعد أن تكرر هذا الانتخاب في انتخابات الجمعية الوطنية الجديدة. لقد نقض التفويض السابق في العاشر من كانون الأول. وعليه لم يقع الاصطدام في التاسع والعشرين من كانون الثاني بين الرئيس والجمعية الوطنية في الجمهورية ذاتها، بل بين الجمعية الوطنية للجمهورية الجارية أقامتها، من جهة، وبين رئيس الجمهورية التي تمت إقامتها، من جهة أخرى، بين سلطتين تجسدان عهدين مختلفين تمامًا في تطور حياة الجمهورية. ففي معسكر كانت تقف كتلة صغيرة من الجمهورية البرجوازية، - وكان بمقدورها وحدها أن تعلن الجمهورية، وتنتزعها بالنضال في الشارع وبالإرهاب من يد البروليتاريا الثورية، وترسم خطوط مثالية في الدستور لهذه الجمعية؛ وفي المعسكر الآخر، كان يقف كل الجمهور الملكي من البرجوازي، - وكان بمقدوره وحده أن يسيطر في هذه الجمهورية البرجوازية المؤسسة، ويخلع عن الدستور حلته الأيديولوجية ويطبق في الواقع، بواسطة هيئته التشريعية وإدارته الشروط الضرورية لاستعباد البروليتاريا.
إن العاصفة التي انفجرت في 29 كانون الثاني قد جرى إعدادها في سياق شهر كامل. كانت Constituante تظن أنها، بتصويتها بعدم الثقة في وزارة بارو، ستحملها على الاستقالة. ولكن وزارة بارو، ردًا على هذا، عرضت من جهتها على Constituante أن تعرب لنفسها بنفسها عن عدم الثقة النهائي وأن تحكم على نفسها بنفسها بالانتحار، وأن تصدر قرارًا بحل نفسها بنفسها. فبإيعاز من الوزارة، عمد راتو، وهو من أضعف النواب مكانة، وتقدم في 6 كانون الثاني بهذا الاقتراح من Constituante، من هذه Constituante ذاتها التي سبق لها وقررت في آب أن لا تحل نفسها، طالما لم تسن جملة كاملة من القوانين العضوية المستكملة للدستور. ووقف فولد، نصير الوزارة، وأعلن Constituante بدون مواربة أن حلها ضروري "لأجل بعث التسليف المتزعزع". وبالفعل، ألم تقوض التسليف، يا ترى، بتمديدها الوضع المؤقت وبوضعها موضع الشك من جديد بونابرت في شخص بارو، والجمهورية المؤسسة في شخص بونابرت؟ فإن الأولمبي بارو كان قد تحول إلى أورلندو ( ) غاضب لفكرة أنهم سينتزعون منه من جديد منصب رئاسة الوزارة الذي توصل إليه في آخر المطاف، دون أن يعطوه الفرصة للتمتع به ولو أسبوعين، - ذلك المنصب نفسه الذي أجبره الجمهوريون ذات يوم على انتظاره طوال "ديسينيوم" بكامله، أي طوال عشرة أشهر. وإذا بارو، في معاملته لهذه الجمعية الحقيرة، يتفوق بطغيانه على الطاغي نفسه. وكان ألطف تعبير له: "ويستحيل أي مستقبل معها". والواقع أنها لم تعد تمثل الآن غير الماضي. وأضاف بسخرية: "إنها عاجزة عن إحاطة الجمهورية بالمؤسسات الضرورية لتوطيدها"؛ وهذا هو الواقع حقًا! فمع تناحر الجمعية الاستثنائي مع البروليتاريا، تحطمت عزيمتها البرجوازية، ومع تناحرها مع الملكيين، انتعش من جديد بهاؤها الجمهوري. وهكذا كانت الجمعية عاجزة من جانبين عن توطيد الجمهورية البرجوازية بالمؤسسات المناسبة إذ لم تعد تفهمها.
ومع اقتراح راتو، استشارت الوزارة في الوقت نفسه زوبعة كاملة من العرائض في عموم البلد؛ فكل يوم، كانت تتطاير من جميع أنحاء فرنسا إلى Constituante وتتساقط على رأسها رزم من billets doux (رسائل الغرام – الناشر) كانوا يطالبونها فيها، بدرجات متفاوتة من الحزم، بحل نفسها وبوضع وصيتها الروحية. واستشارت Constituante بدورها حملة معاكسة من العرائض، كانوا يطالبونها فيها بالبقاء في عداد الأحياء. وتجدد الصراع الانتخابي بين نابليون وكافينياك بصورة نضال عن طريق العرائض من أجل وضد حل الجمعية الوطنية. كانت العرائض تعليقات إضافية على العاشر من كانون الأول. وقد استمر هذا التحريض في سياق كانون الثاني كله.
ولم يكن بمقدور Constituante، في نزاعها مع الرئيس، أن تتذرع بكونها وليدة حق الاقتراع الشامل، لأن الأخصام كانوا يتذرعون ضدها بحق الاقتراع العام على وجه الضبط. ولم يكن بمقدورها أن تتكل على أي سلطة شرعية، لأن المسألة كانت تتعلق بالنضال ضد السلطة الشرعية. ولم يكن بمقدورها إسقاط الوزارة بتصويتات عدم الثقة، مثلما حاولت أن تفعل ذلك في 6 و26 كانون الثاني لأن الوزارة لم تطلب ثقتها. فلم يبق لها غير مخرج واحد – الانتفاضة. أما القوة القتالية للانتفاضة، فكانت تتشكل من القسم الجمهوري من الحرس الوطني، ومن الحرس المتنقل ومن مراكز البروليتاريا الثورية – النوادي. كان رجال الحرس المتنقل، إبطال أيام حزيران، يشكلون في كانون الأول قوة قتالية منظمة للكتلة الجمهورية من البرجوازية، مثلما كانت المشاغل الوطنية قوة قتالية منظمة للبروليتاريا الثورية قبل حزيران. وكما انقضت اللجنة التنفيذية Constituante على المشاغل الوطنية يخشونه في سعيها إلى وضع حد لمطالب البروليتاريا، التي غدت أمرًا لا يطاق بالنسبة لها، كذلك انقضت وزارة بونابرت على الحرس المتنقل في سعيها إلى وضع حد لمطالب الكتلة الجمهورية من البرجوازية، التي غدت أمرًا لا يطاق بالنسبة لها. فقررت حله. فسرحت من الخدمة نصفه ورمت به إلى الشارع، وتلقى النصف الآخر تنظيمًا جديدًا، ملكيًا، عوضًا عن التنظيم الديموقراطي، وخفضت رواتبه إلى مستوى الراتب العادي للقوات النظامية. وأصبح وضع الحرس المتنقل كوضع متمردي حزيران، وأخذت تظهر في الجرائد كل يوم أفعال ندم علنية يعترف فيها رجال الحرس المتنقل بذنبهم في حزيران ويطلبون فيها من البروليتاريا الصفح والغفران.
والنوادي؟ منذ أن وضعت الجمعية التأسيسية الرئيسية في شخص بارو موضع الشك، والجمهورية البرجوازية المؤسسة في شخص الرئيس، وفي شخصها الجمهورية البرجوازية على العموم، - التفت حولها بصورة لا مناص منها جميع العناصر التأسيسية من جمهورية شباط، جميع الأحزاب التي كانت ترغب في الإطاحة بالجمهورية القائمة وفي إعادتها بالعنف إلى حالها السابق، وتحويلها إلى جمهورية تعرب عن مصالحها ومبادئها الطبقية بالذات. وما جري، شطب من الحياة، وما تبلور من الحركة الثورية، ذاب من جديد، ومن جديد نشب النضال في سبيل جمهورية أيام شباط غير المحددة التي كان كل حزب يفهمها على طريقته. ومن جديد شغلت الأحزاب، للحظة من الزمن، المواقف السابقة التي وقفتها في شباط، دون أن تتبنى مع ذلك أوهام شباط. ومن جديد طفق جمهوريو „Nationale“ المثلثو الألوان يعتمدون على جمهوريي „Réforme“ الديموقراطيين، ومن جديد قدموهم بصفة رواد إلى مقدمة حلبة النضال البرلماني. ومن جديد شرع الجمهوريون الديموقراطيون يعتمدون على الجمهوريين الاشتراكيين (في 27 كانون الثاني، أنبأ بيان علني بتصالحهم واتحادهم) ويمهدون التربة في النوادي لأجل الانتفاضة. وعن حق وصواب، رأت وزارة الصحافة في جمهوريي „Nationale“ المثلثي الألوان متمردي حزيران المنبعثين. ولكي يبقوا على رأس الجمهورية البرجوازية، وضعوا الجمهورية البرجوازية ذاتها موضع الشك. وفي 26 كانون الثاني، قدم الوزير فوشيه مشروع قانون بشأن حق الجمعيات نصت المادة الأولى منه على ما يلي: "النوادي ممنوعة". واقترح البدء على الفور بمناقشة مشروع القانون هذا باعتباره أمرًا ملحًا لا يجوز تأجيله. إلا أن Constituante ردت مسألة العجلة؛ وفي 27 كانون الثاني قدم ليدرو – رولان اقتراحًا يحمل توقيع 230 نائبًا بإحالة الوزارة إلى المحاكمة لمخالفتها الدستور. أن إحالة الوزارة إلى المحاكمة في أوقات تعني فيها هذه الإحالة أما الكشف بلا ذوق عن عجز القاضي، أي عجز أغلبية المجلس، وأما احتجاج المتهم العاجز على هذه الأغلبية ذاتها، - إنما كانت تلك الورقة الرابحة الثورية العظيمة التي أخذ هذا "الجبل"، مولود الجيل الثاني، يستخدمها مذ ذاك في كل لحظة حاسمة من الأزمة. فيا "للجبل" المسكين، المسحوق تحت ثقل اسمه بالذات!
في 15 أيار حاول بلانكي وباربيس وراسباي وغيرهم أن يحلوا الجمعية التأسيسية باقتحامهم قاعة جلساتها على رأس بروليتاريا باريس. وأعد بارو للجمعية ذاتها تكرارًا معنويًا 151 أيار، إذ اعتزم أن يملي عليها حل نفسها بنفسها ويغلق قاعة جلساتها. وهذه الجمعية ذاتها كانت قد عهدت إلى باور ببدء التحقيق ضد المذنبين عن حوادث أيار. أما الآن، وقد أخذ بارو يلعب حيالها دور بلانكي ملكي، وأخذت هي تفتش عن حلفاء لها ضده في النوادي، عند البروليتاريا الثورية، في حزب بلانكي، - الآن أخذ بارو الذي لا يعرف الرحمة يعذبها باقتراحه القائل بسحب أسرى أيار من محكمة المحلفين وإحالتهم إلى haute-cour المحكمة العليا التي اخترعها حزب „Nationale“. ومما له دلالته أن الخوف من فقدان الحقيبة الوزارية استطاع أن يستخرج من رأس صاحبنا بارو دررا من الفكاهة جديرة ببومارشيه! وبعد تردد طويل، قبلت الجمعية الوطنية اقتراحه. وهكذا اكتسبت من جديد، في موقفها من متمردي أيار، طابعها العادي.
وإذا كان الرئيس والوزارة قد دفعا Constituante في سبيل الانتفاضة، فإن Constituante قد دفعتهما بدورها في سبيل الانقلاب، لأنه لم تكن لديهما أي إمكانية شرعية لحلها. ولكن Constituante كانت أم الدستور، والدستور أم الرئيس. وعن طريق الانقلاب، كان بوسع الرئيس أن يلغي الدستور، ومع الدستور أن يلغي أساسه الحقوقي الجمهوري. وفي هذه الحال، بقي له أن يقدم حقوقه الإمبراطورية، ولكن الحقوق الإمبراطورية استتبعت ظهور الحقوق الأورليانية، وهذه وتلك تحيرت أمام الحقوق الشرعية. فإن سقوط الجمهورية الثانونية لم يكن بوسعه أن يثير الابتهاج إلا عند نقيضها، الملكية الشرعية، لأن الأورليانيين كانوا في تلك اللحظة مغلوبي أيام شباط فحسب، بينما لم يكن بونابرت إلا غالب العاشر من كانون الأول، ولم يكن بوسع الحزبين أن يعارضا الاغتصاب الجمهوري إلا بحقوقهما المغتصبة هي أيضًا من قبل الملكية. ولقد أدرك الشرعيون أن وضع الأمور يلائمهم، فأخذوا يتآمرون في وضح النهار. وكان بوسعهم أن يأملوا في إيجاد مونك لهم في الجنرال شانغارنيه. كان اقتراب الملكية البيضاء يبشر به في نواديهم على المكشوف مثلما كان يبشر في نوادي البروليتاريين باقتراب الجمهورية الحمراء.
إن قمع الانتفاضة بنجاح كان من شأنه أن يجنب الوزارة جميع المتاعب. "الشرعية تقتلنا!" – صاح أوديلون بارو. وكان من شأن الانتفاضة أن تتيح حل Constituante بذريعة السلامة العامة وانتهاك الدستور إرضاء للدستور نفسه. وأن كلمة أوديلون بارو الفظة في الجمعية الوطنية، والاقتراح القائل بإغلاق النوادي، وعزل 50 من المحافظين المثلثي الألوان من وظائفهم الذي آثار الضجة، والاستعاضة عنهم بمحافظين ملكيين، وحل الحرس المتنقل، وازدراء شانغارنيه برؤساء الحرس المتنقل، وإعادة الكرسي إلى البروفسور لرمينيه الذي أصبح لا يطاق في عهد غيزو، والتساهل حيال نزوات الشرعيين، - كل هذا كان يستهدف استثارة الانتفاضة. ولكن الانتفاضة لزمت الصمت. فقد كانت تنتظر الإشارة من Constituante، لا من الوزارة.
وأخيرًا، حل التاسع والعشرون من كانون الثاني، اليوم الذي كان يترتب فيه بحث اقتراح مانيو دي لا دروم القائل برفض اقتراح راتو بلا قيد ولا شرط. إن الشرعيين، والأورليانيين، والبونابرتيين، والحرس المتنقل، و"الجبل" والنوادي – الجميع تآمروا في ذلك اليوم، تآمروا ضد عدوهم الموهوم بقدر ما تآمروا ضد حليفهم الموهوم. واستعرض بونابرت على صهوة جواده وحدات من القوات المسلحة في ميدان كونكورد، وعمد شانغارنيه إلى إخراج تمثيلية بإجرائه مناورات إستراتيجية مؤثرة، ووجدت Constituante البناية التي تعقد فيها جلساتها محتلة من قبل وحدات الجيش. إلا أن مركز جميع الآمال والمخاوف والتوقعات والاختمارات والتوترات والمؤامرات المتشابكة، أي الجمعية التأسيسية، الجريئة كاللبوة، لم تتردد، وأن دقيقة واحدة، في هذه اللحظة التاريخية العالمية، الخطيرة عليها أكثر مما في أي وقت مضى. فقد سلكت كما سلك ذلك المحارب الذي لم يخش استعماله سلاحه بالذات في القتال وحسب، بل شعر كذلك بأنه ملزم بصيانة سلاح خصمه، وبنظرة ازدراء إلى الموت، وقعت على الحكم بموتها ورفضت الاقتراح القائل برفض اقتراح راتو بلا قيد ولا شرط. وحين وجدت نفسها في حالة الحصار، وضعت حدًا لنشاطها التأسيسي الذي كانت حالة الحصارفي باريس إطاره الضروري. وكان انتقامها جديرًا بها: ففي اليوم التالي، أمرت بإجراء تحقيق في أسباب الذعر الذي أثارته الوزارة فيها في 29 كانون الثاني. وبرهن "الجبل" عن نقص في العزيمة الثورية وفي التفكير السياسي، الأمر الذي أتاح لحزب „Nationale“ استعمال نفسه بصفة مناد في هذه المهزلة الكبيرة من الدسائس. وقد قام حزب „Nationale“ بآخر محاولة لكي يحتفظ لنفسه في الجمهورية البرجوازية المؤسسة باحتكار السلطة الذي كان يملكه في عهد نشوء الجمهورية. ولكنه مني بالفشل.
ولئن كان الكلام قد تناول في أزمة كانون الثاني مسألة وجود Constituante، فقد نهضت في أزمة 21 آذار مسألة وجود الدستور؛ في الحالة الأولى تناول الكلام مسألة شخصية حزب „Nationale“، وفي الثانية مسألة مثاله الأعلى. وبديهي أن الجمهوريين "الأفاضل" باعوا أيديولوجيتهم السماوية بسعر أرخص من سعر الامتلاك الأرضي للسلطة الحكومية.
في 21 آذار، كان يرد في جدول أعمال الجمعية الوطنية مشروع القانون الذي تقدم به فوشيه ضد حق تأليف الجمعيات: إلغاء النوادي. إن المادة الثامنة من الدستور تضمن للفرنسيين كافة حق تأليف الجمعيات. ولذا كان منع النوادي انتهاكًا بينًا للدستور. وكان على Constituante نفسها أن تصادق على تدنيس مقدساتها. ولكن النوادي كانت نقاط تجمع البروليتاريا الثورية وأوكار تآمرها. والجمعية الوطنية نفسها منعت تحالف العمال ضد برجوازييهم. وماذا كانت النوادي إن لم تكن تحالف الطبقة العاملة كلها ضد الطبقة البرجوازية كلها، إن لم تكن تنظيمًا لدولة عمالية خاصة موجهًا ضد الدولة البرجوازية؟ أو لم تكن، يا ترى، جملة من جمعيات تأسيسية للبروليتاريا والعدد ذاته من فصائل جيش الانتفاضة، المستعدة للقتال؟ كان على الدستور، بادئ ذي بدء، أن يثبت سيادة البرجوازية، فمن الواضح بالتالي أنه كان لا يقصد بحق تأليف الجمعيات غير وجود تلك الجمعيات التي تتلاءم مع سيادة البرجوازية، أي مع النظام البرجوازي. ولئن كان الدستور قد استعمل صيغة عامة بدافع اللياقات النظرية، ترى، ألم تكن هناك حكومة وجمعية تأسيسية لأجل تفسيرها وتطبيقها في مختلف الأحوال؟ وإذا كانت النوادي قد منعت بالفعل في المرحلة الأولى من الجمهورية بفضل حالة الحصار، أفلا يمكن، يا ترى، منعها على أساس قانوني في جمهورية منظمة، مؤسسة؟ وضد مثل هذا التفسير العادي للدستور، لم يكن بمقدور الجمهوريين المثلثي الألوان أ، يقدموا غير التعابير والاصطلاحات الفخمة المكتوبة في الدستور. وقد صوت قسم منهم، بانيير ودوكلر وغيرهما، إلى جانب الوزارة، وأمن لها بالتالي الأغلبية. والقسم الآخر، وعلى رأسه رئيس الملائكة كافينياك وأب الكنيسة ماراست، انصرف، بعد إقرار المادة المتعلقة بمنع النوادي، إلى قاعة إحدى اللجان مع ليدرو – رولان و"الجبل"، و"عقد مجلسًا للتشاور" فشلت الجمعية التأسيسية، ولم تعد تضم العدد القانوني من النواب الذي يستحيل بدونه اتخاذ أي قرار. وهنا تذكر السيد كريميه في الوقت المناسب في قاعة اللجنة أن الطريق تؤدي منها إلى الشارع رأسًا وأن الزمن الآن ليس شباط 1848، بل آذار 1849. وإذا حزب „Nationale“، وقد عادت إليه بصيرته فجأة، يعود إلى قاعة جلسات الجمعية الوطنية، ووراءه "الجبل" المستحمق من جديد. أن "الجبل" قد عذبته دائمًا المخاضات الثورية، ولكنه كان يفتش دائمًا بنفس الثبات عن مخرج دستوري؛ وكان يشعر دائمًا أن مكانه وراء ظهر الجمهوريين البرجوازيين أكثر ملاءمة مما أمام البروليتاريا الثورية. هكذا انتهت هذه المهزلة. وقد قررت Constituante نفسها أن مخالفة نص الدستور هي التفسير الصحيح الوحيد لمعناه.
بقي أمر تسوية نقطة أخرى: موقف الجمهورية المؤسسة من الثورية الأوروبية، سياستها الخارجية. في 8 أيار 1849 ساد انفعال غير عادي في الجمعية التأسيسية التي كانت تعيش أيامها الأخيرة. وكان جدول الأعمال يتضمن مسألة هجوم الجيش الفرنسي على روما، ودحره من قبل أهالي روما، وعاره السياسي وإفلاسه الحربي، ومسألة عملية الاغتيال الغدار التي قامت بها الجمهورية الفرنسية ضد جمهورية روما، ومسألة الزحف الإيطالي الأول لبونابرت الثاني. ومرة أخرى استخدم "الجبل" ورقته الرابحة الرئيسية: فقد وضع ليدرو – رولان على طاولة الرئيس صك الاتهام الدائم ضد الوزارة، الموجة هذه المرة ضد بونابرت أيضًا، بصدد مخالفة الدستور.
وقد تكررت ذريعة الثامن من أيار في ذريعة الثالث عشر من حزيران. لنر ما كانت عليه هذه الحملة الرومانية.
في أواسط تشرين الثاني 1848 كان كافينياك قد أرسل الأسطول الحربي إلى تشيفيتا – فيكيو بمهمة الدفاع عن البابا وحمله إلى متن إحدى السفن ونقله إلى فرنسا. وكان ينبغي على البابا أن يمنح الجمهورية "الفاضلة" بركته ويؤمن انتخاب كافينياك رئيسًا للجمهورية. فمع البابا، أراد كافينياك أن يصطاد بصنارته الكهنة، ومع الكهنة – الفلاحين، ومع الفلاحين – الرئاسة. لقد كانت حملة كافينياك دعاية انتخابية من حيث هدفها المباشر، ولكنها كانت في الوقت ذاته احتجاجًا وتهديدًا للثورة الرومانية. وفيها تلخص في المهد تدخل فرنسا في صالح البابا.
وهذا التدخل في صالح البابا وضد الجمهورية الرومانية، بالتحالف مع النمسا ونابولي، قد تقرر في 23 كانون الأول في أول جلسة عقدها مجلس وزراء بونابرت. وفالو في الوزارة – إنما هذا كان يعني البابا في روما، ناهيك بأنها روما البابوية. لم يكن بونابرت بحاجة إلى البابا لكي يصبح رئيس الفلاحين، ولكنه كان بحاجة إلى الاحتفاظ بالسلطة البابوية لكي يحتفظ لنفسه بالفلاحين. فإن سذاجتهم قد جعلت منه رئيسًا. وقد فقدوا مع الإيمان سذاجتهم، ومع البابا إيمانهم. أما فيما يتعلق بالأورليانيين والشرعيين المتحدين والسائدين باسم بونابرت، فإنه كان يتعين عليهم، قبل أن يبعثوا الملك، أن يبعثوا السلطة التي تكرس الملك. ومع صرف النظر عن نزعتهم الملكية، نقول: بدون روما القديمة الخاضعة لسلطة البابا المدنية، لا بابا، وبدون البابا لا كثلكة، وبدون الكثلكة لا دين فرنسي، وبدون الدين، ما عسى أن يحل بالمجتمع الفرنسي القديم؟ إن رهن النعم السماوية التي يعطيها الدين هو بمثابة ضمانة لرهن البرجوازي للأراضي الفلاحية. ولذا كانت الثورة الرومانية، مثلها مثل ثورة حزيران، اعتداء رهيبًا على الملكية، على النظام البرجوازي. ولذا كان بعث سيادة البرجوازية في فرنسا يقتضي إعادة السلطة البابوية في روما. وأخيرًا، مني حلفاء الثوريين الفرنسيين بالهزيمة في شخص الثوريين الرومانيين؛ ووجد تحالف الطبقات المعادية للثورة في الجمهورية الفرنسية المؤسسة تتمته الطبيعية في تحالف الجمهورية الفرنسية مع الحلف المقدس، مع نابولي والنمسا. ولم يكن قرار مجلس الوزراء بتاريخ 23 كانون الأول سرًا على Constituante. ففي 8 كانون الثاني، تقدم ليدرو – رولان باستجواب في هذا الصدد من الوزارة، فأنكرت الوزارة الأمر، وانتقلت الجمعية إلى قضايا أخرى، فهل صدقت أقوال الوزارة؟ نحن نعرف أنها لم تفعل في كانون الثاني كله غير التصويت بعدم الثقة في الوزارة. ولكن إذا كان الكذب قد صار من دور الوزارة، فقد صار من دور الجمعية التظاهر بتصديق هذا الكذب الذي ينقذ السمعة الجمهورية.
وفي هذه الأثناء، هزمت البيامونت، وتنازل كارل البر عن العرش، وأخذ الجيش النمساوي يدق على أبواب فرنسا، فتقدم ليدرو – رولان باستجوابات حادة. ولكن الوزارة برهنت أن كل ما تفعله، هو أنها تواصل في إيطاليا الشمالية سياسة كافينياك الذي كان يواصل بدوره سياسة الحكومة المؤقتة، أي سياسة ليدرو – رولان. وإذا الوزارة تانال هذه المرة من الجمعية الوطنية حتى تصويتًا بالثقة ويعهد إليها بأن تشغل مؤقتًا موقعًا مناسبًا في إيطاليا الشمالية، الأمر الذي كان لا بد له أن يدعم مفاوضات الصلح مع النمسا بشأن عدم تقسيم ممتلكات سردينيا وبشأن المسألة الرومانية. ومعلوم أن مصير إيطاليا تقرره المعارك في ميادين إيطاليا الشمالية. ولهذا كان ينبغي أما القبول بسقوط روما بعد سقوط لومبارديا والبيامونت، وأما إعلان الحرب على النمسا، ومع النمسا على الثورة المضادة الأوروبية. أظنت الجمعية الوطنية فجأة، يا ترى، أن وزارة بارو هي لجنة السلامة العامة القديمة؟ أم ظنت أنها هي نفسها Convention ( )؟ فلأي غرض كانت القوات الفرنسية بحاجة في مثل هذه الحال إلى شغل موقع ما في إيطاليا الشمالية؟ وراء هذا الستار الشفاف، تخفت الحملة الرومانية.
في 14 نيسان، انطلق 14000 جندي بامرة أودينو إلى تشيفيتا – فيكيو بحرًا؛ وفي 16 نيسان صوتت الجمعية الوطنية بالموافقة على منح الوزارة اعتمادًا قدره 1200000 فرنك لكي تحتفظ طوال ثلاثة أشهر في مياه البحر الأبيض المتوسط بالأسطول المعد من أجل التدخل جاهزًا، على أهبة الاستعداد. وهكذا وضعت في يد الوزارة جميع الوسائل لأجل التدخل ضد روما متظاهرة بأنها تجبرها على العمل ضد النمسا. ولم تر ما تفعله الوزارة، بل سمعت فقط ما تقوله. ومثل هذا الإيمان لم يكن من الممكن إيجاده حتى في إسرائيل. ولقد وقعت الجمعية التأسيسية في مأزق لم تتجرأ فيه على معرفة ما يجب أن تفعله الجمهورية المؤسسة.
وأخيرًا، جري في 8 أيار تمثيل المشهد النهائي من المهزلة. فقد طالبت Constituante الوزارة بإجراءات عاجلة لإعادة الحملة الإيطالية إلى الهدف المقرر لها. وفي مساء اليوم نفسه، نشر بونابرت في „Moniteur“ رسالة أعرب فيها عن عظيم امتنانه لأودينو. وفي 11 أيار ردت الجمعية الوطنية صك الاتهام بحق بونابرت هذا نفسه وبحق وزارته. أما "الجبل"، فقد حول المهزلة البرلمانية إلى مأساة عوضًا عن أن يمزق شبكة الكذب هذه، وذلك لكي يلعب بنفسه في هذه المأساة دور فوكيه – تنفيل، ولكنه لم يجد تحت جلد Convention الأسدي الذي استأجره غير جلده البقري البرجوازي الصغير بالذات!
إن النصف الثاني من حياة Constituante يتلخص فيما يلي: وافقت في 29 كانون الثاني على أن الكتل الملكية من البرجوازية هي السيدة الطبيعية في الجمهورية التي أسستها هي Constituante؛ وفي 21 آذار، على أن انتهاك الدستور هو تطبيق له، وفي 11 أيار على أن تحالف الجمهورية الفرنسية الخامل، المعلن بحذلقة وتزويق، مع الشعوب الأوروبية المناضلة في سبيل تحررها يعني تحالفها النشيط مع الثورة المضادة الأوروبية.
وقبل أن تخرج هذه الجمعية الحقيرة من الحلبة، وفرت لنفسها في 4 أيار، أي قبل يومين من ذكرى مرور سنة على تأسسها، متعة رفض الاقتراح القائل بالعفو عن متمردي حزيران. إن كل ما استطاعت أن تفعله Constituante، التي نفدت كل سلطتها، وكرهها الشعب حتى الموت، وصدتها البرجوازية بفظاظة ونبذتها بازدراء بعد أن كانت أداة في يد هذه البرجوازية، والتي اضطرت في النصف الثاني من وجودها إلى إنكار نصفها الأول، وأضاعت أوهامها الجمهورية والتي لم تكن لها أعمال كبيرة في الماضي ولا آمال في المستقبل، والتي كانت تتعفن جزءًا بعد جزء وهي حية، هو أن تنشط جثتها بالذات، باعثة أمامها على الدوام شبح انتصار حزيران، عائشة هذا الانتصار من جديد، حاكمة المرة تلو المرة على المحكومين، مانحة نفسها بنفسها على هذا النحو شهادة بوجودها. فيا للغول الذي يتغذى بدماء متمردي حزيران!
لقد خلفت وراءها العجز المالي السابق في ميزانية الدولة، الذي ازداد بسبب نفقات أيام حزيران، وإلغاء ضريبة الملح، والتعويضات التي منحتها لأصحاب المزارع مقابل إلغاء استرقاق الزنوج، ونفقات الحملة الرومانية، وأخيرًا بسبب إلغاء ضريبة الخمور؛ وهذه الضريبة ألغتها Constituante قبل نهايتها بالذات، كعجوز شامت يسره أن يفرض على وريثه السعيد دين شرف يسيء إلى سمعته.
في الأيام الأولى من شهر آذار، بدأت حملة انتخابية لانتخاب الجمعية الوطنية التشريعية. وقد تجابهت فيها جماعتان أساسيتان هما حزب النظام والحزب الديموقراطي الاشتراكي أو الحزب الأحمر؛ وبينهما وقف "أصدقاء الدستور"، - فبهذا الاسم حاول جمهوريو „Nationale“ المثلثو الألوان أن يمثلوا حزبًا خاصًا. أن حزب النظام قد تشكل في الحال بعد أيام حزيران، ولكن سر وجوده لم ينكشف إلا بعد العاشر من كانون الأول، أي بعد أن قطع صلته بالجمهوريين البرجوازيين، بزمرة „National“؛ وسر وجوده هو ائتلاف الأوليانيين والشرعيين في حزب واحد. لقد انقسمت الطبقة البرجوازية إلى كتلتين كبيرتين حازتا بالتناوب على احتكار السلطة: كبار ملاكي الأراضي – في عهد العودة ( )، والأريستقراطية المالية والبرجوازية الصناعية في عهد ملكية تموز. بوربون – ذلك كان الاسم الملكي لأجل النفوذ المهيمن لمصالح إحدى الكتلتين؛ أورليان – ذلك كان الاسم الملكي لأجل النفوذ المهيمن لمصالح الكتلة الثانية؛ وفقط في عهد الجمهورية الذي لا اسم له، كان بمقدور الكتلتين أن تذودا عن مصالحهما الطبقية المشتركة، قابضتين على زمام السلطة على قدم المساواة، دون أن توقفا في الوقت نفسه المنافسة بينهما. ولئن لم يكن بوسع الجمهورية البرجوازية أن تكون غير الشكل الصافي والكامل لسيادة الطبقة البرجوازية كلها، فما كان عساها أن تكون إن لم تكن سيادة الأورليانيين المستكملين بالشرعيين، وسيادة الشرعيين المستكملين بالأورليانيين، إن لم تكن جمعية العودة وملكية تموز؟ فإن جمهوريي „National“ البرجوازيين لم يكونوا يمثلون أي كتلة كبيرة من طبقتهم ترتكز على أساس اقتصادي. وكان شأنهم ومغزاهم التاريخي يتلخصان في كونهم قد عمدوا في زمن الملكية، وقدموا، خلافًا للكتلتين البرجوازيتين اللتين لم تكن تعرف كل منهما غير نظامها الخاص، نظامًا عامًا للطبقة البرجوازية، عهد جمهورية لا اسم له. وجعلوا منه مثالاً أعلى وزخارف قديمة، ولكنهم حيوا فيه قبل كل شيء، وبالطبع، سيادة زمرتهم. وإذا كان حزب „National“ قد ضل حين رأى الملكيين المتحدين على قمة الجمهورية التي أسسها، فإن الملكيين قد ضلوا بالقدر نفسه فيما يتعلق بواقع سيادتهم المشتركة. إنهم لم يدركوا أنه إذا كانت كل من كتلتيهما، مأخوذة على حده، ملكية، فإنه كان لا بد بالضرورة من أن يكون نتاج مزيجهما الكيماوي جمهوريًا؛ ولم يدركوا أنه كان لا بد للملكية البيضاء والملكية الزرقاء أن تتعادلا في الجمهورية المثلثة الألوان. إن التناحر مع البروليتاريا الثورية ومع الطبقات الانتقالية التي كانت تميل أكثر فأكثر إلى هذه البروليتاريا قد أجبر كتلتي حزب النظام على بذل كل قوتهما الموحدة وعلى صيانة هذه القوة الموحدة؛ وكان يتعين على كل من الكتلتين، لمجابهة مطامع الأخرى في العودة وفي احتكار السلطة، إن تقدم السيادة المشتركة، أي الشكل الجمهوري لسيادة البرجوازية. وها نحن نرى هؤلاء الملكيين الذين آمنوا في البدء بالعودة الفورية، ثم صانوا الشكل الجمهوري والزبد على شفاههم واللعنات على ألسنتهم، يعترفون في آخر المطاف بأنهم لا يستطيعون أن يعيشوا على وثام إلا في الجمهورية، ويؤجلون العودة إلى أجل غير مسمى. إن السيادة المشتركة قد قوت كلاً من الكتلتين، وجعلتها أقل قدرة وميلاً إلى الخضوع للأخرى أي إلى إعادة الملكية.
نادى حزب النظام على المكشوف في برنامجه الانتخابي بسيادة الطبقة البرجوازية أي بصيانة الشروط الحيوية لسيادتها: الملكية، العائلة، الدين، النظام! يقينا أنها صورت سيادة البرجوازية لاطبقية وشروط هذه السيادة الطبقية بصورة سيادة الحضارة وبصورة الشروط الضرورية للإنتاج المادي ولعلاقات التعامل الاجتماعية النابعة منه. كان حزب النظام يملك موارد مالية ضخمة، فأنشأ في عموم فرنسا فروعًا له، ودفع معاشات لجميع أيديولوجيي النظام القديم، واستغل كل نفوذ السلطة الحكومية القائمة، وكان لديه جيش موال مجاني في كل جدمهور البرجوازيين الصغار والفلاحين الذين كانوا لا يزالون بعيدين عن الحركة الثورية والذين كانوا يرون في كبار ممثلي الملكية حماة لملكيتهم الصغيرة ولأوهامهم الصغيرة. كان بوسع حزب النظام، الممثل في عموم البلد بعدد لا يحصى من الملوك الصغار، أن يعاقب جميع من يرفضون مرشحيه كما يعاقب العصاة، وأن يطرد من العمل العمال المتمردين، والأجراء الزراعيين الخارجين عن الطاعة، والخدم، والباعة، وموظفي السكك الحديدية، والكتبة، وجميع المستخدمين الخاضعين له في الحياة المدنية. وأخيرًا كان بوسع حزب النظام أن يدعم هنا وهناك الأسطورة الزاعمة أن Constituante الجمهورية قد حالت دون بونابرت المنتخب في 10 كانون الأول، ودون الكشف عن قواه العجيبة. وفي سياق كلامنا عن حزب النظام، لم نذكر البونابرتيين. فإن هؤلاء لم يكونوا كتلة ذات وزن من الطبقة البرجوازية، - إنما كانوا خليطًا من قدماء المشوهين الموسوسين ومن المغامرين الشبان الملحدين. ولقد انتصر حزب النظام في الانتخابات وأرسل إلى الجمعية التشريعية الأغلبية الساحقة.
وحيال ائتلاف البرجوازية المعادية للثورة، كان على جميع العناصر التي دبت فيها الروح الثورية من البرجوازية الصغيرة والفلاحين أن تتحد بالطبع مع الحامل الرئيسي للمصالح الثورية، أي مع البروليتاريا الثورية. ولقد رأينا كيف دفعت الهزائم البرلمانية زعماء البرجوازية الصغيرة الديموقراطيين في البرلمان أي "الجبل"، إلى التحالف مع زعماء البروليتاريا الاشتراكيين وكيف دفع رفض الاتفاقيات الحبية، والدفاع الفظ عن المصالح البرجوازية، والإفلاس البرجوازية الصغيرة الحقيقية إلى التقارب مع البروليتاريين الحقيقيين خارج البرلمان. وفي 27 كانون الثاني احتفل "الجبل" والاشتراكيون بالمصالحة بينهم؛ ثم أكدوا من جديد في المأدبة الكبرى التي أقاموها في شباط 1849 واقع اتحادهم هذا. فقد اتحد الحزب الاشتراكي والحزب الديموقراطي، حزب العمال وحزب البرجوازيين الصغار، في الحزب الاشتراكي – الديموقراطي أي في الحزب الأحمر.
إن الجمهورية الفرنسية التي شلها للحظة الاحتضار الذي عقب أيام حزيران قد عانت منذ رفع حالة الحصار، أي منذ 19 تشرين الأول، سلسلة متواصلة من هزات الحمى. أولاً، الصراع من أجل الرئاسة؛ ثم نضال الرئيس ضد Constituante؛ النضال بسبب النوادي؛ محاكمة بورجيه ( ) التي ظهر فيها ثوريو البروليتاريا الحقيقيون – بالقياس إلى الشخصيات الحقيرة، شخصيات الرئيس، والملكيين المتحدين، والجمهوريين "الأفاضل"، و"الجبل" الديموقراطي، وعقائديي البروليتاريا الاشتراكيين – عمالقة بدائيين كالذين خلفهم الطوفان الاجتماعي؛ التحريض الانتخابي؛ إعدام قتلة بريا ( )؛ المحاكمات المتواصلة في قضايا الصحافة؛ تدخل الحكومة البوليسي العنيف في المآدب؛ استفزازات الملكيين الوقحة؛ صور لويس بلان وكوسيديير على صليب العار؛ الصراع المتواصل بين الجمعية التأسيسية والجمهورية التي أسستها هذه الجمعية الذي يعيد في كل مرة الثورة إلى نقطة انطلاقها، ويحول في كل مرة الغالب إلى مغلوب والمغلوب إلى غالب، ويغير في طرفة عين وضع الأحزاب والطبقات، ومظاهر القطيعة والاتحاد بينها؛ سير الثورة المضادة الأوروبية السريع؛ نضال المجريين المجيد؛ الانتفاضات الألمانية؛ الحملة الرومانية؛ هزيمة الجيش الفرنسي الشنيعة على أبواب روما، - في أعصار الحركة هذا، في عذابات الاضطراب التاريخي هذه، في هذا المد والجزر المأساوي من المشاعر الثورية المتأججة والآمال والخيبات لدى مختلف طبقات المجتمع الفرنسي، كان ينبغي حساب مراحل تطوره بالأسابيع، مع أنها كانت تحسب من قبل بإنصاف القرون. وكان روح الثورة قد دب في قسم كبير من الفلاحين والأقاليم. فلم تخب آمالهم في نابليون وحسب – فإن حزب الحمر قد أعطاهم عوضًا عن الاسم مضمونًا، وعوضًا عن الحرية الوهمية من الضرائب إعادة المليار المدفوع للشرعيين، وتسوية الرهونات والقضاء على الربا.
بل أن الجيش نفسه أصيب بعدوى الحمى الثورية. فعندنا صوت من أجل بونابرت، صوت من أجل النصر، ولكن بونابرت حمل له الهزيمة. لقد صوت من أجل العريف الصغير الذي يكمن وراءه قائد الثورة العسكري العظيم، ولكن هذا القائد أعاد له الجنرالات الكبار الذين يكمن وراءهم العريف العادي. ولا مراء في أنه كان ينبغي على الحزب الأحمر أي على الحزب الديموقراطي المتحد أن يحرز، إن لم يكن انتصارات، فعلى الأقل نجاحات كبيرة: كان ينبغي لباريس والجيش وقسم كبير من الأقاليم أن تصوت له. وقد انتخبت خمس محافظات ليدرو – رولان زعيم "الجبل". وما من زعيم من حزب النظام، وما من اسم من صفوف حزب العمال بالذات أحرز انتصارًا كهذا. إن هذا الانتخاب يكشف لنا سر الحزب الديموقراطي – الاشتراكي: فمن جهة، اضطر "الجبل"، هذه الطليعة البرلمانية للبرجوازية الصغيرة الديموقراطية، إلى الاتحاد مع عقائديي البروليتاريا الاشتراكيين، اضطر إلى البحث عن السبل إلى نهوض جديد في الانتصارات الفكرية؛ وبما أن تطور الطبقات الأخرى لم يكن ليسمح بعد للبروليتاريا بالاستيلاء على الديكتاتورية الثورية، فقد كان يترتب عليها أن تلقي نفسها في أحضان عقائديي تحريرها، في أحضان مؤسسي الشيع الاشتراكية. ومن جهة ثانية، وقف الفلاحون الثوريون والجيش والأقاليم إلى جانب "الجبل". وعلى هذا النحو انتقلت إلى "الجبل" أمرة القوى الثورية المتحدة، وأزال اتفاقه مع الاشتراكيين كل انشقاق في المعسكر الثوري. وفي النصف الثاني من وجود Constituante، جسد "الجبل" في نفسه الروعة الجمهورية وحمل الناس على نسيان خطاياه في زمن الحكومة المؤقتة واللجنة التنفيذية وأيام حزيران. وكما سمح حزب „National“، بحكم طبيعته النصفية، للوزارة الملكية بأن تضغط عليه، كذلك حزب "الجبل" الذي أقصى عن الحلبة في زمن حزب „National“ الكلي الجبروت، قد نهض الآن واكتسب منزلة ممثل الثورة في البرلمان. وبالفعل، لم يكن بوسع حزب „National“ أن يجابه الكتل الملكية الأخرى بأي شيء عدا الأفراد الطماحين والثرثرة المثالية. أما حزب "الجبل" فقد كان، على العكس، يمثل جمهورًا متأرجحًا بين البرجوازية والبروليتاريا تتطلب مصالحه المادية مؤسسات ديموقراطية. وإلى جانب كافينياك وماراست، كان ليدرو – رولان و"الجبل" يمثلان الثورة الحقيقية؛ وإدراك هذا الدور الهام بعث في نفسيهما قدرًا كبيرًا من الجرأة خصوصًا وأن إبداء العزيمة الثورية كان يقتصر على الحملات البرلمانية، وتدبيج صكوك الاتهام، والتهديدات، ورفع الصوت، والخطابات المدوية، والأقوال المتطرفة التي لم تكن تعدى حد الكلام. كانت أوضاع الفلاحين وأوضاع البرجوازيين الصغار متماثلة تقريبًا، وكانت مطالبهم الاجتماعية كذلك متماثلة تقريبًا. ولهذا كان لا بد لجميع فئات المجتمع المتوسطة أن ترى في ليدرو – رولان بطلها، ما دامت الحركة الثورية قد شملتها. لقد كان ليدرو – رولان الشخصية الرئيسية في صفوف البرجوازية الصغيرة الديموقراطية. وفي النضال ضد حزب النظام، كان لا بد أن يظهر في المقدمة قبل كل شيء مصلحو هذا النظام نصف المحافظين ونصف الثوريين والطوبويون الصرف.
مني حزب „National“، "أصدقاء الدستور بأي ثمن كان"، الجمهوريون الصرف، بهزيمة ماحقة في الانتخابات. فقد نالوا أقلية تافهة في المجلس التشريعي؛ واختفى أشهر زعمائهم من المسرح، بمن فيهم ماراست، رئيس تحرير وأورفوس ( ) الجمهورية "الفاضلة".
في 28 أيار انعقدت الجمعية التأسيسية، وفي 11 حزيران تجدد اصطدام الثامن من أيار. فقد تقدم ليدرو – رولان باسم "الجبل" بصك اتهام ضد الرئيس والوزارة يتهمهما بانتهاك الدستور وبقصف روما. وفي 12 حزيران ردت الجمعية التأسيسية صك الاتهام هذا، مثلما ردته الجمعية التأسيسية في 11 أيار، ولكن البروليتاريا أجبرت "الجبل" هذه المرة على الخروج إلى الشارع، - لا من أجل قتال الشوارع، والحق يقال، بل من أجل التظاهر في الشوارع. حسبنا القول أن "الجبل" كان يرأس هذه الحركة حتى نعرف أن هذه الحركة قد قمعت، وأن حزيران 1849 كان محاكاة لحزيران 1848 مضحكة وتافهة بالقدر نفسه. أغلب الظن أن التراجع الكبير في 13 حزيران لم يحجب فقط تقريرًا أكبر عن المعركة قدمه شانغارنيه الذي رفعه حزب النظام إلى مصف الرجال العظام. فكل عصر اجتماعي يحتاج إلى رجاله العظام، وإذا لم يكن لهم وجود، اخترعهم، كما يقول هلفيسيوم.
في 20 كانون الأول، لم يكن هناك من الجمهورية البرجوازية المؤسسة غير نصفها – الرئيس، وفي 28 أيار، اكتملت بالنصف الآخر، - الجمعية التشريعية. في حزيران 1848 سجلت الجمهورية البرجوازية (الجاري تأسيسها) في سجل أحوال التاريخ كمعركة لا سابق لها ضد البروليتاريا؛ وفي حزيران 1849، سجلت الجمهورية البرجوازية المؤسسة في السجل نفسه كمهزلة يصعب وصفها لعبتها مع البرجوازية الصغيرة. كان حزيران 1849 نيميزيس ( ) التي انتقمت لحزيران 1848. ففي حزيران 1849 ليس العمال هم الذين غلبوا على أمرهم، بل البرجوازيون الصغار الذين وقفوا بين العمال والثورة هم الذين كانوا الضحية. إن حزيران 1849 لم يكن مأساة دموية وقعت بين العمل المأجور والرأسمال، بل مسرحية حقيرة، محتواها السجن، مثلها الدائن والمدين. لقد انتصر حزب النظام، وأصبح كلي القدرة، - ويتعين عليه أن يبين الآن كنهه.

3
عواقب 13 حزيران 1849
في كانون الأول أظهر رأس الجمهورية الدستورية الجانوسي ( ) وجهًا واحدًا فقط من وجهيه، الوجه التنفيذي وعليه ملامح لويس بونابرت المفلطحة المبهمة. وفي 28 آيار 1849، كشف وجهه الثاني، الوجه التشريعي المكسو بندوب خلفتها وراءها عربدات عهد العودة وملكية تموز. وكانت الجمعية الوطنية التشريعية قد أنجزت، مع انتهاء أجلها، تأسيس الجمهورية الدستورية أي الشكل الجمهوري للدولة الذي ثبتت فيه دستوريًا سيادة الطبقة البرجوازية، وبالتالي، السيادة المشتركة للكتلتين الملكيتين اللتين تؤلفان البرجوازية الفرنسية، سيادة الشرعيين والأورليانيين المتحدين أي سيادة حزب النظام. وبينما صارت الجمهورية الفرنسية على هذا النحو ملكًا لائتلاف الحزبين الملكيين، شن الائتلاف الأوروبي من الدول المعادية للثورة زحفًا صليبيًا عامًا ضد آخر ملاجئ ثورات آذار. فاقتحمت روسيا المجر، وتحركت القوات البروسية ضد جيش أنصار الدستور الإمبراطوري، وقصف أودينو روما بالمدفعية واقتربت الأزمة الأوروبية بجلاء من نقطة الانعطاف الحاسم، واتجهت أنظار أوروبا كلها نحو باريس، وأنظار باريس كلها نحو الجمعية التأسيسية.
في 11 تموز، صعد ليدرو – رولان إلى منبرها. ولم يلق خطابًا، بل اكتفى بأن صاغ اتهامًا ضد الوزراء، اتهامًا عاريًا، بلا تزويق، مدعومًا بالوقائع، مكثفًا، خطيرًا.
الهجوم على روما هجوم على الدستور، والهجوم على الجمهورية الرومانية هجوم على الجمهورية الفرنسية. المادة الخامسة من الدستور تنص على ما يلي: "لن تستخدم الجمهورية الفرنسية يومًا قواتها المسلحة ضد حرية أي شعب كان"، ولكن الرئيس يوجه القوات الفرنسية ضد الحرية الرومانية. المادة 54 من الدستور تحظر على السلطة التنفيذية إعلان حرب، كل حرب، بدون موافقة الجمعية الوطنية (وهنا وفيما بعد، حتى نهاية المؤلف، يقصد بالجمعية الوطنية الجمعية الوطنية التشريعية (Assemblée Législative) التي دامت من 28 أيار (مايو) 1849 إلى 2 كانون الأول (ديسمبر) 1851 – الناشر). وقرار Constituante الصادر في 8 أيار يأمر الوزراء قطعًا بإعادة الحملة الرومانية بأسرع ما يمكن إلى هدفها الأول، وهو بالتالي يمنع قطعًا الحرب ضد روما، ولكن أودينو يقصف روما بالمدافع. وعلى هذا النحو، دعا ليدرو – رولان الدستور ذاته كشاهد اتهام ضد بونابرت ووزرائه. وبوصفه خطيب الدستور المصقع، وجه إلى الأغلبية الملكية في الجمعية الوطنية البيان الرهيب التالي: "إن الجمهوريين سيجبرون على احترام الدستور بجميع الوسائل، وحتى بقوة السلاح!". "بقوة السلاح!"، ردد صدى "الجبل" مئات المرات. وردت الأغلبية بضجة رهيبة؛ ودعا رئيس الجمعية الوطنية ليدرو – رولان إلى التقيد بالنظام؛ وكرر ليدرو – رولان بيانه المتحدي، ووضع في الختام على طاولة الرئيس اقتراحًا بإحالة بونابرت ووزرائه إلى المحاكمة. واقترعت الجمعية الوطنية بـ361 صوتًا ضد 203 أصوات في مسألة قصف روما بالمدفعية على مجرد الانتقال إلى القضايا الأخرى الواردة في جدول الأعمال.
هل كان ليدرو – رولان يأمل، يا ترى، في هزم الجمعية الوطنية بواسطة الدستور، وفي هزم الرئيس بواسطة الجمعية الوطنية؟
يقينا أن الدستور كان يمنع كل تطاول على حرية الشعوب الأخرى، ولكن الجيش الفرنسي، على حد قول الوزارة، لم يهاجم في روما "الحرية"، بل هاجم "استبداد الفوضى". أو لم يكن "الجبل" قد فهم بعد، يا ترى، رغم كل خبرته في الجمعية التأسيسية، أن تفسير الدستور لا يعود إلى من وضعوه، بل يعود فقط إلى من قبلوه؟ وأنه يجب تفسير نصه بمعناه القابل للحياة وأن المعنى البرجوازي هو معناه الوحيد القابل للحياة؟ وأن بونابرت والأغلبية الملكية في الجمعية الوطنية كانا المفسرين الحقيقيين للدستور مثلما الكاهن هو المفسر الحقيقي للأناجيل والقاضي المفسر الحقيقي للقانون؟ والجمعية الوطنية التي خرجت للتو من أحضان الانتخابات العامة، ترى، هل كان يترتب عليها أن تعتبر أنها مقيدة بوصية Constituante بعد موتها في حين خالف رجل مثل أوديلون بارو إرادتها في حياتها؟ وحين استشهد ليدرو – رولان بقرار Constituante الصادر في 8 أيار، هل نسي، يا ترى، أن هذه Constituante ذاتها قد ردت في 11 أيار اقتراحه الأول بإحالة بونابرت ووزرائه إلى المحاكمة، وأنها برأت الرئيس والوزراء وصادقت بالتالي على أن قصف روما بالمدفعية كان عملاً "دستوريًا"، وأنه من حيث جوهر الأمر لم يفعل غير أن استأنف الحكم الصادر، علمًا بأنه استأنفه من Constituante الجمهورية أمام Législative الملكية؟ إن الدستور نفسه يدعو الانتفاضة إلى مساعدته، بدعوته كل مواطن، في مادة خاصة، إلى حمايته. ولقد استند ليدرو – رولان على هذه المادة. ولكن، من جهة أخرى، أو ليست السلطات العامة مؤسسة، يا ترى، من أجل حماية الدستور، أو لا تبدأ مخالفة الدستور، يا ترى، إلا متى انتفضت إحدى السلطات الدستورية على سلطة أخرى؟ والحال، كان رئيس الجمهورية ووزراء الجمهورية والجمعية الوطنية للجمهورية على وفاق وانسجام.
إن ما حاول "الجبل" تنظيمه في 11 حزيران، كان "انتفاضة في حدود العقل الخالص" أي "انتفاضة برلمانية خالصة". ولقد عرض على أغلبية الجمعية، وقد تملكها الذعر من احتمال انتفاضة مسلحة تقوم بها الجماهير الشعبية، أن تقضي في شخص بونابرت ووزرائه على سلطتها بالذات وعلى مغزى انتخابها بالذات. أو لم تحاول Constituante بالسبيل نفسه أن تبطل انتخاب بونابرت، بإصرارها ببالغ العناد على استقالة وزارة بارو وفالو؟
ولكن أليست هناك أمثلة من زمن Constituante تبين أن الانتفاضات البرلمانية قد أحدثت تغييرًا جذريًا في العلاقات بين الأغلبية والأقلية، - فلماذا لا يفلح "الجبل" الشاب فيما أفلح فيه "الجبل" الشيخ؟ - ناهيك بأن الظرف كان يبدو مناسبًا لمثل هذا المشروع. كان هيجان الشعب في باريس قد بلغ درجة من الشدة بحيث أخذ يبعث القلق؛ وحسب توزع الأصوات في الانتخابات، لم يكن الجيش ميالاً إلى الحكومة، وكانت أغلبية الجمعية التشريعية لا تزال حديثة العهد إلى حد لا تستطيع معه أن تنتظم، ناهيك بأنها كانت تتألف من شيوخ. وإذا نجح "الجبل" في انتفاضته البرلمانية، فإن دفة الحكم ستنتقل إلى يده مباشرة. أما البرجوازية الصغيرة الديموقراطية فإنها من جانبها لم تكن ترغب في شيء ببالغ اللهفة، كما هو حالها دائمًا، رغبتها في أن يجري الصراع فوق رأسها، في الغيوم، بين ظلال أعضاء البرلمان. وأخيرًا، تبلغ البرجوازية الصغيرة الديموقراطية، وممثلها، "الجبل"، سواء بسواء، هدفهما العظيم عن طريق الانتفاضة البرلمانية، وهو تحطيم بأس البرجوازية، بدون إطلاق يدي البروليتاريا، أو بالتلويح بها من بعيد فقط؛ وهكذا كان يمكن استغلال البروليتاريا دون أن تشكل خطرًا.
بعد اقتراع الجمعية الوطنية في 11 حزيران، حدث لقاء بين بضعة أعضاء من "الجبل" وبين مندوبين عن جمعيات العمال السرية. وقد ألح هؤلاء على الشروع بالانتفاضة في المساء ذاته. فرفض "الجبل" هذه الخطة قطعًا. فلم يشأن أن يتخلى عن قيادة الحركة، مهما كلف الأمر؛ وكان ينظر إلى حلفائه بارتياب كما ينظر إلى أعدائه، وكان على حق في ذلك. فإن ذكرى حزيران 1848 لم تهيج يومًا صفوف البروليتاريا الباريسية بمثل القوة التي كانت تهيجها بها آنذاك. ومع ذلك، كانت مرتبطة مع "الجبل" بحلف. وكان "الجبل" يمثل في البرلمان أغلبية المحافظات، وكان قد زاد نفوذه في الجيش، وكان يملك القسم الديموقراطي من الحرس الوطني، وأخيرًا كان إلى جانبه نفوذ الحوانيت المعنوي. وكان الشروع بالانتفاضة خلافًا لمشيئة "الجبل" يعني بالنسبة للبروليتاريا، التي كانت، فضلاً عن ذلك، قد قلقت صفوفها بسبب الكوليرا وبسبب البطالة التي طردت قسمًا كبيرًا منها من باريس، تكرار أيام حزيران 1848 بلا جدوى، ولكن هذه المرة بدون تلك الظروف التي دفعتها آنذاك إلى النضال المستميت. ولقد فعل المندوبون العمال الأمر الوحيد الذي كان معقولاً. فقد أجبروا "الجبل" على تشويه سمعته أي على الخروج من نطاق النضال البرلماني إذا ردت الجمعية صك اتهامه. وطوال يوم الثالث عشر من حزيران، وقفت البروليتاريا موقف المراقبة والارتياب ذاته، وانتظرت وقوع اشتباك جددي لا رجعة عنه بين الحرس الوطني الديموقراطي والجيش لكي تندفع في هذه الحال إلى حلبة النضال وتدفع الثورة إلى أبعد من الهدف البرجوازي الصغير المفروض عليها. وفي حال النصر، كانت هناك كومونة بروليتارية منظمة كان ينبغي عليها أن تمارس نشاطها إلى جانب الحكومة الرسمية. فإن المدرسة الدموية لحزيران 1848 قد علمت عمال باريس.
في 12 حزيران قدم الوزير لاكروس بنفسه في الجمعية التشريعية اقتراحًا بالانتقال إلى مناقشة صك الاتهام على الفور. وفي الليل كانت الحكومة قد اتخذت جميع الإجراءات لأجل الدفاع والهجوم. وقد صممت أغلبية الجمعية الوطنية على حمل الأقلية المتمردة على الخروج إلى الشارع، ولم يكن قد بقي في مستطاع الأقلية أن تتراجع؛ فقد ألقيت القرعة؛ وقد رد 377 صوتًا ضد 8 صك الاتهام؛ وإذا "الجبل" الذي استنكف عن التصويت، يندفع، مفعمًا بالغضب والقد، إلى قاعات الدعاية في "الديموقراطية المسالمة"، إلى هيئة تحرير „Démocratie Pacifique“ ( ).
إن الانصراف من قاعة البرلمان قد حطم قوة "الجبل" مثلما فقد العملاق أنتيه ( ) قوته، عندما انفصل عن الأرض، عن أمه الأرض. وإذا إضراب شمشون ( ) ضمن جدران الجمعية التشريعية، أي "الجبليون"، يصبحون مجرد تافهين ضيقي الأفق في قاعات "الديموقراطية المسالمة". واحتدمت مناقشات طويلة، صاخبة، فارغة. كان "الجبل" ممتلئًا عزما على توفير الاحترام للدستور، دون التردد عن اللجوء إلى أي وسيلة، "ما عدا القوة المسلحة فقط". وفي هذا العزم دعمه بيان ووفد "أصدقاء الدستور" ( ). إن حطام زمرة „National“، حزب الجمهوريين البرجوازيين هم الذين سموا أنفسهم "بأصدقاء الدستور". فبينما صوت ستة من ممثليها السالمين في البرلمان ضد رد صك الاتهام وصوت الباقون جميعهم إلى جانب رده، وبينما وضع كافينياك سيفه تحت تصرف حزب النظام، تمسك أعضاء الزمرة من خارج البرلمان، وهم أكبر عددًا وشأنًا، بالفرصة التي سنحت لهم للخروج من وضعهم كمنبوذين سياسيين، وللاندساس في صفوف الحزب الديموقراطي. وبالفعل، ألم يكونوا حاملي الدروع الطبيعيين لهذا الحزب المتخفي وراء دروعهم، وراء مبدئهم، وراء الدستور!
حتى الصباح بالذات، تعذب "الجبل" بآلام المخاض. فولد "نداء إلى الشعب" ظهر في صباح الثالث عشر من حزيران في زاويتين معزولتين من جريدتين اشتراكيتين. وقد أعلن هذا النداء الرئيس والوزراء وأغلبية الجمعية التأسيسية "خارج الدستور" (hors la Constitution) ودعا الحرس الوطني والجيش إلى "النهوض"، وكذلك الشعب في الختام. "عاش الدستور!". هذه كانت كلمة السر التي أقرها، وكلمة السر هذه لم تكن تعني إلا شيئًا واحدًا: "لتسقط الثورة!".
ولقد توافق ما أسمى بالمظاهرة السلمية التي نظمها البرجوازيون الصغار في 13 حزيران، مع نداء "الجبل" الدستوري. وقد كانت هذه المظاهرة عبارة عن موكب في الشوارع ابتدأ من شاتو دو عبر البولفارات. فإن 30000 شخص، معظمهم من رجال الحرس الوطني غير المسلحين، قد ساروا عبر البولفارات مختلطين مع أعضاء الفروع العمالية السرية، وصائحين: "عاش الدستور!". كان المتظاهرون أنفسهم يصيحون بهذا الشعار بصورة آلية، وببرودة، وليس من صميم القلب، وعوضًا عن أن تتعاظم هذه الصيحات وتصبح كقصف الرعود الهادر، لقيت صدى ساخرًا في صفوف الشعب المتجمع على الأرصفة. والغناء المتعدد الأصوات كان ينقصه الصوت الصدري. وعندما وصل الموكب إلى مبنى اجتماعات "أصدقاء الدستور" وظهر على شرفته مناد مأجور للدستور راح يصب على الحجاج سيلاً من الهتافات "عاش الدستور!" ملوحًا بكل قوته بقبعته التي تشبه قبعات المصفقين المأجورين ورافعًا عقيرته حتى ليمزق رئتيه الغريبتين، خُيل أن المشتركين في الموكب أنفسهم قد شعروا للحظة بكل هزلية الوضع الناشئ. ومعلوم أي استقبال غير برلماني أعده للموكب في زاوية شارع دي لا بي والبولفارات فرسان وجنود شانغارنيه؛ ومعلوم كيف تفرق المتظاهرون في طرفة عين شذر مذر، وأطلقوا، أثناء فرارهم فقط، صيحات "إلى السلاح!" تنفيذًا للنداء البرلماني الصادر في 11 حزيران والداعي إلى الانتفاضة.
وتفرقت أغلبية أعضاء "الجبل" المحتشدين في شارع دوهازار في اللحظة التي كان فيها تفريق الموكب السلمي بالعنف، والإشاعات الغامضة عن قتل المواطنين العزل من السلاح في البولفارات، والبلبلة المشتدة أكثر فأكثر في الشارع، - وكل شيء ينبئ باقتراب الانتفاضة. ولقد صان ليدرو – رولان على رأس فريق صغير من النواب، شرف "الجبل". فتحت حماية المدفعية الباريسية التي كانت تشغل باليه ناسيونال، ذهبوا إلى متحف الفنون والمهن الذي كان ينبغي أن يصل إليه اللواءان الخامس والسادس من الحرس الوطني. ولكن عبثًا انتظر "الجبليون" اللوائين الخامس والسادس. فإن رجال الحرس المحترسين هؤلاء قد تركوا ممثليهم وشأنهم، ومدفعية باريس نفسها أعاقت الشعب عن بناء المتاريس، وجعل الهرج والمرج والاضطراب والهوشة من المستحيل اتخاذ أي قرار، وتحركت قوات المشاة إلى الأمام شاهرة الحراب واعتقل قسم من النواب، وتخفي القسم الآخر. وهكذا انتهى الثالث عشر من حزيران.
ولئن كان الثالث والعشرون من حزيران 1848 يوم انتفاضة البروليتاريا الثورية، فإن الثالث عشر من حزيران 1849 كان يوم انتفاضة البرجوازيين الصغار الديموقراطيين؛ وكل من هاتين الانتفاضتين كانت تعبيرًا كلاسيكيًا خالصًا عن كنه الطبقة التي قامت بها.
في مدينة ليون وحدها، بلغت الأمور حد الاصطدام العنيد، الدامي. فهنا تقف البرجوازية الصناعية والبروليتاريا الصناعية مباشرة وجهًا لوجه، والحركة العمالية لا تندرج، كما في باريس، في إطار الحركة العامة ولا تتحدد بها؛ ولهذا فقد الثالث عشر من حزيران هنا في انعكاسه طابعه الأولي. أما في الأنحاء الأخرى من الأقاليم التي وجد فيها الثالث عشر من حزيران صدى له، فإنه لم يشعل شيئًا، بل كان برقًا باردًا.
في 13 حزيران، انتهت المرحلة الأولى من حياة الجمهورية الدستورية التي بدأت حياتها العادية في 28 أيار 1849 مع افتتاح الجمعية التشريعية. وكل هذه المقدمة مليئة بنضال صاخب بين حزب النظام و"الجبل"، بين البرجوازية والبرجوازية الصغيرة؛ وعبثًا قاومت البرجوازية الصغيرة إقامة الجمهورية البرجوازية التي تآمرت البرجوازية الصغيرة نفسها بلا انقطاع في صالحها في زمن الحكومة المؤقتة وفي زمن اللجنة التنفيذية، والتي قاتلت هي نفسها من أجلها بضراوة ضد البروليتاريا في أيام حزيران. ولقد حطم يوم الثالث عشر من حزيران مقاومتها وجعل من ديكتاتوريتها الملكيين الموحدين التشريعية أمرًا واقعًا. ومنذ هذه اللحظة، تصبح الجمعية الوطنية مجرد لجنة سلامة عامة لحزب النظام.
أعلنت باريس الرئيس والوزراء وأغلبية الجمعية الوطنية في "حالة متهيمن"؛ وأعلن هؤلاء باريس في "حالة حصار". وأعلن "الجبل" أغلبية الجمعية التشريعية "خارج الدستور"، وأحالت الأغلبية بدورها "الجبل" إلى المحكمة العليا لخرقه الدستور وحرمت من حماية القانون كل ما كان أكثر حيوية في هذا الحزب. ولم يبق من "الجبل" غير جسد بلا رأس ولا قلب. وذهبت الأقلية إلى حد القيام بمحاولة انتفاضة برلمانية، وجعلت الأغلبية استبدادها البرلماني قانونًا. وسنت نظامًا داخليًا برلمانيًا جديدًا يقضي على حرية الكلام ويخول رئيس الجمعية الوطنية حق معاقبة النواب لمخالفة النظام بالمنع من الكلام، وبالغرامات المالية، وبالحرمان من الراتب، وبالطرد المؤقت من الجلسات، وبالاعتقال. وعلقت فوق جسد "الجبل" قضيبًا عوضًا عن السيف. وكان الواجب يقضي على نواب "الجبل" السالمين أن يتنازلوا عن صلاحياتهم بشكل يلفت النظر. ولو فعلوا هذا، لكان عجل في انحلال حزب النظام. كان لا بد أن ينحل هذا النظام إلى أجزائه المكونة الأولية في الوقت الذي لا يبقى فيه أي شيء، وإن ظلا لمقاومة، لكي يوحده.
كذلك انتزعت من البرجوازية الصغيرة الديموقراطية قوتها المسلحة مع قوتها البرلمانية في آن واحد؛ فقد حلت المدفعية الباريسية وألوية الحرس الوطني الثامن والتاسع والثاني عشر. أما لواء الأريستقراطية المالية الذي اعتدى في 13 حزيران على مطبعة بولية ورو، وحطم ماكنات الطباعة، وحطم مقرات هيئات تحرير الجرائد الجمهورية واعتقل فيها المحررين والصفافين والطباعين والمرسلين والموزعين، فقد حظي، على العكس، بالتشجيع من على منبر الجمعية الوطنية. وفي عموم فرنسا، تكرر هذا التسريح لرجال الحرس الوطني المشتبه بأنهم يميلون إلى الجمهورية.
قانون جديد للصحافة، قانون جديد للجمعيات، قانون جديد لحالة الحصار، ازدحام السجون الباريسية، طرد المهاجرين السياسيين، تعطيل جميع الجرائد التي تمضي أبعد من „National“، إخضاع مدينة ليون وخمس محافظات مجاورة لاستبداد الانكشارية الفظ، ومراقبة النيابة العامة في كل مكان، وتطهير جيش الموظفين من جديد بعد تطهيره مرار وتكرارًا، - هذه هي الأساليب المحتمة، المتكررة على الدوام، التي تلجأ إليها الرجعية الظافرة، والتي غدت أساليب رتيبة لا يجدر التذكير بها بعد مجزرة حزيران ومنافي حزيران إلا لأنها كانت هذه المرة موجهة لا ضد باريس وحسب، بل أيضًا ضد المحافظات، لا ضد البروليتاريا وحسب، بل أيضًا وفي المقام الأول ضد الطبقات المتوسطة.
إن نشاط الجمعية الوطنية التشريعي كله في حزيران وتموز وآب كان حافلاً بقوانين زجرية خولت الحكومة حق إعلان حالة الحصار، وكمت أفواه الصحف أشد من ذي قبل، وقضت على حق تأليف الجمعيات.
ولكن ما يميز هذه المرحلة، ليس الاستفادة العملية من النصر بل الاستفادة المبدئية منه، وليس قرارات الجمعية الوطنية بل تعليل هذه القرارات، وليس العمل بل الكلام، وليس حتى الكلام بل اللهجة والحركات التي تحيي الكلام. عرض العقائد الملكية بوقاحة لا حد لها، إهانات الازدراء الأريستقراطية الموجهة إلى الجمهورية، إفشاء أهداف العودة بدلال واستهتار، - وبكلمة، انتهاك الآداب الجمهورية بتبجح – هذا ما يضفي على هذه المرحلة لونًا خاصًا وطابعًا خاصًا. كانت صيحة مغلوبي الثالث عشر من حزيران القتالية: "عاش الدستور!". وهذا ما أغني الغالبين عن نفاق اللغة الدستورية، أي الجمهورية. لقد تغلبت الثورات المضادة على المجر وإيطاليا وألمانيا، ورأت العودة على أبواب فرنسا. وقامت منافسة حقيقية بين زعماء كتل النظام؛ وقد حاولوا، مزاحمين بعضهم بعضًا، أن يقدموا البرهان على ميولهم الملكية بالوثائق بواسطة „Moniteur“، وأن يعترفوا ببعض الخطايا الليبرالية التي اقترفوها في زمن الملكية، وأن يندموا عليها، ويطلبوا المغفرة عنها أمام الله والناس. ولم يمر يوم دون أن يعلنوا من على منبر الجمعية الوطنية أن ثورة شباط كانت مصيبة عامة، دون أن يصرح ملاك عقاري من الشرعيين في الريف بمهابة وتفاخر أنه لم يعترف يومًا بالجمهورية، دون أن يتحدث شخص ما من جاحدي وخونة ملكية تموز الجبناء عن مآثره المتأخرة التي لم يعقه عن تحقيقها غير حب لويس فيليب للناس أو مفارقات من هذا القبيل. فكأن ما كان جديرًا بالدهشة في أيام شباط، ليس شهامة الشعب المظفر، بل تفاني واعتدال الملكيين الذين سمحوا له بأن ينتصر على نفسه. وقد اقترح أحد ممثلي الشعب تحويل قسم من النقود المعدة لأجل مساعدة الجرحى في أيام شباط إلى الحراس البلديين الذين أدوا في تلك الأيام خدمة للوطن. واقترح آخر إقامة تمثال لدوق أورليان على ظهر حصان في ساحة كاروسل. ونعت تيير الدستور بخرقة من الورق القذر. وتعاقب الأورليانيون على المنبر لكي يعترفوا بدسائسهم ضد الملكية الشرعية، والشرعيون لكي يلوموا أنفسهم على أن مقاومتهم للملكية غير الشرعية قد عجلت في سقوط الملكية بوجه عام؛ واعترف تيير بأنه تآمر ضد موليه، واعترف موليه بمؤامراته ضد غيزو، واعترف بارو بمؤامراته ضد الثلاثة جميعهم. وأعلن هتاف "عاشت الجمهورية الاجتماعية الديموقراطية!" مخالفًا للدستور؛ ولو حق هتاف "عاشت الجمهورية!" بوصفه هتافًا اشتراكيًا – ديموقراطيًا. وفي الذكرى السنوية لمعركة واترلو، صرح أحد النواب بقوله: "أنا لا أخاف من تدخل البروسيين قدر خوفي من دخول المهاجرين الثوريين إلى فرنسا". وردًا على الشكاوي من الإرهاب المنظم في مدينة ليون والمحافظات المجاورة، قال باراغه ديليه: "أنا أفضل الإرهاب الأبيض على الإرهاب الأحمر" („J’aime mieux la etrreur blanche que la terreur rouge“)، وكانت الجمعية الوطنية تصفق بجنون كلما انطلقت من شفتي أحد خطبائها أبيات هجائية ساخرة ضد الجمهورية، ضد الثورة، ضد الدستور، من أجل الملكية، من أجل الحلف المقدس. وكل مخالفة لأقل الشكليات الجمهورية – مثلاً، مخاطبة النواب بكلمتي "أيها المواطنون" – كانت تثير إعجاب وتهليل فرسان النظام.
إن الانتخابات التكميلية التي جرت في باريس في 8 تموز في ظل حالة الحصار والتي امتنع عن الاقتراب فيها قسم كبير من البروليتاريا، واحتلال روما من قبل الجيش الفرنسي، ودخول الآباء الأجلاء الحمر ( ) إلى روما، وفي معيتهم إرهاب الرهبان ومحاكمهم التفتيشية، - كل هذا جمع الانتصارات الجديدة إلى انتصار حزيران، كل هذا قوّى نشوة حرب النظام.
وأخيرًا، قرر الملكيون في أواسط آب رفع جلسات الجمعية الوطنية لمدة شهرين – جزئيًا لكي يحضروا جلسات مجالس المحافظات التي اجتمعت للتو، وجزئيًا لأنهم تعبوا للغاية بعد قصف وعربدة ميولهم الملكية طوال أشهر عديدة. وبسخرية غير مستورة، تركوا لجنة من خمسة وعشرين نائبًا من صفوة حزبي الشرعيين والأورليانيين، أمثال موليه وشانغارنيه وإضرابهما، بصفة نائبة للجمعية الوطنية، بصفة حارسة للجمهورية. وكانت السخرية أعمق مما خطر في بالهم. فلقد حكم التاريخ عليهم بأن يسهموا في إسقاط الملكية التي يحبونها، وأعدهم لحماية الجمهورية التي يكرهونها.
ومع رفع جلسات الجمعية التأسيسية، انتهت المرحلة الثانية من حياة الجمهورية الدستورية، مرحلة هيجانها الملكي.
ألغيت حالة الحصار في باريس من جديد، ومن جديد استأنفت الصحافة عملها. وأثناء تعطيل الجرائد الاشتراكية – الديموقراطية، وفي مرحلة الإجراءات القمعية والعربدة الملكية، تحولت „Siecle“ الممثلة الأدبية القديمة للبرجوازية الصغيرة ذات النزعة الملكية الدستورية إلى النزعة الجمهورية؛ وأصبحت „Presse“، لسان حال الإصلاحيين البرجوازيين القديم، أكثر ديموقراطية، في حين أن „National“، لسان حال الجمهوريين البرجوازيين الكلاسيكي القديم، اتخذت صبغة اشتراكية.
وبقدر ما كانت النوادي العلنية تصبح مستحيلة، كانت تنتشر وتقوي الجمعيات السرية. إن تعاونيات العمال الإنتاجية التي كانت تتشكل كشركات تجارية صرف والتي لم تكن لها أي أهمية اقتصادية، قد اضطلعت في الميدان السياسي بدور حلقات واصلة بالنسبة للبروليتاريا. فإن الالث عشر من حزيران قد أطاح بالقمة الرسمية لمختلف الأحزاب نصف الثورية، في حين نبت بالمقابل على كتفي الجماهير السالمة رأس لها. وخوف فرسان النظام بفظائع الجمهورية الحمراء، ولكن الأعمال الوحشية الخسيسة والفظائع الشنيعة التي ارتكبتها الثورة المضادة الظافرة في المجر وبادن وروما غسلت "الجمهورية الحمراء" حتى البياض. فأخذت طبقات المجتمع الفرنسي المتوسطة المستاءة تفضل وعود الجمهورية الحمراء مع فظائعها المفترضة على فظائع الملكية مع انقطاع الرجاء عمليًا منها. وما من اشتراكي فعل في فرنسا لأجل الدعاية الثورية أكثر مما فعله هايناو. لكل موهبة حسب أعمالها!
وفي هذه الأثناء، استغل لويس بونابرت عطلة الجمعية الوطنية لقيام في شهر آب بجولات في الأقاليم، وذهب أشد الشرعيين حماسة إلى أيمس لتقديم واجبات العبادة لسليل القديس لويس ( )، وانصرف سواد النواب من حزب النظام إلى حبك الدسائس في مجالس المحافظات التي اجتمعت للتو. كان ينبغي حمل هذه المجالس على قول ما لم تتجرأ أكثرية الجمعية الوطنية على لفظه، كان ينبغي أن تطالب بإعادة النظر في الدستور على الفور. فبموجب الدستور، لم يكن من الممكن القيام بإعادة النظر هذه إلا في عام 1852، وفي جلسة تعقدها الجمعية الوطنية خصيصًا لهذا الغرض. ولكن إذا قالت أغلبية مجالس المحافظات بإعادة النظر، - ألن يجبر صوت فرنسا الجمعية الوطنية، يا ترى، على التضحية بعفاف الدستور؟ إن الجمعية الوطنية كانت تنتظر من هذه الجمعيات الإقليمية نفس ما كانت تنتظره الراهبات، في "هنرياد" فولتير، من الباندرو ( ). ولكن إضراب بنتوفري في الجمعية الوطنية، ما عدا قلة منهم، اصطدموا في الأقاليم بعدد من إضراب يوسف ليس أقل ( ). أن الأغلبية الساحقة لم تشأ أن تفهم الإرشادات الملحقة. إن إعادة النظر في الدستور كانت تحول دونها نفس الأداة التي كان ينبغي لها أن تخرجه إلى الفور: أي تصويت مجالس المحافظات. لقد أبدت فرنسا، فرنسا البرجوازية على كل حال، رأيها، وأبدته ضد إعادة النظر.
في مستهل تشرين الأول افتتحت الجمعية الوطنية التشريعية جلساتها tantum mutatus ab illo! (ولكن كم تغيرت! – الناشر). فقد تغيرت سيماؤها كليًا. إن رفض مجالس المحافظات غير المتوقع لإعادة النظر في الدستور قد أعادها إلى داخل حدود الدستور وذكرها بحدود وجودها. وكانت زيارات الشرعيين إلى المحج في أيمس قد أثارت الريبة في نفوس الأورليانيين، وكانت اتصالات الأورليانيين مع لندن ( ) قد أقلقت الشرعيين، وكانت جرائد الكتلتين تنفخ في النار وتزن ادعاءات طامحيها المتبادلة. وكان الورليانيون يستاؤون مع الشرعيين من مساعي البونابرتيين التي ظهرت في رحلات الرئيس في الصيف، وفي محاولاته الواضحة إلى هذا الحد أو ذاك لكي يطرح عن نفسه عنان الدستور، وفي لغة الجرائد البونابرتية المتغطرسة؛ وكان لويس بونابرت، من جهته، يستاء من الجمعية الوطنية التي لم تكن تعترف بحق التآمر إلا للشرعيين والأورليانيين، ومن الوزارة التي كانت تخونه دائمًا في صالح هذه الجمعية الوطنية. وأخيرًا، حدث انشقاق في الوزارة بسبب السياسة الرومانية وبسبب ضريبة الدخل التي اقترحها الوزير باسي والتي كان المحافظون يلعنونها باعتبارها ضريبة اشتراكية.
ولقد كان من أولى اقتراحات وزارة بارو في الجمعية التشريعية التي استأنفت جلساتها، طلب اعتماد قدره 300000 فرنك لأجل دفع معاش أرملة الدوق أورليان. فوافقت الجمعية الوطنية على من الممكن أن يقال لبونابرت بأوضح من ذلك أنه لم يكسب شيئًا من وجوده في البلد، وأنه إذا كان الملكيون المتحدون بحاجة إليه هنا، في كرسي الرئاسة، بصفته شخصًا حياديًا، فإنه كان ينبغي أن يبقى المدعون الحقيقيون بالعرش محجوبين عن الأنظار غير المطلعة بضباب المنفى.
في أول تشرين الثاني، أجاب لويس بونابرت الجمعية التشريعية برسالة أعلن فيها بتعابير قارصة جدًا نبأ استقالة وزارة بارو وتأليف وزارة جديدة. كانت وزارة بارو – فالو وزارة الائتلاف الملكي، وكانت وزارة دوبول وزارة بونابرت وأداة الرئيس ضد الجمعية التشريعية، وزارة الباعة.
والآن لم يبق بونابرت مجرد الشخص الحيادي الذي كانه في 10 كانون الأول 1848. فبصفته رئيس السلطة التنفيذية، أصبح مركز مصالح معينة؛ ومكافحة لافوضى أجبرت حزب النظام نفسه على تقوية نفوذه؛ وإذا لم يعد بونابرت يتمتع بشعبية فإن حزب النظام كان غير ذي شعبية. أو لم يكن بوسعه، يا ترى، أن يأمل بأن التنافس بين الأورليانيين والشرعيين من جهة، وضرورة العودة الملكية بأي شكل كان، من جهة ثانية، سيكرهان الكتلتين معًا على الاعتراف بالمدعي الحيادي؟
منذ أول تشرين الثاني 1849 تبدأ المرحلة الثالثة في حياة الجمهورية الدستورية (وقد انتهت هذه المرحلة في 10 آذار (مارس) 1850). وتبدأ اللعبة العادية للمؤسسات الدستورية التي كان غيزو يطريها أشد الإطراء، أي المشاحنات بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. ولكن هذا ليس كل ما في الأمر. فضد مطامع الأورليانيين والشرعيين المتحدين في العودة إلى العرش، يدافع بونابرت عن الأساس الحقوقي لسلطته الفعلية أي عن الجمهورية؛ وضد مطامع بونابرت بالعودة إلى العرش، يدافع حزب النظام عن الأساس الحقوقي لسيادته المشتركة أي عن الجمهورية؛ الشرعيون ضد الأورليانيين، والأورليانيون ضد الشرعيين يدافعون عن status quo أي عن الجمهورية. وجميع كتل حزب النظام هذه التي لكل منها في قرارة نفسها ملكها الخاص وعودتها الخاصة إلى العرش، تعارض كل منها مطامع منافسيها الاغتصابية والتمردية بسيادة البرجوازية العامة المشتركة، بالشكل الذي تشل فيه جميع ادعاءاتهم المختلفة بعضها بعضًا وتحفظ بعضها بعضًا، أي بالجمهورية.
وكما يعترف كانط بالجمهورية بوصفها شكل الدولة العقلاني الوحيد، بوصفه مبدأ مسلمًا به للعقل العملي لا يتحقق أبدًا ولكن تحقيقه ينبغي أن يكون دائمًا هدفنا وموضع مطامعنا، كذلك الملكية هي بالنسبة لهؤلاء الملكيين مبدأ مسلمًا به.
ينجم بالتالي أن الجمهورية الدستورية التي خرجت من أيدي الجمهوريين البرجوازيين بشكل صيغة أيديولوجية فارغة، قد أصبحت في أيدي الملكيين المتحدين شكلاً حيًا للدولة مليئًا بالمضمون. بل أنه لم يخطر في بال تيير أي حقيقة انطوت عليها كلماته: "نحن الملكيين حصن الجمهورية الدستورية الحقيقي".
وفد كان لسقوط وزارة الائتلاف ولظهور وزارة الباعة على الحلبة معنى آخر أيضًا. ففي الوزارة الجديدة، عُين فولد وزيرًا للمالية. أن تنصيب فولد وزيرًا للمالية كان يعني وضع الثروة الوطنية الفرنسية رسميًا في يدي البورصة، وإدارة أملاك الدولة بواسطة البورصة وفي مصلحة البورصة. ومع تعيين فولد، أعلنت الأريستقراطية المالية في „Moniteur“ عن عودتها. وهذه العودة استكملت بنفسها بالضرورة جميع العودات الأخرى وكانت معها حلقة في سلسلة الجمهورية الدستورية.
إن لويس فيليب لم يتجاسر مرة واحدة على تنصيب ذئب حقيقي من ذئاب البورصة (loup cervus) وزيرًا للمالية. وكما كانت ملكيته اسمًا مثاليًا لأجل سيادة قمة البرجوازية، كذلك كان ينبغي أن تحمل المصالح المميزة في وزارته أسماء مثالية تدل على انعدام المصلحة الشخصية. أما في الجمهورية البرجوازية، فقد برز في كل مكان في مقدمة المسرح ما كانت الملكيتان المختلفتان، الشرعية والأورليانية، تخفيانه وراء الكواليس. وقد أنزلت الجمهورية البرجوازية إلى الأرض ما كانت هاتان ترفعانه إلى السماء. واستعاضت عن أسماء القديسين بالأسماء البرجوازية الخالصة للمصالح الطبقية السائدة.
إن كل عرضنا قد بيّن بأي نحو لم تقض الجمهورية منذ اليوم الأول بالذات لوجودها على سيادة الأريستقراطية المالية، وليس هذا وحسب، بل العكس وطدتها. ولكنها قامت بتنازلات في صالحها خلافًا لإرادتها، خاضعة للقضاء والقدر. أما مع فولد، فقد عادت المبادرة الحكومية إلى يد الأريستقراطية المالية.
وقد يسأل سائل: كيف استطاع الائتلاف البرجوازي أن يحتمل ويصبر على سيادة الأريستقراطية المالية، التي كانت ترتكز في عهد لويس فيليب على إقصاء سائر فئات البرجوازية عن السلطة أو على إخضاعها؟
الجواب عن هذا بسيط.
قبل كل شيء، تشكل الأريستقراطية المالية نفسها جماعة قائدة هامة في قلب الائتلاف الملكي الذي تسمى سلطته الحكومية العامة بالجمهورية. أو لم يكن خطباء وزعماء الأورليانيين، يا ترى، حلفاء وشركاء قدماء للأريستقراطية المالية؟ أليست هي ذاتها، يا ترى، سلامي الأورليانيين الذهبية؟ أما الشرعيون فقد اشتركوا عمليًا، في عهد لويس فيليب، في جميع عربدات المضاربات في البورصة والمناجم والسكك الحديدية. إن التحالف بين الملكية العقارية الكبيرة والأريستقراطية المالية هو، على العموم، ظاهرة طبيعية. والدليل – إنجلترا، الدليل – النمسا أيضًا.
في بلد كفرنسا، يقف فيه الإنتاج الوطني على درجة منخفضة لا تتناسب مع مقدار دبي الدولة ويشكل فيه ريع الدولة أهم مادة للمضاربة، وتشكل فيه البورصة السوق الرئيسية لأجل توظيف الرأسمال الراغب في النمو بصورة غير منتجة، - في بلد كهذا، لا بد بالضرورة أن يكون لعدد لا يحصى من الأفراد من جميع الطبقات البرجوازية ونصف البرجوازية مصلحة في دين الدولة، في مضاربات البورصة، في المالية. وجميع هؤلاء المشتركين من الدرجة الثانية في مضاربات البورصة، ألا يجدون، يا ترى، سندهم وزعيمهم الطبيعي في تلك الكتلة التي تمثل هذه المصالح ذاتها، ولكن بمقاييس هائلة، بكل كمالها وتمامها؟
ما هو سبب انتقال ملك الدولة إلى يد الأريستقراطية المالية؟ دين الدولة المتعاظم على الدوام. وأين يكمن سبب دين الدولة هذا؟ في تفوق نفقاتها على غيراداتها تفوقًا دائمًا هو بدوره عاقبة وسبب نظام قروض الدولة.
ولتحاشي هذا الدين، ينبغي على الدولة أما أن تحد من نفقاتها، أي أن تبسط وتخفض الجهاز الحكومي، وتحكم أقل ما يمكن، وتبقى في سلك الموظفين أقل عدد ممكن، وتتدخل في شؤون المجتمع المدني أقل ما يمكن. ولكنه لم يكن بمستطاع حزب النظام أن يسلك هذا السبيل؛ كان يتعين عليه أن يقوي أكثر فأكثر إجراءاته القمعية، وتدخله الرسمي بشخص الدولة، وحضوره في كل مكان في شخص أجهزة الدولة، بقدر ما كانت تشتد المخاطر التي تتهدد من جميع الجوانب سيادته وظروف وجود طبقته. ولا يجوز تقليل عدد رجال الدرك في الوقت الذي تتكاثر فيه الجرائم ضد الفرد والملكية.
وأما أنه ينبغي على الدولة أن تحاول الاستغناء عن الديوان وأن تقر لفترة من الزمن ولو توازنا عابرًا في الميزانية، بإلقاء عبء الضرائب الاستثنائية على كواهل أكثر طبقات السكان يسرا. ولكن هل يتعين على حزب النظام، لأجل إنقاذ الثروة الوطنية من استثمار البورصة، أن يضحي بثروته الخاصة على مذبح الوطن؟ Pas si bete (ليس غبيًا إلى هذا الحد!).
خلاصة القول، لم يكن من الممكن قيام انقلاب في شؤون دولة فرنسا بدون انقلاب جذري في الدولة الفرنسية. ولكن بشؤون الدولة هذه يرتبط بالضرورة دين الدولة، وبدين الدولة – المضاربة على ديون الدولة، وسيادة دائني الدولة، والمصرفيين، وتجار النقود، وذئاب البورصة. إلا أن كتلة واحدة فقط من حزب النظام كانت لها مصلحة مباشرة في سقوط الأريستقراطية المالية، هي كتلة الصناعيين. ونحن لا نقصد لا الصناعيين المتوسطين ولا الصناعيين الصغار، بل كبار الصناعيين الذين كانوا يشكلون في عهد لويس فيليب قاعدة عريضة للمعارضة الأسرية. فإن مصالحهم كانت تقتضي، بلا ريب، تخفيض نفقات الإنتاج وبالتالي تخفيض الضرائب التي تدخل في كلفة الإنتاج، وتخفيض ديون الدولة التي تدخل فوائدها في هذه الضرائب، - وبتعبير آخر، - كانت مصالحهم تقتضي سقوط الأريستقراطية المالية.
في إنجلترا، - وكبار الصناعيين الفرنسيين برجوازيون صغار بالقياس مع منافسيهم الإنجليز، - نرى بالفعل صناعيين، من طراز كوبدن أو برايت وإضرابهما، على رأس حملة صليبية ضد المصرف وضد أريستقراطية البورصة. ولماذا لا نرى مثيلاً لهذا في فرنسا؟ في إنجلترا تهيمن الصناعة، في فرنسا، الزراعة. في إنجلترا تحتاج الصناعة إلى حرية التجارة، في فرنسا إلى رسوم الحماية الجمركية، إلى الاحتكار الوطني مع الاحتكارات الأخرى. إن الصناعة الفرنسية لا تسود على الإنتاج الفرنسي، ولهذا لا يسود الصناعيون الفرنسيون على البرجوازية الفرنسية. ولكي يحموا مصالحهم من سائر كتل البرجوازية، ليس في مقدورهم أن يسيروا على رأس الحركة كما يفعل الإنجليز، وأن يقدموا بالتالي مصالحهم الطبقية إلى المرتبة الأولى؛ إنما يترتب عليهم أن يسيروا في ذيل الثورة ويخدموا مصالح مناقضة لمصالح طبقتهم العامة. وفي شباط، لم يفهموا وضعهم، ولكن شباط لقنهم درسًا بليغًا. ومن ذا الذي يتهدده الخطر من جانب العمال، أكثر من يتهدد، إن لم يكن رب العمل، الرأسمالي الصناعي؟ ولهذا انضم الصناعي في فرنسا بالضرورة إلى أعنف متعصبي حزب النظام. صحيح أن كبار الماليين يبترون ربحه، ولكن ما عسى أن يكون هذا بالمقارنة مع القضاء عليه كليًا من قبل البروليتاريا؟
في فرنسا، يقوم البرجوازي الصغير بما هو عادة من شأن البرجوازي الصناعي؛ والعمال يقومون بما هو عادة من مهام البرجوازي الصغير؛ فمن ذا الذي يحل مهمة العامل؟ لا أحد. إنها لا تحل في فرنسا، بل تعلن هنا فقط. وليس من الممكن في أي مكان حلها داخل الحدود القومية؛ إن حرب الطبقات في قلب المجتمع الفرنسي ستتحول إلى حرب عالمية بين الأمم. ولن يبدأ الحل إلا متى وضعت الحرب العالمية البروليتاريا على رأس الشعب السائد على السوق العالمية، على رأس إنجلترا. ولكن الثورة التي لن تجد هنا خاتمتها بل بدايتها المنظمة فقط، لن تكون ثورة قصيرة الأمد. إن الجيل الحالي يشبه أولئك اليهود الذين ساقهم موسى عبر الصحراء. ويتعين عليه، لا أن يستولى على العالم الجديد وحسب، بل أن يخرج كذلك من الساح لكي يخلي المكان لأولئك الذين نضجوا من أجل العالم الجديد.
لنعد إلى فولد.
في 14 تشرين الثاني 1849، صعد فولد إلى منبر الجمعية الوطنية وعرض نظامه المالي: مديح لنظام الضرائب القديم! الاحتفاظ بضريبة الخمور! رفض ضريبة الدخل التي اقترحها باسي!
إن باسي هو أيضًا لم يكن ثوريًا، وكان وزيرًا قديمًا للويس فيليب. وكان من عداد البوريتانيين المتزمتين من طراز دوفور ومن عداد الأصدقاء الحميمين لتست الذي كان كبش فداء ملكية تموز! (في 8 تموز (يوليو) 1847، بدأت في مجلس الشيوخ في باريس محاكمة بارمنتيه والجنرال كوبيير – بتهمة رشوة الموظفين بغية الحصول على امتياز الملح – ومحاكمة وزير الأشغال العامة في ذلك الوقت تست، بتهمة قبضة رشوة منهما. وأثناء المحاكمة، حاول تست أن ينتحر. وقد حكم على الجميع بغرامات نقدية كبيرة؛ وفضلاً عن ذلك، حكم على تست بالسجن ثلاث سنوات (ملاحظة أنجلس لطبعة 1895)). وقد أطرى باسي هو أيضًا النظام الضرائبي القديم، واقترح هو ايضًا الاحتفاظ بضريبة الخمور، ولكنه رفع الستار في الوقت نفسه عن عجز الدولة المالي. وأعلن أنه لا يمكن تجنب إفلاس الدولة إلا بواسطة ضريبة جديدة، هي ضريبة الدخل. إن فولد، الذي عرض فيما مضى على ليدرو – رولان إعلان إفلاس الدولة، اقترح على الجمعية التشريعية إعلان عجز الدولة المالي. ووعد بمدخرات تكشف سرها فيما بعد: مثلاً، انخفضت النفقات 60 مليونًا، وازداد الدين الجاري 200 مليون، - شعوذات تثير الشكوك في تصفيف الأرقام، في جمع الحسابات، الأمر الذي أدى في آخر المطاف إلى قروض جديدة.
في عهد فولد لم تتصرف الأريستقراطية المالية، بالطبع، إلى جانب الكتل المتنافسة الأخرى من البرجوازية، بنفس الوقاحة والاستهتار كما في عهد لويس فيليب. ولكن النظام بقي هو هو: تعاظم ديون الدولة على الدوام كما من قبل، العجز المالي المستور كما من قبل. ولكن، مع مرور الزمن، أخذ الاحتيال البورصي القديم يعمل بمزيد من السفور. والأدلة: القانون المتعلق بسكة جديد أفينيون، والتقلبات الغامضة في أسعار سندات الدولة التي أصبحت في وقت من الأوقات موضوع الساعة في باريس كلها، وأخيرًا، مضاربة فولد وبونابرت الفاشلة على انتخابات العاشر من آذار.
ومع عودة الأريستقراطية المالية رسميًا، كان لا بد للشعب الفرنسي أن يواجه من جديد، بعد فترة وجيزة، الرابع والعشرين من شباط.
فإن Constituante، في سورة الكرة لوريثتها، كانت قد ألغت ضريبة الخمور في 1850. أن إلغاء الضرائب القديمة لم يؤمن الأموال لتسديد الديون الجديدة. وإذا كريتون، وهو من بلهاء حزب النظام، يقترح، قبل تعليق جلسات الجمعية التشريعية، الإبقاء على ضريبة الخمور. فقبل فولد هذا الاقتراح باسم الوزارة البونابرتية؛ وفي 20 كانون الأول 1849، في يوم الذكرى السنوية لإعلان بونابرت رئيسًا، قررت الجمعية الوطنية بعث ضريبة الخمور.
أما محامي هذا البعث، فلم يكن ماليًا، بل زعيم اليسوعيين مونتالامبير. وكانت حججه مذهلة ببساطتها. الضريبة هي صدر الأم الذي يطعم الحكومة؛ والحكومة هي أداة القمع، وأجهزة السلطة، والجيش، والبوليس، والموظفون والقضاة والوزراء، والكهنة. إن التطاول على الضريبة هو تطاول الفوضويين على حراس النظام الذين يحمون إنتاج المجتمع البرجوازي، المادي والروحي، من تطاولات البرابرة البروليتاريين. الضريبة إنما هي الآلة الخامس إلى جانب الملكية والعائلة والنظام والدين. أما ضريبة الخمور، فهي، بلا ريب، ضريبة، ولكنها ضريبة غير عادية، بل ضريبة قديمة مفعمة بروح الملكية، ضريبة محترمة. عاشت ضريبة الخمور! هورا ثلاثًا، ومرة أخرى هورا!
عندما يريد الفلاح الفرنسي أن يتصور الشيطان، فإنه يصوره بصورة جابي الضرائب. ومنذ أن أعلن مونتالامبير الضريبة إلهًا، أصبح الفلاح كافرًا، ملحدًا، ورمي بنفسه في أحضان الشيطان، أي في أحضان الاشتراكية. أن دين النظام قد فقد الفلاح بخفة وطيش، واليسوعيون فقدوه بخفة وطيش، وبونابرت فقده بخفة وطيش. إن العشرين من كانون الأول 1849 قد شوه إلى الأبد سمعة العشرين من كانون الأول 1848. أن "ابن أخي عمه" لم يكن بين أعضاء أسرته أول من قتلته ضريبة الخمور، الضريبة التي تفوح منها، على حد قول مونتالامبير، رائحة خطر الثورة. فقد قال نابليون الكبير، الحقيقي، في جزيرة القديسة هيلانة، أن بعث ضريبة الخمور كانت، أكثر من أي شيء آخر، سبب سقوطه لأنها صرفت عنه فلاحي فرنسا الجنوبية. وحتى في عهد لويس الرابع عشر، كانت هذه الضريبة الهدف الرئيسي لكرة الشعب (راجع مؤلفات بواغلبير وفوبان). وقد ألغتها الثورة الأولى، ولكن نابليون بعثها في 1808 بشكل معدل نوعًا. وعندما حل عهد العودة في فرنسا، لم يشق الطريق لها القوزاق المتبخترون ( ) وحسب، بل شقتها لها كذلك الوعود بإلغائها. ويقينًا أن الأريستقراطية ليست ملزمة بالوفاء بالوعود المغدقة على المرتبة الدنيا المحرومة من الحقوق. إ، عام 1830 قد وعد بإلغاء ضريبة الخمور. ولكنه لم يكن ليروق لهذا العام أن يحقق ما قيل وأن يقول ما يحقق. ووعد عام 1848 بإلغاء ضريبة الخمور مثلما وعد بكل شيء. وأخيرًا Constituante التي لم تعد بشيء، أمرت في وصيتها، كما سبق وقلنا، بإلغاء ضريبة الخمور ابتداء من أول كانون الثاني 1850. ولكن الجمعية التشريعية أقرتها من جديد قبل أول كانون الثاني بعشرة أيام على وجه الضبط. وهكذا حاول الشعب الفرنسي عبثًا أن يطرد هذه الضريبة: فعندما كان يرميها من الباب، كانت تعود من الشباك.
وليس عبثًا أن كانت ضريبة الخمور موضع كره الشعب. ففيها كانت تتجمع جميع الجوانب المقيتة من النظام الضرائبي الفرنسي. فإن أسلوب جبايتها مكروه، وأسلوب توزيعها أريستقراطي لأن نسبة التكليف المئوية واحدة سواء بالنسبة لأبسط الخمور أم بالنسبة لأغلاها؛ ومن هنا ينجم أنها تتزايد بمتوالية هندسية، بقدر ما تقل ملكية المستهلك؛ إنها ضريبة تصاعدية بالمقلوب. وهي مكافأة على غش وتزوير الخمور، ولذا تستتبع على الدوام تسمم الطبقات الكادحة. وهي تخفض الاستهلاك بإقامتها عند بوابات كل مدينة يربو عدد سكانها على 40000 نسمة مكاتب لتحصيل رسم الإنتاج (octrois الدخولية)، وبتحويلها كل مدينة من هذا النوع إلى بلد غريب تحميه رسوم الحماية من الخمور الفرنسية. إن كبار تجار الخمور، وبالأحرى صغار merchands de vin، وأصحاب الخانات هم جميعهم أعداء الداء لضريبة الخمور. وأخيرًا، تقلص ضريبة الخمور سوق تصريف المنتوج بتخفيضها الاستهلاك. وهي إذ تحرم عمال المدن من إمكانية شراء الخمور، تحرم الفلاحين صناع الخمور من إمكانية بيعه. والحال، يبلغ عدد صناع الخمور في فرنسا حوالي 12 مليونًا. ولذا كان كره الشعب كله لضريبة الخمور مفهومًا، وكان مفهومًا على الأخص حقد الفلاحين العنيف عليها. ناهيك بأنهم لم يروا في بعث ضريبة الخمور حادثًا فريدًا، عرضيًا إلى هذا الحد أو ذاك. فللفلاحين تقاليد تاريخية خاصة تنتقل من الأب إلى الابن، وفي هذه المدرسة التاريخية نشأت قناعة مفادها إن كل حكومة تعد بإلغاء ضريبة الخمور حين تريد خداع الفلاحين وأنها تحتفظ بها أو تبعثها ما أن تخدعهم. ومن ضريبة الدخل يشتم الفلاح رائحة الحكومة، ويستشف اتجاهها. فإن بعث ضريبة الخمور في 20 كانون الأول كان يعني: لويس بونابرت – هو مثل الآخرين. ولكنه لم يكن مثل الآخرين، بل كان من اختراع الفلاحين؛ بيد أن الفلاحين استرجعوا، بالعرائض المغطاة بملايين التواقيع ضد الضريبة، أصواتهم التي أعطوها منذ سنة "لابن أخي عمه".
إن سكان الريف، أي أكثر من ثلثي جميع سكان فرنسا، يتألفون بصورة رئيسية ممن يسمون بملاكي الأرض الأحرار. فإن جيلهم الأول الذي حررته ثورة 1789 من الفرائض الإقطاعية بدون أي مقابل، قد حصل على الأرض مجانًا. ولكن الأجيال التالية دفعت بصورة ثمن الأرض ما كان أجدادهم أنصاف الأقنان يدفعونه بشكل الريع والعشر والسخرة، وإلخ.. وبقدر ما كان ينمو عدد السكان من جهة، ويتزايد تقسيم الأرض من جهة أخرى، بقدر ما كان يرتفع ثمن قطعة الأرض الصغيرة، لأنه بقدر ما كانت تصغر هذه القطع، بقدر ما كان يشتد الطلب عليها. ولكن، مع ارتفاع سعر القطع الفلاحية من الأرض، تعاظم بالضرورة دين الفلاح أي الرهن العقاري، - سواء اشترى قطعة الأرض مباشرة أم حسبها له شركاؤها في التركة كرأسمال. إن الدين الذي ينيخ بثقله على الأرض يسمى الرهن العقاري أو التأمين العقاري. وكما تراكمت الامتيازات حول قطع الأرض القروسطية، كذلك يتراكم الرهن العقاري حول قطع الأرض المعاصرة. – ومن جهة أخرى، إن قطعة الأرض في ظل نظام الأراضي المقسمة هي بالنسبة للفلاح مجرد أداة للإنتاج. ولكن بقدر ما تتجرأ الأرض، بقدر ما تقل خصوبتها. فإن استعمال الآلات لحراثة التربة، وتقسيم العمل، والإجراءات الكبيرة لتجويد التربة، وكذلك بناء قنوات التصريف والري – كل هذا يصبح أصعب فأصعب منالاً، وتتعاظم النفقات غير المنتجة على حراثة الأرض بنفس النسبة التي يتعاظم بها تجرؤ أداة الإنتاج هذه ذاتها. وكل هذا يجري بصرف النظر عما إذا كان مالك قطعة الأرض يملك رأسمالاً أم لا. ولكن بقدر ما تستمر عملية تجزؤ الأرض، بقدر ما تصبح الأرض مع الأدوات الزراعية الحقيرة للغاية الرأسمال الوحيد اللاستثمارة القزمة، وتقل إمكانية توظيف الرأسمال في الأرض، وتتجلى عند الفلاح الصغير قلة الأرض والنقود والمعارف الضرورية لأجل الاستفادة من نجاحات الهندسية الزراعية، وتتقهقر حراثة الأرض. وأخيرًا يقل الدخل الصافي بنفس النسبة التي يتزايد بها الاستهلاك الإجمالي، بنفس النسبة التي تصرف بها ملكية عائلة الفلاح كل عائلته عن ممارسة الأعمال الأخرى، مع أن هذه الملكية لا تؤمن عيشها.
إذن، بقدر ما ينمو عدد السكان ويتزايد تجزؤ الأرض، بقدر ما يرتفع سعر أداة الإنتاج، الأرض، وتقل خصوبتها، وتتدهور الزراعة وتتعاظم الديون الفلاحية. وما كان نتيجة يغدو بدوره سببًا. وكل جيل يترك المزيد والمزيد من الديون للجيل اللاحق، وكل جيل جديد يبدأ حياته في أوضاع أكثر صعوبة وأقل ملاءمة، والدين يولد الدين؛ وحين لا يبقى في وسع الفلاح أن يرهن قطعة أرضه الصغيرة ضمانة لديون جديدة، أي أن يحملها رهونات عقارية جديدة، فإنه يقع مباشرة في براثن المرابي وتتعاظم بالتالي فوائد الرباء.
ينجم من هنا أن الفلاح الفرنسي يقدم للرأسماليين، بصورة الفوائد على الرهونات العقارية، وبصورة الفوائد على القروض غير المؤمنة برهن عقاري والمأخوذة من المرابي، لا الريع العقاري وحسب، لا الربح الصناعي وحسب، وبكلمة، - لا الدخل الصافي كله وحسب، بل وحتى قسمًا من أجرته؛ وقد هبط بالتالي إلى مستوى المستأجر الأرلندي، وكل هذا بصورة ملاك خاص.
وهذه العملية تسارعت في فرنسا بسبب تفاقم عبء الضرائب والنفقات القضائية الناجمة جزئيًا ومباشرة عن الشكليات التي يطوق بها التشريع الفرنسي الملكية العقارية، وجزئيًا عن النزاعات التي لا عد لها بين مالكي قطع الأراضي الصغيرة المتلاصقة والمتقاطعة في كل مكان، وجزئيًا عن الولع بالدعاوي الملازم للفلاحين الذين تنحصر كل متعة الملكية بنظرهم في الدفاع المتعصب عن الملكية الموهومة، عن حق الملكية.
بموجب إحصاءات 1840، بلغ منتوج الزراعة الفرنسية الإجمالي 5237178000 فرنك. ومن هذا المبلغ يجب طرح 3552 مليون فرنك لنفقات الحراثة، بما فيها استهلاك الزراع. يبقى المنتوج الصافي وقدره 1685178000 فرنك يجب إسقاط 550 مليون فرنك منها لفوائد الرهونات العقارية، و100 مليون لموظفي المحاكم، و350 مليونًا للضرائب، و107 ملايين لرسوم كتاب العدل ورسوم الدمغة ورسوم الرهونات العقارية، وإلخ.. يبقى ثلث المنتوج الصافي – 538 مليونًا؛ فلا يبلغ الدخل الصافي بكل فرد من السكان حتى 25 فرنكًا ( ). يقينا أن هذا الإحصاء لا يشمل الرباء غير المؤمن بالرهونات العقارية، ولا نفقات المحامين، وإلخ..
وإنه لمفهوم الآن وضع الفلاحين الفرنسيين حتى أضافت الجمهورية إلى أعبائهم السابقة أعباء جديدة. واضح أن استثمار الفلاحين لا يمتاز عن استثمار البروليتاريا الصناعية إلا من حيث الشكل. فالمستثمر هو نفسه: الرأسمال. إن مختلف الرأسماليين يستثمرون مختلف الفلاحين بواسطة الرهونات العقارية والرباء؛ إن طبقة الرأسماليين تستثمر طبقة الفلاحين بواسطة ضرائب الدولة. إن حق الملكية الفلاحية هو طلسم وضع الفلاحين حتى الآن في قبضة الرأسمال؛ وباسم هذه الملكية، استعداهم الرأسمال على البروليتاريا الصناعية. فقط سقوط الرأسمال يمكنه أن ينهض الفلاح، فقط الحكومة المعادية للرأسمال، الحكومة البروليتارية يمكنها أن تضع حدًا لفقره الاقتصادي ولانحطاطه الاجتماعي. إن الجمهورية الدستورية إنما هي ديكتاتورية مستثمريه المتحدين؛ أما الجمهورية الاجتماعية – الديموقراطية، الحمراء، فهي ديكتاتورية حلفائه. وكفتا الميزان تهبطان أو ترتفعان حسب تلك الأصوات التي يرميها الفلاح في صندوق الاقتراع. فعليه أن يقرر مصيره بنفسه. – هكذا قال الاشتراكيون في الرسائل الهجائية، والتقاويم الأدبية والروزنامات وفي شتى الكراريس. وقد أصبحت هذه الأفكار أسهل منالاً على فهم الفلاح بفضل مؤلفات حزب النظام الجدلية؛ فقد خاطب هو أيضًا الفلاح، وإذا به، بمبالغاته الفظة وتشويهه الوقح للأفكار والتطلعات الاشتراكية يتطابق على وجه الضبط مع الميل الفلاحي الحقيقي ويؤجج تحرق الفلاح إلى الثمرة المحرمة. ولكن أوضح الأدلة إنما قدمتها الخبرة التي اكتسبتها طبقة الفلاحين لدن استعمال حق الاقتراع، إنما قدمتها تلك الخيبات التي انهالت عليها الواحدة تلو الأخرى في سياق تطور الثورة العاصف. إن الثورات هي قاطرات التاريخ.
إن الانعطاف التدريجي في مزاج الفلاحين قد تجلى في مختلف العلائم. فلقد تبدى في انتخابات الجمعية التشريعية، وتبدي في حالة الحصار التي أعلنت في خمس محافظات حول مدينة ليون، وتبدى بعد الثالث عشر من حزيران ببضعة أشهر في انتخاب محافظة الجيروند "الجبلي" عوضًا عن الرئيس السابق "للمجلس الفريد" („Chambre Introuvale“) (بهذا الاسم عرف في التاريخ المجلس المنتخب عام 1815، بعد تنازل نابليون للمرة الثانية عن العرش مباشرة؛ وكان مجلسًا رجعيًا ومتطرفًا في نزعته الملكية إلى حد التعصب الأعمى (ملاحظة أنجلس لطبعة 1895))، وتبدى في 20 كانون الأول 1849 في انتخاب نائب أحمر، عوضًا عن النائب الشرعي الراحل، في محافظة غار، في أرض ميعاد الشرعيين هذه، ومسرح التنكيل الرهيب للغاية بالجمهوريين في عام 1794 وعام 1795، وبؤرة الإرهاب الأبيض في عام 1815، حيث كانوا يقتلون على المكشوف الليبراليين والبروتستانتيين. إن دبيب روح الثورة في هذه الطبقة الأكثر جمودًا قد تجلى بأسطع ما يكون بعد بعث ضريبة الخمور. أن الإجراءات والقوانين الحكومية الصادرة في كانون الثاني وشباط 1850 كانت موجهة بوجه الحصر تقريبًا ضد المحافظات والفلاحين، الأمر الذي يشكل أقوى برهان على استيقاظهم.
إن تعميم دوبول الذي وضع الدركي في وضع مفتش رهيب حيال المحافظ والقائمقام، وحيال رئيس البلدية في المقام الأول، والذي أقام نظام التجسس حتى في أنأى زوايا أبعد القرى؛ والقانون ضد معلمي المدارس الذي يخضعهم، هم مربي طبقة الفلاحين، وزعماءها الروحيين وأيديولوجييها ومستشاريها، لتعسف المحافظ والذي يطاردهم، هم بروليتاريي طبقة العلماء، أشبه بطريدة مطاردة، من قرية إلى أخرى؛ ومشروع القانون ضد رؤساء البلديات الذي يعلق فوق رؤوس هؤلاء سيف ديموقليس ( ) للاستقالة، والذي يعارضهم في كل لحظة، هم رؤساء الجماعات الفلاحية، برئيس الجمهورية وبحزب النظام؛ والمرسوم الذي حول الدوائر العسكرية الـ17 في فرنسا إلى أربع باشاويات ( ) وجعل من الثكنة والمعسكر المؤقت في العراء صالوناً وطنيًا للفرنسيين؛ وقانون المدارس الذي أعلن به حزب النظام أن الجهل وتبليد فرنسا بالعنف شرط ضروري لوجوده في ظل نظام الحق الانتخابي العام، - ماذا كانت تعني جميع هذه القوانين والإجراءات؟ محاولات يائسة لإخضاع المحافظات وفلاحي المحافظات لحزب النظام من جديد.
لقد كانت هذه، بوصفها من وسائل القمع، وسائل حقيرة لم تصب الهدف. فإن الإجراءات الكبيرة، كالاحتفاظ بضريبة الخمور وضريبة الـ45 سنتيما، ورفض عرائض الفلاحين بإعادة المليار لهم ونبذها بتهكم وازدراء، وإلخ، - كل هذه الشظايا التشريعية أصابت طبقة الفلاحين دفعة واحدة، بالجملة، من المركز. أما القوانين والإجراءات المذكورة أعلاه، فقد أضفت على الهجوم والمقاومة طابعًا عامًا، وجعلت منهما موضوع الأحاديث في كل كوخ، ولقحت كل قرية بالثورة، ونقلت الثورة إلى القاعدة وصبغتها بالصبغة الفلاحية.
ومن جهة أخرى، ألا تثبت مشاريع بونابرت هذه وإقرارها من قبل الجمعية الوطنية اتفاق سلطتي الجمهورية الدستورية حيث تتعلق المسألة بقمع الفوضى أي بقمع جميع تلك الطبقات التي تثور على ديكتاتورية البرجوازية؟ أو لم يؤكد سولوك للجمعية الوطنية، يا ترى، بعد رسالته الفظة ( ) على الفور، إخلاصه لقضية النظام في الرسالة التي أرسلها بعد ذاك في الحال إلى كارليه( )، هذه الصورة الكاريكاتورية القذرة والخسيسة عن فوشيه، مثلما لويس بونابرت نفسه كان صورة كاريكاتورية تافهة عن نابليون؟
إن قانون المدارس يبين لنا تحالف الكاثوليكيين الشباب مع الفولتيريين القدماء. وهل كان من الممكن أن تكون سيادة البرجوازية المتحدة غير الاستبداد المتحد للعودة المتصادقة مع اليسوعيين ولملكية تموز المضاربة بحرية الرأي؟ والسلاح الذي زودت به الشعب بعض الكتل البرجوازية ضد بعضها الآخر في الصراع فيما بينها من أجل السلطة العليا، - أو لم يكن يتعين عليها، يا ترى، أن تنتزعه من أيدي الشعب ما دام قد واجه ديكتاتوريتها المتحدة؟ وما من شيء، وحتى رفض القانون المتعلق بالاتفاقات الحبية، أغاظ الحانوتي الباريسي مثل هذه المغازلة مع اليسوعية.
وفي غضون ذلك، كانت المصادمات بين مختلف كتل حزب النظام وكذلك بين الجمعية الوطنية وبونابرت لا تزال قائمة. فلم يعجب الجمعية أن بونابرت عمد، بعد القيام بانقلابه مباشرة، بعد تعيينه وزارة بونابرتية محضة، ودعا إليه مشوهي الملكية المعينين حديثًا محافظين، وطرح، كشرط لخدمتهم، التحريض من أجل انتخابه رئيسًا للمرة الثانية، مع أن الدستور يمنع هذا التحريض؛ ولم يعجبها أن كارليه دشن تعيينه بإغلاق أحد نوادي الشرعيين؛ ولم يعجبها أن بونابرت أسس جريدة خاصة به اسمها „Le Napoléon“ كشفت للجمهور مطامع الرئيس السرية، في حين أنه كان يتعين على الوزراء أن يتنكروا لها من على منابر الجمعية التشريعية؛ ولم يعجب الجمعية أن بونابرت ظل معاندًا ولم يصرف وزراءه رغم جميع التصويتات بعدم الثقة؛ ولم تعجبها محاولة اكتساب عطف صف الضباط بزيادة أربعة "سو" على راتبهم اليومي واكتساب عطف البروليتاريا بالانتحال من "أسرار باريس" لأوجين سو، - بتأسيس "مصرف الشرف"؛ وأخيرًا لم تعجبها تلك الوقاحة التي قدم بها، بواسطة وزراء بونابرت، اقتراحًا بنفي متمردي حزيران الباقين على قيد الحياة إلى الجزائر، لأجل جعل الجمعية التشريعية غير شعبية بالجملة، بينما ضمن الرئيس بنفسه لنفسه الشعبية بالمفرق بإصداره بضعة قرارات بالعفو الإفرادي. فألقى تيير كلمات حافلة بالتهديد عن "الانقلابات" („coups d’état“)، وعن "الأعمال الطائشة" („coups de tete“)، وانتقمت الجمعية التشريعية لنفسها من بونابرت بأن رفضت كل مشروع قانون قدمه خدمة لمصلحته بالذات، ودرست بارتياب صاخب كل مشروع قدمه خدمة للمصالح العامة، خوفًا من أن يخدم المشروع المعني مآرب سلطة بونابرت الشخصية بحجة تعزيز السلطة التنفيذية. وخلاصة القول أنها انتقمت بمؤامرة الاحتقار.
وقد امتعض حزب الشرعيين بدوره من كون الأورلياينيين، وهم أكثر حذاقة ولباقة، قد وضعوا أيديهم من جديد على مناصب الدولة جميعها تقريبًا، وامتعض من نمو المركزية، في حين أنهم كانوا يتوقعون نجاح قضيتهم من اللامركزية. وبالفعل ولدت الثورة المضادة المركزية بالعنف، أي أنها أعدت إليه الثورة. فهي إذ فرضت سعرًا إلزاميًا للأوراق المصرفية، مركزت حتى ذهب وفضة فرنسا في مصرف باريس وأنشأت بالتالي خزينة حربية جاهزة للثورة.
وأخيرًا امتعض الأورليانيون من كون مبدئهم القائل بالأسرة الفرعية يواجهه مبدأ الشرعية الظاهر من جديد، ومن كونهم هم أنفسهم يقاطعونهم على الدوام ويستخفون بهم كما يستخف السيد الإقطاعي بزوجته البرجوازية الأصل.
لقد رأينا خطوة فخطوة كيف أخذ الفلاحون وصغار البرجوازيين، والفئات المتوسطة في المجتمع على العموم، يقفون إلى جانب البروليتاريا، وكيف وصلوا إلى حد التناحر السافر مع الجمهورية الرسمية، وعاملوها كما يعاملون الأعداء. الاستياء من ديكتاتورية البرجوازية، الحاجة إلى تحويل المجتمع، الحفاظ على المؤسسات الجمهورية الديموقراطية بوصفها أداة هذا التحويل، التلاحم حول البروليتاريا بوصفها القوة الثورية الحاسمة، - هذه هي السمات العامة التي تصف ما يسمى حزب الديموقراطية الاجتماعية، حزب الجمهورية الحمراء. إن "حزب الفوضى" هذا، كما نعته أخصامه، هو ائتلاف بين مصالح مختلفة، مثله مثل حزب النظام. من أتفه إصلاحات الفوضى الاجتماعية القديمة حتى إسقاط النظام الاجتماعي القديم، من الليبرالية البرجوازية حتى الإرهاب الثوري – ذلك هو البون الشاسع الذي يفصل بين الطرفين اللذين يشكلان نقطة الانطلاق ونقطة النهاية "لحزب الفوضى".
إلغاء رسوم الحماية – اشتراكية! لأنه يتطاول على احتكار الكتلة الصناعية من حزب النظام. ضبط اقتصاد الدولة – اشتراكية! لأنه يمس احتكار الكتلة المالية من حزب النظام. استيراد القمح واللحم من الخارج بحرية – اشتراكية! لأنه ينتهك احتكار الكتلة الثالثة من حزب النظام، كتلة كبار ملاكي الأراضي. إن مطالب أنصار حرية التجارة، الحزب التقدمي من البرجوازية الإنجليزية، تبدو في فرنسا مطالب اشتراكية بحتة. الفولتيرية – اشتراكية! لأنها تهاجم الكتلة الرابعة من حزب النظام، الكتلة الكاثوليكية. حرية الصحافة، حرية الجمعيات، التعليم العام – اشتراكية، اشتراكية! فكل هذا اعتداء على الاحتكار العام لحزب النظام!
في سياق الثورة، نضج الوضع بدرجة من السرعة بحيث اضطر أصدقاء الإصلاحات من جميع التلاوين، والفئات المتوسطة مع أبسط مطالبها، إلى الالتفاف حول راية أكثر أحزاب الانقلاب تطرفًا، حول الراية الحمراء.
ولكن مهما تنوعت اشتراكية عناصر "حزب الفوضى" المكونة الرئيسية، إذا أخذنا بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية والمطالب الثورية العامة الناجمة منها لهذه الطبقة أو تلك أو لهذه الكتلة من الطبقة أو تلك، فإنها بقيت في نقطة واحدة هي هي، فقد أعلنت نفسها وسيلة لتحرير البروليتاريا ونادت بهذا التحرير هدفها. خداع عن وعي وقصد عند البعض، خداع للنفس عند البعض الآخر المقتنع بأن العالم المحول حسب حاجاتهم هو خير العوالم من أجل الجميع، وبأنه يحقق جميع المطالب الثورية ويقضي على جميع النزاعات الثورية.
فوراء الجمل الاشتراكية العامة المتماثلة إلى هذا الحد أو ذاك في دويها التي يطلقها "حزب الفوضى"، تكمن، أولاً، اشتراكية جرائد „National“ و“Press“ و“Siecle“، التي تسعى، بهذا القدر أو ذاك من الانسجام والتتابع، إلى الإطاحة بسيادة الأريستقراطية المالية وإلى تحرير الصناعة والتجارة من القيود القديمة. إنها اشتراكية الصناعة والتجارة والزراعة التي يضحي أسيادها المنضمون إلى حزب النظام بمصالحها، لأن هذه المصالح لم تعد تتطابق مع احتكاراتهم الخاصة. وعن هذه الاشتراكية البرجوازية التي تجتذب، ككل نوع آخر من الاشتراكية، قسمًا معينًا من العمال ومن البرجوازيين الصغار، تختلف الاشتراكية الصرف، الاشتراكية البرجوازية الصغيرة، الاشتراكية! Par excellence (على الأغلب – الناشر). إن الرأسمال ينهب هذه الطبقة، بصورة رئيسية، بوصفه مدينًا، ولهذا تطالب هذه الطبقة بمؤسسات للتسليف؛ والرأسمال يضغط عليها بمزاحمته، ولهذا تطالب بجمعيات تدعمها الدولة؛ والرأسمال يتغلب عليها بالتمركز، ولهذا تطالب بضرائب تصاعدية، وبالحد من حقوق الوراثة، وبتنفيذ أعمال كبيرة من قبل الدولة وإجراءات أخرى تكبح بالعنف نمو الرأسمال. وبما أنها تحلم بتحقيق اشتراكيتها بصورة سلمية – باستثناء ثورة ما ثانية غير مديدة من نوع ثورة شباط، - فهي، بالطبع، تتصور العملية التاريخية المقبلة بصورة تطبيق أنظمة يختلقها أو سبق واختلقها النظريون الاجتماعيون، أما جماعات وأما كلا بمفرده. وعليه يغدو هؤلاء الاشتراكيون اختياريين أو أنصارًا لأنظمة اجتماعية قائمة، أنصارًا للاشتراكية العقائدية التي كانت تعبيرًا نظريًا عن البروليتاريا طالما لم تكن البروليتاريا قد نمت إلى حد حركتها التاريخية الحرة بالذات.
وهذه الطوبوية، هذه الاشتراكية العقائدية التي تخضع الحركة كلها إجمالاً لأحد عناصرها، والتي تستعيش عن الإنتاج الاجتماعي الإجمالي بنشاط دماغ مدع بمفرده، والتي – وهذا هو الرئيسي – تقضي في خيالها، بواسطة أحابيل صغيرة وعاطفيات كبيرة، على نضال الطبقات الثوري بكل ضرورته، هذه الاشتراكية العقائدية، لا تفعل من حيث جوهر الأمر غير أن تضفي سمة مثالية على المجتمع المعاصر، وتعطي لوحة عنه خالية من الظلال وتحاول تحقيق مثلها الأعلى خلافًا لواقع هذا المجتمع بالذات. وفي حين تتنازل البروليتاريا عن هذه الاشتراكية للبرجوازية الصغيرة، وفي حين يبين الصراع بين مختلف الزعماء الاشتراكيين أن كلاً مما يسمى بالأنظمة هو تأكيد دعي لأحد العوامل العابرة في الانقلاب الاجتماعي خلافًا لعامل آخر، - تتحد البروليتاريا أكثر فأكثر حول الاشتراكية الثورية، حول الشيوعية التي عمدتها البرجوازية ذاتها باسم بلانكي. هذه الاشتراكية إنما هي إعلان الثورة المستمرة، الديكتاتورية الطبقية للبروليتاريا، بوصفها درجة ضرورية للانتقال إلى القضاء على جميع علاقات الإنتاج التي تقوم عليها هذه الفوارق، إلى القضاء على جميع العلاقات الاجتماعية المطابقة لعلاقات الإنتاج هذه، إلى إجراء انقلاب في جميع الأفكار النابعة من هذه العلاقات الاجتماعية.
إن نطاق عرضنا لا يسمح لنا بتناول هذه المسألة بمزيد من التفصيل.
لقد رأينا ما يلي: كما وقفت الأريستقراطية المالية بصورة محتمة على رأس حزب النظام، كذلك وقفت البروليتاريا على رأس "حزب الفوضى". وبينما مختلف الطبقات المتحدة في العصبة الثورية تكتلت حول البروليتاريا، وبينما المحافظات أخذت تصبح أقل فأقل أمانة، والجمعية التشريعية ذاتها أخذت تقابل ادعاءات سولوك الفرنسي بمزيد من التذمر، - اقتربت الانتخابات التكميلية التي أرجئت وأعيقت زمنًا طويلاً، لإملاء أمكنة "الجبليين" المطرودين في 13 حزيران.
أما الحكومة التي يحتقرها أعداؤها، والتي يهينها ويذلها لدى كل خطوة أصدقاؤها المزيفون، فإنها لم تر غير وسيلة واحدة للخروج من هذا الوضع المتقلقل الذي لا يطاق، هي العصيان. فقد كان من شأن العصيان في باريس أن يوفر الذريعة لإعلان حالة الحصار في باريس وفي المحافظات والتحكم على هذا النحو بالانتخابات. ومن جهة أخرى، كان لا بد لأصدقاء النظام أن يقدموا على تنازلات في صالح الحكومة التي أحرزت الغلبة على الفوضى، وألا قاموا هم أنفسهم بدور الفوضويين.
وأنكبت الحكومة على العمل. في مطلع شباط 1850، تستفز الشعب بقطعها أشجار الحرية ( ). عبثًا! فإذا كانت أشجار الحرية قد أضاعت أمكنتها، فإن الحكومة نفسها قد أضاعت رأسها، وتراجعت في ذعرها أمام استفزازها بالذات. وقد قابلت الجمعية الوطنية بعدم ثقة جليدي محاولة بونابرت الخرقاء هذه للتحرر. كذلك نزع أكاليل Immortels ( ) عن عمود حزيران لم يحرز نجاحًا أكبر. فقد استثار هذا في قسم من الجيش مظاهرات وطنية وقدم للجمعية الوطنية ذريعة للتصويت بصورة سافرة إلى هذا الحد أو ذاك على عدم الثقة بالوزارة. وعبثًا هددت الصحافة الحكومية بإلغاء حق الانتخاب العام وبتدخل القوزاق. وعبثًا وجه دوبول في الجمعية التشريعية تحديًا سافرًا إلى أعضاء اليسار؛ وعبثًا دعاهم إلى الشارع وأعلن أن الحكومة قد استعدت لاستقبالهم استقبالاً لائقًا. فإن دوبول لم يتوصل إلى شيء، اللهم إلى دعوته من قبل رئيس الجمعية إلى التقيد بالنظام، وقد سمح حزب النظام بشماتة صامتة لأحد نواب اليسار بالسخر من مطامع بونابرت الاغتصابية. وعبثًا، أخيرًا، تنبأت الحكومة بقيام الثورة في 24 شباط. فكل ما توصلت إليه الحكومة، هو أن الشعب لم يحتفل بذكرى 24 شباط بأي شكل كان.
إن البروليتاريا لم تقع في الاستفزاز إلى الفتنة؛ فقد كانت تعتزم القيام بالثورة.
إن استفزازات الحكومة، التي لم تفعل غير أن عززت الاستياء العام من النظام القائم، لم تمنع اللجنة الانتخابية، الخاضعة كليًا لتأثير العمال، من تقديم المرشحين الثلاثة التاليين لباريس: ديفلوت، فيدال، كارنو. كان ديفلوت قد نفي في حزيران ثم عفي عنه بنتيجة إحدى النزوات البونابرتية الهادفة إلى كسب الشعبية؛ وكان صديقًا لبلانكي، وكان قد اشترك في قضية 15 أيار. وكان فيدال معروفًا ككاتب شيوعي، كمؤلف لكتاب "حول توزيع الثروة"؛ وكان سكرتير لويس بلان في لجنة اللوكسمبورغ. أما كارنو، ابن عضو الكونفانسيون منظم النصر، وأقل أعضاء حزب „National“ سوء سمعة، ووزير المعارف في الحكومة المؤقتة واللجنة التنفيذية، فقد كان بفضل مشروع قانونه الديموقراطي بصدد المدارس احتجاجًا حيًا على قانون اليسوعيين بصدد المدارس. هؤلاء المرشحون الثلاثة كانوا يمثلون ثلاث طبقات عقدت حلفًا فيما بينها: على رأسه متمرد حزيران وممثل البروليتاريا الثورية؛ وغلى جانبه، اشتراكي عقائدي وممثل البرجوازية الصغيرة الاشتراكية؛ وإلى جانبه، اشتراكي عقائدي وممثل البرجوازية الصغيرة الاشتراكية؛ وأخيرًا، المرشح الثالث، ممثل حزب الجمهوريين البرجوازيين الذين اكتسبت صيغهم الديموقراطية مغزى اشتراكيًا أثناء الاصطدامات بحزب النظام وفقدت دلالتها الخاصة من زمان. كان ذلك ائتلافًا عامًا ضد البرجوازية والحكومة، كما في شباط. ولكن البروليتاريا هي التي كانت تقف هذه المرة على رأس العصبة الثورية.
ورغم جميع الجهود التي بذلها الأعداء، فاز المرشحون الاشتراكيون. بل أن الجيش صوّت مع متمرد حزيران وضد وزيره بالذات، وزير الحربية، لاييت. فتملك الذهول حزب النظام كأنما أصابته الصاعقة. ولم تجلب له الانتخابات في المحافظات العزاء؛ فقد أعطت "الجبليين" الأغلبية.
انتخابات العاشر من آذار 1850! لقد كان هذا حكمًا بفسخ حزيران 1848: فإن من نفوا وقتلوا متمردي حزيران قد عادوا إلى الجمعية الوطنية، ولكن مقوسي الظهر، برفقة المنفيين، بمبادئ المنفيين على شفاههم. وكان هذا حكمًا بفسخ الثالث عشر من حزيران 1849: فإن "الجبل" الذي طردته الجمعية الوطنية قد عاد إلى الجمعية الوطنية، ولكنه عاد لا كآمر الثورة، بل كالنافخ الطليعي في بوقها. وكان هذا حكمًا بفسخ العاشر من كانون الأول: فإن نابليون قد فشل في شخص وزيره لاييت. إن تاريخ فرنسا البرلماني لا يعرف غير حادثة واحدة مماثلة لهذه الحادثة، هي فشل دوسيه، وزير شارل العاشر، في 1830. وأخيرًا، كانت انتخابات العاشر من آذار 1850 حكمًا بفسخ انتخابات الثالث عشر من أيار التي أعطت حزب النظام الأغلبية. إن انتخابات العاشر من أذار كانت احتجاجًا على أغلبية الثالث عشر من أيار. وكان العاشر من أذار ثورة. فوراء أوراق الاقتراع كانت تكمن بلاطات الشارع.
"إن تصويت العاشر من أذار يعلن علينا الحرب" – صاح سيغور داغيسو، الذي هو من أكثر أعضاء حزب النظام تقدمًا.
منذ العاشر من أذار 1850، يدخل الحزب الدستوري في طور جديد، في طور انحلاله. مختلف كتل الأغلبية تتحد من جديد بعضها مع بعض ومع بونابرت؛ وتنقذ النظام من جديد؛ وبونابرت هو من جديد شخصيتها الحيادية. وإذا كانت تتذكر نزعتها الملكية، فذلك لسبب واحد فقط، هو أنها يئست بإمكانيات الجمهورية البرجوازية؛ وإذا كان بونابرت يتذكر بأنه مدع بالعرش، فذلك لسبب واحد فقط، هو أنه ييأس بإمكانية بقائه رئيسًا.
وعلى انتخاب متمرد حزيران ديفلوت، رد بونابرت، بناء على أمر من حزب النظام، بتعيين باروش في منصب وزير الداخلية، - باروش الذي كان متهم بلانكي وباربيس وليدرو – رولان وغينار. وعلى انتخاب كارنو ردت الجمعية التشريعية، بإقرار قانون المدارس، وعلى انتخاب فيدال بمنع الصحافة الاشتراكية. ويحاول حزب النظام بأصوات صحافته البواقة أن يخمد ذعره بالذات. وتصيح إحدى الجرائد الناطقة بلسانه: "السيف مقدس". وتعلن جريدة أخرى منها: "يجب على حماة النظام أن يبدأوا بالهجوم على حزب الحمر". ويصيح ديك ثالث من ديوك النظام: "بين الاشتراكية والمجتمع، تدور رحى النضال المستميت، الفاصل، رحى حرب لا انقطاع فيها ولا هوادة فيها؛ وفي هذه الحرب اليائسة، ينبغي أن يهلك أحدهما؛ فإذا لم يقض المجتمع على الاشتراكية، فإن الاشتراكية ستقضي على المجتمع". أبنوا متاريس النظام، متاريس الدين، متاريس العائلة! يجب القضاء على 127000 من الناخبين الباريسيين! ليلة برتيليمي ( ) على الاشتراكيين؟ وإذا حزب النظام يؤمن بالفعل للحظة واحدة بأن النصر مضمون له.
وإذا صحفة تنقض بأشد ما يكون من الغيظ والجنون على "حانوتيي باريس". إن حانوتيي باريس قد انتخبوا متمرد حزيران ممثلاً عنهم! وهذا يعني أن تكرار حزيران 1848 غير ممكن؛ هذا يعني أن تكرار الثالث عشر من حزيران 1849 غير ممكن؛ هذا يعني أن نفوذ الرأسمال المعنوي قد تحطم، وأن البرلمان البرجوازي لا يمثل غير البرجوازية؛ هذا يعني أن الملكية الكبيرة قد هلكت، لأن تابعتها، - الملكية الصغيرة – تفتش عن خلاصها في معسكر المحرومين من الملكية.
وإذا حزب النظام يلجأ، بالطبع، إلى أسلوبه التقليدي الذي لا ندحة له عنه – فإنه يصيح: "المزيد من القمع!". "تجب مضاعفة أعمال القمع عشرة إضعاف!". ولكن قوته القمعية قلت عشر مرات بينما ازدادت المقاومة مائة مرة. أفلا تحتاج أداة القمع الرئيسية ذاتها، الجيش، إلى القمع؟ وإذا حزب النظام يقول كلمته الأخيرة: "يجب تحطيم الحلقة الحديدية التي تخنقنا، حلقة الشرعية. الجمهورية الدستورية مستحيلة، يجب علينا أن نناضل بسلاحنا الحقيقي. فمنذ شباط 1848، ناضلنا ضد الثورة بسلاحها هي وفي ميدانها هي، وقبلنا مؤسساتها هي؛ والدستور قلعة تحمي المحاصرين لا المحاصرين! في بطن حصان طروادة، تسللنا إلى إيليون المقدسة ( )، ولكننا خلافًا لمثال أجدادنا، الإغريق (هنا تلاعب في الكلام: فإن كلمة grecs تعني الإغريق وتعني كذلك المحتالين في القمار. (ملاحظة إنجلس لطبعة 1895))، لم نستول على مدينة العدو، بل وقعنا نحن أنفسنا في الأسر".
ففي أساس الدستور، يقوم الحق الانتخابي العام. والقضاء على الحق الانتخابي العام إنما هو آخر كلمة حزب النظام، آخر كلمة الديكتاتورية البرجوازية.
إن الحق الانتخابي العام قد اعترف بحق البرجوازية في هذه الديكتاتورية في 4 أيار (مايو) 1848، وفي 20 كانون الأول (ديسمبر) 1848 وفي 13 أيار (مايو) 1849، وفي 8 تموز (يوليو) 1849. إن الحق الانتخابي العام قد حكم بنفسه على نفسه في 10 آذار (مارس) 1850. سيادة البرجوازية كاستنتاج ونتيجة للحق الانتخابي العام، كعمل حاسم يفصح عن إرادة الشعب المطلقة، - ذلك هو مغزى الدستور البرجوازي. ولكن أي مغزى يبقى للدستور حين لا يعود مضمون هذا الحق الانتخابي، مضمون إرادة الشعب المطلقة هذه، يقتصر على سيادة البرجوازية؟ أو ليس من واجب البرجوازية المباشر، يا ترى، إن تنظيم الحق الانتخابي بحيث يبتغي الأمر المعقول، أي سيادتها؟ والحق الانتخابي العام، الذي يقضي كل مرة على السلطة السياسية القائمة ويبعثها كل مرة من جديد من قلبه، ألا يقضي بالتالي، يا ترى، على كل استقرار، ألا يضع في كل دقيقة على كف عفريت كل السلطة القائمة، ألا يقوض السلطة، ألا يهدد بتحويل الفوضى ذاتها إلى سلطة؟ ومن ذا الذي سيواصل الشك في هذا بعد العاشر من آذار 1850؟
إن البرجوازية، إذ ترفض الحق الانتخابي العام الذي تجلببت بجلبابه حتى ذاك والذي استمدت منه قدرتها الكلية، إنما تعترف على المكشوف قائلة: "إن ديكتاتوريتنا قد قامت حتى الآن بناء على إرادة الشعب، ولكنها ستتوطد من الآن وصاعدًا ضد إرادة الشعب". وبكل منطق تفتش لنفسها الآن عن الدعائم، لا في فرنسا، بل في خارجها، ما وراء الحدود، في الغزو الأجنبي.
إن كوبلنتس الثانية هذه ( ) التي اختارت فرنسا ذاتها مقرًا لها، إنما تثير ضدها، مع النداء إلى الغزو الأجنبي، جميع المشاعر القومية. وبهجومها على الحق الانتخابي العام، تعطي حجة عامة لأجل ثورة جديدة، في حين أن الثورة تحتاج إلى حجة كهذه على وجه الضبط. فإن كل حجة جزئية من شأنها أن تفرق كتل العصبة الثورية وتدفع خلافاتها إلى البروز. ولكن الحجة العامة تضم الطبقات نصف الثورية، وتتيح لها خداع نفسها فيما يتعلق بطابع الثورة العتيدة المحدد، فيما يتعلق بعواقب تصرفاتها بالذات. إن كل ثورة تحتاج إلى مسألة وليمية. والحق الانتخابي العام إنما هو المسألة الوليمية في الثورة الجديدة.
ولكن الكتل البرجوازية المتحدة أصدرت بنفسها حكمًا على نفسها بتخليها عن الشكل الوحيد الممكن لسلطتها الموحدة، بتخليها عن الشكل الأقوى والأكمل لسيادتها الطبقية، عن الجمهورية الدستورية، وبرجوعها إلى الوراء، إلى شكل أدنى، ناقص، أضعف، إلى الملكية. أنها تشبه ذلك العجوز الذي أراد أن يستعيد نضارة الشباب فأخذ بدلته الطفولية وحاول أن يرتديها على جسده الهرم. ولم تكن لدى جمهوريتها غير مأثرة واحدة، هي أنها كانت دفيئة لأجل الثورة.
إن العاشر من آذار 1850 يحمل الكتابة التالية: Apres moi le déluge!. فليكن من بعدي الطوفان!
4
إلغاء حق الاقتراع العام في 1850
(تتمة الفصول الثلاثة السابقة، مأخوذة من "العرض" المنشور في العدد الأخير، المزدوج، 5 – 6، من مجلة "الجريدة الرينانية الجديدة. استعراض سياسي واقتصادي". وهي تصف في البدء الأزمة التجارية الكبيرة التي نشبت في إنجلترا عام 1847؛ وبتأثير هذه الأزمة في القارة الأوروبية تفسر تأزم المضاعفات السياسية الجمركية وتحولها إلى ثورات في شباط وآذار 1848، ثم تبين كيف أدى ازدهار التجارة والصناعة الذي بدأ في 1848 واشتد في 1849 إلى شل النهوض الثوري، جاعلا بالتالي انتصار الرجعية أمرًا ممكنًا، ثم تتناول فرنسا على الخصوص بما يلي: (هذا المقطع كتبه إنجلس على سبيل المقدمة لأجل طبعة 1895 – الناشر).
وقد أخذت الأعراض ذاتها تظهر في فرنسا منذ 1849، ولا سيما منذ بداية 1850. فإن صناعة باريس تعمل بكل طاقتها، ومصانع الأقمشة القطنية في روان ومولهاوزن تعمل كذلك بصورة جيدة جدًا، رغم أن الأسعار العالية على المادة الأولية كانت عقبة سواء في إنجلترا أم هناك؛ هذا مع العلم أن الإصلاح الجمركي الواسع في إسبانيا وتخفيض الرسوم على مختلف سلع البذخ في المكسيك أسهما بنصيب خاص في تطورها الازدهار في فرنسا. وقد ازداد تصدير البضائع الفرنسية إلى هذين السوقين زيادة كبيرة. وأدى نمو الرساميل في فرنسا إلى جملة كاملة من مشاريع المضاربة كان الدافع إليها استثمار مناجم الذهب في كاليفورنيا على نطاق واسع. ونشأت كثرة من الشركات التي تتوجه مباشرة، بأسهمها الصغيرة وأدلتها المزينة بالشعارات الاشتراكية، إلى أكياس نقود البرجوازيين الصغار والعمال، ولكنها تتلخص على العموم في ذلك الاحتيال الصرف الملازم للفرنسيين والصينيين فقط. بل أن إحدى هذه الشركات تحظى بحماية الحكومة الصريحة. وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 1848 بلغت رسوم الاستيراد في فرنسا 63 مليون فرنك، وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 1849 – 95 مليون فرنك، وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 1850 – 93 مليون فرنك. وفضلاً عن ذلك، ازدادت من جديد في شهر أيلول 1850 أكثر من مليون بالقياس إلى الشهر نفسه من عام 1849، كذلك ازداد الاستيراد في عام 1849 وازداد أيضًا وأيضًا في عام 1850.
إن استئناف مصرف فرنسا الدفع نقدًا (أي مقايضة النقود الورقية بالنقود المعدنية – الناشر) بموجب قانون 6 آب 1850 هو أقوى دليل مقنع على الازدهار الناشئ من جديد. ففي 15 آذار (مارس) 1848 نال المصرف الحق في التوقف عن الدفع نقدًا. فإن كمية الأوراق النقدية الموجودة قيد التداول، بما فيها الأوراق النقدية لدى المصارف الإقليمية، كانت تبلغ آنذاك 373 مليون فرنك (14920000 جنيه إسترليني). وفي 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1849 كان قيد التداول 482 مليون فرنك أو 19680000 جنيه إسترليني، وفي 2 أيلوي (سبتمبر) 1850 – 496 مليون فرنك أو 19840000 جنيه إسترليني، أي بزيادة قدرها حوالي 5 ملايين جنيه إسترليني؛ هذا مع العلم أنه لم يلاحظ أي انخفاض في قيمة الأوراق النقدية، بل بالعكس؛ فإن ازدياد تداول الأوراق النقدية قد رافقه تراكم الذهب والفضة أكثر فأكثر في أقبية المصرف، بحيث أن الاحتياطي المعدني بلغ في صيف 1850 حوالي 14 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ لا سابق له في فرنسا. إن كون المصرف قد استطاع على هذا النحو أن يزيد تداول أوراقه وكذلك رأسماله الدائن مبلغ 123 مليون فرنك أو 5 ملايين جنيه إسترليني يثبت بشكل باهر مدى صحة قولنا في أحد إعداد المجلة السابقة (راجعوا هذا الكتاب، ص ص 127 – 133 – الناشر) بأن الأريستقراطية المالية لم تحطمها الثورة، وليس هذا وحسب، بل بالعكس، ازدادت قوة. وهذه النتيجة تزداد اتضاحًا من الاستعراض التالي للتشريع الفرنسي بصدد المصارف في السنوات الأخيرة. ففي 10 حزيران (يونيو) 1847 نال المصرف حق إصدار أوراق من فئة الـ200 فرنك. وقبل ذاك، كانت أصغر قيمة للأوراق النقدية 500 فرنك. وبموجب مرسوم صادر في 15 آذار (مارس) 1848، أعلنت أوراق مصرف فرنسا وسيلة قانونية للدفع، وحرر المصرف من واجب إبدالها بالنقد المعدني. وحدد حقه في إصدار الأوراق النقدية بمبلغ 350 مليون فرنك، وفي الوقت نفسه نال حق إصدار أوراق من فئة الـ100 فرنك. وأمر المرسوم الصادر في 27 نيسان بدمج المصارف الإقليمية بمصرف فرنسا. وبموجب مرسوم آخر، صادر في 2 أيار (مايو) 1948، رفع حقه في إصدار الأوراق حتى 442 مليون فرنك. وبموجب المرسوم الصادر في 22 كانون الأول 1849 رفع الحد الأقصى للإصدار إلى 525 مليون فرنك. وأخيرًا أقر قانون 6 آب 1850 من جديد حق مقايضة الأوراق النقدية بالنقود المعدنية. إن هذه الوقائع – ازدياد تداول الأوراق النقدية بلا انقطاع، تمركز كل التسليف الفرنسي في يد المصرف وتراكم كل الذهب الفرنسي والفضة الفرنسية في أقبيته – دفعت السيد برودون إلى القول بأنه يجب الآن على المصرف أن يخلع جلده القديم كجلد الحية، ويتحول إلى مصرف شعبي برودوني. أما في الواقع، فإن برودون لم يكن بحاجة حتى إلى أن يكون مطلعًا على تاريخ القيود المصرفية في إنجلترا من 1797 على 1819 ( )؛ إنما كان ينبغي له فقط أن يلقي نظرة إلى الجانب الآخر من القناة لكي يرى أن هذا الواقع الذي لم يسمع هو بمثله من قبل في تاريخ المجتمع البرجوازي لا يعدو أن يكون غير الدرجة العليا من ظاهرة برجوازية عادية ظهرت الآن للمرة الأولى في فرنسا وحدها. ونحن نرى أن النظريين الثوريين المزعومين الذين صاروا بعد الحكومة المؤقتة ذوي الكلمة المسموعة في باريس كانوا جهلاء في مسألة طابع الإجراءات المتخذة ونتائجها مثلهم مثل السادة من الحكومة المؤقتة.
فرغم ازدهار الصناعة والتجارة الذي حل الآن في فرنسا، يعاني سواد السكان، 25 مليونًا من الفلاحين، من الانحطاط الشديد. فإن الغلال الطيبة في السنوات الأخيرة قد خفضت أسعار الحبوب في فرنسا أكثر مما في إنجلترا؛ ووضع الفلاحين، الغارقين في الديون، والذين أنهكهم المرابون وأرهقتهم الضرائب، لأبعد من أن يكون من الممكن اعتباره وضعًا باهرًا. ولكن هذه الطبقة من السكان، كما بين تاريخ السنوات الثلاث الأخيرة بما يكفي من الوضوح، عاجزة قطعًا عن المبادرة الثورية.
إن مرحلة الأزمة، مثلها مثل مرحلة الازدهار، تحل في القارة بعد حلولها في إنجلترا. فإن العملية تجري دائمًا بادئ ذي بدء في إنجلترا؛ فإن إنجلترا هي خالقة الكون البرجوازي. وفي القارة، تدخل مختلف أطوار الحلقة التي تنجم على الدوام المرة تلو المرة عن المجتمع البرجوازي في الشكل الثاني والثالث. أولاً، تصدر القارة إلى إنجلترا أكثر بما لا قياس له مما تصدر إلى أي بلد آخر. ولكن التصدير إلى إنجلترا رهن بدوره بوضع إنجلترا، ولا سيما في أسواق ما وراء المحيط. ثم تصدر إنجلترا إلى بلدان ما وراء المحيط أكثر بما لا قياس له مما تصدر إلى القارة بأسرها؛ وعليه كانت مقادير التصدير القاري إلى هذه البلدان تتوقف دائمًا على تصدير إنجلترا إلى ما وراء المحيط. ولهذا، إذا كانت الأزمات تولد الثورات في القارة أولاً، فإن سبب الأزمات يقع مع ذلك في إنجلترا. ولا بد للكوارث العنيفة أن تحدث بالطبع في أطراف الجسم البرجوازي قبل أن تحدث في قلبه حيث إمكانيات التعويض أكبر. ومن جهة ثانية، تشكل درجة تأثير الثورات القارية في إنجلترا مع ذلك ميزان حرارة يبين بأي قدر تعرض هذه الثورات بالفعل للخطر أسس النظام البرجوازي ذاتها أو بأي قدر لا تمس غير تشكيلاته السياسية.
وفي مثل هذا الازدهار العام الذي تتطور في ظله قوى المجتمع البرجوازي المنتجة تطورًا باهرًا بقدر ما يمكن ذلك في نطاق العلاقات البرجوازية، لا يمكن حتى أن يتناول الكلام الثورة الفعلية. فإن هذه الثورة ليست ممكنة إلا في المراحل التي يدخل فيها هذان العاملان، القوى المنتجة العصرية وأشكال الإنتاج البرجوازية، في تناقض بينهما. فإن المخاصمات التي لا نهاية لها التي ينصرف إليها الآن ممثلو كتل حزب النظام القاري، مسيئين بعضهم إلى سمعة بعض، لا تؤدي أبدًا إلى ثورات جديدة؛ بل بالعكس؛ فإن هذه المخاصمات ممكنة لسبب واحد فقط، هو أن أساس العلاقات الاجتماعية في اللحظة المعنية متين جدًا و- هذا ما لا تعرفه الرجعية – برجوازي جدًا. وأن جميع المحاولات الرجعية لوقف التطور البرجوازي ستتحطم من كل بد على هذا الأساس، مثلها مثل كل غضب الديموقراطيين الأخلاقي وكل بياناتهم النارية. إن ثورة جديدة غير ممكنة إلا أثر أزمة جديدة. ولكن نشوبها محتم مثله مثل نشوب هذه الأخيرة.
لنعد الآن إلى فرنسا.
إن الشعب الذي أجبر على إجراء انتخابات جديدة في 28 نيسان قد قضى بنفسه على انتصاره الذي أحرزه بالتحالف مع البرجوازية الصغيرة في انتخابات العاشر من آذار. وقد انتخب فيدال لا في باريس وحسب، بل وفي الراين الأسفل. فإن لجنة باريس التي كان "الجبل" والبرجوازية الصغيرة ممثلين فيها بصورة واسعة، قد حملته على قبول تفويض الراين الأسفل. وفقد انتصار العاشر من آذار أهميته الحاسمة؛ ومن جديد أرجئ القرار النهائي، وضعف توتر الشعب، واعتاد الانتصارات الشرعية عوضًا عن الانتصارات الثورية. وأخيرًا، أدى ترشيح أوجين سو، الاشتراكي الخيالي العاطفي البرجوازي الصغير، إلى القضاء كليًا على المغزى الثوري للعاشر من آذار وعلى إعادة الاعتبار لانتفاضة حزيران؛ وفي أفضل الأحوال، كان بمستطاع البروليتاريا أن نعتبر هذا الترشيح نكتة لإرضاء العاملات المغناجات. وضد هذا الترشيح الحسن النية، عمد حزب النظام، وقد ازداد جرأة نظرًا لسلوك الإخصام المائع، إلى تقديم مرشح كان لا بد له أن يجسد انتصار حزيران. وهذا المرشح الهزلي كان والد عائلة ليكلير السبارطي الذي مزقت الصحافة مع ذلك دروعه وخوذاته البطولية إربًا إربًا والذي مني في الانتخابات بهزيمة باهرة. وقد ألهم النصر الجديد في انتخابات الثامن والعشرين من نيسان "الجبل" والبرجوازية الصغيرة. وأخذ "الجبل" يهلل في قرارة نفسه لاعتقاده أنه سيتمكن من بلوغ هدفه بالسبيل الشرعي الصرف، دون أن يستثير ثورة جديدة من شأنها أن تدفع البروليتاريا من جديد إلى مقدمة المسرح؛ وكان "الجبل" واثقًا بأنه سيجلس في الانتخابات الجديدة في عام 1852، بواسطة الحق الانتخابي العام، السيد ليدرو – رولان في كرسي الرئاسة ويضمن أكثرية "جبلية" في الجمعية. أما حزب النظام الذي أقنعته الانتخابات الجديدة وترشيح سو ومزاج "الجبل" والبرجوازية الصغيرة بأن هؤلاء الأخيرين قرروا لزوم جانب الهدوء والسكينة في جميع الظروف، فقد رد على الانتصارين الانتخابيين بقانون انتخابي ألغي الحق الانتخابي العام.
ولقد كانت الحكومة على درجة من الاحتراس بحيث أنها لم تأخذ مشروع القانون هذا على مسؤوليتها. فقد قامت بتنازل مزعوم في صالح الأغلبية بتخويلها أمر دراسة هذا المشروع إلى رؤساء الأغلبية، البورجراف السبعة عشر ( ). وعليه، ليست الحكومة هي التي اقترحت على الجمعية الوطنية، بل أغلبية الجمعية هي التي اقترحت على نفسها بنفسها إلغاء الحق الانتخابي العام.
في 8 أيار أحيل مشروع القانون إلى المجلس. فهبت الصحافة الاشتراكية – الديموقراطية كلها، كرجل واحد، تقنع الشعب بأن يسلك سلوكًا لائقًا، ويحافظ على الهدوء المهيب، ويبقى لا مباليًا واثقًا بممثليه. وكان كل مقال من هذه الجرائد اعترافًا بأن الثورة تقضي قبل كل شيء على ما يسمى بالصحافة الثورية، وأن المقصود الآن بالتالي هو الحفاظ على نفسها بنفسها. إن الصحافة الثورية المزعومة قد باحت بسرها. ووقعت بنفسها على نفسها حكم الموت.
في 21 أيار طرح "الجبل" مسألة المناقشة المسبقة، وطالب برفض مشروع القانون كله لأنه يخالف الدستور. فرد حزب النظام على هذا بأن الدستور سوف ينتهك عند الاقتضاء وأنه لا داعي الآن إلى انتهاكه لأنه يمكن تفسير الدستور بأي صورة كانت، وأن الأغلبية وحدها صالحة للبت فيما إذا كان هذا التفسير أو ذاك صحيحًا. وقابل "الجبل" هجمات تيير ومونتالامبير الوحشية الجامحة بإنسانية مثقفة وحسنة التهذيب. وقد استند إلى تربة الحق؛ فدله حزب النظام على التربة التي ينبت عليها الحق، دله على الملكية البرجوازية. فأخذ "الجبل" يتضرع: هل يريدون، يا ترى، أن يستثيروا الثورة مهما كلف الأمر؟ فرد حزب النظام: أنها لن تأخذنا على حين غرة.
في 22 أيار، وضع حد لمناقشة المسألة مسبقًا بأغلبية 462 صوتًا ضد 227. إن نفس أولئك الناس الذين برهنوا بفائق المهابة وبفائق الإسهاب أن الجمعية الوطنية وكل نائب بمفرده سيتخلون عن صلاحياتهم ما أن يتخلوا عن الشعب الذي منحهم الصلاحيات، يواصلون الجلوس بهدوء في مقاعدهم، وعوضًا عن أن يتحركوا بأنفسهم، شرعوا يعرضون فجأة على البلد أن يتحرك، بواسطة العرائض على وجه الضبط؛ وقد بقوا جامدين بلا حركة حتى عندما مر القانون نفسه في 31 أيار بصورة باهرة. لقد حاولوا أن يثأروا لأنفسهم من الاحتجاج الذي سجلوا فيه عدم اشتراكهم في انتهاك الدستور، ولكن هذا الاحتجاج لم يدلوا به هو أيضًا على المكشوف، بل دسوه سرًا في جيب الرئيس.
إن الجيش المؤلف من مائة وخمسين ألف رجل في باريس، وتأجيل الحل النهائي إلى ما لا نهاية له، ودعوات الصحافة إلى التزام جانب الهدوء، وتخاذل "الجبل" والنواب المنتخبين حديثًا، وهدوء البرجوازية الصغيرة المهيب، ولا سيما النهوض التجاري والصناعي، كل هذا كان يعرقل كل محاولة ثورية من جانب البروليتاريا.
أدى الحق الانتخابي العام رسالته. فقد مرت مرت أغلبية الشعب بمدرسته التعليمية التي لا يمكنه أن يقوم بدورها إلا في العهد الثوري. وكان لا بد أن تقضي عليه أما الثورة وأما الرجعية.
وقد أظهر "الجبل" المزيد من الهمة والعزيمة عندما وقع الحادث التالي بعد فترة وجيزة. فمن على منبر الجمعية نعت وزير الحربية دوبول ثورة شباط بالكارثة المشؤومة. ولم يعط الرئيس دوبان الكلمة لخطباء "الجبل" الذين أعربوا، مثلما هو حالهم دائمًا، عن غضبهم الأخلاقي بضجة قوية. فاقترح جيراردان على "الجبل" أن يغادر القاعة على الفور بكامل قوامه. النتيجة: بقي "الجبل" في مكانه، بينما رمي بجيراردان إلى خارجها بوصفه غير جدير بالاحترام.
كان قانون الانتخاب بحاجة إلى إضافة أخرى. إلى قانون جديد للصحافة. وهذا الأخير ما لبث أن ظهر. إن مشروع قانون الحكومة، الذي جعلته تعديلات حزب النظام في كثير من بنوده أشد صرامة، قد زاد الضمانات المالية، ونص على استيفاء رسوم ختم خاصة عن الروايات التي تطبع بشكل حلقات متسلسلة، وفرض ضريبة على جميع المؤلفات الصادرة بطبعات أسبوعية وشهرية في حدود عدد معين من الملازم، وأقر، أخيرًا، أنه يجب أن تكون كل مقالة في جريدة مرفقة بتوقيع كاتبها. أن الأحكام المتعلقة بالضمانات المالية قد قتلت ما يسمى بالصحافة الثورية؛ ورأى الشعب في هلاكها عقابًا على إلغاء الحق الانتخابي العام. ولكن القانون الجديد لم يقتصر، لا بميوله ولا بفعله، على هذا القسم من الصحافة. فطالما كانت الصحافة اليومية مغفلة، فقد كانت لسان حال رأي عام واسع وغير معين؛ كانت السلطة الثالثة في الدولة. وكان التوقيع على كل مقالة يحول الجريدة إلى مجرد مجموعة من مؤلفات أدبية لأشخاص متفاوتي الشهرة. وكانت كل مقالة تنحط إلى مستوى إعلان صحفي. وحتى الآن، كانت الجرائد موضع تداول بوصفها نقودًا ورقية للرأي العام؛ أما الآن، فقد تحولت إلى كمبيالات فردية مشكوك فيها إلى هذا الحد أو ذاك، وتتوقف درجة جودتها ورواجها، لا على سمعة ساحب الكمبيالة وحسب، بل أيضًا على سمعة مجيرها. وأخذت صحافة حزب النظام تحرض، لا من أجل إلغاء الحق الانتخابي العام وحسب، بل أيضًا من أجل اتخاذ أقصى الإجراءات ضد الصحافة "الرديئة". ولكن حتى الصحافة "الجيدة" بإغفالها المشؤوم للغاية لم تكن تروق لحزب النظام ولا سيما لبعض ممثليه من الأقاليم. كان حزب النظام يرغب في التعامل مع الكاتب المستأجر فقط، كان يريد أن يعرف اسم الكاتب ومكان إقامته وأوصافه. وعبثًا ذرفت الصحافة "الجيدة" الدموع على نكران الجميل الذي يجازون به خدماتها. فقد مر القانون، ونزلت ضربة مطلب توقيع المقالات عليها بالذات في المقام الأول. وكانت أسماء الكتاب السياسيين الجمهوريين مشهورة جدًا، ولكن الشركات المبجلة „Journal des Débats“ „Assemblée Nationale“ ( )، „Constitutionnel“ ( )، وإلخ، وإلخ، وجدت نفسها، رغم كل حكمتها السياسية التي تحظى بواسع الدعاية، في وضع سخيف للغاية عندما ظهرت كل هذه الرفقة السرية فجأة بمظهر pennz – a – liners (الكاتب البنسي: كاتب يحرر في الصحف لقاء بنس واحد لكل سطر – كاتب مستأجر – الناشر) مأجورين ومحنكين من طراز غرانيه دي كاسانياك، يدافعون عن كل شيء لقاء الدفع نقدًا، أو بمظهر مزق قديمة من طراز كابفيغ يعتبرون أنفسهم من رجالات الدولة، أو بمظهر كساري جوز مغناجين من طراز السيد ليموان من „Débats“.
وعند مناقشة قانون الصحافة، كان "الجبل" قد بلغ درجة من الانحطاط المعنوي بحيث كان لا بد له أن يكتفي بالتصفيق للخطب الباهرة العنيفة التي كان يلقيها أحد مشاهير أنصار لويس فيليب القدامى، السيد فكتور هوغو.
ومنذ إقرار قانون الانتخاب وقانون الصحافة، خرج الحزب الثوري والديموقراطي من المسرح الرسمي. وبعد نهاية الدورة بفترة قصيرة، وقبل التفرق كل إلى بيته، أصدرت كتلتا "الجبل" – الديموقراطيون الاشتراكيون والاشتراكيون الديموقراطيون، بيانين، testimonia paupertatis (شهادة فقر حال – الناشر) اثنتين، أثبتتا فيهما أنه إذا كان النجاح والقوة لم يكونا يومًا إلى جانبهما، فقد وقفتا دائمًا بالمقابل إلى جانب الحق السرمدي وجميع الحقائق السرمدية على اختلافها.
لنعد الآن إلى حزب النظام. كتبت مجلة "الجريدة الرينانية الجديدة" في العدد 3، الصفحة 16: "ضد مطامع الأورليانيين والشرعيين المتحدين في العودة إلى العرش، يدافع بونابرت عن الأساس الحقوقي لسلطته الفعلية، أي عن الجمهورية؛ وضد مطامع بونابرت بالعودة إلى العرش، يدافع حزب النظام عن الأساس الحقوقي لسيادته المشتركة أي عن الجمهورية؛ الشرعيون ضد الأورليانيين، والأورليانيون ضد الشرعيين يدافعون عن status quo أي عن الجمهورية. وجميع كتل حزب النظام هذه التي لكل منها في قرارة نفسها ملكها الخاص وعودتها الخاصة إلى العرش، تعارض كل منها مطامع منافسيها الاغتصابية والتمردية بسيادة البرجوازية العامة، المشتركة، بالشكل الذي تشل فيه جميع ادعاءاتهم المختلفة بعضها بعضًا وتحفظ بعضها بعضًا، أي بالجمهورية.
بل أنه لم يخطر في بال تيير أي حقيقة انطوت عليها كلماته: "نحن الملكيين حصن الجمهورية الدستورية الحقيقي".
هذه الكوميديا من الجمهوريين رغم أنوفهم، هذا الكره status quo وهذا التوطيد الدائم له؛ وهذه المصادمات الدائمة بين بونابرت والجمعية الوطنية؛ وهذا الخطر الذي يتجدد باستمرار ويتهدد حزب النظام بالانشقاق إلى أجزائه المكونة، وهذا التلاحم الجديد الدائم بين كتله؛ ومحاولات كل منها لتحويل كل انتصار على العدو المشترك إلى هزيمة لحلفائها المؤقتين، والحسد المتبادل، والمكائد، والملاحقة، والسيوف المشهورة بلا كلل، وبالنتيجة قبلة لاموريت ( ) دائمًا، - كل هذه الكوميديا القبيحة لم تتطور قط بصورة كلاسيكية بالقدر الذي تطورت به في سياق الأشهر الستة الأخيرة.
ومع ذلك، اعتبر حزب النظام قانون الانتخاب انتصارًا على بونابرت. فحين أحالت حكومة بونابرت إلى لجنة السبعة عشر أمر صياغة مشروع قانونها والمسؤولية عنها، ألم تتنازل بالتالي، يا ترى، عن السلطة؟ أو لم يتقوم السند الرئيسي لبونابرت ضد الجمعية في كونه منتخب ستة ملايين؟ - وكان بونابرت ينظر من جهته إلى قانون الانتخاب كتنازل في صالح الجمعية، تنازل اشترى به التناسق بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. وعلى سبيل المكافأة، طلب المغامر السافل زيادة راتبه إلى ثلاثة ملايين فرنك. فهل كان في مقدور الجمعية الوطنية أن تدخل في نزاع مع السلطة التنفيذية في وقت أعلنت فيه هذه الجمعية أغلبية الشعب الفرنسي الساحقة خارج القانون؟ تملكها الغضب؛ وقد خيل أنها عزمت اتخاذ أقصى الإجراءات؛ رفضت لجنتها الاقتراح؛ وأخذت الصحافة البونابرتية بدورها وضعة رهيبة، مشيرة إلى الشعب المنهوب، المحروم من حقه الانتخابي. وجرت كثرة من المحاولات الصاخبة للتفاهم؛ وفي آخر المطاف، تنازلت الجمعية في الواقع، ولكنها انتقمت في الوقت نفسه من حيث المبدأ. فعوضًا عن زيادة الراتب بصورة مبدئية دائمة إلى ثلاثة ملايين في السنة، صوتت بالموافقة على منح بونابرت علاوة إضافية مقطوعة فقط قدرها 2160000 فرنك. ولم تكتف الجمعية بذلك؛ بل أنها لم تقم بهذا التنازل إلا عندما أيدها شانغارنيه، جنرال حزب النظام، والحامي الطفيلي لبونابرت. وهكذا، تم التصويت على منح هذين المليونين، لا إكرامًا لبونابرت، بل إكرامًا لشانغارنيه.
وهذه الصدقة المرمية عن غير رغبة إنما قبلها بونابرت بروح الواهب تمامًا. فقد استأنفت الصحافة البونابرتية حملاتها على الجمعية الوطنية؛ وعندما قدم أثناء مناقشة قانون الصحافة تعديل بصدد التواقيع موجة في المقام الأول ضد الجرائد من المرتبة الثانية، التي تمثل مصالح بونابرت الخاصة، حملت الصحيفة البونابرتية الرئيسية „Pouvoir“ على الجمعية الوطنية بضراوة لا كابح لها. فاضطر الوزراء إلى التبرؤ من هذه الجريدة أمام الجمعية الوطنية؛ وأحيل المحرر المسؤول في „Pouvoir“ إلى المحاكمة أمام الجمعية الوطنية وحكم عليه بالحد الأقصى من الغرامة النقدية وقدره 5000 فرنك. وفي اليوم التالي، نشرت „Pouvoir“ مقالة أشد وقاحة ضد الجمعية وعلى سبيل أخذ الثأر، أقامت الحكومة دعاوي جزائية على بضع جرائد شرعية لمخالفتها الدستور.
وأخيرًا، طرحت مسألة تأجيل جلسات المجلس. وكان بونابرت بحاجة إلى هذا التأجيل لكي يتصرف بدون أي عائق من جانب الجمعية. وكان حزب النظام بحاجة إليه جزئيًا لأجل مؤامراته الكتلوية، وجزئيًا بسبب مصالح مختلف النواب الشخصية. وكان الطرفان بحاجة إليه لأجل توطيد وتوسيع انتصارات الرجعية في الأقاليم. ولهذا أرجأت الجمعية جلساتها من 11 آب إلى 11 تشرين الثاني. ولكن لما كان بونابرت لم يخف البتة أنه يسعى إلى التخلص من رقابة الجمعية الوطنية الثقيلة الوطأة، فقد أضفت الجمعية على تصويتها بالثقة طابع عدم الثقة بالرئيس. فلم يدخل أي بونابرتي في اللجنة الدائمة المؤلفة من ثمانية وعشرين شخصًا، والتي ظلت تحرس فضائل الجمهورية أثناء العطلة (البرلمانية). وعوضًا عن البونابرتيين، انتخب حتى بضعة جمهوريين من „Siecle“ و“National“ لأجل تقديم البرهان للرئيس على مناصرة الأغلبية للجمهورية الدستورية.
قبل تأجيل جلسات المجلس بوقت قليل، ولا سيما الآن بعد تأجيلها، خيل أن كتلتي حزب النظام الكبيرتين – الأورليانيين والشرعيين – مستعدتان للتصالح على أساس اندماج العائلتين الملكيتين اللتين كانت هاتان الكتلتان تناضلان تحت راياتهما. فقد حفلت الجرائد بمشاريع للمصالحة كان يتناولها البحث عند سرير لويس فيليب المريض في سانت ليوناردس، ولكن وفاة لويس فيليب فجأة بسطت الوضع. فقد كان لويس فيليب مغتصبًا، وكان هنري الخامس ضحيته؛ أما كونت باريس، فقد كان الوريث الشرعي لهنري الخامس، لعدم وجود أولاد عند هذا الأخير. وقد زالت الآن كل ذريعة لأجل الاعتراض على دمج مصالح الأسرتين. ولكن الكتلتين فهمتا الآن على وجه الضبط، في آخر المطاف، إن ما يفرّق بينهما ليس التعلق العاطفي بهذه العائلة الملكية أو تلك، وأن الأمر بالعكس، وهو أن مصالحهما الطبقية المختلفة هي التي فرقت بين الأسرتين. إن الشرعيين الذين مضوا يقدمون آيات الاحترام لهنري الخامس في فيسبادن، قد تلقوا هناك، مثلهم مثل منافسيهم الأورليانيين في سانت ليوناردس، نبأ وفاة لويس فيليب؛ فشكلوا على الفور وزارة ( ) in partibus infidelium (حرفيًا: في بلاد الكفار، أي ما وراء حدود البلاد، في المهجر – الناشر) دخل فيها معظم أعضاء لجنة حراس فضائل الجمهورية، المذكورة آنفًا، ولم تتباطأ، عند حدوث نزاع واحد في الحزب، عن إصدار بيان صريح للغاية بالحق بنعمة الله. وقد هلل الأورليانيون لمناسبة الفضيحة المشينة التي استثارها هذا البيان ( ) في الصحافة، ولم يخفوا البتة عذاءهم السافر للشرعيين.
أثناء عطلة الجمعية الوطنية، افتتحت الجمعية التمثيلية في المحافظات جلساتها. وأيدت أغلبيتها إعادة النظر في الدستور، المحدودة بتحفظات متفاوتة الشأن، أي أنها أيدت عودة الملكية دون أن تعطيها تعريفًا أدق، وأيدت "حل المسألة"، مدركة مع ذلك أنها غير صالحة إطلاقًا ومغرقة في الجبانة حتى تجد هذا الحل. فهرعت الكتلة البونابرتية إلى تفسير هذه الرغبة في إعادة النظر على إنها رغبة في تمديد صلاحيات بونابرت الرئاسية.
لم يكن بوسع الطبقة السائدة في أي حال من الأحوال أن تجيز الحل الدستوري الشرعي – أي استقالة بونابرت في أيار 1852، وانتخاب رئيس جديد في الوقت نفسه من قبل جميع ناخبي البلد، وإعادة النظر في الدستور من قبل مجلس خاص، منتخب لهذا الغرض، في خلال الأشهر الأولى من الرئاسة الجديدة. فقد كان من شأن يوم انتخاب الرئيس الجديد أن يغدو يوم لقاء بين جميع الأحزاب المتعادية: الشرعيين، الأورليانيين، الجمهوريين البرجوازيين، الثوريين. وبالنتيجة كان لا بد لها أن تلجأ حتمًا إلى العنف. ولو أفلح حتى حزب النظام في أن يتحد حول مرشح حيادي ما يقف بمعزل عن العائلتين الملكيتين، لهب بونابرت ضده. فقد كان حزب النظام مكرهًا، في نضاله ضد الشعب، على زيادة قوة السلطة التنفيذية باستمرار. وكل تقوية للسلطة التنفيذية تقوي حاملها، بونابرت. ولهذا، كانت كل خطوة يتخذها حزب النظام لأجل تقوية بأسه العام تقوي الوسائل القتالية لدى بونابرت مع ادعاءاته الأسرية، وتزيد حظه في الحيلولة بالقوة في اللحظة الحاسمة دون الحل الدستوري. وآنذاك لن يتردد بونابرت في نضاله ضد حزب النظام عن انتهاك أحد أسس الدستور مثلما لم يتردد حزب النظام في نضاله ضد الشعب عن انتهاك أساس آخر للدستور، بإلغائه الحق الانتخابي العام. وكان بوسعه، حسب كل احتمال، أن يستند حتى إلى الحق الانتخابي العام ضد الجمعية. خلاصة القول أن الحل الدستوري يضع على كف عفريت كل status quo السياسي؛ ولكن التشوش والفوضى والحرب الأهلية تتراءى للبرجوازي وراء تقلقل status quo. ويتراءى له أن جميع مشترياته ومبيعاته، وكمبيالاته، وزواجاته، وعقوده عند كاتب العدل، ورهوناته العقارية، وريعه العقاري، وإيجار بيوته، وأرباحه، وجميع عقوده ومصادر دخله ستوضع على كف عفريت منذ الأحد الأول من شهر أيار 1852، ولكنه لا يستطيع تعريض نفسه لمثل هذا الخطر. فوراء تقلقل status quo السياسي، يمكن خطر إفلاس المجتمع البرجوازي كله. إن الحل الوحيد الممكن بالنسبة للبرجوازية، إنما هو إرجاء الحل. فليس في وسع البرجوازية أن تنقذ الجمهورية الدستورية إلا بانتهاك الدستور، بتمديد سلطة الرئيس. وهذه هي بالذات آخر كلمة صحافة حزب النظام بعد جميع المناقشات الجدية والطويلة بصدد "حلول المسألة"، التي عكفت عليها عند انتهاء دورة المجالس العامة. وعليه يرى حزب النظام الجبار نفسه مضطرًا، لما فيه خجله، إلى أن يأخذ جديًا بالحسبان شخصية بونابرت المزعوم المضحكة، الخسيسة، المكروهة منه.
وهذه الشخصية القذرة أخطأت بدورها فيما يتعلق بالأسباب الحقيقية التي جعلت دور الرجل الضروري يعود إليها أكثر فأكثر. فبينما كان حزبه على ما يكفي من الفطنة والذكاء لكي ينسب تعاظم شأن بونابرت إلى الوضع الناشئ، كان بونابرت نفسه يؤمن بأنه مدين بذلك فقط لتأثير اسمه السحري ولمحاكاته نابليون بلا كلل. وكانت همته تتزايد يومًا بعد يوم. فقد رد على الحج إلى فيسبادن وسانت لوناردس بجولاته في شتى أرجاء فرنسا. وكان البونابرتيون قلما يعلقون الآمال على سحر شخصه إلى حد أنهم كانوا يرسلون وراءه في كل مكان المصفقين، أعضاء جمعية العاشر من كانون الأول (ديسمبر) ( )، هذه المنظمة لحثالة البروليتاريا، مالئين بهم قطارات السكك الحديدية وعربات البريد. وكانوا يضعون على لسان دميتهم خطابات مختلفة كانت، حسب الاستقبال الذي يلقاه الرئيس في هذه المدينة أو تلك، تعلن الوداعة الجمهورية تارة والثبات والمثابرة طورًا شعارًا لسياسة الرئيس. ورغم جميع المناورات، كانت هذه الرحلات تشبه المواكب المظفرة أقل ما تشبه.
وبما أن بونابرت كان على يقين من أنه أفلح على هذا النحو في تحميس الشعب، فقد عكف على التحريض في صفوف الجيش. فنظم في سهل ساتوري، قرب فرساي، استعراضات كبيرة للقوات المسلحة حاول فيها أن يرشي الجندي بالمقانق المحشوة بالثوم والشمبانيات ولفافات السيجار. لقد كان نابليون الحقيقي يعرف كيف يشجع الجنود المنهوكين في خضم أعباء حملاته الاغتصابية بمظاهر مفاجئة من الدالة الأبوية؛ أما نابليون المزعوم، فقد كان يتصور أن القوات المسلحة قد شكرته بهتافاتها "عاش نابليون، عاشت المقائق! أي عاشت المقائق (Wurst)، عاش البهلول Hanswurst!".
وقد أدت هذه الاستعراضات إلى كشف التنافر المكتوم زمنًا طويلاً بين بونابرت ووزير الحربية دوبول من جهة، وشانغارنيه من جهة أخرى. وفي شخص شانغارنيه، وجد حزب النظام رجله الحيادي فعلاً الذي لم يكن من الممكن حتى أن يتناول الكلام ادعاءاته الأسرية. وفضلاً عن ذلك، أصبح شانغارنيه، بفضل سلوكه في 29 كانون الأول و13 حزيران 1849، قائدًا عسكريًا كبيرًا لحزب النظام، إسكندرًا ثانيًا، يقطع بتدخله الفظ، كما يظن البرجوازي الوجل، عقدة الثورة الغوردية ( ). أما بالفعل، فهو شخص حقير مثل بونابرت، وقد جعل من نفسه قوة بأسلوب رخيص للغاية، وقدمته الجمعية الوطنية للإشراف على الرئيس. وهو نفسه تصنع – مثلاً، في المناقشات بصدد راتب الرئيس – أداء دور حامي بونابرت، وأخذ يعامله ويعامل وزراءه بمزيد ومزيد من التعالي. وعندما كانوا يتوقعون انتفاضة لمناسبة قانون الانتخاب الجديد، منع ضباطه من قبول أي أمر كان من وزير الحربية أو من الرئيس. وأسهمت الصحافة، من جانبها، في تعظيم شخصية شانغارنيه. ونظرًا لعدم وجود شخصيات بارزة نوعًا في حزب النظام، اقتضى الحال منح شخص واحد قوة لا وجود لها عند كل طبقته وتضخيمه بالتالي إلى حد جعله نوعًا من عملاق. هكذا نشأت خرافة شانغارنيه – "حصن المجتمع". إن الشعوذة الوقحة، والكبرياء المصطنعة المبهمة، اللتين تفضل شانغارنيه وحمل بهما العالم كله على كتفيه، تشكلان نقيضًا مضحكًا للغاية للأحداث التي وقعت أثناء الاستعراض في ساتوري وبعده. فقد برهنت هذه الأحداث بما لا يقبل الجدل أنه تكفي شطة واحدة من قلم بونابرت لإنزال الوليد الغريب للذعر البرجوازي، العملاق شانغارنيه، إلى منزله رجل وسط عادي، ولتحويله، هو البطل الذي ينقذ المجتمع، إلى جنرال متقاعد يعيش على المعاش.
لقد سبق لبونابرت أن انتقم ذات مرة من شانغارنيه باستفزازه وزير حربيته على القيام بمصادمات انضباطية مع المحامي المزعج. فإن الاستعراض الأخير في حقل ساتوري أدى، في آخر المطاف، إلى انفجار العداوة القديمة. ولم يعرف غضب شانغارنيه الدستوري بعد ذاك أي حدود عندما سارت أفواج الخيالة أمام بونابرت مطلقة الهتافات المعادية للدستور "عاش الإمبراطور!". وتهربًا من المناقشات غير المستطابة بصدد هذه الهتافات في دورة المجلس العتيدة، أقصى بونابرت وزير الحربية دوبول بتعيينه حاكمًا على الجزائر. وعين مكانه جنرالاً عجوزًا من زمن الإمبراطورية، مأمونًا تمامًا ولا يقل عن شانغارنيه في شيء من حيث الخشونة. ولكن، لكي لا يظهر عزل دوبول بمثابة تراجع أمام شانغارنيه، نقل بونابرت في الوقت نفسه الجنرال نيماير، اليد اليمني لمنقذ المجتمع العظيم، من باريس إلى نانت. لقد أذنب نيماير في كونه قد مر في الاستعراض الأخير أمام وريث نابليون لازمًا الصمت الجليدي. وتأثر شانغارنيه شخصيًا بنقل نيماير، فشرع يحتج ويهدد. ولكن عبثًا! فبعد يومين من المفاوضات، صدر المرسوم بنقل نيماير إلى نانت في „Moniteur“ ولم يبق لبطل النظام ما يفعله غير الخضوع للانضباط أو تقديم الاستقالة.
إن نضال بونابرت ضد شانغارنيه هو تتمة لنضاله ضد حزب النظام. ولهذا ستفتتح الدورة الجديدة للجمعية الوطنية في 11 تشرين الثاني بتكهنات منذرة بالسوء. ولكن هذا سيكون عاصفة في فنجان. وعلى العموم ستتكرر اللعبة القديمة. فإن أغلبية حزب النظام ستضطر إلى تمديد صلاحيات الرئيس، رغم زعيق حراس المبادئ في مختلف كتله. وبونابرت، الذي استكان بسبب قلة المال وحدها، سيقبل بدوره تمديد السلطة هذا بوصفه تفويضًا بسيطًا من يد الجمعية الوطنية. وعليه سيرجأ حل المسألة، ويصان status quo؛ وكل من كتلتي حزب النظام ستضعف الأخرى، وتسيء إلى سمعتها، وتفعل المستحيل ضدها؛ وستتفاقم أعمال القمع ضد العدو المشترك، ضد جماهير الأمة، وتنفد في آخر المطاف، طالما لم تبلغ العلاقات الاقتصادية ذاتها من جديد، درجة من التطور في آخر الأمر تتطاير فيها في الهواء من الانفجار الجديد جميع هذه الأحزاب المتخاصمة وجمهوريتها الدستورية.
ولكنه ينبغي أن نضيف، عزاء للبرجوازي، أن كثيرين من صغار الرأسماليين قد حل بهم الخراب في البورصة بسبب الصراع بين بونابرت وحزب النظام، وأن رساميلهم قد انتقلت إلى جيوب كبار ذئاب البورصة.
كتبه ماركس في عام 1850
صدر للمرة الأولى في مجلة
„Neue Rheinische Zeitung.
Politisch-ökonomische Revue“
الإعداد 1، 2، 3، 5 – 6،
لعام 1850
صدر في كراس على حده
بتحرير أنجلس ومع مقدمة له
في برلين عام 1895


دليل أهم الأسماء
• أفلاطون (حوالي 427 – حوالي 347 ق. م.) – فيلسوف يوناني قديم. أيديولوجي الأرستقراطيين مالكي العبيد.
• ألبر – راجعوا: مارتن ألكسندر.
• الإسكندر المقدوني – قائد عسكري ورجل دولة شهير في العالم القديم .
• أودينو Oudinot نقولا – شارل – فكتور (1791 – 1863) – جنرال فرنسي. أورلياني. في 1849، آمر القوات المرسلة ضد جمهورية روما .
• أورليان – دوق – راجعوا: لويس – فيليب.
• أورليان – أسرة ملكية فرنسية (1830 – 1848) .
• أورليان، هيلين. ماكلنبورغ أصلا، دوقة (1814 – 1858) أرملة فردينان، الابن الأكبر للويس – فيليب – .
• باراغه ديليه Baraguez d’Hilliers أشيل (1795 – 1878) – جنرال فرنسي؛ نائب في الجمعية التأسيسية والجمعية التشريعية (1848 – 1851)، بونابرتي.
• باربيس Barbes أرمان (1809 – 1870) – ثوري فرنسي، ديموقراطي برجوازي صغير. أحد قادة الجمعيات الثورية السرية .
• باروش Baroche بيار – جول (1802 – 1870) – سياسي فرنسي. أثناء ملكية تموز (يوليو)، كان ينتسب إلى المعارضة الملكية الليبرالية المعتدلة؛ فيما بعد، صار بونابرتيًا .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,027,125
- من ماركس إلى ب. ف. انينكوف
- محاكمة اللجنة الديمقراطية لمنطقة الراين - مرافعة كارل ماركس
- ‎ماركس إلى لورا لافارغ في لندن‏
- من رسالة ماركس الى زوجته
- موضوعات عن فورباخ
- الطبيعة والتاريخ
- الحرية والعمل
- بيان الحزب الشيوعي
- نقد فلسفة الحقوق عند هيغل
- سلطة المال وزيف القيم
- ثورة «السباهية» في الهند
- من ماركس الى انجلس
- الفصل الأول من الأيديولوجيا الألمانية
- من ماركس الى فريدريك بولته
- مختارات من كتاب -رأس المال
- حول المسألة اليهودية
- من ماركس إلى ج. ب. شفايتزر
- الفلسفة كإيديولوجيا
- الفلسفة وليدة عصرها
- راس المال الفصل- 29- نشوء المزارع الراسمالي


المزيد.....




- غريب: ليس لديهم ما يفعلونه للبنانيين سوى هذا التعطيل والفراغ ...
- أنقرة تحذر واشنطن من تكرار مشاهد الجنود الأمريكيين مع مقاتلي ...
- صدر العدد الجديد من طريـــق الثّــورة
- مـــــا العمــــــــل ؟
- لشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب تنظم وقفة جماعي ...
- مصر.. نقابة المحامين تتهم الشرطة بقتل أحد أعضائها
- شاهد: اشتباكات بين الشرطة الفرنسية ومتظاهرين
- شاهد: اشتباكات بين الشرطة الفرنسية ومتظاهرين
- طنجة // وقفة احتجاجية للعمال المطرودين بمدخل المنطقة الحرة . ...
- يوسف وهبي // الثورة الالمانية..1918- 1922


المزيد.....

- اتمام اعادة بناء مكتبة الشيوعيين العرب على الخوادم الجديدة م ... / الصوت الشيوعي
- المرأة العاملة - ناديجدا كروبسكايا - (الفصل الأول) / عالية الروسان
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | مؤلفات مدرسية لتعلم ... / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | في النضال المسلح / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | مدارس الماركسية / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | الموقف من الدين / الصوت الشيوعي
- مؤلفات تروتسكي | مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي / الصوت الشيوعي
- مؤلفات غيفارا | مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | مؤلفات جورجي ديمترو ... / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | جرائم حزب البعث وال ... / الصوت الشيوعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - كارل ماركس - النضال الطبقي في فرنسا 1848 -1850