أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد الجعفر - الرؤية اللغوية للعالم















المزيد.....



الرؤية اللغوية للعالم


سعيد الجعفر

الحوار المتمدن-العدد: 2616 - 2009 / 4 / 14 - 08:59
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الرؤية اللغوية للعالم Language Worldview

(1)

سعيد الجعفر

جرى في العقود الأخيرة من القرن العشرين إهمال الدراسات النظرية في اللسانيات. ويعود الأمر الى البراغماتية التي دخلت جميع مناحي العلوم وأدت كما هو معروف الى تراجع الدراسات الفلسفية. ولذا فإن البحث في موضوع الرؤية اللغوي للعالم كان أمراَ شاقاًٌ. فرغم كون اللسانيين الروس مشهورين بالدراسات النظرية في الوقت الحاضر، قياسا الى الباحثين في البلدان الأوربية والولايات المتحدة، فإنني لم أجد سوى بضعة مصادر في الموضوع لا تتجاوز أصابع اليد. وكان بعض تلك البحوث من تأليف مختصين في الفلسفة وليس لسانيين. ولذا فإن بحثي هذا يعد واحداً من بحوث قليلة في مجال النموذج اللغوي للعالم واردت من نشره أفادة طلاب اللسانيات والفلسفة بل وحتى طلاب الدراسات الإجتماعية حيث أن الموضوع لم يطرق حسب علمي في الدراسات الإنسانية في الجامعات العربية. واتمنى أن يجد به الطلاب مادة جديدة ومفيدة.
وقد كانت المادة التي استخدمت في البحث هي مادة أسماء النباتات مرتبة ضمن النظام المعجمي المسمى" الحقل الدلالي" Semantic Field وهو واحد من الأنظمة المعجمية الصغرى الى جانب المجموعة التيماتية والمجموعة المعجمية الدلالية وغيرها. بيد أن الحقل الدلالي أعقدها وأكثرها غنى. وقد تناولت موضوع الحقل الدلالي في بحث آخر سأنشره قريباً وفيه تفصيل ومحاولة لتبسيط هذا الموضوع رغم أن علم الدلالة بشكل عام هو علم للنخبة قد لا يمكن تبسيطه الى مالا نهاية. وقد قمت بعمل ميداني تألف من مجموعة من التجارب النفسية اللسانية أو تجارب التداعيات أجريتها في روسيا والسويد لمعرفة طبيعة العلاقة بين الناس والطبيعة المحيطة بهم. بيد أن الإستنتاج الذي توصلت اليه كان متشائماً وتلخص في كون الأجيال الشابة، ومن ضمنها طلاب الدراسات الإنسانية، لا يعرفون الكثير عن نباتات بلادهم.

يرتبط الموضوع اللساني ( الرؤية اللغوية للعالم) إرتباطاً وثيقاً بدراسة العامل الإنساني في اللغة. وقد جرت الإشارة اليه للمرة الأولى فى فلسفة اللغة من قبل مؤسس اللسانيات الحديثة فلهلم هومبولت. فكما يعتقد هو فأن اللغة هي واحدة من "البدايات المؤسسة للإنسان": الإنسان يصبح إنساناً فقط من خلال اللغة لكونها تخلق نظرة الإنسان للعالم, تخلق رؤيته للعالم, وهنا لا يقصد بذلك اللغة بشكل عام بل لغة شعب محدد". ويضيف مؤكداً" إن الفرق بين اللغات في جوهره ليس فرقاً فحسب بل فرقاً في الجوهر بين اللغات في تأثيره على الوعي وعلى المشاعر وبذا يصبح فرقا في النظرة الى العالم"( هومبولت 1985: ص 372). وقد طرح الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر فكرة تعتبر نواة لما نسميه الرؤية اللغوية للعالم مفادها "أن منطق أرسطو كان سيبدو بشكل آخر تماماً لو كان هومكسيكياً" ( كارول 1967: ص 147)
طرح مصطلح اللوحة اللغوية للعالم لأول مرة في الفيزياء من قبل العالم الشهير هيرتز وكان ذلك في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. وينظر هو الى العالم كمجموعة من العلاقات الفيزياوية أو كما يعبر هو" مجموع الصور الداخلية للأشياء الخارجية، التي يمكن من خلالها وبإنتهاج الأسلوب المنطقي الحصول على المعلومات الخاصة بسلوك تلك المواد". (لوحة العالم في العلوم الطبيعية 1973 ص 208) والعالم الثاني الذي استخدم مصطلح لوحة العالم بشكل واسع هو ماكس بلانك الذي يعتبر لوحة العالم هي صورة العالم التي يصنعها علم الفيزياء عاكسا فيها القوانين الحقيقية للطبيعة. وقد كان هو العالم الأول الذي وضع حدوداً واضحة بين اللوحتين العملية و العلمية للعالم. الأولى إعتبرها التصور المتكامل عن العالم المحيط والتي يكونها الإنسان تدريجياً من خلال معاناته، بينما تشكل اللوحة العلمية للعالم نموذجاً للعالم الحقيقي بالمعنى المطلق وليس من خلال الرؤية الخاصة للأشخاص المختلفين أو التفكير الإنساني العام" (المصدر نفسه ص 104- 106) العالم الآخر الذي تناول الموضوع وطوره هو البرت آينشتاين الذي كتب يقول:" يحاول الأنسان وبطريقة ما دقيقة ان يكون لنفسه لوحة مبسطة وواضحة للعالم لكي ينفصل عن عالم المشاعر كي يحاول حين يصل الى مستوى معين أن يغير هذا العالم الذي أوجدته تلك اللوحة. ويقوم بذلك الفنان والشاعروالفيلسوف و المنظر والباحث في العلوم الطبيعية ولكن كل على طريقته. وينقل الإنسان الى هذه اللوحة مركز الثقل في نشاطه الحياتي الروحي كي يحصل من خلالها على الطمأنينة والثقة التي لا يستطيع أن يحصل عليها في الدورة اليومية لحياته التي لا تمنحه سوى الدوار" ( آينشتاين 1967: ص 136). أما مصطلح "اللوحة اللغوية للعالم" فقد طرح في منتصف القرن العشرين من قبل اللساني الألماني الكبير ل. فايسجيربر ويجري عادة تداول المصطلح بصيغته الألمانية في الأوساط اللسانية والفلسفية وهو" Das Sprachliche Weltbild". ولقد احتدم النقاش طويلاً في اللسانيات السوفيتية حول هذه المسألة وكان ذلك مرتبطاً بنقد نظرية النسبية اللغوية والتي كان فيسجيربر أحد واضعيها بالاشتراك مع العالمين الأمريكيين أدوارد سابير وبنجامين وورف. ولذلك لا يزال نظام المصطلحات في هذه المسألة غير منظم حتى وقتنا الحاضر( ماركوفكين,ماركوفكينا 1997: ص49-50). أما في المعجم اللسانيات الموسوعي السوفييتي فلا نجد مادة معينة تخص الموضوع ولا حتى يجري ذكره في المعجم.
وقبل الدخول في موضوع اللوحة اللغوية للعالم نلقي نظرة على مجموعة من آراء الفلاسفة واللسانيين في اللغة وطبيعتها. وسيتبين لنا أن اللغة لربما المسألة الشائكة الكبرى إذا إستثنينا مشكلة الوجود التي إحتدم حولها الصراع الفكري والفلسفي منذ جلجامش وحتى وقتنا الحاضر.
يقول كاسيرر" اللغة ليست ميكانيزم ولا كائن ، ليست حية ولا ميته. هي بشكل عام ليست بالشيء لو كنا نضع الأشياء المادية تحت هذا المصطلح. اللغة هي نشاط إنساني ذو طبيعة خاصة جداً بحيث لا يجوز وصفها من خلا ل مصطلحات الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا".( كاسيرر 1945. المجلد الأول: ص 110). أما أدوارد سابير فيكتب" اللغة ليست جرد منظم لعناصر الخبرة الحياتية ذات العلاقة بالإنسان الفرد فحسب، بل نظام إبداعي ورمزي مغلق لا يرتبط بالخبرة الحياتية فقط- بل يتجاوزها أحياناً بشكل أو بآخر- بل أنها تقولب لنا الخبرة الحياتية من خلال تركيبتها الشكلية وبناءاً على ذلك فإننا وبشكل غير واعي خصائصها الى عالم الخبرة الحياتية"( سابير 1931 المجلد 47: ص 578). أما بنجامين وورف فيورد الرأي التالي" النظام اللساني- أو بتعبير آخر النحو- لكل لغة ليس آلة إيصال الأفكار المسموعة بل أقرب الى ما يكون هو الخالق للأفكار، المبرمج والموجه للنشاط العقلي لأفراد المجموعة البشرية، لتحليل انطباعاتهم ولتمثيل مفرداتهم الروحية"( وورف 1952: ص 5). كما يقول في عمل آخر " النظام اللساني الذي تقوم عليه أية لغة – بتعبير آخر النحو- هو ليس فقط أداة توليدية للتعبير عن الأفكار، بل أنها تخلق الأفكار أيضاً، كما أنها توجه وترشد النشاطات الروحية للفرد وتحليلته وانطباعاته، وتمثيلاته لمصادره الروحية. فتكوين الأفكار هي ليست عملية مستقلة عقلانية بشكل كامل بالمعنى التقليدي بل هي جزء من نظام نحوي معين." ( وورف 1956: ص 212-214) ونجد لدى الباحث السويدي الكبير برتيل مالمبيري في كتابه "علم الإشارة" مايلي"لا يوجد نظام إشاري يظهر هذا الغنى في التنوع، وبالتالي في إمكانات التفاضل، مثلما نجده في اللغة، وليس هنالك نظام آخريملك إمكانات اللغة في كونه وعلى أساس خزين صغير، محدود بشكل واضح، من العوامل الأولية يستطيع أن يشكل وعلى الدوام إشارات وتشكيلات من الإشارات مع الإحتفاظ بامتداد زمني (أو مكاني ) مقبول من وجهة نظر الإدراك الحسي" مالمبيري 1973: ص 10). وفي كتابه " لغتنا هي عالمنا" يقول الباحث الأمريكي في علم الدلالة هاياكاوا" أغلب مايوجد في وعينا يصلنا من خلال الكلمة، سواء كنا نحصل عليه من خلال أهلنا أو أصدقاؤنا أو أو المدارس أو الصحف أو الكتب أم الحديث أو المحاضرات أو برامج الراديو" ( هاياكاوا 1969: ص 31) فاية حادثة تأريخية تصلنا أما شفاهاً أو مكتوبة في نص في كتاب سواء كانت ملحمة شعرية أو نص تأريخي علمي صارم، لكنها في كل حال لا تخرج من إطار اللغة. وهناك باحث يتحدث عن شمولية اللغة من زاوية أخرى: " واحدة من الأفكار الأساسية في اللسانيات الحديثة لمقاربة علم الدلالة هي أنه لا مفر من اللغة: فمعادلات مثل السنت يساوي جزء واحد من مئة من الدولار أو أن ملح الطعام يساوي كلوريد الصوديوم ليست مساواة بين إشارة لسانية وشئ خارج اللغة بل أن ذلك تطابق بين تعبيرين لسانيين، يملكان على الأرجح "المعنى ذاته" ( جيوفري ليج 1974: ص 5).
ونلاحظ الأهمية العظمى للغة التي لا تبزها فيه ظاهرة أخرى من خلال تسمية الكثير من الشعوب التي لعبت دوراً في تأريخ الحضارة البشرية فالهلينية مأخوذة من جذر يعني الإفصاح، بينما السنسكريتية تعني الواضح والعربي مشتق من جذر يعني الكلام الواضح. وأعتقد أن أسماء الشعوب السامية التي تتمحور كلها حول أصوات متشابهة مثل آرامي وآموري وعبري وعربي وأمهري للغة الحبشة، ولربما ابعد من ذلك الى إسم العراق وإيران، ماهي إلا أصوات تدور حول محور جذر واحد يعبر عن معنى الكلام الواضح . فلا اعتقد أن تكرار أصوات العين والباء والراء والميم التي تتبادل مع الباء المواقع بصفتهما صوتان شفويان لم يأت اعتباطاً. وعلى نفس المنوال تمحورت أكثر المفاهيم حول تسميات الشعوب المغايرة مثل بربري "من الكلمة السنسكريتية باربارا أو فارفارا ومعناها التلعثم ...مع أن باحثين آخرين في علم الإشتقاق يجدون لها أصولاً سومرية وأكدية أكثر عراقة" (طرابيشي 1998 : ص 76)، وأعجمي لدى العرب، ونيميتس بالروسية وتعني أخرس على الألماني، ومنها أخذنا إسم النمسا. والكتاب المقدس يمحور رسالته حول عبارة "في البدء كانت الكلمة" وأول الوحي الذي نزل على النبي نطق فيه جبرائيل الآية الأولى من سورة العلق" إقرأ باسم ربك الذي خلق..".


الرؤية اللغوية للعالم Language Worldview

(2)


سعيد الجعفر
ساحاول الآن الحديث عن تسمية هذه النظرية اللسانية التي تراوحت بين "الرؤية اللغوية للعالم: و:النموذج اللغوي لعالم" و"اللوحة اللغوية للعالم" وهو أمر ضروري جداً قبل أن ندخل في غمار البحث في هذا الموضوع المتنوع والشائك. فقد كان من المتعارف عليه استخدام مصطلح "الرؤية اللغوية للعالم" ضمن سياق البحوث التي تعلقت بموضوع نظرية نسبية اللغة التي طرحها وورف وأثارت حينها جدلاً واسعاً في الأوساط اللسانية والفلسفية.
لكن العلم المعاصر أثبت أنه إذا تعذر تحديد لوحة العالم- أي عن اية لوحة يجري الحديث- فإنه لا يمكن إعتبارها محددة بدقة من الناحية العلمية. وإنه لمن الضروري أن نأخذ بنظر الاعتبار تواجد مصطلحين بشكل متزامن وهما " لوحة العالم" و" نموذج العالم". ويؤثر قسم من الباحثين المصطلح الأول بينما يعتبره البعض الآخر" ذا محتوى غير واضح المعالم وغير محدد من الناحية البنائية"( كاراؤولوف 1976 ص 267). بيد أن لوحة العالم أصبح هو المطلح الذي يميل اليه الكثير من الباحثين السوفييت حتى الذين عارضوه في البداية( كاراؤولوف 1994: ص 217، كاراؤولوف 1989: ص5). وأنا أعتقد أن مصطلح لوحة العالم هو المصطلح المناسب لذلك النشاط اللساني الإبداعي غير الواعي، الحي والمتنوع كاللوحة، والذي يكون أخيراً اللوحة اللغوية للعالم.
ترتبط "لوحة العالم " بمجموعة من المفاهيم الأساسية المعبرة عن الإنسان ووجوده عن علاقته الجدلية بالمحيط والشروط الأهم لوجوده في هذا العالم" ( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: ص 11). وتعرف الباحثة باستوفلوفا لوحة العالم بكونها " صورة العالم الأساسية الكونية الكامنة في رؤية الإنسان للعالم والممثلة للخصائص الجوهرية له الموجودة في فهم الناس تلك الصورة التي تتولد نتيجة لكامل النشاطات الروحية للإنسان.( المصدر السابق: ص 21). في حين تعتبر لوحة العالم " فئة معرفية" من قبل باحثين آخرين(ماركوفكين, ماركوفكينا 1997: ص 49).
ولا يجب المطابقة بين لوحة العالم والفلسفة. فمهمة الفلسفة كانت دائماَ طرح التصورات المجردة والمثالية عن الإنسان والعالم. في حين أن لوحة العالم لا تنتج من التفلسف الواعي أو عن أيديولوجيا محددة. فهي" تنبثق في الأفعال المختلفة للإحساس بالعالم, والشعور به , واستيعابه , وتقويمه, واستبيانه"دور العامل الإنساني في اللغة 1988:ص 20). أي أنه حين يتم تشكيل لوحة العالم لا يشارك في العملية الوعي لوحده:" فأي وعي للعالم هو نوع من المعاناة المزوقة بالانفعال"( المصدر نفسه).
ويبدو موضوع اللوحة اللغوية للعالم وكأنه يحاول أن يمنح اللغة مكانها الصحيح الذي فقدته خلال الحقب المتأخرة من تأريخ البشرية. فلا يضاهي اللغة كأداة للتفكير أي عنصر أخر كالموسيقى والتصوير والنحت والرقص والتصوير الفوتوغرافي فهي تقف، أي اللغة، بلا منازع لوحدها كأعظم أداة لعكس المشاعر والأفكار.
لقد أصبح من المهم رسم حدود كل من" لوحة المفاهيم للعالم Conceptual worldview" و" اللوحة اللغوية للعالم". فالباحثة كوبرياكوفا تعتقد أن لوحة المفاهيم للعالم هي نظام مفاهيم معين( مجموعة المعارف والتصورات عن العالم)، مادته هي المفاهيم والهيئات والتصورات والبنى المعروفة للنشاط والسلوك وما شابه( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: 141). أما مصطلح اللوحة اللغوية للعالم فهو" ذلك الجزء من عالم المفاهيم لدى الإنسان الذي يملك " رابطة" باللغة يجري تحطيمها من قبل البنى اللغوية( المصدر ذاته: ص142). ويعتقد ماركوفكين أنه في اللوحة اللغوية للعالم يدخل ذلك الجزء من معرفة العالم الدي تلقننا إياه لغتنا الإم، لكن هذا الجزء" يعادل بكميته ونوعيته عدة أضعاف المعرفة التي نحصل عليها من كل المصادر الأخرى مجتمعة"- أي المعرفة التي نحملها بالفطرة عند الولادة والمعرفة العملية والتي تمنحها لنا النصوص والنشاط الفكري)( ماركوفكين، ماركوفكينا 1984: ص 51).
ولقد وجدت أنه من الضروري بمكان معرفة ما إذا كانت اللوحة اللغوية للعالم علمية أم ساذجة. ولا يقصد" بالساذجة" هنا المعنى السلبي للكلمة بل أن الساذج هنا يقابل العلمي، وبذا يراد به الشعبي أو العامي. فاللوحة العلمية للعالم هي نتيجة للوعي النظري الموجَه للعالم والذي يتصف بكونه "يبتعد بمسافة معينة عن الواقع" ( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: ص 49)، وبكونه عام وتجريدي وصارم. وتشتمل اللوحة العلمية للعالم على مجموعة اللوحات الخاصة بمختلف العلوم. فهناك اللوحة الفيزياوية للعالم واللوحة البيولوجية للعالم ..الخ.
أما اللوحة الساذجة للعالم فهي بحسب أوفيمتسوفا" النظرة للعالم التي تسبق العلم". وتضيف" هي التصورات عن العالم المتشكلة بشكل عفوي والملتحمة مع الحياة العملية اليومية" ( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: ص 117)." والمقصود بكونها ساذجة هو أنها في الكثير من التفاصيل الملموسة تختلف عن اللوحة العلمية للعالم"( أبرسيان 1995 أ: ص 350- 351) وبذا فإن اللوحة الساذجة للعالم لاتتراجع في تعقيدها أمام اللوحة العلمية للعالم بل" قد تتفوق عليها"( أبرسيان 1995 ب: 630).
والتفكير الساذج الذي وسم التفكير البشري لفترة طويلة وأرتبط بكون العلم كان حينها في مرحلة الطفولة, بدأ ينحسر بعد الانقلابات العلمية والتقنية الكبرى منذ الاستكشافات الجغرافية وحتى عصر الكومبيوتر. بيد أن هنالك مفاهيم ساذجة ما زلنا نستخدمها حتى الآن رغم معرفتنا المطلقة بكونها ساذجة. فنحن نقول أحبك قلبي ونحن نعلم الآن أن القلب لا يملك علاقة بالمشاعر لا من قريب ولا من بعيد. كما أن أكبر عالم في الفيزياء يردد عبارة اللون الأسود وهو يعلم علم اليقين أن الأسود في الفيزياء هو غياب الألوان. ولا زلنا نقول شروق الشمس وغروبها ونحن نعلم أن الأرض هي التي تدور حول الشمس. ويورد الباحث اللساني السويدي برتيل مالمبيري في كتابه "علم الإشارة" مثلاُ طريفاً على الفرق بين التفكير العلمي والساذج أي الشعبي هو " أن الإكلات التي نأكلها في خارج البلاد والتي تصنف تحت عنوان "أسماك" أو ماشابه تشمل عادة وبأغلبها حيوانات صدفية ليس من الأسماك في شئ من الناحية البايولوجية" (مالمبيري 1973: ص 36).
وهنالك مفاهيم مركزية في اديان التوحيد أخذت أصلاً من الديانات الرافدية والسامية القديمة، تدخل ضمن اللوحة الساذجة للعالم. وقد انعكست تلك المفاهيم في الكتب المقدسة كالتوراة والأنجيل والقرآن. فأسم الله يأتي أصلاً من المفردة الأكدية "إيل" تعني الأعلى و التي انتقلت الى اللغات السامية الأخرى ، وكذلك الحال بالنسبة لكلمة السماء والتي تشتق من نفس الجذر الذي تشتق منه صفة سامي أو مفردة سمو، بحيث إن ذلك انعكس على أسماء الأماكن باليونانية مثل ساموثراكة وساموس والتي تقع جميعها في أماكن مرتفعة بحسب ما يورده مارتن برنال في عمله الهائل "أثينا السوداء". ونحن نعلم أن الأعلى والأسفل أصبحا موضوعان نسبيان بعد أن هد آينشتاين صروح الفيزياء الكلاسيكية من خلال النظرية النسبية. فموقع الأرض والمجموعة الشمسية، بل مجرة درب التبانة برمتها لا يمكن تحديده من خلال مفاهيم المكان على الأرض، فهذه المفاهيم تخص عالمنا الأرضي وتخص السرعات البطيئة وبالتالي علاقة الزمن والمكان بها بشكل مباشر من خلال علاقة السرعة الطردية مع المسافة والعكسية مع الزمن. ولو أخذنا موقعنا على الأرض حتى ولو بشكل مبسط وطبقاً لمفهوم المكان على الأرض لوجدنا أن بعض سكان كوكبنا معلق كالذباب في سقف غرفة في حين أنه يعتقد من خلال خداع البصر أنه يقف أسفل السماء. ومن الأمثلة الأخرى هي ورود مفردات كثيرة مثل القلوب والأفئدة في الكثير من أسفار التوراة والإنجيل والآيات القرآنية والتي تربط القلب بالمشاعر في حين أن المشاعر كلها موجودة في أحد أجزاء الدماغ والقلب يخفق لا لشي إلا لأن إفراز هرمون الأدرنالين يتزايد في حالات الإنفعال والخوف وغيرها من الأحاسيس. من الأمثلة الأخرى إقران الشمس بالقمر في الكثير من الآيات القرآنية لكوننا ومن خلال خداع البصر نتصور أنهما في حجوم متقاربة في حين أن حجم القمر بالنسبة للشمس لربما يمكن مقارنته بحجم نملة الى حجم فيل، فالشمس أكبر حجماً من القمر بألف ومئتي مرة.
لكن الكثير من معاقل التفكير الساذج احتلت من قبل التفكير العلمي منها المقاييس بمختلف أنواعها التي كانت مرتعاً للتفكير الساذج. فنحن لا نقول مصاب بالحمى بل نحدد درجة الحرارة ولا نقول مسافة طويلة بل نحددها بالأمتار أو الكيلومترات ولا نهدأ قبل أن نعرف ما مدى قوة الهزة الأرضية على مقياس ريختر حين نسمع خبراً عن هزة أرضية في مكان ما من الأرض...الخ

أعود الآن الى الموضوع الرئيس في هذا البحث وهو أسماء النباتات التي تعتبر مصطلحات بيولوجية بيد أنها في الوقت نفسه كلمات تدخل ضمن الاستخدام اليومي. لكن ما أجريته من بحث حول موضوع أسماء النباتات أثبت أنه لا يوجد تطابق مطلق بين الأسماء العلمية للنباتات والأسماء المستخدمة في الكلام الدارج. وأنا أعتقد أن هذا الفرق ما هو ألا فرق بين اللوحة العلمية واللوحة الساذجة للعالم. ولذا فمن الصعوبة القبول بفكرة كون" اللوحة المفاهيمية واللوحة اللغوية للعالم متطابقتان تماماً"( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: ص124). وليس عجيباً أن يواجه الباحث في موضوع أسماء النباتات مشاكل كبرى حين يحاول المطابقة بين الأسم العلمي والاسم المستخدم بين عامة الناس، أو حين يحاول مطابقة المكافئات المختلفة لأسماء النباتات في اللغات المختلفة. وفي الحقيقة فإن الأمر لا يعدو كونه فرق بين اللوحة اللغوية الساذجة والعلمية. فالمختصون في البيولوجيا في جميع أنحاء العالم لا يختلفون في أمر ما بشأن أسماء النباتات بل يرجعون دوماً الى الأسم اللاتيني الذي ينتمي الى اللوحة البيولوجية التي هي جزء من اللوحة العلمية للعالم. لكن العالم الامريكي بلومفيلد يقول في كتابه "اللغة" مقرراً أهمية اللوحة غير العلمية أو الساذجة " يمكننا تعريف أسماء المعادن، مثلاً، من خلال المصطلحات الكيمياوية واسماء المعادن، حينما نقول مثلاً أن إسم ملح الطعام هو كلوريد الصوديوم، كما يمكننا أن نحدد أسماء النباتات والحيوانات من خلال الاسماء العلمية في علم النبات والحيوان، لكنا لا نملك طريقة محددة لتعريف كلمات مثل الحب والكره، التي تخص مواقف لم يجري تحديدها بشكل دقيق، والأخيرة هي الأغلبية الكبرى" بلومفيلد 1930 ، ص 139".
ولقد عملت العالمة اوفيمتسوفا على مواد لفاينرايخ وفيلمور واقترحت التفريق بين لوحة العالم ومخطط العالم mapping. والمفهوم الضمني لهذين المصطلحين كما أعتقد يكشف بشكل واضح الفرق في جوهريهما. فلوحة العالم تفترض النشاط اللساني الإبداعي وغياب الانعكاس الكامل. ويعني الأمر حسب هذا أن" اللوحات تتعدد بقدر عدد الراصدين"( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: ص 32). فنحن نتواجد في هذا العالم لكننا ننظر الى الأشياء ونحس بالظواهر كل من زاويته. ولذا فإن" لوحة العالم هي ليست صورة في المرآة بل هي دوماً نوع من التفسير"( دور العامل الإنساني في اللغة 1988 ص:29). لتوضيح الأمر أضرب مثلاً في كون الجحيم في الإسلام هو دائماً نار حارقة بينما الجحيم في الميثولوجيا الاسكندنافية قارس البرد. وصفات الجمال والحب التي يغدقها الغربي على كلبه تلاقي الاستهجان والغرابة لدى العربي.
تخطيط العالم هو خريطة وهو في الوقت نفسه استنساخ دقيق، لا يسمح بالتفسيرات الذاتيه، المرتبطة بشكل عشوائي بالأصل. كما أنه في الوقت نفسه جاف غريب عن البدايات الانفعالية وهو تعقيم للواقع من الفنتازيا من الشعر. اللوحة تكون بدون تلك البدايات الروحية الإنسانية ميتة. تكتب إحدى الباحثات بهذا الصدد" تثبَت اللغة في مضمون وحداتها وبمقادير متساوية كونها- أي المضامين- صفات إنعاكسية واقعية ( موضوعية) للأشياء المقصودة ( الدينوتاتية) وكونها صفات الأشياء التي تسجلها المخيلة الإبداعية"( فارينا 1976: 234).
والكلمة بصفتها الطريقة التي يتم من خلالها تخطيط العالم هي في تلك الحالة مجرد إشارة أو أتيكيت أوعلامة، في حين أن الكلمة بصفتها وحدة لوحة العالم هي إشارة خاصة تنبثق بشكل عشوائي و تلقائي لكنها تصبح الإشارة الأولى لفهم الشيء. وكما كتب هومبلت فإن " اللغات المختلفة هي ليست اختلافات في تسميات الشيْ ذاته بل هي رؤيات مختلفة لذلك الشيء"( هومبلت 1995: ص 348).
كل ما قيل للتو لا يسمح لي بالموافقة على رأي العالمة أوفيمتسوفا بكون المفردات الأولية هي أقل المفردات مطابقة للوحة اللغوية للعالم. فهي تقول أن " ملاحظة المعنى المعجمي الذي يحمل بإلكاد صفات دينوتاتية فإن هذه الكلمات تقوم بدور تقني صرف في جانبها الدينوتاتي بحيث أنها لا تحمل أي شيْ جديد في النظرة الى العالم"( دور العامل الإنساني في اللغة 1988: ص 133).
بيد أن العالمة في الوقت نفسه تؤكد" أن المفردات الأساسية الخاصة بفئة معينة قد تختلف في مستوى التفاصيل في أطار الأشياء أو طبيعة الحالة التعليلية أو مستوى توزيع الكلمات الخاصة بتلك الفئة"( المصدر نفسه: ص 134). فحول كلمة "جمل" في العربية تنتشر شبكة من المفردات لا تجد لها مكافئاً في اللغة الروسية. بينمالاتمتلك الكلمة العربية " بتولا" حقلاً واسعاً من التداعيات قياساً للغنى الواسع بالكلمات المتعلقة بأسم هذه الشجرة في اللغة الروسية.
بيد أن أسباب تلك الظواهر قد لا تكون مباشرة. فقد كتب الباحث اللساني بانفيلوف " أن التسميات الخاصة بالزهور تغيب عن لغات الشعوب القاطنة في الشمال القصي، حيث لا توجد حاجة حياتية ملحة لها هناك"( بانفيلوف 1983: 38)، فغياب الكلمات لا يرتبط بغياب النباتات في تلك المناطق- فأسماء نباتات التايغا والتندرا ممنهجة في المعاجم الزراعية- بل يرتبط بعدم أهميتها في تلك الثقافة.
وتبدو أسماء النباتات للوهلة الأولي وكأنها تناسب بشكل مثالي مخطط العالم. فهي لاتملك تقريباً معان مجازية، كما أنها لا تتميز بوجود المترادفات ولا العبارات الإصطلاحية أو الظواهر اللغوية الأخرى المرتبطة باللوحة اللغوية للعالم. ولكن دراستي لأسماء النباتات في لغات مختلفة- الروسية والعربية والسويدية والإنجليزية- أثبت أن هنالك الكثير من النقاط تدحض هذه الفكرة، وأن فئة أسماء النباتات كقسم من المفردات الأساسية هي جزء لا يتجزء من اللوحة اللغوية الساذجة للعالم.
لو راجعنا التسمية الطبيعية والاصطناعية لأسماء النباتات لوجدنا أن التسمية الطبيعية هي "
عملية واعية خارجة عن السيطرة وغالباً خارج إرادة الشيء المرتبطة به"( كوبوجيفا, ص:6). ولقد كتب عالم اللسانيات الأمريكي أدوارد سابير بخصوص التسميات " يعتمد غياب أو وجود أية مجموعة من المفاهيم على مدى إهتمام الناس بتلك المجموعة الموجودة في المحيط"( سابير 1993: ص 271). ثم يستطرد قائلاً" إن إهتمام المتكلمين بلغة معينة بخصائص العالم المحيط هو الذي يحدد النصاب اللغوي قبل كون تلك الخصائص موجودة أم لا. فالذي لا يمارس علم النبات كمهنة ولا يهتم بالطب الشعبي يستطيع بإلكاد معرفة الأسماء التي لا تعد ولا تحصى لأنواع النباتات المختلفة المتواجدة في محيطه والتي يختصرها جميعاً بتسمية "أعشاب"( المصدر نفسه: ص273).
ومن الأمور التي تختلف فيها التسميات اللغوية عن المصطلحات العلمية هو أن التسميات اللغوية تتميز بتوسع شكل المعنى المعجمي extentional meaning. وهنالك قانون في علم الدلالة اللسانية يقول"يتناسب محتوى المعنى المعجمي intentional meaning تناسباً عكسياً مع شكله. فكلما كان المحتوى غنياً( المعنى، الأسماء) وكلما زادت الصفات التي يحملها كلما كان الشكل فقيراً وكلما كانت الأشياء( الدينوتاتات) التي ترتبط به أقل والعكس صحيح"( نيكيتين 1997: ص 40). وهذا الأمر يجعل المصطلحات العلمية ذات محتوى فقير وهذا أمر ليس بالغريب فالمصطلحات في علم اللغة تسمى بما وراء اللغة meta language وهي تقترب كثيراً من كونها إشارات متميزة بذلك عن جميع فئات الكلمات، إذا إستثنينا الحالة الإشارية التي تتصف بها فئة كلمات الندبة والاستغاثة. ويرد في المعجم اللساني الموسوعي مايلي بخصوص المصطلحات العلمية" هي ليست مجرد قائمة بالمصطلحات بل نظام أشاري semiotic system بمعنى آخر تعبير عن نظام محدد للمفاهيم، يعتبر بدوره انعكاس لنظرة علمية معينة للعالم"( المعجم اللساني الموسوعي:ص 509), أي لوحة علمية معينة للعالم. وتنبثق المصطلحات في اللحظة التي تصل فيها العلوم أو الفنون أو التقنية الى مرحلة عالية من التطور تكفي لظهور المصطلحات. أي أن "المصطلح يظهر حين يكون مفهوم معين تطور وتشكل، بحيث يمكنه حيازة تعبير علمي كامل التحديد"( المصدر نفسه).
بيد إن الكثير من المصطلحات النباتية، بل وحتى اللاتينية، كانت في يوم ما كلمات عادية. فنبات الحوذان Butter cub يسمى باللاتينية Ranunculus وتترجم الضفدع الصغير" وترتبط بكون هذا النبات يعيش في المستنقعات أي يعيش مع الضفادع"( القاموس النباتي: ص 260). ويكشف التصغير الذي حدث للكلمة أنها كانت يوماً ما أسم لزهرة عادية. قارن أيضاً" إسم نبات المستحية Impatiens noli tangere حيث يعني إسم الجنس" لا أتحمل" أما إسم النوع فيعني لا تلمسني"( القاموس النباتي: ص 380- 381).
تسمح لي مراجعة المادة الضخمة الخاصة بأسماء النباتات بالاستنتاج بأن الحقل الدلالي" النباتات" ليس منظما على أساس التصنيف النباتي العلمي.
فقد تكون التسميات العديدة في اللغة لاتعني علمياً سوى نوع واحد، كما قد تكون أسماء العديد من الأنواع المثبتة علمياً تختصر بإسم واحد في اللغة. فهنالك مجموعة من الزهور تظهر في بداية الربيع في اسكندنافيا وروسيا تحمل اسماً واحداً هو تحت ثلجي أو زهرة الثلج لكونها تظهر مجتمعة لكن من الناحية البايولوجية هي نوعين وأحياناً ثلاثة ، كما أن التسميات المختلفة في اللغة قد تعني الشيء نفسه، أما النقطة الرابعة فهي أن الأسم العلمي قد يقابل اسمين أو أكثر في اللغة.
الموضوع الآخر المتعلق بهذا الأمر هو أن التصنيف العلمي للنباتات يعتمد بشكل عام التشابه بين أجزاء الزهرة كأساس للتصنيف. ولذا تجمع الكثير من النباتات تحت سقف عائلة واحدة. فحين تقول للإنسان العادي أن البطاطا والباذنجان من عائلة واحدة يندهش. فهو يعتقد أن القرابة قد تقع بين البطاطا واللفت والجزر.
وحين نبحث عن تعريف الزهرة في القواميس المختلفة سواء الروسية أو السويدية أو الإنجليزية أو العربية نجد أنها تعرف دوماً بكونها " مجموعة أعضاء التناسل في باديات الزهر...."( المنجد في اللغة والأعلام: ص 308). أما معجم اللغة الروسية لمؤلفه أوزيجوف فيرد فيه التعريف التالي" في النباتات عضو التكاثر..."( معجم اللغة الروسية لأوزيجوف: ص904). وفي معجم الحديث للغة السويدية تجد أن جزءاً من تعريف الزهرة يرد فيه كونها" مسؤولة عن التكاثر"( المعجم الحديث للغة السويدية 1999: 106).أما معجم ويبستر فنجده يعرف الزهرة بكونها " عضو التكاثر في النباتات كاسية البذور..." ( معجم ويبستر- نسخة الكترونية). المثير للدهشة هو أنه من مجموع التداعيات التي ناهزت الألف على مفردة "زهرة" والتي أجريتها في أماكن مختلفة في روسيا والسويد لم أجد حتى تداعياً واحداً يتعلق بمسألة كون الزهرة عضو التناسل أو التكاثر.
ومن الأمور الأخرى التي تنفي التطابق بين اللوحة العلمية والساذجة في موضوع أسماء النباتات هو مأستطيع أن أسميه الإنزياح الدلالي. فنحن في منطقة الأهوار نسمي السيسبان صفصاف ونسمي الصفصاف الغرب وبذا نحصل على ثلاثة أسماء في حين أن هنالك نباتان فقط. وهنا يحدث إنزياح دلالي أستطيع أن أضرب عليه أمثلة عديدة في اللغة الروسية، لكنه قد لا يثير حماساً لدى القاريْ العربي الذي لا يعرف شيئاً عن النباتات التي تنمو في روسيا. ويعلق على هذه الظاهرة الباحث جيرنيخ قائلاً" إن نقل المعنى من أسم شجرة الى أسم شجرة أخرى هي ظاهرة غير نادرة في تأريخ اللغة"( جورنيخ 1994: 333). ففي المناقشة التي أجراها كل من كولن رنفرو في كتابة" الأركيولوجيا واللغة" أو مارتن برنال في سفره الهائل "أثينا السوداء" نجدهما ضربا أمثلة كثيرة على الإنزياح الدلالي. فالشعوب التي انتقلت الى مناطق جديدة وجدت فيها أشجار او حيوانات لم تألفها قامت بإطلاق أسماء لنباتات وحيوانات مشابهة لها كانت قد ألفتها في بيئتها القديمة.
والأمثلة كثيرة في هذا المجال الذي يقودنا ثانية الى المقارنة بين اللوحة العلمية والساذجة للعالم.
هذه الأمور مجتمعة تجعل التطابق بين التصنيف العلمي النباتي والتسمية المتعارف عليها بين الناس شيء مستحيل.



الرؤية اللغوية للعالم Language Worldview

(3)
بقلم د. سعيد الجعفر


الموضوع الآخر الذي يرتبط بشكل وثيق بموضوع موقع أسماء النباتات في اللوحة اللغوية للعالم هو مايسمى بمفهوم "الهيئة الداخلية للكلمة" أو التعليلية.
جرى تناول موضوع ظهور الكلمة أو تسمية الشيء حتى من قبل الفلاسفة اليونانيون وبشكل خاص إفلاطون. والأمر المعروف لدى الكثير هو مقولة الفيلسوف الألماني فيورباخ:" ماهي التسمية؟ هل هي علامة فارقة، أم صفة تجذب اليها النظر، تجعلني أعتبرها ممثلة للشيء، مشكلة لطبيعته، الى الدرجة التي تجعلها تمثله من خلالها بشكل شمولي"( العبارة مأخوذة من مدفيدوف1989:ص 86)
وفي لسانيات القرن التاسع عشر تصدى ولهلم هومبولت للموضوع فكتب يقول" الكلمة ليست مكافئاً للشيء الذي تشعر به الحواس، بل معادلاً للكيفية التي جرت فيها إدراكه من خلال الفعل الكلامي الإبداعي في اللحظة الملموسة لاستنباط الكلمة"( هومبلت 1984: 103).
وقد طور هذا المفهوم العالم الروسي الكبير بوتبنيا في عمله" الفكر واللغة" حيث يقول" ليس من الصعب استخراج من مجموعة الكلمات من أية لغة، بحيث أن الكلمة لا تعبر عن الفكرة بكاملها بل صفة واحدة من صفاتهاالهيئة الداخلية للكلمة هي العلاقة بين محتوى الفكرة والوعي، وهي تظهر كيف تعبر الأفكار الخاصة بشخص ما عن ذلك الشخص"( بوتبنيا 1992: ص 74).
وقد جرى طرح هذه الفكرة في اللسانيات المعاصرة. ففي المعجم المختصر للسانيات يرد التعريف التالي:" الهيئة الداخلية للكلمة هي الصفة الكامنة في أساس التسمية والتي تمثل القاعدة لخلق التعليلية في الكلمة المقصودة"( المعجم المختصر للمصطلحات اللسانية1976: 58). وهنا يجري ربط علاقة بين الهيئة الداخلية للكلمة والتعليلية.ولكي أوضح معنى التعليلية أضرب مثلاً في نبات" المستحية" التي يوحي اسمها بأن تلك النبتة تنكمش حين تلمسها. ولذا فإذا خلق لدينا الإسم إنطباعاً معيناً قلنا أن الإسم يحمل تعليلية. في حين أن مفردة مثل نخلة أو صفصاف أو سنديان لا تخلق أي انطباع عن ماهية النبات ولذا تسمى كلمات غير تعليلية. وقد قال فيورباخ معبراً عن الموضوع بأن التعليلية هي رسم الفكرة بالكلمات.
ترتبط الهيئة الداخلية للكلمة بعملية التسمية. وكل كلمة في لحظة ظهورها هي تعليلية وهذه التعليلية تخلق انطباعا لدى المتكلمين بلغة معينة كونها هيئة داخلية حية للكلمة. بيد أن تلك التعليلية تختفي تدريجياً. فكلمة نخلة الأكدية الأصل كانت تحمل تعليلية في تلك اللغة لكنها فقدت تعليليتها بعد تلك الآلاف من السنين. وليس صحيح ما يورده الراز ي في كون إسم النخلة أخذ من كونها الشجرة المصطفاة فاسم النخلة هو ليس عربي أصلاً بل أن الكلمة مستعارة من اللغة الأكدية. وحين يجري إقحام الإيديولوجيا في الإيتمولوجي يحصل هذا الخلط. وهذا موضوع كبير يتعلق باللحمة التي لا تنفصم بين الإسلام كفكر واللغة العربية بحيث يصبح موضوع اللوحة اللغوية العربية للعالم موضوع فريد من نوعه بين جميع لغات العالم- إذا إستثنينا اللاتينية التي هي في كل الأحوال لغة ميته- يصعب بل يمنع فيه التمييز بين الغيبي والوضعي.
ويقدم كتاب التسمية اللغوية شرحاً مفصلاً لمسألة التعليلية كونها جزء من نظرية التسمية. ويفرق الكتاب بين التعليلية الصوتية الموجودة في الأفعال الصوتية مثل قهقه وتأتأ وأز وصر وغيرها وهذا ما لا نصادفه في أسماء النباتات، والتعليلية الدلالية التي نحن بصددها ومثالها زهرة الجريس التي يوحي اسمها بأن شكلها يشبه الجرس الصغير.
و الذي يمثل أهمية بالنسبة لهذا الموضوع هو أن في أساس التسمية تكمن صفة واحدة." فحين يتعرف الإنسان على شيء أو ظاهرة جديدة فإن من بين الكثير من الصفات التي يملكها هذا الشيء أو الظاهرة يختار صفة واحدة يعتقد أنها صفة تعطي الشيء سمته أو شخصيته لتسمية الشيء الجديد".( التسمية اللغوية: ص 160).
العوامل التي تؤثر على عملية اختيار الصفة المميزة تلك مختلفة: الخصائص الفيزياوية للشيء، علاقته بالأشياء الأخرى، علاقة مادة الإفهام به. كما أن هنالك خصائص شخصية لدى القائم بفعل التسمية منها: توفر " خبرة معينة ورد فعل أو تداع أو تحفز وتطور مستوى الفطنة والاهتمام بالشيء" لدى القائم بالتسمية.( المصدر نفسه: ص 168).
ومن خلال دراستي لأسماء النباتات اكتشفت أن التعليلية هي من خواص أسماء الزهور بينما الأعم الأغلب من أسماء الأشجار هو غير تعليلي. وهذا الأمر ينطبق على اللغات السويدية والروسية والإنجليزية. والسبب كما أعتقد هو أن أسماء الأشجار كانت موجودة منذ ألوف السنين لكونها تدخل في الاستخدام اليومي لإنتاج الثمار وللبناء وللحصول على الحطب وتدخل كذلك في الطقوس والاحتفالات والثقافة والكثير غير ذلك ولذا فقد فقدت مع الزمن تعليليتها. في حين إن دخول الزهور الى الحياة العامة للناس حدث بتأثير الثقافة الفرنسية ، أما قبل ذلك فقد اقتصر على دورها في الطب الشعبي. ولذا فإن التعليلية في أكثر تلك التسميات لا زالت موجودة. يقول أدوارد سيبر أنه " من خلال كون الوحدة المعجمية تملك أو لا تملك طبيعة شفافة ( أي تعليلية- س أ) يمكن الحكم، وعلى أسس معروفة، على الوقت الذي ظهر فيه المفهوم في اللغة"( سيبر 1993: ص274).
وتقل التعليلية في أسماء الزهور في اللغة العربية الفصحى وقسم من التعليل هو ترجمة لأسماء تعليلية بالإنجليزية مثل رجل الغراب أو زنبق الوادي أو اللبلاب التي هي تحوير صوتي لكلمة اللفلاف أي الذي يلتف، وهي أيضا بالمناسبة تملك المقابل ذاته باللاتينية. بينما تزداد التعليلية في اللهجة وتنحى منحى عشوائياً يتراوح بين التسميات المتعلقة بالطب الشعبي مثل حشيشة السعال وبقلة الرئة، أو التسميات المتعلقة بالثقافة الهابطة مثل آذان الفار، كما تجد في كل بلد إسمه الخاص به أو قد يوجد أكثر من إسم في البلد الواحد. وكما أعتقد فأن اللغة العربية بطبيعتها تفتقر في البداية الى أسماء الزهور أو النباتات غير الصحراوية ولذا فقد استعارت الكثير من الكلمات في هذا المجال من اللغات الأخرى وبالدرجة الرئيسة من لغات بلاد الرافدين وبلاد الشام واليمن واللغة الفارسية. وهذا الأمر هو السبب في قلة التعليلية في أسماء النباتات ، والزهور بالذات، في العربية الفصحى في حين تطغى التعليلية على أسماء النباتات في اللهجات العربية المختلفة. ويوجد منحى مشابه في اللغة الروسية التي استعارت الكثير من أسماء الزهور من اللغات الأوربية وبالذات اللغة الفرنسية، مما جعل تسميات الزهور غير تعليلية في الروسية الفصحى كما تعددت أسماء النبات الواحد في اللهجات الروسية المختلفة التي تميزت بوجود التعليلية العالية فيها.

يقول الباحث كياك" التعليلية هي ذلك الكم المعلوماتي المخزون في الهيئة الداخلية للكلمة الذي وجد انعكاسه فيما يقابله من معنى للوحدة المعجمية"( كياك 1989: 103). وتستمد تلك المعلومات أصولها من تفكير شعب معين وتنعكس في لغته. ولذا فإن التعليلية هي انعكاس كامل للوعي الجماعي للأثنوس.
هذه المجموعة المتقدمة من النقاط تثبت أن مجموعة أسماء النباتات كجزء من المفردات الأساسية هي في تنوع وحركة دائمة تتغير بتغير الظروف ولاتنتمي الى عالم اللوحة العلمية البايولجية للعالم بل تشكل جزءاً مهماً من اللوحة اللغوية للعالم.
بيد أن دراسة اللوحة اللغوية الروسية للعالم هي أقل تعقيداً بكثير من دراسة اللوحة اللغوية العربية للعالم التي تتقاطع وتلتحم في الكثير من الأماكن مع اللوحة الدينية للعالم. ودراسة تلك الظاهرة لا تخلو من التعقيد وتتطلب معرفة في علوم مختلفة ومتباعدة يحتاج الإلمام بها الى زمن طويل وقد تتطلب ليس بحثاً واحداً بل مجموعة من البحوث تقوم بها مجموعة عمل ذات اختصاصات مختلفة.
ولم يحظ موضوع اللوحة اللغوية للعالم بالإهتمام حتى لدى الكتاب الذين كانت أعمالهم تتعلق بشكل مباشر به. فأعمال مثل" الثابت والمتحول" لأدونيس، "ونقد العقل العربي" للجابري، و"نقد نقد العقل العربي" للطرابيشي، و"اللغة العربية معناها ومبناها" لتمام حسان لم تقوم بتناول الموضوع بشكل مباشر كموضوع مستقل.
ولذا أحاول هنا أن أدرج مجموعة من النقاط العامة التي قد تفيد دارسي اللسانيات في هذا الموضوع.
من المعلوم أنه لا توجد لغة طبيعية حية في عالمنا المعاصر ترتبط بشكل وثيق بالدين مثل اللغة العربية. فمن يريد معرفة الأسلام لا بد له أن يدرس القرأن المكتوب بالعربية، كما أن دراسة العربية تتطلب معرفة بالقرأن مما يقود الى ضرورة دراسة الإسلام. "فالحقيقة ليست في العلم أو الأنسان أو الطبيعة، بل في النص" (أدونيس 1994: ص 19). فالنص سواء كان القرآن أو الأحاديث النبوية يحمل في داخله في الدين واللغة في التحام لا يمكن فصم عراه. ومن جانب آخر فإن تصور أن القرأن هو كلام الله قاد الى عقائدية (دوغما) في الدراسات اللسانية العربية الكلاسيكية. فتصور نقاء اللغة العربية قاد الى تعسف في البحوث اللسانية وتوجيه علم اليتمولوجي (أصل الكلمات) منحى إيديولوجيا. فنرى الرازي في الصحاح يقول أن مفرة نخلة مشتقة من الفعل نخل أي اصطفى لأنها الشجرة المصطفاة. في حين أن المفردة أصلاً ليست عربية وليست هنالك علاقة بين الفعل نخل العربي الأصل وكلمة نخلة سوى كونهما مشتركاً لفظيا (هومونيم). لقد جعلت العقائدية العالمان الكبيران في اللسانيات الكلاسيكية العربية أبن جني و أبن فارس يؤلفان كتابي الخصائص، وفصله حول بالاشتقاق الأكبر، وكتاب المقاييس الذين حاولا أن يثبتا فيهما أن الأفعال الثلاثية مهما قلبتها فستكون كلها ذات معان متشابهة. وقد قاد ذلك الى تعسف كبير في النظرية سببه اعتقادهما المطلق بنقاء اللغة العربية. (راجع الصالح، صبحي 1983 ص 186-242).
ويحاول جورج طرابيشي في كتابه نقد نقد العقل العربي إثبات أن ليس العرب وحدهم من كانت اللغة لديهم تسبق الظواهر الأخرى الفنية والفكرية بل أن اليونانيون كانوا من الفئة ذاتها. وأن مفردة لوجوس اليونانية كلمة ملتبسة أدت الى تخبط الفهم لدى المترجمين بين العقل والمنطق واللغة. ومن هذا المنطلق انتقد موقف محمد عابد الجابري في هذا المجال. لكن الذي نساه طرابيشي هو أن الحديث يجري عن لغة تعيش في القرن العشرين تميز بتغيرات هائلة في العلاقة باللغة والدين والخرافات والعلم ودور اللهجات وليس في القرن السابع الميلادي حيث كان هنالك مجتمعاً مختلف تماماً. وهنا لا نستطيع أن نؤكد سوى أن العرب وموقفهم من اللغة في هذا المجال يختلفون عن المجتمعات المعاصرة قاطبة في تداخل الصورتين اللغوية والدينية للعالم بل وتماهيههما في بعضهما. وأنا أجد ما طرحه الجابري يتسق مع فكرة طرحها قبله الباحث اللغوي محمد مبارك في كتابه "فقه اللغة وخصائص العربية" فهو يقول "أن الأمة العربية أمة بيان والعمل فيها مقترن دوماً بالتعبير والقول فللغة في حياتها شأن كبير وقيمة أعظم من قيمتها في حياة أية أمة من الأمم الآخرى" ( المبارك محمد 1981 ص232). وليس غريباً أن يفرد المفكرعبد الله القصيمي كتاباً كاملاً تحت عنوان "العرب ظاهرة صوتية" ليذكر بما يقوله الغجر من أن لكل إنسان وطنه أما نحن الغجر فوطننا اللغة. ويبدو أن العرب أيضاً مترحلون رغم ما يبدو من توطنهم فهم لم يزالوا وسيستمرون في أن يشدوا الرحال الى الماضي الزاهر كلما ألمت بهم مصيبة.
إن علاقة اللغة العربية بالإسلام وظهور فكرة قداسة اللغة كفكرة مركزية قادت الى ظاهرة النظر الى اللغة كونها كائن مقدس وليس ككونها ظاهرة إجتماعية تتطور حالها حال الظواهر الإجتماعية الأخرى. وقد قاد ذلك الى تحول اللغة والبحث اللغوي والنحوي بالذات الى موضوع يخص النخبة. ورغم كون فكرة الدكتور ابراهيم أنيس التي طرحها في كتابه "من أسرار اللغة" ( راجع الفصل الثالث من الكتاب الصفحات 198- 274) حول أن الإعراب موضوع وليس موجودة أصلاً في اللغة العربية، إلا أن بحثه مهم من ناحية كون علم الأعراب والبحث اللغوي عموماً تحول الى موضوع للنخبة. فالذي تؤكد عليه الدراسات الحديثة حول مركب البناء الفوقي الثلاثي بين التفكير والوعي واللغة نجد أن الدين، في حالة الفكر والوعي واللغة لدى العرب، يحتل مساحة هائلة لا يمكن وصفها في اي مجتمع معاصر. وحين يوصف البناء الفوقي في الفلسفة كونه شكلاً لمضمون هو حركة المجتمع تمزقه حين يبلى لتلبس شكلاً جديداً يلائم الوضع الجديد في الحركة الإجتماعية، فإنني أجد أن البناء الفوقي في حالة المجتمع العربي هو أشبه بثوب من حديد أدى ولم يزل يؤدي الى تقزيم الجسد الذي لا يستطيع أن يخرج من أساره متعايشاً معه في حالة مرضية.
لقد أدى موضوع قداسة اللغة العربية الى نشوء ظواهر كثير لها أثر كبير في ظهور ما أسميه الشيزوفرينيا اللغوية، فالعربي يتكلم لغة فصحى هي بالنسبة له أجنبية، اي أنه يحتاج لأن يترجم كلامه العادي الذي يتكلمه بلهجة هي لغته الأم الحقة الى الفصحى حين يحاول التكلم بالفصحى. ومن الظواهر الكثيرة التي استطعت أن اسجلها والتي تتعلق بهذه الشيزوفرينيا اللغوية و قداسة اللغة و الإرتباط الوثيق بين اللوحة اللغوية والدينية للعالم هي ما يلي:
*نتفرد نحن العرب بتدريس علم الإعراب في المرحلة الأبتدائية وهو علم تخصصي يجب أن يبدأ الطلاب بدراسته في المرحلة الثانوية وفي الفرع الأدبي فقط كما يحدث في الأنظمة المدرسية الروسية والسويدية والإنجليزية وهي البلدان التي أعرف نظامها التعليمي.
* تشكل الإختصارات علماً كاملاً لدى الكثير من البلدان وقد جرى إختصار الكثير من المصطلحات مما أدى الى تأليف معجمات كبيرة للإختصارات. ولو لاحظنا الإختصارات لدينا لوجدنا أنها تقتصر على المصطلحات الدينية مثل الافعال حمدل، وسبحل، وطبقل وسمعل وغيرها أو اختصارات مثل رض، ع، صلعم. وفي حين كانت هنالك محاولات لدى الشيوعيين الذين سافروا الى الإتحاد السوفيتي والبلدان الإشتراكية لوضع اختصارات إلا انها بقيت ايضاً في إطار الدوغما السياسية فاختصارات مثل أوك، حدك، حشع، جود، جوقد، بقيت عند هذا الحد ولم تتعداه الى مجالات العلوم الكثيرة التي تحتاج الى مختصرات أبدعتها الأمم الأخرى إختصاراً للوقت سواء عند الحديث أو كتابة النصوص.
* لم أر شعراء يستخدمون المعلومات النحوية كصور شعرية مثلما يحدث لدينا نحن العرب فالجواهري يقول في أحد مقاطع قصيدة "يانديمي":
وتجوهلت مثل واو لعمرو لست ادري ولا المنجم يدري
أو كما يورد أحمد مطر في قصيدة الحفرة التي يهجو فيها صدام حسين حين اخرجه الجنود الأمريكان من حفرته:
نصاب علامة جره الحفرة
وهذا يذكرني بفلم فكاهي انجليزي بعنوان "براين ضد براين" حول قصة المسيح يظهر فيه جندي روماني يرى احد اليهود المنتمين الى منطمة سرية تقاوم الإحتلال الروماني، يخط في الظلمة شعاراً معادياً للرومان، وبدل ان يلقى القبض عليه يصحح له الأخطاء النحوية في الشعار. المشكلة ان ذلك ليس سوى فلم أما ما يحدث لدينا فهو موضوع يتكرر يومياً.
وكان هناك مسلسل عراقي في السبعينات بعنوان" أين مكاني من الإعراب" يدور حول النحو العربي. وهذا الأمر هو ظاهرة نادرة لا تجدها إلا لدينا نحن العرب يبين المكان غير الطبيعي الذي تتبوأه اللغة في الثقافة العربية.
نشأت ظواهر كثيرة سببها تباطؤ التطور في اللغة وظهور اللهجات التي أخذت تبتعد عن اللغة يوماً بعد يوم مثل كون الأمثال في الفصحى لا تستخدم من قبل الناس في كلامهم العادي بل أنهم يستخدمون أمثالهم التي ترتبط ببيئتهم وليس بيئة الحجاز قبل الفي عام فلا تجد لهحة عربية تستخدم المثل العربي المشهور "وافق شن طبقة" بل يجري الحديث عن الطبق وغطاه سواء في مصر او بلاد الشام او العراق. ومن الامثلة الأخرى على المستويين في الثقافة بين الفصحى والعامية ظهور أسماء محلية لأسماء النباتات وبالذات الزهور وأسماء قسم من الحيونات. وأورد فقط مثالاً على الأسماء المتعددة لنبات واحد هو الأقحوان بحيث اربك مؤلفي المعاجم ثنائية اللغة فتارة يسمى البابونج وأخرى يسمى الحبق وطوراً حبق البقر. ولا تجد عربياً يستخدم الإسم الفصيح الأقحوان الذي يرد في المعاجم والنصوص المكتوبة بالفصحى.





المصادر:

1- أبرسيان 1995أ – أبرسيان يو دي صورة الإنسان في معطيات اللغة: محاولة تحليل منهجية. أبرسيان يو دي. الأعمال المختارة. الوصف التكاملي للغة واللكسيكوجرافيا المنهجية. – موسكو 1995.( بالروسية).
2- أبرسيان 1995ب – أبرسيان يو دي الديكسيس في علم المعجمات والنحو واللوحة الساذجة للعالم- المصدر نفسه.
3- أدونيس1994- أدونيس- الثابت والمتحول- بحث في الإبداع والإتباع عند العرب- الجزء الأول_ الأصول- الطبعة السابعة لندن 1994).
4- أنيس، إبراهيم- 1978- أنيس أبراهيم- من أسرار اللغة- القاهرة 1978).
5- آينشتاين1967- البرت آينشتاين لوحتي للعالم- ستوكهولم( مترجم الى السويدية)
6- بانفيلوف 1983 – بانفيلوف ف ز الجوانب المعرفية للمسائل الفلسفية في فقه اللغة. موسكو1983. ( بالروسية).

7- بروتيان 1973 – بروتيان جي أي اللغة ونموذج العالم. مجلة العلوم الفلسفية. 1973 العدد الأول.( بالروسية).
8 – بوتبنيا 1993- بوتبنيا أ أ الفكر واللغة. كييف 1992. ( بالروسية).
9- التسمية اللغوية 1977- التسمية اللغوية ( المسائل العامة). بإشراف أ أ أوفيمتسوفا و ب أ سريبرينيكوف. موسكو 1977.( بالروسية).
10- جورنيخ 1994 جورنيخ بي يا المعجم الإيتمولوجي- التأريخي للغة الروسية المعاصرة- مقدمة الطبعة الثانية. موسكو.(بالروسية).
11 – دور العامل الإنساني في اللغة 1988 – دور العامل الإنساني في اللغة. اللغة ولوحة العالم. بإشراف ب أ سريبرينيكوف. موسكو 1988. ( بالروسية).
12 - سابير - 1993 – سابير أدوارد اللغة والمحيط. سيبر أ المؤلفات المختارة في فقه اللغة والكلتورولوجيا. موسكو 1993. ( مترجم الى الروسية).
13- سابير 1931- سيبر أدوارد- فئات المفاهيم في اللغات البدائية المجلد 47 ( بالإنجليزية).
14- الصالح، صبحي 1983- الصالح صبحي- دراسات في فقه اللغة. دار العلم للملايين الطبعة العاشرة 1983).
15- طرابيشي- 1989- طرابيشي، جورج- نقد نقد العقل العربي- إشكاليات العقل العربي. دار الساقي (نسخة الكترونية).
16– كاراؤولوف – 1976 – كاراؤولوف يو أن الإيديوجرافيا العامة والروسية. موسكو 1976. ( بالروسية).
17 – كاراؤولوف 1994 – كاراؤولوف يو أن قاموس التداعيات الروسي كمصدر لساني جديد ووسيلة لتحليل المقدرة اللغوية. قاموس التداعيات الروسي. تعقيب على الجزء الأول. موسكو 1994. ( بالروسية).
18- كارول 1967- كارول بي جي- اللغة والفكر- فالستروم أوك فيدستراند. ستوكهولم 1967. (مترجم الى السويدية).
19- كاسيرر 1945- آرنست كاسيرر البنيوية في اللسانيات الحديثة " وورد") ( بالإنجليزية).
20- كياك 1989 – كياك تي أر حول أنواع التعليلات في الوحدات المعجمية. مجلة القضايا اللسانية. 1989 عدد 1.( بالروسية).
21 – كوبوجيفا 1985 – كوبوجيفا ف ف العلاقة المتبادلة بين التسمية الطبيعية والاصطناعية: مادة أسماء النباتات. ملخص أطروحة دكتوراه. تومسك 1985. ( بالروسية).

22 – فارينا 1976 – فارينا أف جي الدلالة المعجمية والهيئة الداخلية للوحدة المعجمية. مجموعة مقالات حول أسس وطرق البحوث الدلالية. المحرر المسؤول أف أن يارتسيفا. موسكو 1976.( بالروسية).
23- لوحة العالم في العلوم الطبيعية 1987- مجموعة من المؤلفين- ستوكهولم( بالسويدية).
24- ليج 1973- ليج ج علم الدلالة- نيويورك 1978. (بالإنجليزية).
25– ماركوفكين1997 – ماركوفكين ف ف و ماركوفكينا أ ب الأغنونيمات الروسية( الكلمات التي لا نعرفها). موسكو 1997. ( بالروسية).
26 – ماركوفكين 1984– ماركوفكينا ف ف الأساس المعجمي للغة الروسية. موسكو 1984. ( بالروسية).
27- مالمبيري 1973 – مالمبيري ب علم الإشارة. لوند 1973 (بالسويدية)
28- المبارك 198- المبارك محمد فقه اللغة وخصائص العربية- بيروت 1981 ).
29 – معجم اللغة الروسية 1992 لأوزيجوف موسكو 1992.
30- المعجم الحديث للغة السويدية ستوره آلين جوتنبيرج 1999( بالسويدية).
31- المعجم المختصر للمصطلحات اللسانية1976. موسكو( بالروسية).
32- معجم ويبسترللغة الإنجليزية- نسخة الكترونية.
33 –المنجد في اللغة والأعلام 1986.
34 – المورد. قاموس إنجليزي عربي. 1985
35- هاياكاوا، أس آي. لغتا هي عالمنا 1969. ستوكهولم (مترجم الى السويدية)
36- هومبولت 1984 – هومبولت فلهلم فون حول الفروق البنائية في اللغات الإنسانية وتأثيرها على التطور الروحي للإنسان. هومبولدت فلهلم فون. الأعمال المختارة في فقه اللغة. موسكو 1984. ( مترجم الى الروسية).
37 – هومبولدت 1985- هومبولدت فلهلم فون. اللغة وفلسفة الثقافة. موسكو 1985. ( مترجم الى الروسية).
38- وورف1952 بنجامين وورف المجموعة الكاملة للبحوث حول ما وراء اللسانيات).( بالإنجليزية).
39- وورف 1956- وورف بنجامين لي. اللغة،الفكر، والواقع. بإشراف كارول جي بي. كامبردج- نيو يورك 1956. (بالإنجليزية).




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,862,989,406
- موت الرأسمالية
- هل اختلطت الأوراق حقاً على المثقف العراقي
- موتيفات اسلامية لدى ستريندبيرغ
- الهجمة الثالثة على التحديث
- الاستشراق الإيتيمولوجي


المزيد.....




- رأي.. عبدالخالق عبدالله يكتب لـCNN عن رحلة مسبار الأمل في طر ...
- -الأمن الجماعي- قلقة إزاء الأحداث على الحدود بين أرمينيا وأذ ...
- سوريا.. رجل يقتل زوجته بمطرقة حديدية والسبب...!
- إثيوبيا: مفاوضات الاتحاد الإفريقي هي الأنسب لحل أزمة -سد الن ...
- بعد اختيار بعضهم ممثلين عن البعث في الانتخابات.. الا?سد يلتق ...
- بالفيديو.. شجار بين نواب تايوانيين خارج مبنى البرلمان
- فرنسا بصدد فرض استخدام الكمامات في الأماكن العامة المغلقة
- تجارب الإمارات السريرية على لقاح كورونا
- القضاء التونسي يحكم بالسجن 6 أشهر على مدوِّنة بتهمة الإساءة ...
- النجف في الأيام الأولى لثورة تموز / صالح العميدي


المزيد.....

- جون رولز والإصلاح الليبرالي تحدي اليوتوبيا الواقعية / لمرابط أحمد سالم
- نقد الفرويدية / نايف سلوم
- العشوائية اللاغائية الغير مخططة تصنع الحياة والوجود / سامى لبيب
- داوكنز يخسرُ في - رهان باسكال - / عادل عبدالله
- ثورة الحرية السياسية: أفكار وتأملات في المعنى والمغزى / علا شيب الدين
- العدالة الاجتماعية... مقاربات فكرية / هاشم نعمة
- مورفولوجيا الإثارة الجنسية و الجمال. / احمد كانون
- الماركسية وتأسيس علم نفس موضوعي* / نايف سلوم
- هل كان آينشتاين ملحداً؟ / عادل عبدالله
- هيدجر وميتافيزيقا الوجودية / علي محمد اليوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - سعيد الجعفر - الرؤية اللغوية للعالم