أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد إبراهيم المحجوبي - جدلية الفلسفة والدين






















المزيد.....

جدلية الفلسفة والدين



خالد إبراهيم المحجوبي
الحوار المتمدن-العدد: 2789 - 2009 / 10 / 4 - 14:26
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


مدخل تمهيدي:

انطلقت الفلسفة العربية الإسلامية انطلاقةً مسالمةً مهادنةً أمام الدين ، بل كانت انطلاقتها متطامنة إلى حدٍ جاءت فيه مسخرةً لخدمة الدين ، لاسيما من خلال علم الكلام الذي هو الخطوة الأولى للفلسفة العربية الإسلامية .
فعلم الكلام هو أول ساحة تشهد صولات دقيقة للعقل المسلم على نحو مجرَّد قبل الدخول إلى أعماق ساحات الفلسفة ، أعني ساحات الإبستمولوجيا ، والانطولوجيا ، والأكسيمولوجيا ،
ففي مرحلة علم الكلام " انصرف اللاهوت إلى استخدام الأقيسة المنطقية، والمحاكمات الفلسفية للذود عن التوحيد "
وبعد تجاوز مرحلة علم الكلام تطور النظر الفلسفي عند المسلمين فشمل تراث الإغريق ، والهند ، وفارس ، فوقع بين أيديهم وتحت أنظارهم نظريات وأفكار صادمة لكثير مما قرره النقل الديني ، ذلك النقل الذي كان من القوة بمكان عالٍ ؛ جعل فلاسفة المسلمين ينحوْن تجاه اعتمال منهج توفيقي بين الفلسفة ، و الدين ،وبتعبير ابن رشد بين الشريعة ، والحكمة .
وقد سيطر هذا النهج التوفيقي على الفلسفة الإسلامية سيطرة شاملة ، من لدن الكندي مرورا بالفارابي وابن سينا ، وصولا إلى ابن تيمية. مع التحرز في وصف هذا الأخير بالفلسفة .
يظهر لي أن ذلك النزوع التوفيقي ما هو إلا شكل لاستراتيجية بقاء ، أو خطة لاستمرارية الحياة ، لكثير من أصحاب العقول المتحررة عن القيود و ضوابط ووثوقيات الدين ، من الذين أخفتوا ولم يصّرحوا بمخالفة تلك الضوابط والوثوقيات المحملة وسط النص المقدس الإسلامي، سواء في الحديث الإلهي، أو الحديث النبوي.
إن قضية التوفيق بين الدين، والفلسفة هي من شواغل التفكير القديم والحديث سواء في الساحة الإسلامية ، أو الساحة اليهودية، أو المسيحية ، فقد انشغل بها فلاسفة من أوربا المسيحية لعل أشهرهم (سبينوزا) الذي كتب كتاباً شهيراً هو : (رسالة في اللاهوت والسياسة) ، ليبحث فيه جدلية الفلسفة والدين ، وبتعبير آخر : جدلية العقل واللاهوت .
وقد خرج (سبينوزا) بنتائج منها وجوب الفصل التام بين كلا الطرفين وبتْر كلّ وشيجة قد تربطهما ،وقال بأنْ لا صلة تقرنهما ، وأن كلاً منهما يمثّل طريق سعادة لأهله ، كلٌ في مجاله فلا يعارضه الآخر في شيء . ( )
وقد وجدنا في تراثنا الإسلامي رأياً مشابهاً لما ذهب إليه (سبينوزا) ذلك الرأي هو الذي تبناه بشدة ( أبوسليمان السجستاني) الذي أوجب الفصل التام بين الطرفين كليهما ، لما بينهما من اختلاف متجذّر في: الغاية ، والطبيعة ، والمصدر .( )
وقد قدم السجستاني نقدا لاذعاً لمنهج إخوان الصفا ، رافضاً نزوعهم التوفيقي فقال فيما حكاه عنه التوحيدي : ((تعبوا وما أغنوا ، ونصبوا وما أجدوا، وحاموا وما وردوا ،...ونسجوا فهلهلوا ...ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع .ظنوا أنهم يمكنهم أن يدسوا الفلسفة ...في الشريعة، وأن يضموا الشريعة للفاسفة .وهذا مرام دونه حدد ))( )
وبرغم ذلك ظل الرأى السائد أن لاتعارض بين الفلسفة والدين وأكد أكثر الفلاسفة المسلمين عدم إمكانية حدوث ذلك الضرب من التعارض ( ) وكتبوا في توكيد هذا المذهب الكثير .
إن النظر في الفلسفة الإسلامية يوكد أن مرتكزها، وهمّها الرئيس كان متشكلاً في تشخيص ومعالجة العلاقة بين النظر الفلسفي، وبين النقل الديني، أو بين الحكمة وبين الشريعة حسب تعبير ابن رشد الذي كتب في ذلك كتابيه الشهيرين: (فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال )و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ، فضلا عن مباحث هامة في كتابه (تهافت التهافت)الذي أكد فيه افتقار الغزاّلي إلى العمق المنهجي ، والاطلاع الفلسفي اللائق.وقد أجهد ابن رشد نفسه فيه ؛ليؤكد انتفاء التعارض بين الدين، وبين الفلسفة العقلية( ).
حالتي العلاقة بين الفلسفة والدين:
إن العلاقة بين النظر الفلسفي ، وبين النقل الديني لا تخلومن حالتين:
الأولى: حالة توافق: حيث يحدث توافق وتماثل بين بعض العقائد الدينية ، وبين بعض النتائج الفلسفية ، كالقول مثلا بوحدة الخالق ، وحدوث العالم ، وثنائية البدن والنفس ، وبالوجود الغيبي.
الحالة الثانية: حالة تعارض: حيث يحدث تصادم عصيّ عن الاجتماع بين نظرات فلسفية ، ومنقولات دينية ، كقول كثير من الفلاسفة أن عملية الخلق هي قائمة على صدور أو فيض ، لا على إيجاد من عدم . وكالقول بأزلية النفس .وقد جمع الغزّالي كثيرا من هذا الباب في كتابه تهافت الفلاسفة الذي حوى كلامًا فيه صواب وخطأ ، وخلط وترتيب ،ووضوح وغموض . وقد نبه إلى معايبه ابن رشد في رده عليه ، وكذا ابن طفيل في مقدمة كتابه( حيّ بن يقظان).
لقد كانت الحالة الثانية أكبر موجه ومؤثر في مناهج ، ومناتج وطبيعة الفلسفة العربية الإسلامية ، لاسيما بعد حملة الغزّالي على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة ).
من الواقع قولنا إن الفلسفةالتي تلقاها المسلمون جاءت محملة بآراء واهية فارغة، أقرب إلى الخيال منها إلىالواقع ، لذلك قال محمد عبد الرحمان مرحبا ((انقلبت الفلسفة متحفا تتراكم فيه أكداس الاستنتاجات والفروض والأوهام)).( )
ازدواجية الموقف أمام الفلسفة:
كان من اللافت للنظر أن أكثر فلاسفة المسلمين هم من المطلعين على علوم الدين ومباحثها .وهنا يسنح سؤال يقول:
ألم تكن للعقول الإسلامية كفاية واغتناء بما حملته النصوص الإسلامية المقدسة من معارف دينية ، فضلا عما توفر من مباحث وعلوم لغوية وبيانية ؟
الواقع أن العقول الإسلامية لم تكن ذات منهج واحد ولا عمق موحّد ولا إمكانيات متكافئة ؛ لأن هاته العقول ذات مرجعيات متباينة ،وطبائع متخالفة ، وأرصدة معرفية متفاوتة القيمة والعمق .
ففيها العقل العربي ، والعقل الفارسي ، والعقل الهندي ، والتركي. كل هذه العقول انصهرت وكوّنت ما نسميه هنا بالعقل الإسلامي ، كل ذلك قدم واقعا مفاده أن العقول الإسلامية المنتجة للفكر الإسلامي ، لم تتخذ موقفا واحدا من جهة الاكتفاء أو عدمه بالمعارف الدينية والبيانية اللغوية .فتكون فريقان رئيسان هما :
1- فريق أعلن اكتفاءه بالمعارف الدينية واللغوية ومباحثها ، وأعلن الخصومة والتوجس لكل ما عداهما ، وهذا ظاهر في مواقف كثير من الأعلام أمثال : أحمد بن حنبا ، وأبي زرعة ، وابن قدامة ، وابن رجب الحنبلي ، وابن الصلاح ، وغيرهم . وقد كان مصدر التوجس ماثلاً في الميراث الإغريقي الذي استشرى بعد عمليات الترجمة العربية ، من لدن خالد بن يزيد الأموي .
2- فريق لم يكتف بتلك المعارف ؛ فتوجه إلى المباحث والعلوم العقلية ، والفلسفية والعلمية ، فاتحاً كل الأبواب المعرفية المتاحة في ندحة عن التوجس من اقتحام الجديد ، وبعد عن التخوف من تفتيق أبكار العلوم العقلية واستكناه غياباتها.ويمثل هذا الفريق أفراد الفرق الكلامية كالأشاعرة والمعتزلة .
يخبرنا تاريخ الفكر والفلسفة أنه حيثما خلت الساحة من الدين ؛ فالفلسفة ستنطلق لا تراعي ، ولا تواري ولا يحدها حد. وحيثما وجد توازن بين الفلسفة والدين فالمنهج التوفيقي سيفرض نفسه .
هذا ما يوكده لنا تاريخ الفكر والعقل الإنساني، فالفلسفة الإغريقية، وجدت في فضاء اجتماعي ومعرفي خال من الدين وآثاره ، حيث لم يعرف الإغريق طوال القرون الستة الأولى قبل المسيح دينا ًولا عقائد سماوية ؛ فكان المجال مفتوحا للعقل الخالص ؛ لينظر ، ويحلل ، ويتوهم ، ويهذي ، ويهدي ، وينسج ، ويخلط ، ويصيب ويخطئ ، بعيدا عن أي هداية إلاهية أو إرشاد سماوي .
لكن الأمر اختلف في ساحة الفلسفة الإسلامية ثم ساحة الفلسفة الأوربية الوسيطة ، حين كان الدين حاضرا في منظومة عقدية ، وتوليفة اشتراعية واضحة ن لم يستطع الفلاسفة اطّراحها ، ولا صدامها؛ فاصطنعوا منهجهم التوفيقي. هذا ما نراه جليا عند أمثال الكندي ، وابن سينا وابن رشد مثلا عند المسلمين . وعند أمثال (توما الاكويني 1274م )، وأستاذه (ألبير الكبير1280م) لدى النصارى في العصور الوسطى.
أما حين انحسر نفوذ الدين في أوربا وغابت الكنيسة وطغا سلطان العلمانية الشاملة تحرر الفلاسفة المعاصرون من المنهج التوفيقي ؛ فعاد العقل الفلسفي ليسرح ويصول بلا هاد ولا مرشد من وحي سماوي أو إرشاد إلاهي ؛ فظهر مثلا: نيتشة ،وديفيد هيوم، وبرت راند رسل .
إن النظر في الفلسفة الإسلامية يوكد أن مرتكزها وهمّها الرئيس كان متشكلاً في تشخيص ومعالجة العلاقة بين النظر الفلسفي، وبين النقل الديني، أو بين الحكمة وبين الشريعة حسب تعبير ابن رشد الذي كتب في ذلك كتابيه الشهيرين (فصل المقال في تقرير مابين الشريعة والحكمة من الاتصال )و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) ، فضلا عن مباحث هامة في كتابه (تهافت التهافت)الذي أكد فيه افتقار الغزاّلي إلى العمق المنهجي ، والاطلاع الفلسفي اللائق.( )

حوافز التفلسف لدى المسلمين

إن في استعمال التفلسف لإنتاج فلسفة ، استجابة لدافع فطري توطّن عقل الإنسان لا يمكنه – حال سلامته – الكفّ عن التفكير والتأمل والتدبّر ، وقد كان هذا الحال شاملاً للعقل الإسلامي الذي استقوى لديه النزوع إلى التفلسف بوجود


حوافز أراها ماثلة في النقاط التالية :
1- العامل الأول : حثّ النصوص المقدسة على التفكر والتدبر والتأمل والنظر والتعقل ، إن كل هاته المصطلحات هي عمليات عقلية دعا القرآن إلى توظيفها وتفعيلها وذلك ما نجده في مثل قوله تعالى }قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق } سورة العنكبوت .الآية 20
وقوله }قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } يونس 101
وقوله }أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها }الحج 46
وقوله }أفلم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض }الأعراف 185
وقوله }...والنجوم َ مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون}النحل 12
إن وجود مثل هذه النصوص شجعت ابن رشد ليجزم بأن الشريعة أوجبت النظر الفلسفي ، واستعمال البرهان المنطقي .
إنها نصوص تدعوا الإنسان لاستثمار إمكانياته العقلية ، لا سيما في مجالي : الوجود ، والمعرفة ، فضلا عن مجال القيم الذي خصص له القرآن حيزا غير صغير .

2- العامل الثاني : غزارة المادة الفلسفية المتاحة بعد نشاط عملية الترجمة والنقل عن الثقافات الإغريقية والفارسية والهندية .
فقد شكّلت هاته المادة الفلسفية جرعات مقوية ومحفّزة للعقل المسلم ، كما شكلت منطلقات وساحات مناسبة للممارسة الفلسفية بعد أن كان العقل العربي معتقلاً ، ومفتقراً إلى ساحات ومنطلقات من هذا القبيل قبل الثورة القرآنية
والثورة الترجمية الانفتاحية .
2 - العامل الثالث : فتح المجال للحرية الاجتهادية .
فقد ساد في القرنين الثالث والرابع الهجريين – خاصة – مناخ علمي تسامحي أتاح للعقول التلاقي ، وللفهوم التلاقح ، وللثقافات التواصل ، وللأمم التواشج .
كل ذلك أتاح المجال لظهور عقلية متفلسفة قادرة للهضم الفكري ومؤهلة للإنتاج العقلي .
( مقدمات المنهج التوفيقي بين الفلسفة والدين )

ظهور التفلسف .( )
لم يكْلف المسلمون في قرونهم الأولى ببعض المعارف والفنون فأعرضوا عنها ، لدواعي كثيرة ، لعل أهمها تأثير التدين ومقتضيات ظواهر النصوص المقدسة ، كما يبدو لي منها الطبيعة الشخصية للإنسان العربي لاسيما الأعرابي وفطرته المزاجية المتشكلة في مناخ الصحراء ، وبيئة الصراع اليومي مع الطبيعة والإنسان كل أولئك كان من دواعي إهمال المسلمين الأوائل لعدد من المجالات الأدبية والفنية والإبداعية كالنحت والنقش والرسم، كل هذا كان من المهلات في أوائل العصور الإسلامية برغم توفره ضمن ما حصله المسلمون من تراث الإغريق خاصة ، لكن المسلمين لم يهملوا الفلسفة ، ولم يعرضوا عن التفلسف فلماذا لم يكن موقفهم من الفلسفة مطابقاً لمواقفهم من غيرها ؟
أقول هنا : إن التفلسف هو استجابة لشهوة عقلية قاهرة ، ليس من الممكن قهرها فهي شهوة فطرية سارية في بنية العقل الإنساني سرياناً مكيناً راسخاً ، يخرج عن الطوق وقفه.
إن تلك الشهوة العقلة لا تقنع بالأحكام والنظريات الجاهزة النهائية على النحو الذي نجده في المنظومة الدينية فالمنظومة الدينية تقدم معارفها وتطلب الموافقة المباشرة غير المشروطة وبلا اعتراض لأن الاعتراض سيكون – حينها – مُروقاً عن منهج الإيمان الديني القائم على تحقيق التسليم المطلق في ظل اليقين إن العقل الإنساني بفطرته الفضولية وشهواته المعرفية لا يسلم بهذا النوع من المناهج اليقينية الوثوقية إلا في حالة تدخل إلهي مباشر يكبت ذلك الفضول، ويقمع تلك الشهوة، ويحل محلها ما يسمى بالهداية أو بالإيمان، هذا النوع من الإيمان هو الذي يدأب المسلمون على طلبه بصيغ كثرة منها (( اللهم ثبت الإيمان في قلبنا )) كما علمهم الله تعالى أن يقولوا بعد حصول الإيمان (( الحمد لله الذي هدانا لهذا)) وأن يقولوا (( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا )) .

دواعي التوفيق بين الفلسفة والدين

إن ذاك النزوع التوفيقي جاء مدفوعاً بعد د من الدواعي والدوافع التي جعلت فلاسفة المسلمين ينتهجونه. أما تلك الدواعي فأراها ماثلة في كل من النقاط التالية :
1- اتقاء سخط العوام وسطوة الحكام
2- إدراك الفلاسفة لمحدودية العقل والقدرات العقلية ، ونسبية معارفه .
3- قوة المنظومة الدينية الإسلامية ومتانة طروحها العقدية والتشريعية .
لقد شكلت هاته النقاط الثلاث دوافع ودواعي العملية التوفيقية التي انتهجها فلاسفة المسلمين بين العقل والفلسفة ، من جهة ، وبين الإيمان والدين من جهة أخرى .
وفيما يلي سأعرض تفصيلاً لكل دافع من هذه الدوافع الثلاثة
الأول :- اتقاء سخط العوام وسطوة الحكام :-
حين نتصور حدوث صراع بين الفلسفة ، والدين في المجتمع الإسلامي ، فيجب أن نضيف إلى تصورنا أن المعركة ستحسم منذ بدايتها لصالح الدين ؛ لأن ذلك المجتمع الإسلامي في غالبه الأعم مجتمع متدين ، تسوده عقلية لاهوتية اتّباعية متطامنة للدين ومقتضيات التدين .
إذاً " كان الدين عاملاً أقوى في منافسة الفلسفة ، وأكثر منها شعبية " لا جرم أن كانت الشعبية الواسعة للدين غير سامحة بوجود منافس فضلاً عن وجود معارض ؛ لأجل ذلك لم يكن ممكناً نصبُ الفلسفة صنواً معارضاً للنقل الديني ،لأنها ستكون مواجهة فاشلة، بل محسومة النتائج من بدايتها في مجتمع كالمجتمع الإسلامي في العصر الوسيط .
لقد فرض هذا الواقع نفسه على الفلاسفة واقتضى منهم السير في طريق توفيقي يحفظون به حياتهم وأفكارهم .
وقد كان من أشهر الجماعات التي سارت على طريق السرية اتقاءً لسطوة الحكام والعوام ، جماعة إخوان الصفا التي نشأت نحو سنة 334هـ في البصرة
كانت هاته الجماعة مثالا ظاهرا للنزوع التوفيقي حيث رأوا –كما يقول التوحيدي – انه ((متى انتظمت الفلسفة الاجتهادية اليونانية ، والشريعة العربية فقد حصل الكمال ))
كما ورد عنهم قولهم ((مذهبنا يستغرق المذاهب كلها )) . بل قد توسعوا في الاتجاه التوفيقي إلى الدعوة إلى التوفيق بين الأديان كلها ، لا بين الفلسفة والدين الإسلامي الذي سموه بالشريعة العربية .
وعلى كل وضع ظلت هاته الجماعة سرية أمام بطش الحاكم وحدة سيفه . وإلى جانب ما مثله أهل السلطة من قوة قامعة وردع رادع ، وجدنا العوام في المجتمع الإسلامي لا يقصرون في قمع الفكر الجديد ، والفلسفة المتطرّئة على فهوم المسلمين . وكثيرا ما نُكب مفكرون وفلاسفة بسبب الجهل الشعبي ، والتخلف العوامي . لذلك كان من الإجراءات الحكيمة اجتناب إشاعة الفلسفة ، وترك إذاعة تدريسها بين العوام . وفي هذا السياق عرف التراث الإسلامي مصطلح ( المضنون به على غير أهله ).
من هنا وجدنا مثلا ابن رشد 595هـ يحرم الكلام مع الجمهور في مسألة علم الله من الناحية الفلسفية ، ويعد ذلك بمكانة إعطائهم السمّ ، وإن كان غذاء لغيرهم . كما قال((الإفصاح بالحكمة [أي الفلسفة]لمن ليس باهلها ، يلزم عن ذلك بالذات إماإبطال الحكمة ، وإما إبطال الشريعة ن...والصواب كان ألاّ يصرح بالحكمة للجمهور )) .
كذلك نلقى ابن ميمون الأندلسي 1204ميدم مثالا لمن يعرض المسائل الفلسفية الدقيقة على الجمهور والعوام فيقول ((إني لا أقارن هذا إلا بمن يجعل طفلا رضيعا يأخذ من خبز الحنطة ، ويشرب الخمر ، فإنه يكون سببا في ضرره بلا ريب وليس هذا لأن ما تناوله هو من الأطعمة والأشربة الضارةوالرديئة والمضادة لطبيعةالإنسان ،ولكن لأن الذي تناول منها هو أضعف من أن يهضمها ويفيد منها)) .
وفي السياق ذاته يخبرنا التوحيدي(310-414هـ) أن رؤوس الفلسفة في وقته كانوا حذرين من تسرب مباحث وآراء الفلاسفة إلى العوام ، مما لا يظهر توافقه مع الشائع من أحكام الدين
كل ذلك استند إلى واقع التفاوتات في عقول الناس والتباينات في فهومهم ؛ وهذا ما دعا بعض الفلاسفة تقسيمات طبقية على المستوى المعرفي ، من ذلك تقسيم أبي سليمان السجستاني ا لناس إلى :
1- طبقة العامة : وهم الّذون ليس لهم أن يتصلوا بالحكمةوغرائب الفلسفة ؛ لرداءة عقولهم ، وضآلة معارفهم-حسب تعبيره-.
2- طبقة الخاصة : هم الّذون يحق لهم البحث فيما يشاؤون ولهم من فضائل ا لنفس ما يعصم عن الضلال .
ثانيا : أما الدافع الثاني من دوافع النزوع التوفيقي بين الفلسفة والدين فهو: إدراك الفلاسفة لمحدودية ونسبية القدرة العقلية عند الإنسان .
إن من الحقائق الثابتة أن عقل الإنسان ليس مطلقا في مواهبه ، وإمكانياته ، فهو محدود القدرات ، برغم سعة آفاقه وضخامة منجزاته .
في مقابل هذه الحقيقة تسنح حقيقة أخرى هي أنالعلم الإلهي مطلق غير محدود ، فلا حد يحجزه ولا مانع يعيقه، ولاعقل يستوعبه ، هذا الواقع آمن به فلاسفة المسلمين بحكم كونهم متبنّين الديانة الإسلاميةالتي وكّدت وقررت ذلكم الواقع أي نسبية العقل الإنساني ، وإطلاقيةالعلم الرباني .
لم يكن للفيلسوف المسلم سوى أحد خيارين أمام ما قد يراه من تعارض بين الدين والفلسفة . ذانك الخياران هما إما التوفيق ، وإما الترجيح، .
الخيار الأول :التوفيق:
إنه عمل عقلي يقوم فيه العقل بعقد مصالحة بين طرفين ظهر تعارضهما ؛ فيتم وسط عملية التوفيق إزالة نقاط التعارض وتقديم تخريجات ومبررات ، تدفع احتمال التناقض ، وظاهر التعارض ، ليتم بعد ذلك الإبقاء على طرفي التناقض من غير التضحية بأحدهما ؛ فيتم حينها تبني الطرفين كتوأم من بطن واحة حلال غير سفاح. ويكون كل منهما صنواً للآخر في تعاضد لا تعارض .
الخيار الثاني : الترجيح: هو عمل تفكيري يهدف إلى تحديد الطرف الأقوى والأولى بالقبول من بين طرفي التعارض .
فالطرف الذي ينطوي على مسوّغات قبولية أقوى ، وأدنى إلى الإقناع سيكون هو الطرف الراجح أما م الطرف المرجوح الذي تم التضحية به ببهزه والإعراض عنه . هذا هو نتاج عملية الترجيح التي لابد لها من تحديد طرف مرجوح يتم اطّراحه ، وطرف راجح يتم التمسك به ، للاستناد عليه.
ثالثاً: أما الداعي الثالث من دواعي النزوع التوفيقي فهو:
قوة المنظومة الدينية في الإسلام ، ومتانة عقائدها واشتراعاتها .
تميز الدين الإسلامي بقيامه على منظومة تشريعية متماسكة ركينة ، على نحو غير مألوف في الأديان الفارطة . كما امّاز هذا الدين بتوليفة عقدية متكاملة واضحة المعالم ، برغم بنيتها الميتافيزيقية الخالصة . ونحن نعلم أن العقل المجرد يضيق بالميتافيزيقا ولايرضى مصالحة تربطه بها ،ورغما عن ذلك وجدنا أن ميتافيزيقا الإسلام لقيت نفوذا غير مسبوق لدى العقل الفلسفي الإسلامي ؛ فلم يلفظها ، بل عقد معها قراناً توفيقياً أقره وشهد عليه جمهور فلاسفة العرب والمسلمين.
وقد كان من عوامل متانة تلك التوليفة العقدية أن القرآن المجيد انتهج منهجا بديعاً طارفاً في إقرارها وعرضها ، حيث اعتمد على الحجج العقلية ، بقدر اعتماده على طلبا لإيمان المجرد .
إن من أشهر الأمثلة الموكّدة لهذاك المنهج طرحه لعقيدة البعث ، حيث أزجى لها براهين عقلية قياسية . لنقرأ –مثلاً – قوله تعالى:{...قال من يحيي العظام وهي رميم ؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم...}سورة ياسين .الآية 78-79.كما قال {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه}سورة الروم .الآية 27.
وفي إقراره لعقيدة الله للإنسان يقول جل وعزّ:{لَخَلْق السماوات والأرض أكبرُ من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون }سورة غافر . الآية 57. كما نجد القرآن يربط ربطاً قياسياً بين خروج الإنسان والنبات الذي تخرجه الأمطار فيقول:{والذي نزّل من السماء ماء بقدر فأنشرْنا به بلدة ًميتاً كذلك تخرجون }سورة الزخرف. الآية11. وقال :{يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون }سورة الروم .الآية 19.
إن هاته الآيات تمثل عينات لإقرار العقائد بمنهج يتواصل مع العقل ، حيث تحيله إلى إجراء قياسات ،ومقارنات بين مظاهر قطعية الوجود ، وبين مطالب عقدية غيبية .
أما فيما يتصل بالمنظومةالتشريعية لهذا الدين ، فقد جاءت قائمة على قواعد متينة ، على نحو إعجازي خارق ليس بمُكنة البشر النسج على منواله ، ولا مطابقة أحواله ،من حيث مناسبة أحوال المكلفين ، ومجتمعاتهم وبيئاتهم ،وأحوالهم النفسية ، والحياتية بعامة.
هذا واقع توكّده نظرة مقارنةوموازنة بين اشتراعات هذا الدين وبين ما وضعه الحكماء وفقهاء القانون ،من قوانين وضعية ، سواء في ذلك ما تعلق بالفرد ،والأسرة، والمجتمع ، والأمة ، وصولاً إلى ما يتصل بالجماعة الإنسانية
إذاً جاء هذا الدين في صورة لم تسمح للعقل الفلسفي المسلم بإحداث قطيعة معه ،فلم يجد ذلك العقل إلا منهج التوفيق والمواءمة بين قوة العقل، ومتانة الدين.
إن هاته المتانة الاشتراعية في الإسلام فُقدت في المسيحية واليهودية ، لافتقادهما العصمة عن العبث البشري ،؛ لذلك عجز فلاسفتهما عن التواصل المعرفي مع الدين ، فاصطنعوا قطيعة باتة معه؛ وفي هذا ما يفسروصولهم إلى القول ببشرية الدين ، وموت الإلاه ، وعبثيةالميتافيزيقا، ونحو ذلك من الأفكار النابتة في أرضية عجزت عن ربط وشائج العقل والنقل ، فسارت الفلسفة مشرّقة ، ومضى الدين مغرّبا ، وهيهات بين مشرّق ومغرّب .

توفيق ، أم محاولة توفيق ؟


لعل الأدنى إلى الواقع أن نصف هذا المنهج بأنه محاولة للتوفيق ، لا أنه منهج توفيق ، لأجل أن ما انطوت عليه الفلسفة الإسلامية جاء في كثير منه غير متوافق مع الدين وتقريراته ، في الوقت نفسه الذي لم يتصادم فيه معه ؛ حيث اصطنع الفلاسفة المسلمون نوعا من المهادنة والمواربة في محاولة ماهرة للتوفيق بين الفلسفة والدين . ثم كانت النتيجة ذهابهم إلى أفكار وآراء فلسفية لا توافق لها مع الدين ، في الوقت نفسه الذي لم تصطدم فيه معه صُراحاً.
لكي أؤكد كلامي هذا سأزجي مثالات شاهدية عليه: ( )
من ذلك أن الفلسفةالإسلامية ضمت القول بأن للأفلاك عقولاً ، وأن تلكم العقول هي الملائكة ، إن هاته النظرية تعارض المفهوم الذي يقدمه الدين للملائكة وخلقتهم.
كذلك وجدنا لدى كثير من فلاسفة المسلمين احتضاناً لنظرية الصدور، والفيض في تفسير عملية الخلق ، حيث يقولون-كما هو عند الفارابي مثلا- بصدور العقل عن الموجود الأول ، ثم صدر عن العقل الأول عقل ثان يسمى الفلك المحيط ، ثم صدر عنه عقل ثالث صدرت منه كرة الكواكب الثابتة، ومنه فاض العقل الرابع الذي صدرت عنه كرة زحل ، ثم الخامس الذي صدر منه المشتري ، وهكذا إلىأن يصدرالعقل الفعال وهو الحادي عشر وهو عالم الكون والفساد والنبات والإنسان ... .
إنها نظرية تقتضي انتفاء الفعل الإرادي لله في عملية الخلق ، وتستبعد فكرة الإيجاد من عدم ، وهذا مصادم لما يقرره الدين صراحة ، مقابل ما ورثه كثير من الفلاسفة المسلمين من أفلوطين ،ومن الإغريق من قبله الذين لم يستسيغوا فكرة الإيجاد من عدم.
ومن الأمثلة على عدم توافق الدين مع ما حوته الفلسفة الإسلامية ، ما نجده من تباين في تصوير الذات الإلهية (الموجود الأول) ، الذي يجعله الفارابي عقلاً ، حين قال عنه ((...هو بنفسه يعقل ذاته ، فيصير بما يعقل من ذاته عاقلاً ، وعقلاً بالفعل ، وبأن ذاته تعقل معقولاً بالفعل ..فإنه عقل وإنه معقول وإنه عاقل ، هي كلها ذات واحدة وجوهر واحد)) ( ) .
ومن أشهر تعارضات الفلسفة الإسلامية مع الدين ما اشتهر من قول بعضهم كابن سينا بأن علم الله لا يحيط بالجزئيات ، وهذا القول لقي معارضة من طرف الوسط الفلسفي نفسه حيث تصدى لنقضه أبوحامد الغزالي(505هـ) ، ثم أبو البركات البغدادي (547هـ). ثم جاء ابن رشد وحاول التوفيق بين الطرفين ؛ فقال إن ((الحكماء المشائين [يرون أن الله ] يعلمها [أي الجزئيات] بعلم غير مجانس لعلمنا بها ))( )


خصائص المنهج التوفيقي :
كان المنهج التوفيقي قد انسرب من الثقافة الإسلامية الوسيطة إلى الثقافة الأوربية منذ نهضتها الأولى في القرن الثالث عشر الميلادي .وهنا علي التنبيه إلى أن المنهج الإسلامي التوفيقي قد امّاز بما لم يتوفر في المنهج التوفيقي الأوروبي . إن وجه الخلاف بينهما انطواء المنهج الإسلامي على مزيتين اختص بهما هما:
1- كونه منهجا علمياً ذا أسس معرفية .
2- كونه منهجا معمراً سائداً على الفلسفة الإسلاميةكلها .
أولاً: كونه منهجاعلميا :
إن من واقعات هذا المنهج عند فلاسفة المسلمين أنه لم يكن متكلفا ولا فاقدا لأسسها المعرفية المتبصرة ، كما أنه كان واقعيا ، ومن مقتضيات الواقعية ألآن نقول إن دعوى وجود توافق تام شامل بين كل الأفكار الفلسفية ،وبين كل الطروح الدينية هي دعوى كاذبة لا صلة لها بالواقع، حيث لم يحدث أن توافق الدين الإلهي مع كل فكرة فلسفية نبطت من عقل الإنسان المتفلسف ذي العقل المحدود ،والمعطيات القاصرة . من هنا لانوافق ابن رشد حين يقول عن الشريعة ((إن أصولها إذا تُؤُمّلت وجدت أشد مطابقة للحكمة [الفلسفة] مما أول فيهان وكذلك الرأي الذي ظن في الحكمةأنه مخالف للشريعة))
إن التوفيق الذي نعنيه هنا هو توفيق واقعي علمي سائر على قواعد ركينة لم تسمح للدين بابتلاع الفلسفة ، ولا للفلسفة بالاستغناء عن الدين. إن كلا عمليتي الابتلاع ، والاستغناء حدثتا في أوربا حين قام الدين (الكنيسة) بابتلاع بعض فلسفة اليونان ، وجعلها عقائد دينية ، ممتنعة عن النقاش فضلاً عن النقد ثم كتم ذلك الدين كل صوت يعارضها، وفي هذا مايفسر مصائر أمثال كوبرنيكوس ،وغاليليو،وغيرهمامن أصحاب العقول .
أماعملية الاستغناء فهي أوربية أيضاً، حدثت حين تهافتت قوى الكنيسة واللاهوت النصراني عند ظهور إشعاع النهضة الأوربية ، وما استتبعه من تطور في الصناعة ، والإنتاج ، والتفكير . فقد كانت تلك نهضة صناعية ، عقلية حضارية أطاحت بنفوذ الدين واستغنت عنه بنفوذ العقل ورأس المال ؛ فتمًّ موات المنهج التوفيقي في طفولته قبل أن يراهق البلوغ .
أما في المثال الإسلامي فقد تمت العصمة عن الابتلاع وعن الاستغناء ، وسار هاذاك المنهج التوفيقي بين الدين ، والفلسفة سيراً رفيقاً سلساً فما وافق الدين من الفلسفة قبل وما عارضه أبعد إبعادا علميا عقلياً برهانياً لا قسرياً ولا إجحافياً.
أما ما عارض الفلسفة والعقل من الدين فتم احتواؤه وإخضاعه بآلة فذة أقرها الدين نفسه، تلك هي آلة التأويل الذي كان أهم آليات المنهج التوفيقي.
ثانياً: من خصائص المنهج التوفيقي كونه سائدا ومهيمنا على الفلسفة الإسلامية كلها . لذلك كان المعلم الرائس لهذه الفلسفة هو معلم التوفيق من لدن أبي يعقوب الكندي مرورا بالفارابي وابن سينا ، ثم ابن طفل وابن رشد وصولا إلى ابن تيمية الحراني .ولا نعلم فيلسوفا مسلما اجترأ على خرق رداء هذا المنهج ولا من قدم عرضا فلسفيا خارقا لعقيدة دينية على نحو صريح.
آثار المنهج التوفيقي :

كان لانتهاج المنهج التوفيقي آثار هامة القت بظلالها على الفكر الديني خاصة،وعلى الثقافة العربية والاسلامية عامة .
تلك الآثار تنحصر حسب نظري فى ثلاث نقاط ،سأبينها فيما يلي ضمن الفقرات التالية :-
1-الحفاظ على قدسية و هيبة النص المقدس والمنظومة الدينية .
2-اتساع حظوة ومكانة الفلسفة والفلاسفة .
3-تسهيل انتقال التأثير الفلسفي الإسلامي إلى العالم الأوروبي .
أولاً: الحفاظ على قدسية وهيبة النص المقدس والمنظومة الدينية :-
إننا إذا افترضنا أن فلاسفة الإسلام لم ينحو منحيً توفيقياً بين الفلسفة والدين ، فإن بإمكاننا تصور ماسيحدث في بنية المنظومة الفكرية والعقدية لدى المسلمين ،عوامهم وخواصهم ذلك الذي سيحدث هو ماثل فى خطرين اثنين هما :
الأول:زعزعةٌفى وثوقية المنظومة العقدية بنسبة لايمكننا التكهن بمقدارها ،هاته الزعزعة العقدية هي من قبيل ما حدث فى أوروبا المسيحية بعد انزياح سلطان الكهنوت الكنيسى ، وطغيان سلطان العقل والفلسفة الحديثة التى فتّقها ديكارت وأنداده.
الثاني :ضعف هيبة النص المقدس (القرآن)وخلخلة مكانته ، بوصفه المرجع الأساسي والموئل الرئيس للمسلمين فى كل مجال من مجالات تفكيرهم وسلوكهم ، فلو أتيح للنظريات الفلسفية غير المؤمنة أن تشيع مصادمة للنص المقدس ودلالاته فإنها حينها ستشكل بديلاً ولو بوضع خفيف وضعيف للنص المقدس لاسيما فى أوساط ضعاف الإيمان وجهلة العوام ومن لم ترسخ لديهم العقائد رسوخاً علمياً قطعياً .لكن الذي حدث كان أمراً آخر هو سيادة النزوع التوفيقى بين الفلسفة والدين سيادةً قاهرة شاملة الى درجة جعلت بعض كبار الباحثين يقول إنها أي الفلسفة الإسلامية ((تقوم على أساس من الدين ( و) هي فلسفة دينية )) . ولست ممن يوافق هذا الرأي المبالغ فيه ،فليس من السائغ وصف الفلسفة بأنها دينية؛ لأن هذا الوصف يصادر عنها استقلاليتها المرجعية،أى كونها صادرة عن العقل المجرد، كما ينفى ذاك القول عن الفلسفة مصدريتها الإنسانية ،انطلاقاًمن كون الفلسفة منتجاً عقلياً صرفاً ،فى حين كون الدين وضعاً إلهيا علوياً ،أما الآراء التى يبديها المفكرون والمجتهدون اعتماداً على النص الدينى واهتداء بدلالاته فهي -أى الأراء - ليست من باب التفلسف وليست بفلسفة ،إنما هي فكر دينى وليس فى الصواب عدم التمييز بين الفكر الدينى وبين الفلسفة المتعلقة بمباحث وقضايا طرقها الدين وتناولها النص المقدس ،كمباحث الوجود الأخروي،والعدم,والفناء،والعلة الأولى ،ونحو ذلك من المسائل التى اشترك فى طرقها الدين الإلهى والتفلسف الإنساني.
: أما الأثر الثاني لانتهاج المنهج التوفيقي فهو اتساع حظوة الفلسفة والفلاسفة .
حين سارت الفلسفة سيرا مهادنا غير مصادم للدين حصّلت قدرا كبيرا-غير مطلق من القبول والذيوع في سواء الحكام والعوام من غير إطلاق . وفي هذا القبول والنفوذ ما يفسر لنا وجود نماذج كثيرة لفلاسفة تولوا مناصب هامة في حكوماتهم وأكرموا حال حياتهم .
من الأمثلة المؤكدة هذا أن الكندي المتوفى سنة 260أو 252هـ الذي لقي حظاةً وإكراماً عند المأمون العباسي قبل أن يؤذيه المتوكل .
ومن ذلك أن أبا علي مسكويه 420هـ كان ذا حظوة لدى السلطان عضد الدين بن بويه حتى جعله مسؤولاً على خزائنه ، وكذا أبو علي بن سينا 428هـ يتولى الوزارة في عهد شمس الدولة البويهي مرتين حتى لقب الشيخ الرئيس . ومن ذلك أن أبابكر بن باجّة 533هـ تولى منصباً وزاريا عند أبي بكر بن إبراهيم والي غرناطة ثم سرقسطة ، وقد دامت وزارته عشرين عاما.
كما أن أبا الوليد بن رشد 595هـ عين قاضيا على إشبيلية ثم عينه أمير الموحدين قاضيا في قرطبة .
ومن صور شيوع النفوذ الفلسفي ما كان في عهد الحكم الثاني المستنصر بالله 366هـ في الأندلس حيث تبوأت العلوم الفلسفية مكانا رابيا ، وشاع في عهده اهتمام الناس بالفلسفة وإقبالهم عليها .
لقد كان للمنهج التوفيقي الفضل الأكبر في الإبقاء على الكيان الفلسفي في العالم الإسلامي ، ذلك الكيان الباذخ الذي يكفي أمارة على قوته أنه هوالمصدر الرائس والقناةالوحيدةالتي أنعشت العقل الأوربي الحديث وأهلته لإبداع فلسفته وعلومه العقلية المنهجيةالتي كانت هي أهم ركائز الحضارة الغربية الحديثة .

ثالثا :- أما الأثر الثالث لانتهاج سبيل التوفيق بين الفلسفة والدين فهو تسهيل انتقال التأثير الفلسفي الاسامي إلى العالم الأوربي .
لقد اقتضى المنهج التوفيقى قبول الفلسفة الإغريقية – بلا إطلاق – ثم التداخل والتحاور والتناص معها من طرق الفلاسفة المسلمين حتى صُبغت فلسفتهم بصبغة يونانية داكنة بإزاء الصبغة الإسلامية الأصلية .
هذا الواقع أسهم في تسهيل انتقالية الفكر الإسلامي بعامة والفلسفة بخاصة إلى أوربا والعالم الغربي ، الذي استألف ذلك الوافد الإسلامي والفلسفة تحديداً حين رآها طافحة بمصطلحات وأعلام ومفاهيم إغريقية أي من العالم الغربي الذي هم فيه ، فاستلموا كل ذلك ولسان حالهم يقول هذه بضاعتنا ردت إلينا .
ومما لا يعسر علينا توكيده أن النزوع التوفيقي عند المسلمين قد أنسرب إلى الساحة الغربية فشاع فيها نزوع توفيقي مشابه قام على عقد مصالحة بين العقل ، والميتافيزيقا. ويؤكد بعض المستشرقين واقع التأثر الغربي بالفلسفة الإسلاميةالتوفيقية ، من هنال قال(روم لاندو) عن فلسفة المسلمين إنها ((علمت المفكرين المسيحيين كيف يوفقون بين الفلسفة والدين))
وصار غير شاذٍ أن نجد مثل ( توما الاكوينى 1274 م ) علماً في الفلسفة ، وفي اللاهوت فى حين واحد فى القرن الثالث عشر الميلادى،تبعاً لطريقة أستاذه(البير الكبير 1280م)الذى أقرّ تعاون وتوافق الفلسفة واللاهوت وذلك ماتطور –فيما بعد-الى صورة متطرفة من الاتفاق حين جعلت الكنيسة بعض النظريات الفلسفية عقائد دينية غير مسموح بمخالفتها،ولاجزاء لمخالفيها غير التعذيب والتحريق بالنار،أو الحبس فى ألطف الأحوال،وهذا وضع أسهم فى تأخر ظهور النهضة الأوروبية لكنه عجز عن كبت هذه النهضة؛فخرجت بنورٍ طغا على نيران الكنيسة،ودس عقائدها بين أوراق عتيقة، تحت أردية الرهبان المهترئة.

--------------------------
أهم المراجع والمصادر
* الإسلام والعرب – روم لاندو- ترجمة : منير البعلبكي – دار العلم للملايينه – بيروت –ط2- 1977- ص238
* بين الدين والفلسفة – محمد يوسف موسى – دار العصر الحديث .بيروت. ط1 . 1988.

*المسألة الفلسفية. محمد مرحبا. دار عويدات. بيروت دط

* فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال . ابن رشد . تحقيق: محمد العسري . مركز دراسات الوحدةالعربية. بيروت.

* آراء أهل المدينة الفاضلة – الفارابي . ط محمد علي صبيح د ط

* في الفلسفة الإسلامية :منهج وتطبيقه.إبراهيم مذكور .دار المعارف القاهرة 2/154

* - الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة. ابن رشد. مركز دراسات الوحدةالعربية. بيروت.

* المقابسات – أبو حيان التوحيدي . تحقيق : السندوبي .دار المعرفة . تونس .






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,556,182,497
- ملامح التأثير الحداثي في الفكر الديني


المزيد.....


- إنبعاث المارد. / طارق حجي
- ملامح التأثير الحداثي في الفكر الديني / خالد إبراهيم المحجوبي
- أزمة التحول الديني في المجتمع العربي: مصر كنموذج / إبراهيم عرفات
- لماذا العلمانية ضد الإسلام ؟ / ثائر الناشف
- المسلمون يغتصبون العلمانية ويشربون دم بكارتها / قاسم السكوري
- أسئله تحير عقلى و تؤرق ضميرى / راضى وديع خليل
- الاستبداد والقرارات الخاطئه وراء تخلفنا وحروبنا... / سمير يوسف الفيلي
- البطريرك الصحفي وأزمة دير أبو مقار / سامي المصري
- امتلاك الحق المطلق / جورج فارس
- هل سيتم اي خرق ايجابي في المحادثات بين ايران والدول الست حول ... / نوئيل عيسى


المزيد.....

- هونغ كونغ تبدأ تسويق أول إصدار بتاريخها من الصكوك الإسلامية ...
- مقتل قادة من -الدولة الإسلامية- في سوريا
- كواليس انسحاب حزب الوسط من تحالف الإخوان
- البيشمركة يستعيدون قرى في نينوى من -الدولة الاسلامية-
- بعد «الوطن والجهاد».. الوسط ينسحب من «دعم الإخوان»: نحتاج مظ ...
- مقتل عشرات الجنود السوريين على يد مسلحي -الدولة الإسلامية-
- دريدا والسياسة: التحوّل العمليّ في تفكيكيّة دريدا
- Picasso
- تحشيد دولي ضد "نظيم الدولة الاسلامية
- مفكر أمريكي: الإخوان وداعش يتلاعبون بحجة -الحوار- لتدميرنا


المزيد.....

- القرآن وكَتَبَتُه(1) / ناصر بن رجب
- محمد يتوه بين القرى / كامل النجار
- مقدمة في تاريخ الحركة الجهادية في سورية / سمير الحمادي
- ريجيس دوبري : التفكير في الديني / الحسن علاج
- الدين والثقافة .. جدل العلاقة والمصير / سلمى بلحاج مبروك
- رسائل في التجديد والتنوير - سامح عسكر / سامح عسكر
- مالك بارودي - محمّد بن آمنة، رسول الشّياطين: وحي إلهي أم شيط ... / مالك بارودي
- أصول أساطير الإسلام من الهاجادة والأبوكريفا اليهودية / لؤي عشري وابن المقفع
- أصول أساطير الإسلام من الأبوكريفا المسيحية والهرطقات / لؤي عشري
- تفنيد البشارات المزعومة بمحمد ويسوع / لؤي عشري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - خالد إبراهيم المحجوبي - جدلية الفلسفة والدين