أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - كريم عبدالله - ما وراء صدام الحضارات






المزيد.....

ما وراء صدام الحضارات


كريم عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 817 - 2004 / 4 / 27 - 11:37
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


طلع علينا في بداية التسعينات "صموائيل هنتينغتون" بنظريته الذائعة الصيت حول صدام الحضارات, والتي اكتسبت زخما ورواجا لدى مختلف الأوساط الفكرية و السياسية في الغرب مسقط رأسها كما في غيره.
ويرى البعض أن أسباب قوة النظرية وانتشارها تعود إلى مجموعة من العوامل أبرزها:
- كونها تمثل وترسم صورة للعالم وفق التصور الغربي
- ما يبدو من قدرتها على تفسير الواقع, بحيث أن ما حدث ويحدث يسير نحو تدعيمها
ويزعم صاحب النظرية أن صراع الحضارات سيكون خاتمة تطور النزاع التاريخي الذي أخذ أشكالا وأطوارا, فمن صراع الأمراء الأباطرة قبل الثورة الفرنسية إلى صراع الشعوب, ثم نزاع بين الأيديولوجيا لينتهي إلى أن القرن الواحد والعشرين لن يكون سوى ساحة مواجهة بين حضارات يتقدمها الغرب المتقدم المتفوق تزاحمه البقية التي وضع الإسلام على رأسها. هكذا يرى "هنتينغتون" التاريخ وهكذا يتصور المستقبل.
********
من المعروف أن النظرية تبقى نظرية ولا يمكن الارتقاء بها إلى مرتبة الحقيقة المطلقة, خاصة إذا كان ميدانها الإنسان والتاريخ الإنساني حيث نسبية المفاهيم والقوانين. من هذا المنطلق نفتح باب إعادة النظر في مسألة صراع الحضارات والصراع البشري عموما, في محاولة للوصول إلى تفسيرات أكثر عمقا وشمولية من خلال طرح مجموعة أسئلة نحاول الإجابة عنها في عرضنا هذا.
- لماذا تتصارع الحضارات؟ ولم الصراع عموما؟
- هل كانت الصراعات عبر التاريخ (ابتداء من صراع الأباطرة والشعوب مرورا بصراع الأيديولوجيا وانتهاء بصدام الحضارات) هي حقيقة كما تبدو أم أنها مجرد تمظهرات لأسباب أعمق تحركها؟
- هل الصراع قدر محتوم؟

حدد "هنتيغتون" أسباب الصدام في مجموعة وضع على رأسها :
- الفرو قات والاختلافات الثقافية الأساسية
- الاتجاه نحو مزيد من التفاعل مع ميل العالم نحو الصغر

وهكذا فإذا قبلنا بأن الاحتكاكات ومزيد من الارتباط والاتصال بين تجمعات ثقافية مختلفة هو مبرر كاف للصدام والصراع فلنا أن نتساءل, لماذا يكون هذا الاجتماع والارتباط والاتصال إذا كان سببا للمواجهة؟
الجواب يكمن في الضرورة والحاجة الاقتصادية, فعدم قدرة كل طرف على الاكتفاء بنفسه والاستغناء عن غيره (اقتصاديا بالدرجة الأولى) هو ما يدفع الأطراف المختلفة للدخول في علاقات تؤدي إلى ما تؤدي إليه من تشاكس وتناقض. نعم فالسبب الاقتصادي كان ولازال هو الأقوى.
- أليس الدافع الاقتصادي هو الذي حرك الأوروبيين لغزو العالم الجديد ومن تم الاصطدام بالسكان الأصليين من هنود حمر وحضارات "المايا" و"الأزتيك" وغيرها, وهو صدام وجد تعبيره في إبادة قام بها الرجل الأبيض لملايين من البشر.
- أو ليس الدافع الاقتصادي هو الذي حرك الحملات الاستعمارية التي ما تركت في الأرض ركنا إلا واحتلته واستعبدت شعوبه وسخرتهم وأرضهم وخيراتهم, من أجل نهب الثرواث والموارد وإيجاد أسواق لتصريف الفوائض من منتجات ورسا ميل.
- ألم يكن الدافع الاقتصادي هو الذي زج بالعالم في حربين كونيتين دمر فيهما ما دمر وقتل من الملايين من قتل. أو ليستا سوى حربين جاءتا تحت ضغط الضرورة الاقتصادية بين مستعمرين قدامى وطامحين إلى الاستعمار.
- ولما كان الصراع بعد ذلك بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي, ألم يكن صراعا وبالرغم من رداءه الأيديولوجي صراعا يحركه العامل الاقتصادي. فاستماتة القوى الرأسمالية في محاصرة الشيوعية ووقف امتدادها لم تكن نابعة من حرص الولايات المتحدة (بصفتها قائدة الكتلة) على قيم الحرية والديمقراطية والرخاء والخوف من الديكتاتورية ونظم الاستبداد كما كانت تدعي, فهي كثيرا ما قلبت حكومات منتخبة وكثيرا ما دعمت الاستبداد وحمته أو حتى أوصلته إلى السلطة, لا لشيء إلا لأنه يحمي مصالحها والتي هي بالدرجة الأولى اقتصادية.

ادعاءات الغرب بالحرص على الحرية والديمقراطية والرخاء سقطت أيضا سقوطا ذريعا مع انهيار الأنظمة الاشتراكية, فبعد عقود من الوعود وجد أهل تلك البلاد أنفسهم في سلة المهملات, بالرغم من أن التغيير في جل الحالات لم يكن بالشيء الكبير وغالبا ما كان نحو الأسوأ, فانتقال السلطة عاد في كثير من الأحيان إلى كوادر شيوعية سابقة, حكمتها بنفس ديكتاتورية الماضي وإن بغطاء ديمقراطي أحيانا. أما الرخاء الاقتصادي الموعود فقد ذهب أدراج الرياح, وواقع الحال هناك غني عن الوصف حيث الحسرة والحنين إلى واقع الشيوعية على علاته, لكن المهم عند الغرب قد تحقق والخطر قد زال وذهب. فمن المعلوم أن انتشار الاشتراكية ما كان ليتم إلا على حساب الكتلة الرأسمالية والذي غالبا ما استهدف الأطراف المنهكة المستغلة المستنزفة التي عانت من الاستعمار والتبعية لدول المركز الرأسمالية الأقوى. إن التحول إلى نموذج البناء الاشتراكي بما يعنيه من بناء القاعدة الصناعية والعلمية, وحيث اقتصاديات الاكتفاء و الاعتماد الذاتي, وكل هذا يعني تدمير البنى الاستهلاكية في المجتمعات التابعة والتي تحرص الرأسمالية أشد ما حرص على إقامتها, وما يستتبعه ذلك من فقدانها كأسواق كما أن اكتمال الدورة الاقتصادية في هذه البلدان بحيث أن كل الطاقات والموارد والفوائض تستثمر داخل البلد ولا تعود مضطرة للخروج أو قادرة على الهروب(الأموال الهاربة) مما يعني بالنتيجة حرمان رأسمالية المركز من الفوائض التي تمتصها من بلاد "الفقراء".
وإذا شئنا الإيجاز نستطيع أن نقول أن التحول إلى النموذج الاشتراكي كان يعني انفصام علاقة الارتباط الرأسمالية التي تتيح للطرف الأقوى استغلال الطرف الأضعف, وهذا ما يفسر إصرار وحرص دول المركز الرأسمالية القوية على الاحتفاض بالأطراف ولو رغما عن إرادة أهلها(التنكر لخيارات الشعوب في الاشتراكية) وحتى لو ضحت بالقيم والمبادئ التي تدعي أنها تحارب باسمها ومن أجلها.

واليوم حيث يبدو العالم بالدرجة الأولى ساحة مواجهة بين الإسلام والغرب فالسبب الاقتصادي ليس ببعيد. فلنا أن نتمعن في طبيعة الإسلام ودعوته من حيث كونه نموذج ومنهج حياة له تصوره ورؤيته الخاصة, ليزول وجه الغرابة في استعدائه وجذور المشكلة معه, فطبيعة الإسلام ومذهبه يؤدي بالنتيجة إلى الأمة ذات الرسالة الحضارية وذات البناء الداخلي القوي المستقل المعتمد على ذاته لا على غيره, الغير التابع والخاضع, الحريص على ثرواته وخيراته غير مفرط بها. لكن هذا -وكما سبق وأن أوضحنا- لا يتماشى مع حاجيات النظام الرأسمالي وتحديدا الدول الرأسمالية الأقوى, وبالمقابل فإن الحضارة الغربية لا تجد غضاضة ولا حرجا ولا حساسية ولا أسباب للصدام في التحالف مع أي إسلام إذا كان يبيع البلاد والعباد ويفرط بالحقوق والثروات, ولو أقام الصلاة واتى الزكاة وفرض الحجاب وقمع العباد. فالأهم هو مصالح الرأسمال, بحيث يتم استتباع أهل البلاد سياسيا واقتصاديا وتتحقق الأغراض والمصالح, فيكون النظام السياسي تابعا مريدا وتكون البنية الاقتصادية بنية استهلاكية بحيث تتحول البلاد ومن عليها إلى مجرد سوق ومستهلكين, وبالنهاية تقدم الخيرات والمقدرات وتسخر للسيد الرأسمالي بأيسر الشروط وأبخس الأثمان.
وعليه فإذا ما نظرنا إلى خريطة ما يوصف بالصراع بين الإسلام والغرب ونفذنا إلى أعمق من المظهر فسنجد أن الإسلام يقوم بدور المشاكسة(والتي تتراوح بين المقاومة والتمنع والتململ ورغبة في التمرد) بما يشكل تهديدا للمصالح الغربية, وهذا سر استعدائه واستهدافه.
********
نخلص من كل ما تقدم إلى نقطتين أساسيتين:
- العامل الاقتصادي حاسم في الدفع بمختلف المجتمعات البشرية إلى الدول في علاقات مشتركة.
- طبيعة النظام الاقتصادي السائد في كل مرحلة هو الذي يحدد طبيعة هذه العلاقة وموقع كل طرف فيها, وما يترتب على ذلك من نتائج.
وهكذا فإن الصراع ليس حتميا بل هو مرتبط بنظام اقتصادي معين(هو النظام الرأسمالي في حالتنا هذه وفي عالمنا اليوم), والحضارة ليس بالضرورة أن تكون سببا للنزاع والصدام بين المجتمعات الإنسانية, طالما أن كل حضارة تكتفي بأن تعيش خصوصيتها وتميزها الثقافي داخل إطارها.
المشكلة هي في النظام الرأسمالي, وهو نظام يتضح من التحليل المنطقي ومن التجربة التاريخية أنه نظام يولد المتناقضات بحيث لايمكن أن تتحقق مصالح فئة إلا على حساب أخرى فتكون النتيجة إما تسليم طرف على حساب مصالحه وحقوقه(الخضوع) أو التشبث والاستماتة في الدفاع ومن ثم تصبح المواجهة أمرا حتميا, تكون فيه للقوة(بكافة تجلياتها, سياسية اقتصادية وعسكرية) الكلمة العليا.
وعليه فإن صراع الشعوب أو الأيديولوجيا أو الحضارات قد لا يتعدى في كثير من الأحيان كونه مجرد مظهر يخفي خلفه تناقضا أعمق, تناقض المصالح الاقتصادية.

والحل يبقى بتجاوز هذا النظام, نظام رغم كل إيجابياته التي نقر ونعترف له بها(والتي لا يمكن لأحد أن ينكرها عليه على كل حال), ونقدر حق التقدير قيمته المضافة على تاريخنا الإنساني, لكننا نجد أنه نظام وصل أعلى مراحله وأدى دوره التاريخي وآن الأوان لاستبداله بنظام يحتفظ بأفضل ما في الرأسمالية ويتجاوز سيئاتها ونواقصها, وبالتحديد تناقضاتها.
ونحن بهذا إنما ندعوا إلى اتخاذ موقف فاعل تجاه التاريخ أمام تناقضات ما فتئت تتعاضم والتي خلقت أوضاعا (شملت البيئة والإنسان) بات من الصعب والعسير وربما من اللاعقلانية الاستمرار معها.
وكأنما ماركس يطل علينا برأسه اليوم ليقول, إن التناقضات هي مصدر حركة التاريخ, وأن التناقضات ستستمر حتى يقع التحول الثوري ليطيح بالعلاقات القديمة المستهلكة الرجعية نحو علاقات أكثر تقدما, تحول يطيح بالطبقات المستغلة أفرادا كانوا أم دولا أو حتى حضارات.
ولا يجب أن يفهم بأن هذه دعوة أو تبشير بالاشتراكية, بل هي دعوة نحو نظام أي نظام يكون أكثر تقدما, يوفر الحرية والرخاء للجميع أينما كانوا وكيفما كانوا.





لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,827,297,568





- تصريح صحافي من د. فواز فرحان أمين اللجنة المركزية للحركة الت ...
- بيان حول معالجة الوضع الاقتصادي
- وفاة والد الزميل يحيى الجعفري.. وأسرة تحرير “درب” والتحالف ا ...
- رجل يهاجم المتظاهرين بسكين
- ليس أمراً هيّناً أن تكون شقيق تشي غيفارا / عبد الرزاق دحنون ...
- انتفاضة الكادحين الامريكيين في يومها العاشر
- نسر قاسيون
- صوت المثقف وحيد، لكنه رناناً!
- واحة الفكر – ها قد أفصحت وخلّصت روحي [مقتطف] لوي آلتوسير
- أوقف الركض في بهو الكلام


المزيد.....

- أزمة الاتجاه التطوري في السوسيولوجيا، والاتجاهات المعادية لل ... / مالك ابوعليا
- التفكير بجائحة كورونا … ك-مفترق طريق-: نحو الإطاحة بالرأسمال ... / مسعد عربيد
- لماذا تراجع الاهتمام بمحطة 08 مايو 1983 النضالية، في أفق الت ... / محمد الحنفي
- ربيع الشعوب / اريك هوبزباوم
- اسس الشيوعية العمالية (الندوة الاولى) / منصور حكمت
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الثاني / محمد شيخ أحمد
- إشكالية الهوية والمواطنة في الدول التسلطية - سورية نموذجاً / محمد شيخ أحمد
- الماركسية هي فلسفة الدولة لا البروليتاريا / عادل العمري
- ما هو التراث الماركسي الحقيقي؟ / جون مولينو
- الدولة في الفكر القومي والديني: عبد الإله بلقزيز / محمد علي مقلد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - كريم عبدالله - ما وراء صدام الحضارات