أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - طلعت الطيب - آن اوان التغيير - الخاتم عدلان















المزيد.....



آن اوان التغيير - الخاتم عدلان


طلعت الطيب
الحوار المتمدن-العدد: 2570 - 2009 / 2 / 27 - 09:26
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


اعداد طلعت الطيب
تلخيص لافكار الاساسية لورقة التى نشرتها مجلة الشيوعى السودانية - العدد ١٥٧ ، الطبعة الثانية فبراير ١٩٩٤
مدخل :
ما الذى حدث للشيوعية ؟ للاحزاب الشيوعية ، وللشيوعيين الافراد ؟ ما الذى حدث للعالم بكامله ، كان حتى الامس ملء البصر والسمع ، واضحى اثر بعد عين ، وانهار انهيارا مأساويا يذكر المرء بالقصص القرآنى ، حيث تختفى اقوام بكاملها من على وجه البسيطة وفى لمح البصر ؟
عندما بدأ شبح الشيوعية يطارد اوروبا العجوز ، ويقلق نومها ، ويفزع اباطرتها وطغاتها ، ويجبرهم على الانخراط فى حلف مقدس ، كانت قد ولدت بالفعل ، واحتلت مكانها على مسرح التاريخ ، قوة لم يسبق لها مثيل فى عنفوانها ونبلها ، ومشروعها الانسانى الاخّاذ . ذلك المشروع الذى اراد ان يحوّل العالم ، ويجعله مكانا جديرا بانسان جديد متعدد المواهب ، والملكات ، ينمو فى جميع الاتجاهات ، ويكون شرطا لنموّه هذا ، النمو الحر لكل أخوته فى الانسانية.
وعندما بدا ماركس وانجلز ، يرسمان معالم المشروع الجديد ، تخدمهما العبقرية والموهبة والذكاء ، انجذبت اليه بالفعل ، وعلى طول اوربا وعرضها ، اكثر العقول استنارة ، وأكثر المناضلين شرفا وحماسة ، وقد تفجرت فى صدور الرجال والنساء احلام وآمال ، وامتلأت آفاقهم باحتمالات نبيلة وخيرة ، كفيلة باجتياح السماء .
وقد نشأت لتحقيق هذه الاحلام والامال والطموحات والاحتمالات اخويات بشرية لم تكن اقل من تلك الاخويات التى حققها الانبياء وسط اتباعهم .
وقد كانت صداقة ماركس وانجلز نفسيهما ، مثالا ساطعا على ذلك ، قل ان يجود الزمان بمثلها .
وقد انخرطت هذه القوى فى تغيير العالم ، وتحقيق المشروع الاشتراكى ثم الشروع بعده فى بناء المجتمع الشيوعى ، باعتبار ذلك تجسيدا لانبل القيم التى عرفتها الانسانية ، وبأعتباره حلا لأعقد الالغاز التى أنشأها التاريخ ، وتجاوز لأصعب التناقضات التى عرفتها البشرية . وقد اتسم نضال هذه القوى بالبطولة ، وبالشجاعة الفائقة ، وبنكران الذات ، والازدراء بالمنفعة الشخصيّة ، والاستهانة بالمصاعب والاخطار.
ورغم الهزائم والانكسارات ، التى واجههتها فى بداية مسيرتها ، فقد تمكنت هذه القوى فى العام ١٩١٧م ، فى روسيا القيصرية من الاستيلاء على السلطة ، والشروع ببناء المجتمع الجديد.
وقد تجلت فى عملية الاستيلاء على السلطة ، وفى مواجهة التدخل الخارجى ، والحرب الاهلية ، بطولات خارقة اعترف بها الاعداء قبل الاصدقاء ، وقد ظهرت اثر انتصار الثورة فى روسيا ، بوادر باهرة لاجتياح العالم بأكمله ، ولم يكن الاعتقاد بامكانية وواقعية ذلك الاجتياح وفقا على الشيوعيين وحدهم ، بل شاركتهم فيه شعوب بكاملها ، وارتعدت له فرائض البرجوازيين ووجفت قلوبهم .
ولكن بعد الشروع فى معارك الاستيلاء على السلطة فى بعض البلدان اتضح ان تحقيق الحلم لم يكن بالسهولة التى تخيله بها الشيوعيون وقادتهم .
وبدأ واضحا ان قوى اوروبا العجوز لم تكن تنقصها الشجاعة ولا الحمية والمكر ، ولا العنفوان المسلح ، وان وصفها بأنها قوى عجوز كان يحتوى على جرعة زائدة من البلاغة الكلامية .
عندما بدأت وقائع هزيمة الثورة فى هنغاريا ، وتأجيلها فى المانيا ، واجهاضها فى بلدان اخرى تفعل فعلها وتشكل وعيا جديدا ، اضطرّ البلاشفة الى توقيع صلح برست ليتوفسك ، وقبول اقتطاع مساحات هائلة من اراضيهم لصالح المعتدين الالمان .
ومن شيوعية الحرب ، وطموح التنفيذ الفورى للبرنامج الشيوعى تراجعوا الى السياسة الاقتصادية الجديدة التى يمكن ان تؤدى الى بروز فئات برجوازية صغيرة فى المستقبل ، تنافس البروليتاريا .
وشيئا فشيئا حلت الوقائع الصارمة محل الاحلام المجنحة .
أثناء حرب التدخل والحرب الأهلية فنى آلاف الشيوعيين ، وهلكت أقسام كاملة من البروليتاريا الصناعية ،وحلّ محلهم فلاحين أميون اجلاف ، لا يستوعبون المشاريع النظرية ولا يؤمنون بها .
وأمسكت بمقاليد السلطة بيروقراطية ضخمة من قساة القلوب ، ظلت الهوة بينها وبين الشعب تتسع كل يوم .
ولقد ادى ذلك الى نتائج ليس من أهدافنا حاليا الخوض في تفاصيلها ، ولا تقصى اسبابها ، وهذه الظواهر هى :
* تركزت الثروات فى يد الدولة ، فأصبحت مالكة لكل شىء ، ومتصرفة مطلقة الصلاحيات فى كل خيرات المجتمع ، وكانمطلوبا منها مع ذلك ان (تشرع فى الاضمحلال ! ) ووجدت البيروقراطية ان باستطاعتها ان تتصرف بخيرات المجتمع وبمصار الناس بحرية اوسع من تلك التى كنت لدى القياصرة . فانفصلت عن الشعب ، وأمتصت رحيق حياته ، ونكّلت به .
* من خلال عمليات تصفية ناشطة ، أستخدمت فيها المؤتمرات الحقيقية والمفتعلة ، تمّ القضاء على جميع الاحزاب الاخرى ، وسحق استقلال المنظمات الاجتماعية والاهلية ، وصار الحزب حزبا واحدا ، والرأى رأيا واحدا ، والتصور للماضى والحاضر والمستقبل تصورا ضحلا وبائسا يمثله ويجسده حاكم معتل العقل كان اسمه جوزيف ستالين .
*حلت سياسة الهيمنة ، والضم والالحاق ، وفرض النماذج السياسية والاقتصادية ، بل النهب الواضح الفظ فى بعض الحالات ، محل السياسات القائمة على أخوية الشعوب ، وحريتها ، وحقها فى تقرير المصير .
ان ذلك كله ، وغيره ، لم يحدث مرة واحدة . ولم يحدث دون مقاومة ، فعلى المستوى الاعلى للقيادات الحزبية فقد الكثيرون ارواحهم دفاعا عن المشروع الاصلى . وعلى مستوى الشعب ، ووسط جماهير الفلاحين بصفة خاصة ، سالت دماء الملايين الذين كانوا يدافعون عن أسلوب فى الحياة كانوا يرونه طبيعيا وعادلا ، خاصة بعد تمليكهم الارض بعد الثورة ، ولم يعبأ احد باقناعهم ان هناك ما هو افضل منه .
هذه اللمحات العابرة ليست محاولة لتفسير ما حدث فى الاتحاد السوفيتى وغيره من البلدان الاشراكية . بل محاولة لتوضيح حقيقة فى غاية البساطة ، وهى ان اى حزب يمكن ان ينحدر من ذرى البطولة الى سفوح الانحطاط ، ويمكن ان يتحول قادته من مناضلين يقتحمون السماء ، الى حفنة من الاشرار .


فى اوائل نوفمبر١٩٨٩م عاد ايريش هونيكر من زيارة الى الاتحاد السوفيتى، حاول فيها غورباتشوف ان يقنعه باجراء اصلاحات على غرار البيروسترويكا، وقد رفض هونيكر هذا الامر باذدراء، قائلا ان نظامه لا يحتاج الى اصلاح. وعندما سئل عن سور برلين قال انه سيظل قائما خلال السنوات المائة القادمة ! ولكن بعد اقل من عشرة ايام ، اى فى نوفمبر ٨٩م، انهار سور برلين الذى كان اول سور فى التاريخ يقام، ليس لحماية الشعب من الغزاة، كما كان يحدث فى الصين واسبارطة مثلا - بل لمنع سكان الجنة الاشتراكية الالمانية من الهروب الى سعير الاستغلال الرأسمالى ! ولا نظن ان ماركس كان يمكن ان يحتمل مثل هذه السخرية القاسية.
فى تشيوسلوفاكيا سير ابناء العمال والفلاحين والعلماء ، مظاهرات فى ١٧ نوفمبر ، يطالبون فيها بالاصلاحات الديمقراطية السياسية والاكاديمية. وقد حاولت الفتيات فى المظاهرة ان يستملن رجال البوليس برشقه بالازهار.ولكن القادة الشيوعيون الذين تحولوا الى تروس ضخمة فى ماكينة البيروقراطية المعزولة عن الشعب ، اجابوهم بالرصاص الحى.
فى ديسمبر ١٩٨٩م القى نيكولاى شاوشيسكو خطابا استمر ست ساعات فى مؤتمر الحزب الشيوعى الرومانى ، وقوطع بالتصفيق المتواصل، والوقوف اكثر من عشر مرات ، واجيز بالاجماع.
فمن يجرؤ ان يقول انه لا يرى الشمس فى رائعة النهار؟
وانتخب شاوشيسكو رئيسا مدى الحياة. وابدى القادة السوفيت وعلى رأسهم غوباتشوف ، اعجابهم الشديد بالخطاب وبصاحب الخطاب. فأرسلوا له رسالة مطوّلة بذلك ، كانوا قبلها بعامين قد انعموا عليه بوسام لينين للسلام.
وقد كان الشعب الرومانى يشهد المهزلة بغضب يحرق الاجفان ويفجر البابىء. فقد تحوّل قادة الحزب الشيوعى فى نظرهم الى طفيليات جديرة بالسحق . وعندما انفجرت المظاهرات احتجاجا على نفى راهب كاثوليكى ، اندفعت السيكيوريتات ، وبأوامر من الطاغية ، تحصد جماهير الشعب بالمئات ، ولكن السيكيوريتات ، وبكل جبروتها وقوتها ، لم تستطع ان تحمى الطاغية ، و عشية اعياد الميلاد اعدم شاوشيسكو وزوجته، ولم تزرف عليهما دمعة واحدة.
وفى هنغاريا ، وبلغاريا، والمانيا ، كان الشيوعيون من الحكمة بحيث استطاعوا ان ينضموا بسهولة نسبية الى الشعب ويشتركوا معه فى هدم البناء الذى اقاموه طوال سنوات حكمهم. وقبل ذلك ، فى بولندا ، وقفت الطبقة العاملة كلها ضد السلطة ، وضد الحزب ، ونظمت نفسها فى نقابة تضامن ومع ذلك لم ير الحزب انه كف عن ان يكون حزبا للطبقة العاملة، واستعان بالجيش ، الذى يبدو انه تقمصته روحا هيجيلية ، حولته الى نقيض ، فصار هو الطبقة العاملة ، بينما اصبحت الطبقة العاملة نقيضا لذاتها ! وقد كان بعض الشيوعيين يصرخ ويقول: لن نتنازل عن شبر واحد من رقعة الاشتراكية حتى ولو كان ذلك التنازل من اجل الطبقة العاملة نفسها ! ولم يكن استخدام الجيش ضد الطبقة العاملة وقفا على بولندا وحدها ، فقد استخدم ضدها فى المانيا عام ١٩٥٣م ن وفى المجر عام ١٩٥٦م ، وفى تشيكوسلوفاكيا عام ١٩٦٨م.
هذا العبور من عصر البطولة الى عصر الانحطاط ، هل يخصنا نحن ، فى الحزب الشيوعى السودانى ؟
هل يمكن ان يكون مصيرنا كمصير الاخرين ؟ وهل سنشترك يوما فى قهر شعبنا وقمعه بالسلاح؟ وهل فى مآسى الاحزاب الشيوعية الاخرى ومصائرها ، شيئا نتعلمه منها؟ وهل فى استطاعتنا ان ندير ظهورنا لما حدث ، ونتعامل كأن شيئا لم يكن ؟
هذه هى بالضبط الاسئلة التى كتبت هذه الورقة للاجابة عليها . بل انها كتبت لتفادى مثل ذلك المصير الذى حلّ بغيرنا ، فثمة نغمة بدأت تتسع بأننا حزبنا من نوع خاص ، لم يعرف عبادة الفرد ، ولا حجب الرأى الاخر، ولا نفى المخالفين فى الرأى ، دع عنك اعدامهم. وما دامت المقدمات المختلفة تقود الى نتائج مختلفة ، فلا يمكن لاحد ان يتهمنا يشىء او ان يحاسبنا باحطاء غيرنا . وربما يتساءل البعض : كيف يمكن لحزب عبد الخالق محجوب ، والشفيع احمد الشيخ ، ان يصبح كحزب شاوشيسكو ؟
وليس فى نية كاتب هذه السطور ، ان يكتفى بالاجابات العاطفية ، او الجمل الرنانة المفجرة للحماس والعواطف النبيلة .

عندما ينظر المرء الان ويجيل النظر داخل الحزب الشيوعى السودانى ، فانه يرى مظاهر الشيخوخة قد دبت فى كل شىء، وتخللت خلاياه . ولكنه يرى مع ذلك امكانيات هائلة للنهوض بالاستناد الى جديد ينبت من بين الانقاض ، وحياة تتمخض عن كوم الرماد. هناك امكانيات حقيقية لبناء مشروع جديد ، عادل وخير ، ولكنه اكثر تواضعا مما كنا نحلم ونتمنى ، واكثر واقعية وراهنية ، واكثر التصاقا بالارض ، واكثر اهتماما بانسان اليوم ، وقضاياه الحقيقية، ومشاكله الطاحنة ، واماله القريبة ، منه بانسان خيالى ، لا يعدو ان يكون مقولة ذهنية ، لا ننكر جمالها ، ومقدرتها الهائلة على الجذب ، كما انها يمكن ان تتحقق فى يوم قادم من ايام الانسانية . ولكننا فقط ، فى لحظتنا هذه من الزمان ، فى بقعتنا هذه من الارض ، فى مرحلتنا هذه من تطور المجتمع ، نتركها للاجيال القادمة. فهى ، ويا للاسف الشديد ، ليست فى متناول اليد ، ليست فى مستطاعنا. كما ان الاجيال القادمة لن تتمكن من الوصول اليها الا على اساس من هذا البناء المتواضع الذى نحاول ان نقيمه لانفسنا . وفى هذا مصدر عميق للعزاء..


من نافلة القول ان الحزب السياسى،- اى حزب - لا يقيّم فى ضوء انجازاته المحققة ، بل كذلك فى ضوء الاهداف والخطط التى طرحها وسعى الى تنفيذها ، ومآل تلك الخطط فى الحاضر والمستقبل ، ومعناها وجدواها بالنسبة للناس الذين وجهت اليهم ، وقصدت الى اعادة صياغة شروط حياتهم ، وكل ذلك على خلفية من تطورات عاصفة اجتاحت هذا الكوكب من اقصاه الى اقصاه ، وقلبت الايديولوجيات والبرامج والخطط راسا على عقب. وترتب على هذا التقييم الشامل نتائج عملية تتعلق بالحزب. تتعلق بوجوده وفكره ، باسترتيجيته وتاكتيكه ، ببرنامجه ولائحته ، بوسائله واساليبه ، وبالقوى الاجتماعية التى يتوجه اليها . وعلى هذا التقييم ان يجيب على اسئلة اساسية منها ما يلى :
هل استطاع الحزب الشيوعى ان يحقق الاهداف التى نشأ من اجلها ؟
هل يستطيع الان تحقيق تلك الاهداف ؟
هل احتفظت هذه الاهداف بقيمتها ذاتها طوال هذه العقود ؟
هل بامكاننا ازاء هذه التطورات الهائلة التى عصفت بالكوكب ان نتظاهر بان شيئا لم يحدث واننا نستطيع ان نواصل السير كما فعلنا فى الماضى ؟
اسئلة تحيّر الالباب ، وتمسك بالرقاب ، وتؤرّق الضمائر، ولا يستطيع ان يتجاهلها الا اولئك (المعصومون من الاهتزازات ) والذين لا نحن منهم ولا هم منا .


هل حقق الحزب لشيوعى شعاره الاساسى فى التحوّل الى قوة اجتماعية كبرى ، والى حزب جماهيرى مؤثر وفعّال على النطاق الوطنى ؟
ولا نتردد فى الاجابة بالنفى.
لقد فشل الحزب فى تحقيق ذلك الشعار ، بالصورة التى تصوّرها مؤسسوه ، وبالكيفية التى تؤهله ليطمح طموحا عقلانيا فى الوصول الى السلطة وتنفيذ البرنامج المشار اليه . لقد ذكرت وثائق الحزب فى تقييم الاداء الحزبى عند التحضير لثورة اكتوبر ان عدد اعضائه لم يكن يتعدى بضع مئات ، وهو نفسه يمكن ان يقال عن الحزب وهو يواجه انتفاضة ابريل كما يكمن ان يقال عنه حاليا وهو يصارع العسكرية الثالثة. وقد حكى لى احد قادة الحزب انه مرت عليهم لحظات اثناء دكتاتورية نميرى كانوا يشعرون فيها ان وجود الحزب يتمثل فى وجود الاعضاء الخمسة لسكرتارية اللجنة المركزية . ليس فى حالة نشاط مشترك بل كل على حدة ! واذا كان ذلك يعبّر عن الصلابة وقوة الارادة والاستماتة فى التمسك والدفاع عن وجود الحزب ، فهو يعبر فى نفس الوقت عن انكماش الحزب وتحوله فى ذهن ذلك الشخص القيادى الى قبضة يد واحدة. ويعبر بعض القادة حاليا عن استهانة ظاهرة بان عشرات الالاف من اعضاء الحزب قد تركوا صفوفه او جمدوا نشاطهم او خفضوه. ولا نحتاج الى القول ان حزبا بهذا الحجم لا يمكن ان تساوره الامال بتغطية الساحة الوطنية ، خاصة اذا كانت متسعة ومتنوعة ، اتساع وتنوع السودان.
ان اهم الاسباب التى اعاقت نمو الحزب وحالت بينه وبين صيرورته قوة اجتماعية كبرى ، وحزبا جماهيريا على النطاق الوطنى - فى اعتقادنا - هى التالية:
* القمع الشرس الذى ووجه به الحزب منذ تأسيسه وحتى اليوم ، وازاء هذا القمع الشرس والمتواصل ، اضطر الحزب الشيوعى الى الحياة السرية المطلقة ، وما يصاحبها من امراض الحلقية والانكماش والاحجام ، ومن الانغلاق امام الجديد وامام الجماهير، وقد وجدت عناصر مؤثرة كثيرة، ان الحياة الداخلية السرية لا تناسبها ولا تتسع لها . كما وجدت عناصر اخرى ان الابواب مغلقة امامها .
* واقع بلادنا المتسم بكون القطاع الحديث الذى يمور بالنشاط والحيوية ، قطاعا ضيقا نسبيا، مع اتساع القطاع التقليدى الذى يضم الاغلبية الساحقة للسكان ، ويمثل قوة جذب هائلة الى الوراء . وفى مثل هذا الواقع يكون من العسير بناء تنظيم وطنى حديث يتخطى الانتماءات القبلية والطائفية والعرقية والنزاعات الاقليمية.
* قيام الحزب على اساس الماركسية اللينينية يتطلب من المرء ليكون عضوا من اعضائه ، ان يتوصل لتبنى موقف فلسفى متكامل من الوجود . موقف سيصف نفسه بانه استوعب اعظم ما توصلت اليه البشرية فى مجالات وحقول الفلسفة والاقتصاد والاجتماع والثقافة ، وتخطاها تخطيا جدليا . ان مثل ذلك الانتماء لم يكن فى متناول الاغلبية الساحقة من شعبنا ، لا تاريخيا ولا معرفيا .وهو ليس فى متناولها الان او فى المستقبل المنظور. وانه طموح غير عقلانى ان نحاول بناء حزب من الفلاسفة فى مجتمع امى .

(* الموقف الفلسفى المادى للماركسية ، والذى لا يمكن التوفيق بينه وبين التصورات الدينية حول الكون والخلق الاّ بمعجزة ، قد سهّل مهمة اعدائه فى انشاء حائط اصم بينه وبين الشعب . ان تركيز القوى التقليدية والرجعية بمكر وخبث على هذا الجانب ، قد وضع عقبات كؤود بين الحزب والجماهير. وذلك فى وسط اجتماعى يشكل الدين نسيجه المعرفى والقيمى والاخلاقى. وقد تعرض الحزب لحملات بالغة العنف والفظاظة ، اعتمدت على الترويج الخبيث لمواقف عملية مزعومة ، يقفها ضد الدين ، وقد تصدى الحزب لتلك الحملات ولكن الماساة التى صاغها التاريخ ، وطوّق بها الحزب ، هى ان الاغلبية الساحقة من الجماهير كانت تقف خارج دائرة البث الفعّال التى يغطيها الحزب باقواله وافعاله ، سواء بفعل الامية السياسية والثقافية ، او العزلة الجغرافية ، او محدودية اداة البث ذاتها . فى الوقت الذى كان فيه خطاب القوى الرجعية واصلا لكل اقسام الجماهير.
* تضاف الى شمولية الانتماء الفلسفى ، شمولية الموقف والبرنامج السياسى، وقد تمثل ذلك فى برنامج الحزب الذى يغطى ثلاث مراحل ، ويطرحها جميعا للتنفيذ . وهى مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، ثم الاشتراكية ، فالشيوعية . وقد حاء ذلك فى برنامج الحزب الذى قال : ان الحزب الشيوعى بطبيعته هذه ن يهدف الى تغيير المجتمع السودانى بانجاز الثورة الوطنية الديمقراطية ، والسير بالبلاد نحو الاشتراكية ، والشيوعية.
ولا ينظر الحزب الى مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية والمطروحة للانجازالا كمرحلة اعداد للاشتراكية وهى بالتالى مرتبطة بها ومفضية اليها . برنامج الحزب اذن عبارة عن حلقات مترابطة ترابطا وثيقا ولذلك فان الشخص الراغب فى نيل عضوية الحزب مطالب بتبنى مشروع سياسى متكامل يغطى الحاضر ، وكل المستقبل ويسعى نحو اقامة نظام اجتماعى ، ليس لهذا الجيل وحده ، ولا الجيل الذى يليه ، بل للمجتمع الانسانى ككل منذ اللحظة الحاضرة والى الابد.)


* الموقف الفلسفى المادى للماركسية ، والذى لا يمكن التوفيق بينه وبين التصورات الدينية حول الكون والخلق الاّ بمعجزة ، قد سهّل مهمة اعدائه فى انشاء حائط اصم بينه وبين الشعب . ان تركيز القوى التقليدية والرجعية بمكر وخبث على هذا الجانب ، قد وضع عقبات كؤود بين الحزب والجماهير. وذلك فى وسط اجتماعى يشكل الدين نسيجه المعرفى والقيمى والاخلاقى. وقد تعرض الحزب لحملات بالغة العنف والفظاظة ، اعتمدت على الترويج الخبيث لمواقف عملية مزعومة ، يقفها ضد الدين ، وقد تصدى الحزب لتلك الحملات ولكن الماساة التى صاغها التاريخ ، وطوّق بها الحزب ، هى ان الاغلبية الساحقة من الجماهير كانت تقف خارج دائرة البث الفعّال التى يغطيها الحزب باقواله وافعاله ، سواء بفعل الامية السياسية والثقافية ، او العزلة الجغرافية ، او محدودية اداة البث ذاتها . فى الوقت الذى كان فيه خطاب القوى الرجعية واصلا لكل اقسام الجماهير.
* تضاف الى شمولية الانتماء الفلسفى ، شمولية الموقف والبرنامج السياسى، وقد تمثل ذلك فى برنامج الحزب الذى يغطى ثلاث مراحل ، ويطرحها جميعا للتنفيذ . وهى مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، ثم الاشتراكية ، فالشيوعية . وقد حاء ذلك فى برنامج الحزب الذى قال : ان الحزب الشيوعى بطبيعته هذه ن يهدف الى تغيير المجتمع السودانى بانجاز الثورة الوطنية الديمقراطية ، والسير بالبلاد نحو الاشتراكية ، والشيوعية.
ولا ينظر الحزب الى مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية والمطروحة للانجازالا كمرحلة اعداد للاشتراكية وهى بالتالى مرتبطة بها ومفضية اليها . برنامج الحزب اذن عبارة عن حلقات مترابطة ترابطا وثيقا ولذلك فان الشخص الراغب فى نيل عضوية الحزب مطالب بتبنى مشروع سياسى متكامل يغطى الحاضر ، وكل المستقبل ويسعى نحو اقامة نظام اجتماعى ، ليس لهذا الجيل وحده ، ولا الجيل الذى يليه ، بل للمجتمع الانسانى ككل منذ اللحظة الحاضرة والى الابد.


* طرح الحزب الشيوعى نفسه للمجتمع السودانى على اعتبار انه حزب الطبقة العاملة، يعبر عن مصالحها اولا وقبل كل شىء ، ويجعل تلك المواقف القريبة والبعيدة ، معيارا لصحة المواقف وسداد السياسات. وهذالم يمنعه من التوجه الى ابناء الطبقات الاخرى من مثقفين ومزارعين وبرجوازية صغيرة ووطنية والذين بدورهم لا يلجون ابواب الحزب الاّ بمقدار ايمانهم بعدم مشروعية مصالح الطبقات التى ينتمون اليها على اعتبار انها مصالح عابرة سيتخطاها التاريخ فى نهاية المطاف. وبرغم ان تخلى المرء عن مصالحه الخاصة او الطبقية امر ينطوى على الكثير من النبل من الناحية النظرية، لكنه فى الحقيقة لا يجذب سوى اقلية ضئيلة من ابناء تلك الطبقات. ويصدق هذا فى ظل اوضاع لا تنحاز فيها الطبقة العاملة نفسها الى فكرها ومصالحها . وربما تكون مقولة الانحياز الى فكرة الطبقة العاملة ستكسب ابعادا هامة لو ان التاريخ صدق نبوءة الماركسية حول الاستقطاب الاجتماعى الشامل بين البروليتاريا من جانب ، والبرجوازية من الجانب الاخر. ذلك الاستقطاب الذى لا تجد ازاءه الطبقات الوسيطة سوى الانحياز الى هذا الجانب او ذاك ، مع غلبة تيار المنحازين الى البروليتاريا ، لان خلاص المجتمع سيتم على يديها ، ولان البرجوازية تعانى حينها سكرات الموت. وللاسف الشديد فان التطور الاجتماعى لم يسر فى تلك الوجهة . بل حدث العكس تقريبا . فقد تنامت الطبقات الوسطى على حساب البروليتاريا اساسا، وعلى حساب البرجوازية كذلك . واصبحت تشكل الاغلبية الساحقة فى كل المجتمعات الرأسمالية المتقدمة . وبانتصار الثورة العلمية التكنولوجية فى تلك المجتمعات حدثت تطورات عاصفة حولت البروليتاريا - اى الطبقة العاملة الصناعية - الى قوة هامشية بين ١٠ الى ١٥ فى المائة من مجموع السكان . وتحوّل انتاج الثروة القومية بصورة حاسمة من اليد الى الدماغ. واصبحت المعرفة والمعلومة والفكرة والتصميمات الذهنية ، هى اداة الانتاج الاساسية . وهذه تمتلكها الطبقات الجديدة والفئات الجديدة ، والتى ولدتها الثورة العلمية التكنولوجية . وقد اصبحت هذه الفئات والطبقات الجديدة هى المنتجة الاساسية للثروة، واصبحت هى الوحيدة القادرة على قيادة المجتمع. لقد تضاءل دور البروليتاريا وجاء عهد الكونمنتاريا كما اسماها الفن توفلر فى كتابه Power Shift والتى تمتلك وسائل انتاجها بامتلاكها للمعرفة. وهى ادوات انتاج لا تستطيع البرجوازية نفسها ان تجردها منها . وهى ظاهرة جديدة لم يعرفها ماركس ولم ينظر لها .
ان كل الدلائل تشير الى ان وجهة التطور التاريخى ستحكم على البروليتاريا بالاضمحلال المستمر، ومن الناحية الاخرى فان العمليات الانتاجية فى المجتمعات الرأسمالية المتقدمة ، وبفضل نضال المنتجين ، وبفضل المساومة التاريخية التى ارتضتها البرجوازية خاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، اصبحت اكثر ديمقراطية لاشتراك العاملين انفسهم فى رسم اهدافها بهذا القدر او ذاك ، وباستقلال الادارة النسبى عن ملكية وسائل الانتاج ، وباشتراك اعداد متزايدة فى ملكية وسائل الانتاج نفسها ، وان باقدار متفاوتة . وقد كان هذا جزء من عملية شاملة توسعت فيها الديمقراطية لتشمل جل خلايا المجتمع . وقد ترسخت الحقوق والضمانات الاجتماعية . وبالرغم من ان ملكية وسائل الانتاج ظلت مطلقة من الناحية القانونية ، الا انها قد احيطت بقيود اجتماعية كثيرة من الناحية الفعلية . وقد تم كل ذلك على حساب البرجوازية . على حساب سيادتها المطلقة على المجتمع ، وتحديدها القاطع التام لاهداف العملية الانتاجية.
ان مآلات ومصائر الطبقة العاملة هامة جدا بالنسبة لحزب كحزبنا . فمشروع حزبنا قائم بجوهره على صيرورة الطبقة العاملة القوة الاساسية القائدة فى المجتمع . وهذا الموقع لن يتحقق لها الا اذا صارت المنتج الاساسى لثروة المجتمع ، وتحققت لها الغلبة العددية. ولكن هذه الاهداف التى هى اهدافنا لم تعد اهدافا للتاريخ .فقد كف التاريخ عن السير فى هذا الاتجاه. تتأكد هذه الحقيقة اكثر فاكثر مع اخذ المجتمعات بمنجزات الثورة العلمية التكنولوجية والطبقة العاملة فى بلادنا ضئيلة الوزن بالقياس الى عدد السكان وهى محصورة فى قطاع حديث محدود وهى غير نقية فى تكوينها الطبقى ، لان عددا من ابنائها يجمع بين الانخراط فى العمل الماجور والاحتفاظ بالملكية الصغيرة، كما ان جزءا كبيرا من العمال ينضم اليها فى هذا الموسم ويهجرها فى الموسم الذى يليه . ومعنى ذلك ان موقعها من الانتاج ليس المحدد الوحيد لايديولوجيتها ، هذا اذا كان الموقع فى الانتاج هو المحدد الوحيد لايديولوجية الطبقات ، وهو قول بعيد جدا عن الحقيقة .ومن هنا يصعب الحديث عن الطبقة العاملة السودانية الا اذا تعاطينا مع التلفيق ، وحددنا بصورة مسبقة وتحكمية ، ان الماركسية اللينينية هى تلك الايديولوجية وعلى الطبقة العاملة ان تتبناها رغم انفها وفى هذه الحالة لا يكون هناك فرق بين ان تتبنى هذه الايديولوجية او ان ترفضها ، لاننا لم نضع اعتبارا لهذا القبول او الرفض، فى وصف الماركسية بانها ايديولوجية الطبقة العاملة. ونحن قد فعلنا ذلك وما زلنا نفعله . ولكن الوصاية المبثوثة فى هذا القول لم تعد محتملة اليوم . فالوعى الديمقراطى قد تنامى بصورة تجعل من مثل هذا الادّعاءات فادحة الثمن على المروجين لها.
ان ازمة المشروع الماركسى تتمثل فى هذه النقطة بالذات ، وقد راهن هذا المشروع على حصان بدا جامحا ولكنه اصيب بالوهن فى منتصف الطريق . ولعله سيكون من المفيد ان نتذكر ان تعلق ماركس بالبروليتاريا كان فى اساسه تعلقا رومانسيا لفتى لم يتعدى العشرين الا قليلا عندما كان يبحث عن العدالة المطلقة ، فاستعار دون ان يعى مفهوم المسيح المخلص ، واصبغه على طبقة اثارت شفقته ، واستفز شقاؤها حسه العميق بالعدالة . وقد ظل ماركس فى نضجه وشيخوخته امين امانة مدهشة ، لمشروع كان قد صاغه فى صباه . ان من يقرأ نصوصه حول العمال الفرنسيين ، والعمال المهاجرين الالمان - الذين يشع النبل من اجسادهم - سيدرك بسهولة ما نرمى اليه . ان المطلع على اعمال ماركس لن يجد فى ترشيحه للبروليتاريا لقيادة التاريخ الانسانى سوى اسباب واهية .


ان الحزب الشيوعى السودانى قد بذل جهدا كبيرا ومتصلا لتأكيد هويته - البروليتارية - وترقية تكوينه البروليتارى . وقد ادى ذلك فى نظرنا الى سيادة اهتمامات ضيقة ، وغذى روح الانتصار الحالم لتلك اللحظة التى تنمو وتنضج وتسود فيها الطبقة العاملة. وقد ادى ذلك الى غربة الشيوعيين عن واقعهم غير البروليتارى اساسا . فاعرضوا عن الانخراط اليومى الحميم فى معرفة الواقع وتوجيهه وفق منطقه الخاص وليس وفق تصورات ذهنية غير واقعية . وقد ادى البحث عن - الهوية البروليتارية _ الى نشوء عدم الحساسية تجاه الفئات والطبقات الاخرى ، وانشأ جدارا من الاستعلاء والغربة بين الحزب وبين العناصر الراغبة فى الانضمام اليه من تلك الفئات والطبقات . وقد تأثر المثقفون خاصة بهذه الاتجاهات . كما ان النقاء البروليتارى قد تطابق فى كثير من الاحيان مع التعصّب والجمود واحتقار الرأى الاخر ، وقمعه ، باعتباره يمثل فكرا غريبا عن ايديولوجية الطبقة العاملة . لقد كانت هذه التهمة فادحة بالفعل . فالتعبير عن افكار غريبة يعنى الوكالة الفكرية عن الطبقات الاخرى ، وتمثيل مصالحها غير المشروعة ، داخل الحزب ، وهو عمل يمكن ان يوصم بالخيانة . وفى حالة براءة الشخص من تهمة الخيانة فانه فى هذه الحالة لن يكون بريئا من الجهل ، ولا من عدم نضوج الانتماء البروليتارى كون مجهوداته السابقة كلها فى - التثقيف الماركسى - قد ضاعت هباء.
ان الجو الفكرى الخانق فى الحزب الشيوعى والخوف الشديد من اى خلاف فى الرأى ، والاحجام عن التعبير عن اية افكار غير مألوفة وغير مقبولة للقيادة ، والاحجام عن استخدام مفردات لغوية جديدة ، ومحاربة بروز خطاب خاص لاى عضو من اعضاء الحزب ، اذ يشجع الجميع على التحدث بنفس اللغة ، ترجع اسبابه الى هذا الخطر الماثل المتعلق بالخروج عن ملة البروليتاريا. هذا الخوف يشمل البروليتاريين انفسهم داخل الحزب . فالخيانة الطبقية تشمل ايضا خيانة الذات.
وللتحلل من هذا العبء الفادح ، والخوف المقيم ، تركت مسألة التعبير عن ايديولوجية البروليتارية لقساوسة ايديولوجيين ، لمفوضين من طراز سوسلوف. وقد ادى هذا الى خنق الفكر داخل الاحزاب الشيوعية ، وتفريخ روبوتات بدلا عن افراد. وربما لا يكون هذا قد تحقق بكامله فى جميع الاحزاب ، ولكنه اتجاه قوى لا يستطيع ان ينكره احد.


المركزية الديمقراطية ...داء الحزب العضال :

العوامل التى عددناها ، والتى اعاقت نمو الحزب ، ذات طابع خارجى ، برانى . اى انها تختص اساسا بعلاقة الحزب بالمجتمع ، او الطبقات او الفئات المختلفة . ولكن ثمة عقبة ذاتية ، داخل الحزب الشيوعى ذاته ، تعيق نموه وتحبط تطوّره . وهى تتمثل فى المبدأ التنظيمى الذى يحكم حياته الداخلية والمسمى - المركزية الديمقراطية -..فسيادة هذا المبدأ التنظيمى هى المسؤولة عن عقم حياة الحزب الداخلية ، وضيقه فى الرأى ، وتبرمه باستقلال الفرد ونمو شخصيته المستقلة ، وتوخيه للطاعة المطلقة
فى كوادره واعتبارها شرطا اساسيا للترقى الحزبى . وهى المسؤولة عن ظهور الشيخوخة المبكرة فى هيئات الحزب القيادية.
وعلى كثرة ما قيل فى هذا المبدأ من مدائح ، وما دبج فى الدفاع عنه من مقالات وكتب ، فان الحجج التى تسنده لا تخرج عن اثنين:
١- ضمان وحدة الحزب والوقوف فى وجه اية محاولات تكتلية وسحقها فى مهدها .
٢- اقامة نظام طاعة حديدى يزعم انه يرتفع بفعالية الحزب الى الدرجة القسوى.
واذا افترضنا ان مبدأ المركزية الديمقراطية يؤدى بالفعل الى تحقيق هذين الهدفين، فانه يحققهما فى راينا ، بثمن فادح يملى علينا الاقلاع عن تبنى هذا المبدأ . ولو سلمنا جدلا بان المركزية المطلقة كان لها ما يبررها فى بداية القرن فى بلد مثل روسيا ، فانها حاليا قد فقدت اى مبرر تاريخى. ويبدو لنا ان الذى فكر فى الجمع بين المركزية والديمقراطية قد اتخذ الاولى كنقطة انطلاق واضاف اليها الثانية كمسوغ لقبولها ليس غير . وذلك لسبب بسيط وهو ان الديمقراطية تحتوى على مركزيتها الخاصة . فخضوع الاقلية لرأى الاغلبية مبدأ ديمقراطى معروف ، يضمن وحدة المنظمة المعنية ويجسد ارادتها . يضاف اليه مبدأ التمثيل الذى يؤدى نفس المهمة على المستويات الاعلى فالاعلى . وتكمل البناء الديمقراطى وترتقى بالفعالية الحزبية ، مبادىء اخرى صاغتها الافكار السياسية عبر القرون. مثل التوزيع الافقى للسلطة الحزبية، التخصص ، الاعتبارات الفئوية والجغرافية ، العرقية والقومية، المؤتمرات المنتظمة الصحافة الحزبية ..الخ .
وبما تشيعه الديمقراطية الحزبية من رضى عام وسط الحزب وهيئاته ، فانها ترفع فعاليته الى الحد الاقصى . وهكذا فان وحدة الحزب وفعاليته يمكن ضمانها باعتماد الديمقراطية وحدها كمبدأ تنظيمى.
ان ممارسات الاحزاب الشيوعية تشهد ان الديمقراطية قد تمت التضحية بها على الدوام لصالح مخدومتها المبجلة : المركزية المطلقة . فعلى مستوى الحزب ، صارت القيادات العليا تفرض هيمنتها الكلية على كل عضويتها وتحتفظ لنفسها بسلطات تظل تتسع باستمرار، وتتطور فى اثناء ذلك آليات تنظيمية تسحق كل نزعة مستقلة.
وعلى مستوى الطبقة العاملة، وبفضل نفس المبدأ ، تحولت المؤسسات التى انشاتها لخدمتها الى مؤسسات سيدة ، ومتعالية عليها . وعلى مستوى المجتمع ككل ، صارت السياسات البيروقراطية متنزلة من سماوات السلطة اوامر الهية لا تقبل الاخذ او الرد.
ان المركزية الديمقراطية هى مبدا الحماية المطلقة للقيادة فى مواجهة قاعدتها . فعندما تصل القيادة الى مراكزها السماوية عن طريق اليات المركزية الديمقراطية فان شيئا اقل من زلزال لن يزيحها من اماكنها . هذا مع الاعتبار الكافى لكون ممثليها كافراد يمكن ان يزيحوا عن طريق الموت او العجز الكلى ، او التآمر.
وحتى لا نتهم بالتحامل على المركزية الديمقراطية ، دعونا ناخذها فى صورتها المثالية ، ونفترض ان التنظيم القائم على اساسها قد طبق تطبيقا كاملا .فهيئاته من القاعدة الى القمة منتخبة ، ويسود فيها مبدأ خضوع الاقلية لرأى الاغلبية ، وتخضع الهيئات الدنيا للعليا ، وتعقد مؤتمرات الحزب بصورة منتظمة ، وتقرر برامجه ولوائحه فى هذه المؤتمرات ، وتصدر مجلاته الداخلية تحمل آراء مختلفة ومتصارعة لاعضائه ، وتصدر مجلاته وصحفه الجماهيرية لتحمل تصوراته الموحدة الى الشعب. هل ينتفى حينها طغيان القيادة واستئثارها بصلاحيات شبه مطلقة؟
اعتقد ان الاجابة بالنفى . وذلك لسبب محدد هو ان اجراءات انتخاب اللجنة المركزية ، وكل الهيئات القيادية التابعة لها هى اجراءات غير ديمقراطية. فاللجنة المركزية السابقة ، او مكتبها السياسى بالاحرى ، هى التى تقدم قائمة الترشيحات للجنة المركزية الجديدة. وما دامت هذه القائمة هى القائمة الوحيدة فانها ستفوز فى جميع الحالات . وفى ضوء القانون اللائحى بمنع التكتل والاتصالات الجانبية، فانه من المستحيل عمليا تبلور اية مجموعة ، بمعزل عن المجموعة القائدة ، تستطيع ان تقدم قائمة بديلة. ويبقى من حق الافراد اذا احتملوا الهمهمات الساخرة والنظرات القاسية ، ان يتقدموا بترشيحات فردية ، حظها من النجاح يكاد يكون صفرا. ولكن حتى اذا فازت فانها لا تؤثر على تركيبة القيادة . ولا يبقى امام المعارضين للترشيحات الجديدة سوى الامتناع عن التصويت وهو حق العاجز، الذى لا يقدم ولا يؤخر وبمجرد انتخاب اللجنة المركزية فان هيئات الحزب القيادية كلها يكون امرها قد حسم . واللجنة المركزية ، والمكتب السياسى، والهيئات المحيطة بهما ، هى التى تحدد سياسات الحزب ، ومواقفه العملية ، وهى التى تحكمه حكما صارما.
ويتم التركيز دائما على ان اجازة البرنامج السياسى هى الامر الاهم . وان العضوية عندما تجيز ذلك البرنامج فانما ترسم للقيادة اتجاهها ، وتحدد لها دورها . وهذا صحيح نظريا . ولكن عمومية البرنامج نفسه ، تسمح بسياسات وتفسيرات متعددة، وربما متناقضة. ولذلك لا يمكن الاحتجاج به . وما يقال عن الوحدة حول البرنامج ، يقال لصحة اكبر حول وحدة الايديولوجية .
وعندما تستند القيادة الى مبدأ خضوع الهيئات الدنيا الى الهيئات العليا فانها ستتمكن من فرض رأيها على مجموع الحزب حتى اذا كانت كل الهيئات الدنيا تعارض هذا الرأى . واذا كان هذا المبدأ هاما لفعالية اى تنظيم سياسى فان الضمانات الكفيلة بعدم طغيان القيادة لم توضع مطلقا.
وغالبا ما لا تخضع الوثائق التى يخرج بها المؤتمر لحوار جدى قبل المؤتمر او اثناء انعقاده. فوثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية على سبيل المثال تمت قراءتها على الاعضاء اثناء المؤتمر الرابع ، وهى كتاب . وتمت تعبئة الحزب حولها بعد انفضاض المؤتمر واستمرت التعبئة لاكثر من عام.


نخلص الى ان الحزب القائم على المركزية الديمقراطية كما اثبتت تجارب الاحزاب الشيوعية دون استثناء، هو حزب غير ديمقراطى . واذا كانت ثمة ديمقراطية داخله ، فهى من نصيب القيادة وحدها ، فى حين تتجه المركزية الى اخضاع القاعدة وتأديب المارقين.
ان المبادرة فى مثل هذا الحزب تأتى دوما من القيادة وحدها . ويصبح التلقى والتنفيذ هو القدر الذى لا مفر منه بالنسبة للقاعدة. فالمركزية المطلقة هى الاداة الفعالة لخلق قاعدة سلبية ، عديمة الارادة ، مغتربة داخل حزبها الذى جاء ليجتث الاغتراب من المجتمع ، وممزقة لا تدرى ماذا تفعل - ولا نعدو الحق اذا قلنا ان العلاقة بين القيادة والقاعدة دائما مأزومة ومريضة. فالقيادة دائما تنزل رؤيتها فى شكل توجيهات ، وتتوقع من القاعدة ان ترفع لها الشواهد والبراهين التى تؤكد لها صحّة تلك التوجيهات وتقمع وتحجب ما عداها . وان القاعدة تنتظر راى -الحزب - فى كل صغيرة وكبيرة ، معتقدة ان الحزب هو هيئاته القيادية. وبين هذه وتلك ، يوجد الجهاز الحزبى المتخصص فى تنزيل التوجيهات ورفع التأكيدات.
وبالتدريج ، وبفعل هذه الالية ، وبفعل الدوافع والنوازع الانسانية ، البالغة التعقيد ، وبفعل تأثيرات السلطة الحزبية ، او السلطات السياسية اذا وجدت ، يتحول رأى الحزب وتوجيهاته الى اوامر اتوقراطية غير قابلة للمراجعة. وتتحول تاكيدات القاعدة الى مديح وثناء وتأليه وعبادة . فعبادة الفرد ليست سوى عبادة القيادة. وليست سوى الثمرة السامة للمركزية الديمقراطية. واذا كانت تخلق على مستوى القيادة ، طغاة قساة القلوب، مثل ستالين وشاوشيسكو، او تسمح لهم بالصعود ، فانها على مستوى القواعد تخلق جيشا كاملا من المداحين، والكذابين ، وماسحى الجوخ والمزيفين والمزيفين والمزيفين. وهؤلاء هم الذين سيحتلون تدريجيا اهم الوظائف الحزبية ، ويفرضون سيطرتهم الكاملة على جهازالحزب ، ويسخرونه فى عمليات القمع القاسية ، وعمليات الافتراء الخبيثة والتى يوجهونها ضد اشرف وانظف العناصر الحزبية هذه العناصر التى تستفزهم استفزازا لا يحتمل بمحض نبلها واستقامتها وصدقها واستماتتها فى الدفاع عن القضية النبيلة التى انشأ الحزب اساسا من اجلها. وهنا يصبح الحزب مريضا مرضا لا شفاء منه ، مغتربا عن ذاته ، وعن رسالته ، وعن مجتمعه. وبدلا عن ان يكون منفذا للمجتمع يتحول الى خطر ماحف يهدده . انه يغرق بالكامل فى مرحلة انحطاطه ولن يشفى الا باستئصال تام لاورامه الخبيثة.
ويمكن للحزب ان يقاوم هذه الاتجاهات التى اشرنا اليها ، من جهة التعبير عن نفسها بالكامل ، ما دام فى صفوف المعارضة، ولكنه لا يستطيع مقاومتها مطلقا اذا استولى على السلطة . وتجربة الاحزاب الشيوعية فيما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكى خير شاهد على ذلك . فالظاهرة الستالينية هى القاعدة وليست الاستثناء فى جميع هذه التجارب. وبانتقال الحزب الى السلطة ينتقل مبدا المركزية ليشمل المجتمع ككل . وتنتقل ظواهرها السالبة من حيزها الحزبى المحدود الى الحيز الوطنى العام . كما انها تصبح اكثر تفاقما وعمقا وعقما ايضا.


( ان منع تكوين الاقلية ، ومأساة الرأى الاخر ،ومصادرة الديمقراطية ، وانشاء بنية سايكولوجية متينة لدى عضو الحزب تخشى الاختلاف والاستقلال والتميّز خشيتها للمرض ، هى ظواهر كفيلة باحباط وسحق تطور اى حزب او منظمة . ولا غرو ، فذلك يمثل الالغاء العملى لفعلية قانون التناقض الماركسى والذى هو القوّة الدافعة لكل تطوّر. فهذا القانون القائم على وحدة وصراع الاضداد قد ابطل فعله داخل الحزب بالتركيز وحيد الجانب - المرضى احيانا - على الوحدة على حساب الصراع. وانه لمن المفارقات الاليمة فى تاريخ الفكر السياسى والتنظيمى ان يبادر الداعون الى نظرية ما ، والمؤمنون بصحّتها وصوابها ، الى الغاء جوهرها حينما يشرعون فى تطبيقها . خاصة وان تلك النظرية تصر على وحدة الفكر والتطبيق، وتعتقد ان حقيقتها لا تتكشّف الاّ فى وحدتها . للاسف الشديد فان هذا هو بالضبط ما حدث بل ان اكثر ما يثير القيادات الحزبية ويفجّر غضبها هو القدح فى مبدأالمركزية الديمقراطية الذى ادى الى كل هذه النتائج السالبة . ولا يحدث هذا الا لان هذا المبدأ يتعلق بالسلطة الحزبية وبحماية المواقع القيادية.
بعد استعراصه لعدد من الوثائق الحزبية الاساسية للحزب الشيوعى السودانى التى تعترف بضمور الديمقراطية داخل الحزب وانتشار الوصاية وغياب المبادرات ، وذلك فى متن دراسته (آن اوان التغيير) يقوم الكاتب باختتام نقده للمركزية الديمقراطية بايراد الملاحظات المهمة التالية:

ويجب الاشارة الى ان الوثائق المشار اليها تعتقد ان الخلل يتمثل فى تطبيق مبدأ - المركزية الديمقراطية - بينما نعتقد نحن ان الخلل يتمثل فى المبدأ نفسه . فيما عدا ذلك فالاتفاق جوهرى ، لان ما تحذر منه وثيقة (الماركسية وقضايا الثورة السودانية) على سبيل المثال وترفضه هو ضمور الديمقراطية ومصادرتها لصالح المركزية . وهذا ليس امرا عارضا بل هو من طبيعة المبدأ نفسه الذى تصاغ على اساسه البنية الحزبية كلها. وهو ليس امرا عارضا لان جميع الاحزاب الشيوعية المحكومة بهذا المبدأ اتسمت ممارستها بالمركزية المطلقة وصادرت الديمقراطية ولم تتنازل الاّ مجبرة وفى ظروف استثنائية مكنت عضوية هذه الاحزاب بمغالبة قياداتها واسترجعت حقوقها عنوة واقتدار.
خلاصة القول ان المركزية لا تصلح لحزب يرغب ان يكون ديمقراطيا، وان يشيع الديمقراطية وسط اعضائه خاصة ، ووسط المجتمع بشكل عام . ومن المفارقات ان قيادة حزبنا تقبل الديمقراطية الليبرالية كنظام سياسة للمجتمع وتعمل لها وتناضل من اجلها ، بينما تعض بالنواجز على نظام حزبى هو ابعد ما يكون عن الديمقراطية ويكون ادّعاء الحزب هنا بأنه سيكون امينا على ممارسة الديمقراطية فى المجتمع ، بينما يقمعها داخل صفوفه ، بلا اساس . ويكون قبوله المعلن للديمقراطية نوعا من النفاق .
ان الحزب ليكون ديمقراطيا يجب ان يقوم على الديمقراطية وحدها . فهى بالنسبة للحزب ، لصحته ونموه ، وتطوره ، ضرورية ضرورة الماء والهواء . هى الشرط الذى لا غنى عنه لنيل موافقة المجتمع المعاصر على تسليم السلطة لحزب من الاحزاب. فالحزب الذى لا يقوم بناؤه على الديمقراطية ليس مؤتمنا على نظام سياسى ديمقراطى ، ففاقد الشىء لا يعطيه . ان الحزب القائم على المركزية الديمقراطية لن يولد ، مهما فعل ، نظاما سياسيا مخالفا لما شهدته بلدان شرق اوروبا والاتحاد السوفيتى وغيرها من البلدان ذات التجارب الشبيهة. وفى الفكر الديمقراطى ، وتجارب الاحزاب الديمقراطية كتاب مفتوح نأخذ منه ، ونضيف اليه

الجبهة الوطنية الديمقراطية
جسم جبهة برأس حزب
طرح المؤتمر الرابع فى اكتوبر ١٩٦٧م ، وفى وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، مفهوم متكامل للجبهة الوطنية الديمقراطية على النحو التالى:
(الجبهة الوطنية الديمقراطية تقوم فى بلادنا على اشكال متنوعة ومختلفة من التنظيمات . وهى فى نفس الوقت تسير فى شكل حركة عامة وواسعة للنضال الوطنى الديمقراطى ، تربطها اجزاء من برنامج هذه المرحلة تختلف قدرا ومستوى ، ووفق طبيعة تلك التنظيمات المتنوعة، ووفق المستوى الذاتى للجماهير المنضوية تحت لواء تلك التنظيمات ، وتجتمع فى المجرى العام بوصفها حركة منظمة ذات اتجاه يعالج فى الاساس مهام الثورة الوطنية الديمقراطية. ولذلك فان استعجال شكل مركزى لهذه الحركة تقدير ذاتى خاطىء ، وتجاهل للظروف الموضوعية القائمة ، وللظروف الذاتية الخاصة بمستوى الوعى الجماهيرى المختلف والمتفاوت بين الجماهير الثورية (* ص ١٦٢ وتحذر الوثيقة مما اسمته - التصور العمودى- قائلة :
(لا يمكن للجبهة الديمقراطية ان تقوم فى شكل تنظيم عمودى ثابت ومحدد المعالم مثله فى ذلك مثل الحزب السياسى)
ويتم التركيز فى النصين اعلاه على كون الجبهة الوطنية الديمقراطية ليست تنظيما عموديا كالحزب السياسى ، وانما حركة عامة من تنظيمات مختلفة ، تناضل باقدار متفاوتة من اجل تنفيذ برنامج واحد. وان استعجال شكل مركزى لها يعد اتجاها خاطئا.
وينطلق هذاالتحليل من حقائق لا مراء فى صحتها ، ففى واقع التطور غير المتوازن فى السودان ، واختلاف مستويات الوعى ، ومكونات الثقافة ، بالنسبة لمختلف اقسام الجماهير ، مما مما يجعل فرض شكل تنظيمى واحد عليها مسألة محكومة عليها مسبقا بالفشل. وانها لمحمدة لوثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية انها اقتربت من الواقع السودانى ، وصاغت استنتاجاتها على اساس الدراسة مهما كانت نقائضها . وتصل الوثيقة الى استنتاج صحيح عندما ترفض الشكل العمودى الذى يصب صبا من اعلى مستويات السلطة كماحدث بالنسبة للاتحاد الاشتراكى العربى فى مصر، او من مواقع التصورات البيروقراطية المسبقة كما يحدث لكثير من الاحزاب. ولكن هل يعنى رفض الشكل العمودى رفض القيادة المركزية؟
لقد تمّ تفسير المسألة على هذا الاساس . ولكننا نعتقد ان هذا كان واحدا من اكثر الاستنتاجات اضرارا بالحركة الديمقراطية فى السودان . اذ حال بينها وبين بناء حلف ديمقراطى حقيقى ، توفرت كل الظروف الديمقراطية لبنائه . فاستبعاد قيام قيادة مركزية للجبهة الديمقراطية قد جعل القوى الديمقراطية تتحوّل الى جسد بلا رأس ، بكل ما يعنيه ذلك من احباط وبوار. فقد نشأت تنظيمات مختلفة للجبهة الديمقراطية ، وسط فئات اجتماعية مختلفة ، وفى مناطق مختلفة من البلاد، ولكن انعدام القيادة الواحدة منع هذه التنظيمات من رؤية نفسها كجزء من بناء وطنى شامل ، ورؤية برامجها كجزء من فعالية وطنية عامة ، ترمى الى تغيير المجتمع. وفى كل اللحظات الحاسمة كان الحسد اقل كثيرا من مجموع اجزائه ، لان تلك الاجزاء ن بدلا من ان تتفاعل وتتكامل ، وتوحد افعالها واهدافها وارادتها ، ظلت اسيرة للتشرزم والغربة بل والتناقض والتصادم فى بعض الاحيان. ولا يصعب على المرء ان يستبين ان تعدد مكونات الجبهة الديمقراطية وتفاوتها لا يحول بينها وبين تكوين قيادة وطنية تعكس هذا التفاوت والتعدد، وتعمل فى نفس الوقت على صهر هذه المكونات واخضاعها الى مخطط وطنى ديمقراطى لا يقاوم. كما ان تكوين مثل هذه القيادة الوطنية لا يعنى تجميد وتخليد لحظة معينة من عمر الجبهة لان اى تغييرات تطرأ على الجسم الديمقراطى الكبير ستجد التعبير عنها فى رئاسته. وكان من الممكن ان تنشأ علاقة بالغة الغنى والخصوبة بين هذه القيادة ومكوناتها المشتملة على كل الوان الطيف السياسى واذا تأملنا المسألة من قريب لوجدنا ان دور القيادة الوطنية لجماهير الجبهة الديمقراطية لم يكن غائبا عن الواقع. بل كان يضطلع به بالوكالة الحزب الشيوعى السودانى ، وذلك بحمله لهذه التنظيمات على تبنى سياساته ومواقفه الوطنية ، اما عن طريق المجموعات الشيوعية العاملة داخل هذه التنظيمات ، او عن طريق منابره المختلفة الداعية الى تبنى هذا الموقف او ذاك، هذه القيادة الوطنية او تلك . هذه ال Surrogate Leadership غير مبررة لان الحزب الشيوعى نفسه هو الذى صاغ لها المرتكزات النظرية ، وهى مرتكزات غير ديمقراطية ، لانها تضع هذه الجماهير امام خيارات صعبة فاما ان تتبنى مواقف وطنية لم تشارك فى ضياغتها ، وتسير خلف قيادة وطنية لم تنتخبها ، واما ان تلجأ الى ممارسات انعزالية ضارة بالحركة العامة ، واما ان تضرب عن العمل الوطنى جملة.


وكنتيجة مباشرة لمقولة - لا قيادة مركزية للجبهة الوطنية الديمقراطية - تشرزمت بصورة مؤلمة قوى الجبهة الديمقراطية . فنشأت الروابط الاشتراكية وسط المهنيين بمختلف تخصصاتهم كمنظمات قطاعية محدودة الصلاحيات ، تعالج فى نشاطها ، النقابى اساسا ، قضايا محددة تقتصر فى الغالب الاعم على جماهير قطاعها . وقد كانت هذه محنة قاسية للمثقف الديمقراطى الذى يملك بحكم وعيه وعلمه وخبرته ونضاله ، رؤية وطنية شاملة ، ويبحث عن حيز وطنى لفكرته وفعاليته ، والذى تعوّد من خلال حياته الطلابية ان يلعب دورا مؤثرا ومدويا فى الحياة والقضايا الوطنية . سواء من خلال الجبهة الديمقراطية ، او من خلال المؤسسات الطلابية المختلفة والاتحادات . وبدلا من ان يجد نفسه فى تنظيم فاعل على النطاق الوطنى عند تخرجه واثناء حياته العملية ، فانه يجد نفسه محشورا فى - غيتو سياسى - لا يخرج منه الاّ فى المناسبات الوطنية الكبيرة ، ان لم نقل الاّ فى الثورات والانتفاضات . لقد سحب من هذه التنظيمات الفضاء الوطنى للنشاط ، والحيز الوطنى للفعالية ولا غرو ، فان الكثيرين لا يجدون داخلها هواءا نقيا كافيا، وان يهجرها الكثيرون ، او يكتفوا بداخلها بوجود شبحى باهت. وامعانا فى تقطيع اشلاء هذه المنظمات فان المنظمين الشيوعيين لم يسمحوا لابناء القطاع الواحد والمهنة الواحدة - المهندسين مثلا - بان يكوّنوا تنظيما شاملا لابناء مهنتهم على نطاق الوطن . فصارت هذه التنظيمات تتبع للمديريات الحزبية بدلا عن ان تتبع مباشرة لقيادة الحزب المركزية .وعلى كل حال فان الوضع التنظيمى للمهنيين ، المثير للحزن والمرارة ، وبالفوضى والتشويش ، يعبر كله عن رغبة دفينة فى تحجيم دور المثقف الوطنى الديمقراطى ، الحاضر ابدا فى الساحة الوطنية ، لصالح قوى غائبة يؤمل أن يتمخض عنها الغيب.


لقد تجلى سحب البساط الوطنى من تحت تنظيمات الجبهة الديمقراطية ، وغلاق آفاق الرؤية الوطنية فى وجهها ، تجلى فى تكوين - التحالف الديمقراطى - بعد الانتخابات الاخيرة . فقد منعت هذه التنظيمات من صياغة برامجها الخاصة ، ونشر توبيخ علنى لفرع بيت المال فى جريدة الميدان لان الفرع قد توصل مع الديمقراطيين المتحالفين معه فى خوض الحملة الانتخابية الى صياغة برنامج يعالج القضايا المحلية والوطنية، خاص بالتحالف الديمقراطى .وبنشر ذلك التوبيخ احجمت المجموعات الاخرى عن صياغة برامج تعمّق تحالفاتها وتوثقها. وعلى المستوى التنظيمى حصرت التحالفات الديمقراطية فى الدوائر الانتخابية . ولم يسمح لهذه الدوائر ان تقيم اية علاقات ببعضها .وكان ذلك بمثابة تقطيع دائرى للاشلاء والغريب فى الامر ان نواب المعارضة الديمقراطية كانوا ينظرون الى انفسهم كممثلين للتحالف الديمقراطى عموما ، وليس فى حدود دائرة . اى انهم يمثلون قاعدة غير مسموح لها بالاختلاط السياسى او التنظيمى . وعندما لا ينمو التحالف الديمقراطى ، ولا يسجل حضورا وطنيا خلال ثلاث سنوات من تكوينه فان احدا لن يستغرب مطلقا.


ديمقراطية الفراكشنات
ان سحب الفضاء الوطنى لم يكن هو الآفة الوحيدة التى اعتورت التنظيمات الديمقراطية . وامتصت عافيتها ، وذهبت برونقها وروانها ، بل تزامنت معها آفة ثانية تمثلت فى غياب الديمقراطية . وفساد الحياة الداخلية ، واستشراء ظاهرة الوصاية والتكويش والتجاوز . وقد نتج ذلك اساسا من تمتع الشيوعيين بحقوق تنظيمية - وبالتالى سياسية - اكثر من الديمقراطيين - فمن المعروف ان جدول الاعمال المطروح على الجبهة الديمقراطية قد نوقش مسبقا داخل فرع الحزب الشيوعى ، او داخل الفراكشن ، والفراكشن هو الجزيىء من الشيوعيين العامل وسط المنظمات الديمقراطية. ومعنى ذلك ان الشيوعيين يتبنون رايا موحدا ازاء كل القضايا المطروحة بما فى ذلك الاقلية التى رفضت آراؤها داخل الحزب . ويعرف كل ديمقراطى انه يقف ازاء مجموعة لا تغيّر موقفها الا وفق آلية تقع خارج التنظيم الذى ينتمى اليه ، وبالطبع خارج الاجتماع الذى يحضره . كما يعرف ان عددا من هذه المجموعة يحمل آراءه ، ولكنه وبفعل تلك الآلية لا يستطيع ان يدعم موقفه ، بل يتحدث داخل الاجتماع حديثا لا يعبر عن قناعته الشخصية . واذا كانت تجربة الفركشن ، او تجربة الحق التنظيمى الاضافى ، قد اثبتت فعالية كبيرة فى تمرير سياسات الحزب من خلال تنظيمات الجبهة الديمقراطية ، فانها قد اقترنت فى نفس الوقت بخسائر اخلاقية وتمزقات نفسية ، سواء بالنسبة للشيوعيين او للديمقراطيين ، لا تقدر بثمن . والمهم ان هذه الآلية تؤدى بصورة لا مفر منها الى فساد الحياة الداخلية ، وتحويل الديمقراطية الى اجراء شكلى ، يعرف الجميع انه يحتوى على كثير من المكر . وتشجيع هذه الآلية على صعود العناصر الانتهازية والمستهبلة والمنافقة والمتآمرة ز فالطلب على خدماتها يتزايد باستمرار . والنتيجة المنطقية لكل ذلك هى تحول الجبهة الديمقراطية الى تنظيم غير ديمقراطى ، طارد للعناصر التى تتميز بالحساسية الديمقراطية العالية ، والتى تعتّز بتميزها وفكرها الاصيل . ومواقفها المستقلة . ويؤدى ذلك على النطاق الجماهيرى العام الى اذدياد النفور السياسى واحجام الجماهير عن الالتحاق بتنظيمات لا يجدون فيها انفسهم.

الحزب الشيوعى والمثقفين
لقد تمّ تصنيف المثقفين جميعا ، وبمختلف فئاتهم بأنهم برجوازية صغيرة ، وفى ظل مفهوم سائد بأن الاصل الطبقى هو المحدد الوحيد للمواقف النظرية والانتماءات العملية ، وفى ظل قناعة راسخة بأن البرجوازية الصغيرة منقوصة الثورية ، متذبذبة المواقف مستعدة للخيانة ، كانعكاس مباشر لوضعها المتذبذب فى علاقات الانتاج ، وخضوعها للاقدار العمياء التى يمكن ان ترفعها الى مصاف البرجوازية ، او ان تنحدر بها الى صفوف البروليتاريا ، وذلك وفق منطق مقولة الاستقطاب التى تحدثنا عنها . وقد استخدمت مقولة البرجوازية الصغيرة كمبدأ مريح لتفسير الظواهر ، بل لتفسير الظواهر ، بل لتفسير نقائضها فى نفس الوقت . وقد كانت المقولة نفسها واسعة بحيث تشمل الطلاب بصرف النظر عن انتماءاتهم الاسرية ، وتشمل المعلم شبه المعدم ، والطبيب الذىيملك وسائل انتاجه ، والتنفيذى الذى يتصرف فىممتلكات القطاع العام . كما تشمل التجار والمزارعين وضغار الباعة والحرفيين ، الاميين وغير الاميين والجمع بين كل هذه الفئات فىمقولة فكرية واحدة ، لا يبرره الا الاعتقاد بأن كل هذه الفئات ذات وجود عرضى مؤقت ، وانها ستذوب فى نهاية المطاف فى الطبقتين الاساسيتين ، وان عملية التذويب والصهر هذه ، هى الجديرة بالاهتمام ، وبذل الجهد ، اكثر من البحث عن التمايزات الدقيقة ، ودرجات اللون والظل . وما دام المجتمع المعاصر يوضح ان هذهالفئات بدلا من ان تذوب ، وتريح المنظّر السياسى الماركسى من العناء ، تنمو باطراد ، وتشكل الاغلبية الساحقة من المجتمع ، فان المقولات التعميمية ، الفارقة فى الغموض لم تعد تجدى فتيلا . والذى يتجاهل المؤثرات الثقافية ليجمع فى فئة واحدة عالم الفيزياء ، ومهندس الطيران ، وطبيب المخ والاعصاب ، وعالم الاجتماع من جانب ، وبين الاميين من صغار الباعة والمالكين لا يكشف سوى الغربة التامة عن العلم الاجتماعى .

الذى يهمنا فى هذا المقام ان تصنيف المثقف كبرجوازية صغيرة ، مع الشناعات التى تلصق عادة بهذه الطبقة ، قد جعلت وضعهم داخل الحزب غير مريح . ووضعته دائما فى موضع الدفاع عن النفس ، واصابته بعقدة الخيانة الطبقية ، والارتداد الى الاصل ، وجعلته شخصية خانقة وعصابية . ولذلك فان الفعالية الحرة للمثقف لم تجد التشجيع ، بل وجد نفسه محكوما بمسلمات صارمة ، وكان نشاطه مرغوبا فيه ما - يشرح خط الحزب - ، لا ان يثير اسئلة جديدة ، او يقدم استنتاجات غير متفق عليها ، ولم يكن ذلك الجو جاذبا للمثقفين ، فآثر بعضهم الابتعاد عن الحزب ، وآثر آخرون الخروج عن صفوفه ، وبقى آخرون يضطلعون بأدوار تحدد لهم .
لقد جاء فى كتيب - لمحات من تاريخ الحزب الشيوعى - احكام لا تخلو من قسوة بحق المثقفين . فقد اشير الى انهم هرعوا وراء المكاسب الشخصية واصبحوا عناصر يائسة ، زاهدة فى الكفاح ، واصبحوا رصيدا للمستعمر فى كل خطواته ، وانحصر نشاطهم فى اندية الخريجين وفى الجمعيات الادبية ، والحفلات الاجتماعية . وهذه احكام لا تتسم بالموضوعية . فالنهوض بأعباء الوظيفة الحكومية ، بما ينطوى عليه من المكاسب الشخصية المشروعة ، ليس يأسا ، وزهدا فى الكفاح ، وليس انحيازا الى المستعمر. كما ان النشاطات الادبية والاجتماعية فى اندية الخريجين لم تكن اعمالا انصرافية ، بل كانت اعمالا مناسبة لظروف الهجمة الشرسة والقمع الذى اعقب ثورة ١٩٢٤م ولظروف حداثة الحركة نفسها . ان الاعمال الادبية والندوات السياسية - السرية اساسا والعلنية ايضا - هى التى ادت الى صدور المجلات الادبية فى الثلاثينات . كما ان مؤتمرات الخريجين هى التى ادت فى النهاية الى رفع المذكرات الى السلطات الاستعمارية ، ومنها مذكرة ١٩٢٤ التى طالبت بالاستقلال . بل ان هذه المؤتمرات كانت الحاضنة الرؤوم لكل الاتجاهات التى ادت الى بروز الاحزاب فيما بعد.
لقد ادى تهميش دور المثقفين داخل الحزب ، وابتعاد اغلبهم عنه ، الى افقار الفكر الديمقراطى داخله ، او فى الحقيقة افقار ديمقراطية الانتاج الفكرى ، صارت الاعباء الفكرية من نصيب قيادة الحزب ممثلة فى سكرتيره العام بصورة اساسية.
ادى اغتراب المثقفين داخل الحزب ، وعنه ، الى عدم التجديد فى حياة الحزب الداخلية ، وفى بيئته التنظيمية ما جعله متخلفا تنظيميا ، عن بعض الاحزاب ، وعن كثيرا من الهيئات الاكاديمية والحكومية والاهلية والتى استفادت من الثورة التنظيمية والادارية الهائلة التى حدثت فى العقود الاخيرة على مستوى العالم . وفقد الحزب دوره الرائد فى ادخال اشكال تنظيمية جديدة ، واساليب ادارية حديثة . وتخلف كثيرا فى هذا المضمار ، وفى نفس الوقت الذى شهد فيه الفكر التنظيمى والادارى قفزات هائلة فى المؤسسات التعليمية وبعض الادارات الحكومية والاهلية . ويكفى ان الحزب ما زال يدار وفق مبادىء تنظيمية صيغت بين عامى ١٩٠٣- ١٩٠٦م فى منطقة متخلفة من العالم هى روسيا . بل انه لم يطبق تلك المبادىء على الدوام على خير الوجوه .

لقد آن الأوان ليجد المثقف مكانه الرحب فى قيادة حزبنا ، وان يسمح له بارتياد الآفاق المفعمة بالوعود التى يخبئها المستقبل لشعبنا . آن له أن يشعر أن هذا الحزب هو حزبه ، واصالة عن نفسه وليس نيابة عن احد . وان المطلوب منه ليس نوعا من التحول Metamorphosis الذى يجعله هوية نقيضة بل المطلوب منه فقط ان يكون امينا لعلمه ، لذاته ، لشعبه ، لانسانية العصر الذى يعيش فيه . بل آن له ان يعرف ان اسمى اهداف المجتمع هو انتاج المثقف ، وتحويل كل افراده الى مثقفين . وبالتالى فهو ما اطلق عليه شكسبير The paragon of the speciesاذا جاز لنا ان نستبدل من عبارته . ان حزبنا الذى لم يصدر خلال عقدين سياسة متكاملة حول المثقفين - خارج الفعالية النقابية - قد آن له ان يتخطى هذا النقص الفادح .
وخلاصة الامر ان الحزب الشيوعى السودانى ، فى ظل المآلات المأساوية للتجربة الاشتراكية ، الفكر الماركسى عموما ، وفى ظل برنامجه السياسى الحالى ، وبنيته التنظيمية ، وتوجهاته الاجتماعية ، واساليب عمله الراهنة ، لا امل له فى التحوّل الى قوة اجتماعية كبرى ، والى حزب على النطاق الوطنى . لا امل له فى ان يصير معبّرا اساسا عن القوى الحدبثة ، او قوة اساسية فى المعارضة ، او مرشحا قويا للوصول الى السلطة ، فى اطار مجتمع ديمقراطى . لا امل له فى توحيد القوى الحية فى المجتمع التى تستطيع ان تنقل بلادنا الى مشارف القرن الحادى والعشرين . لا امل له فى منازلة الطائفية وهزيمتها ، وتجريدها من قواها الاجتماعية المتمثلة فى كادحى بلادنا . وذلك فى اطار المجتمع الديمقراطى القادم ، ووفق القوانين الديمقراطية للصراع التى يؤمل ان يلتزمها الجميع.
وليكون الحزب قادرا على الاضطلاع بهذه المهام ، فان تغييرا جذريا يجب ان يحدث داخله ، وان يحدث له . تغييرا يشمل توجيهاته الايديولوجية ، وبرنامجه السياسى وبنيته التنظيمية . وهذا ما سنقوم برسم خطوطه العريضة فى الصفحات التالية .

منطلقات اساسية لاعادة بناء الحزب
١- ان انهيار التجربة الاشتراكية ، لا يعنى ان راية العدالة الاجتماعية قد انطوت ، او ان سير الانسانية نحو المجتمع الامثل الذى يضمن لكل فرد حريته الفردية ، ويوفر له احتياجاته الاساسية ، ويتيح له كل فرص النمو الشامل واللا محدود ، قد توقف او ان التاريخ قد انتهى . ولن تكف الانسانية عن تحديد ملامح هذا الامثل الذى تتوق اليه . ولن تتوقف عن صياغة رؤى ، على هذا القدر او ذاك العمق والوضوح ، تحكم مسيرتها واعادة صياغة المشاريع بفضل الافاق الرحبة التى تتفتح كل يوم ، سمة اساسية من سمات الفكر الاجتماعى والسياسى، لقد اصبحت كل لحظة من لحظات الانسانية لحظة تنظير . وقد انطوت بالتالى الحقبة التاريخية التى يقوم فيها عبقرى ما بصياغة مشروع كامل للتحرر الانسانى ، تمسكه الانسانية ككتاب مقدس ، يهدى مسيرتها منذ هذه اللحظة الماثلة الان وحتى آخر لحظة متصورة فى الزمان . ان تطور المجتمع وتراكم العلم والمعرفة يضع فى ايدى الاجيال اللاحقة مقدرات ووسائل وامكانيات تجعلها اقدر بما لا يقاس من كل الاجيال التى سبقتها فى رسم اهداف ابعد مدى واكثر انسانية . ان الاجيال الحاضرة عليها ان تكون اكثر تواضعا . لان الفضاء التاريخى ، والمستقبل مسكون بكائنات اكثر ذكاءا واطول باعا .
٢- التقدّم الانسانى لا يطرح نفسه بصورة عامة او مجردة ، بل بصورة خاصة ومحددة فى شكل قضايا ومهام ومشاكل ، تخص هذا المجتمع بالذات ، فى هذه اللحظة التاريخية بالذات ، القوة الاجتماعية ، والحزب السياسى الذى يريد ان يخدم التقدم الانسانى ، هو الذى يقدم الحلول الواقعية للمشاكل الحقيقية . ويتوجه بها بلغة واقعية الى هذا الجيل من البشر الذى يعاصره . ويبين له الطريق ، ويمهد بالوسائل والادوات لحلها . وعندما يتمكن هذا الحزب من نقل المجتمع ، ولو درجات قليلة على سلم التطور ، فانه يكون قد ادى ما يتوجب عليه تجاه الانسانية ، وتجاه التقدم الانسانى.
فالانسانية ليست شىء آخر غير هؤلاء الناس ، الافراد والمجموعات والطبقات ، بلحمهم ودمهم ، بقيودهم وحدودهم وتناقضاتهم ، بأمانيهم وآمالهم وصبواتهم الموجودين هنا ، الموجودين الآن .
والانسان ليس نبوءة ستتحقق فى المستقبل . ليس فكرة فى ذهن احد - نحن لسنا مقدمات لظهور الانسان . لسنا مشاريع انسانية . لسنا طورا سابقا فى التاريخ الانسانى . اننا نحن الانسان فى هذه البقعة من الارض ، فى هذه اللحظة من الزمان . لسنا وسيلة احد فى تحقيق رؤاه الذهنية . لسنا فئران للتجربة . ظهور الانسان الجديد ليس شيئا اضافيا للعملية الحياتية البشرية المألوفة ، والمعروفة. والتقدّم مبدأ اصيل In-built فى البيئة الاجتماعية - وليس ورادا بالتالى التضحية بالاجيال الماثلة لمصلحة الاجيال القادمة . او لمصلحة - الانسان الجديد - كما حدث فى تجارب التجميع الزراعى الستالينى فى الثلاثينات والذى راح ضحيته ما لا يقل عن عشرين مليونا . كما حدث فى تجربة بول بوت التى راح ضحيتها اكثر من ثلاثة ملايين ، او فى الصين على ايام الثورة الثقافية ، او غيرها . ان من يضحى بالاجيال الحاضرة لمصلحة الاجيال القادمة يضحى بكليهما . وهو كمن يضحى بالعلم والمعرفة والتكنولوجيا المعاصرة من اجل مصالح العلم والمعرفة والتكنولوجيا القادمة او الجديدة ! ان المشاريع الاجتماعية تصاغ من اجل الانسان ، ولا يصاغ الانسان من اجل المشاريع الاجتماعية .


٣- الداء العضال ، والآفة اللعينة التى يعانى منها مجتمعنا هى التخلف ، وما يصاحبه ويتمخض عنه من فقر وجهل ومرض ، على المستوى الاجتماعى ، ومن تخلف مريع فى قوى وعلاقات الانتاج ، على المستوى الاقتصادى ، ومن قهر وطغيان على المستوى السياسى . فالقوى السياسية التى امسكت بزمام الحكم منذ الاستقلال لم تفشل فقط فى التصدى لقضية التخلف ، بل زادتها تفاقما واستعصاء على الحل .
الحزب الذى نحن بصدده هو الاداة الجماهيرية المناسبة لاخراج شعبنا من وهدة التخلف وتخليصه من براثنه، ونقله الى مشارف القرن الحادى والعشرين . ووسيلته فى هذه النقلة ، التى تطوى العقود والحقب ، هى التطوير العاصف لقوى الانتاج ، ربما فيها ، وعلى رأسها الانسان . وادواته الاساسية هى توظيف مكتسبات الثورة العلمية التكنولوجية بصورة واسعة وشاملة، فى كل الحقول الاقتصادية ، زراعة وصناعة وتعليما وصحة واتصالات ومواصلات . واذا كان الحصول على الاكتشاف الاخير فى هذه المجالات صعبا وبعيد المنال ، فالاكتشاف قبل الاخير يكون كافيا ، وسيكون الحصول عليه ميسورا بفضل المنافسة الشرسة بين الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة ، التى تجعل الاخذ بآخر مقتنيات العلم والتكتولوجيا مسألة حياة او موت وفى هذه المنافسة تصبح المعارف والمقتنيات التى كانت حتى الامس مثارا للعجب ، قليلة القيمة جدا ، مما يضعها فى متناول ايدينا ، لاننا نكون كمن يشترى ملابس الصيف على مشارف الشتاء اوالعكس .
لقد نادى حزبنا بطى مراحل التخلف عن طريق تخطى الحقبة الرأسمالية . وتبنى طريق التطور غير الرأسمالى لهذا الغرض . ومع ان الهدف يبقى كما هو - اى نقل المجتمع الى مشارف القرن القادم - الا ان الوسائل ستختلف - فالتركيز الوحيد الجانب على علاقات الانتاج سيحل محله تصور شامل يركز فى نفس الوقت على تطوير قوى الانتاج ، وعلاقات الانتاج بالتالى . وتراعى فيه بدقة المصالح الاجتماعية لكل القوى المشتركة فى هذا البعث الاقتصادى الاجتماعى الحضارى الشامل . فى حين يشن هجوم كاسح على كل اعمدة التخلف ، فان كل القوى الاجتماعية القادرة على المساهمة فى بناء السودان الجديد ، سيفسح امامها المجال . وسيسمح بأشكال مختلفة لملكية وسائل الانتاج مثل ملكية الدولة ، الملكية الرأسمالية باشكالها المختلفة ، الملكية التعاونية ، والملكية الاسرية ، والرفاقيات الانتاجية التى تقيمها طلائع القوى المنتجة الاكثر تقدما ، وذات التخصصات المتكاملة ، والمستويات الثقافية الرفيعة ، ومهما كان حجمها ضئيلا فى البداية . ان تخطى اى شكل من اشكال الملكية ليس هدفا مسبقا ، بل هو امر يتعلق بتطور القوى الانتاجية ، وحفز العلاقة الانتاجية الدافعة لتطور الانتاج ، او كبح هذه العلاقة . انه امر ثقافى ، بالاضافة الى كونه اقتصاديا وسياسيا . وهو لا يتم الا برضى المنتجين انفسهم وبنضالهم . ان العلاقة المرفوضة والتى ستتم محاربتها هى العلاقات الطفيلية الصريحة ، بأشكالها المختلفة . سواء كانت موجودة حاليا ، او تتولد فى مجرى التطور . ان هذا الطريق الذى نختطه ليس طريقا راسماليا . ولكنه فى نفس الوقت ليس رافضا للرأسمالية من حيث المبدأ . وكعلاقة واحدة ضمن علاقات اخرى . انه يستند على كل النضالات السابقة للمنتجين . ويستفيد من ثمرات المساومة التاريخية التى انجزوها مع الرأسمالية . وتمت الاستجابة من خلالها لضرر هائل من مطالبهم ، مما اعطى الرأسمالية بعدا اجتماعيا تصور المنظرون المبكرون انها غير قادرة على تحقيقه . وقد تطورت قوى الانتاج ، فى اطار النظام الرأسمالى بصورة لم يكن يحلم بها احد . واصبح الربح - هذا الدافع الازلى للانتاج الرأسمالى - لا يمكن تحقيقه الا من خلال تنازلات حقيقية للمنتجين. وصارت العملية الانتاجية اكثر ديمقراطية بما لا يقاس . اذا دخل المنتجون والاداريون والتقنيون والمستهلكون فى تحديد اهدافها ، وفى رسم كيفية الوصول الى هذه الاهداف ، جنبا الى جنب مع مالكى وسائل الانتاج.
وظهرت الى جانب الملكية الرأسمالية الكلاسيكية اشكال اخرى للملكية مثل شركات المساهمة، والتعاونيات ، والصناديق الاجتماعية المختلفة والمتعددة ،والاوقاف الدينية والخيرية ، بالاضافة الى ملكية الدولة التى توسعت بصورة كبيرة فى كل المجتمعات الرأسمالية. بل ظهرت الملكيات الجماعية المباشرة فى الكثير من المؤسسات الصحفية والاعلامية وغيرها .وظهرت فئة تزداد كل يوم من المالكين لوسائل انتاجهم- من الحرفيين الجدد - الذين يبيعون منتجاتهم وليس قوة عملهم ، من المهندسين والمصممين والفنانين والمبدعين وصانعى الموضة ، ونجوم الرياضة البدنية والذهنية ...الخ.
هؤلاء المرتبطون بالثروة العلمية التكنولوجية الذين يزداد نصيبهم باطراد فى خلق الثروة القومية . واذا كان التخلف يحول بيننا وبين ظهور بعض هذه الاشكال من العلاقات الانتاجية، فان التطور كفيل بحل هذه المشكلة ، واذا كانت الرأسمالية المحلية سترفض الانطلاق من هذه النقطة المتقدمة فان الصراع الاجتماعى ، والتدخل السياسى ، من قبيل المجتمع ، كفيل بأن يضع لها رأسها ، على الدوام بين كتفيها .
المهم فى كل ذلك اننا لا نسعى الى بناء دولة مطلقة الصلاحيات ، مالكة لكل وسائل الانتاج، ومتصرفة فى كل الثروة القومية ، وحائزة على سلطة سياسية جبارة فى مواجهة مجتمع مدنى مجرد من الحقوق ، ومفتقر الى القوة. اننا لا نطابق بين ملكية الدولة والملكية العامة لوسائل الانتاج كما حدث فى التجربة الاشتراكية المقبورة.
اننا لا نسعى الى اقامة مجتمع سكنات جديد هذه اهداف قد تحطاها الانسان . ونحن نعلم ان الملكية تسير بصورة لا مرد لها نحو الاصطباغ بالصبغة الاجتماعية ، ولكن هذه العملية لا تمر كلها من خلال عنق زجاجة الدولة . فتطور قوى الانتاج ، وزيادة نفوذ المنتجين ، وارتفاع مستواهم الثقافى وصراعهم الاجتماعى ، الذى نعمل جميعا لجعله صراعا ديمقراطيا ، يسير بهذه العملية سيرا وتيدا وطيدا نحو غاياتها النهائية.


٤- القوى الاجتماعية التى ستنجز هذه النقلة النوعية الهائلة ، وتتصدى للتخلف بكل ثقله وعقابيله ، هى قوى المثقفين ، وكل المنتجين والعلماء بمختلف فئاتهم ، وقوى العمال والزراع المرتبطة بالانتاج ، بالاضافة الى الملايين من سكان القطاع التقليدى ، بتنظيماتهم الاجتماعية ، وانتماءاتهم الاقليمية والقومية . اى انها قوى الشعب كله . وستلعب الفئات الجديدة المرتبطة بالثورة العلمية ، وبالثقافة فى ارقى صورها ، دورا قياديا يتعاظم باستمرار. هذه القوى القادرة على استيعاب العملية الاجتماعية فى كلتيهما. والمنخرطة فى ارقى العلاقات الانتاجية ، والتى سيتعاظم نصيبها فى انتاج الثروة القومية باستمرار . وهى القادرة على قيادة المجتمع ، وتسيير وسائل التوجيه والاتصال ، وتفجير منابع الطاقة بكل اشكالها ، والتى لا يمكن لمجتمع معاصر ان يحلم بالتقدم دون تفجيرها . كما ان هذه القوى هى بوابة المجتمع لانتشار المعلومة ، الصائرة باطراد وسيلة انتاج اساسية . بأنها القوى المشرفة على العملية الانتاجية فى كلتيهما . وهى القوى التى ستضطلع بتعليم المجتمع واجياله الجديدة الطالعة، واجياله المنخرطة فعلا فى الانتاج . وفى عصر اصبح فيه التعليم وسيلة اساسية للانتاج وبوابة وحيدة للتقدم. وليست هذه نظرية جديدة للصفوة . او بحث معاصر عن الملك الفيلسوف ، بل هى استيعاب متواضع لطبيعة عصرنا ، والمام بسيط بطبيعة قواه المنتجة . وبحث حثيث عن المنافذ المفضية الى تحريك الشعب وتغيير المجتمع . والبحث يجرى هنا عن المثقف الشعبى ، الوطنى الديمقراطى ، المزود برسالة وطنية جامعة، الشاحذ ذهنه لمواجهة التحديات الكبيرة، والشاخص ببصره نحو مستقبل جدير بالانسان. ان المثقفين بأوضاعهم الحالية ليسوا مؤهلين لأداء هذا الدور، بكل عظمته وجلاله ، ولكنهم مؤهلون لتغيير اوضاعهم ، واعداد انفسهم من خلال جهد ذهنى مشترك ، وفى اطار مشروع وطنى طموح وجرىء . وعندما نقول انهم مؤهلون لاعداد انفسهم لهذا الدور ، فنحن لا نبشر بحتمية جديدة ، بل نشير الى امكانية واقعية ، والى فرصة تاريخية مواتية ، يمكن للمثقفين ان ينهضوا بها ، ويمكنهم فى نفس الوقت ان يتقاعسوا عن ادائها . ولكنهم اذا تقاعسوا فان النتائج ستكون فادحة بالنسبة لهم وبالنسبة للمجتمع . ان الذهن الانسانى هو الاداة المذهلة لطى الحقب والقرون . والمؤسسة التعليمية هى الطريق القصير للعبور من عصور ما قبل التاريخ الى العصر الحاضر، واللحظة الراهنة . وفى ظل سياسة تعليمية شاملة ، ومؤسسة تعليمية حديثة ، ومعدة اعدادا جيدا ، وممولة تمويلا سخيا ، فان ابناء الرعاة سيكونون قادرين على اللحاق بالعصر وارتياد الفضاء . وابناء الاميين قادرين على فض اسرار الذرة ن التعامل مع الكمبيوتر كما ان المصطلين بهجير الظهيرة السودانية القاسية ، قادرون على توظيف الطاقة الشمسية لخدمة تطور بلادنا ومجتمعنا ، وتحويلها بردا وسلاما على المواطن السودانى .
ان الدور القيادى المأمول ان يلعبه المثقف لا يقلل من ادوار الطبقات والفئات الاجتماعية الاخرى . بل يفتح المجال واسعا امامها جميعا . وعلى كل حال ، فان مقولة المثقف مقولة ديمقراطية حقا ، ولانها مفتوحة لابناء جميع الطبقات ، ولان انتاج المقف هو فعالية اساسية ، ويومية ن للمجتمع المعاصر ، كما ان دور القيادة فى المجتمع الديمقراطى الذى نسعى لتحقيقه ، هو دور خاضع تماما لارادة المجتمع ، ومتوقف دواما على قبوله واختياره. كما ان الدور القيادى يطرح فى اطار الاعتراف الجهير بتنوع وتعددية مجتمعنا ، قوميا وعرقيا ودينيا وثقافيا ، وطبقيا واجتماعيا . اننا لا تراودنا الاوهام حول امكانية تخطى هذه - التعدديات - بصورة متعسفة او عجول . وحين ينخرط الجميع فى أنماط وعلاقات تناسب مستوى تطورهم ، وينخرطون فى اشكال للتنظيم الاجتماعى تناسب مستواهم الثقافى ، فانه لواقع يحسب لصالح المثقفين ، ان خصائصهم الاساسية هى خصائص متشابهة ان لم تكن موحّدة . وهذا يرشحهم لدور وطنى قيادى ، ويجعلهم مجسدين لوحدة المجتمع .


٥- يؤمن الحزب فى صورته الجديدة بالديمقراطية اساسا للحكم ، وشريعة المجتمع . الديمقراطية كممارسة انسانية واحدة من حيث الجوهر والاساس . اشتركت كل الشعوب فى صياغتها وتطويرها واثرائها . الديمقراطية القائمة على سيادة الشعب والانتخاب العام والحكم النيابى والتعددية الحزبية ، وضمان الحريات الاساسية فى التعبير والاجتماع والاحتجاج . وضمان حرية العقيدة ، وحرية ممارسة الشعائر الدينية ، وصيانة حقوق الاقليات القومية ، واحترام التعددية ، واحاطة الحريات الشخصية المعترف بها ، والمنصوص عليها فى المواثيق الدولية ، بسياج متين من الحماية . الديمقراطية التى تحمى الحقوق الاجتماعية الاساسية مثل حق العمل والصحة والتعليم والسكن . الديمقراطية النابعة من واقع السودان ، ومن تجاربه القديمة والمعاصرة ، ومن تطلعات شعبه ، والمفتوحة فى نفس الوقت ، ودون تعصّب او حرج ، على كل منجزات الفكر الانسانى وتجارب الشعوب .
ان الحزب الشيوعى السودانى قد قدّم تضحيات جسيمة فى الدفاع عن الديمقراطية فى بلادنا ، وفى النضال من اجل استعادتها على مدى ثلاث دكتاتوريات عسكرية . ان هذا الارث المجيد يجب ان يتواصل ويزداد . ولكن المفارقة ان هذا المناضل الجسور من اجل الديمقراطية كنظام يسود المجتمع ككل ، يحكمه فى ادائه الداخلى مبدأ غير ديمقراطى ، كما اوضحنا من قبل ، ولا يمكن للمجتمع ، اذا كان منطقيا مع ذاته ان يأتمن على النظام الديمقراطى حزبا يقوم بناؤه الداخلى على مبدأ نقيض . ان ما يضن به الحزب على اعضائه ومناضليه لا يمكن ان يجود به على المجتمع . هذا ليس من طبيعة الاشياء . وقد آن لهذا التناقض ان يزول ، وذلك بأن يقوم الحزب على الديمقراطية وليس سواها . وهذا يعنى بالنسبة لنا ، وبصورة عامة ما يلى :
أ- الانتخابات الحرة ، السرية ، المتعددة المرشحين ، أو القوائم ، والمؤتمرات السنوية التى تدخل التعديلات الضرورية على البرامج واللوائح ، وتنتخب القيادات الحزبية والهيئات المتخصصة .
ب - حق الاقلية فى تنظيم نفسها ، وتمكينها من نشر آرائها من جميع المنابر الحزبية ، والدعوة لها جماهيريا ، مع التزامها برأى الاغلبية فى كل المؤسسات والمنابر الجماهيرية التى تتطلب التصويت.
ج - الفترة الزمنية المحددة للمسؤلية الحزبية وخاصة على المستوى القيادى وتحديد سن التقاعد ، وضمان حق القاعدة فى طرح الثقة بالقيادة . وفق قواعد دقيقة متفق عليها .
د - نشر السلطة الحزبية على المستوى الافقى باعطاء الهيئات المتخصصة ، والقيادات الاقليمية والقطاعية ، صلاحيات واسعة فى مجالاتها المختلفة ، ومساعدتها فى الوصول الى مستوى التمويل الذاتى لنشاطاتها .
ها - فتح قنوات المبادرة الفكرية والسياسية من القاعدة وذلك بتشجيع نشر المساهمات والآراء الفردية وتقوية وترسيخ استقلال المنابر الحزبية وجعل الحصول على المعلومة حول كل اوجه نشاط الحزب ، حقا متاحا لجميع اعضائه . وطرح سياسات الحزب ، ليس من خلال وثائق تتسم بالعمومية والغموض ، بل من خلال خيارات ملموسة ، يختار الاعضاء من بينها .
و - جعل الانجاز الفكرى ، والمساهمة الفكرية ، وخاصة فى صياغة وتعميق وتوصيل برنامج الحزب ، اضافة الى الانجاز السياسى المتقدم ، معيارا اساسيا فى الصعود الى المواقع القيادية . ومحاربة العطالة الفكرية على هذه المستويات .
ز - استيعاب العناصر الشابة ذات القدرات المتميّزة فى البنية القيادية للحزب ..

٦- ان الاساس الفلسفى لتوجهات الحزب الديمقراطية هو ايمانه بأن مسائل الحكم ، وتحديد النظم الاجتماعية ، وصياغة قواعد الاجتماع البشرى ، هى مسائل انسانية دنيوية ، المرجع فيها هو الشعب ، والصراع حولها يعبّر عن مصالح اجتماعية تخص الجماعات والطبقات والفئات المكوّنة لهذا المجتمع . ولا يحق لطرف من اطراف هذا الصراع ان يدّعى انه معبّر عن ارادة السماء او ممثل للارادة الالهية المتعالية . كما لا يحق له ان يصف الآخرين بأنهم خارجون عن طاعة الله أو ممثلون لحزب الشيطان . ومن هذه الزاوية فانه يتبنى موقفا علمانيا مستقيما - والعلمانية لا تعنى بالطبع ، كما يعرف كل شخص مستنير ، غير متحامل على الحقيقة الموضوعية ، وغير منخرط فى وأدها ، معاداة الدين او استبعاده من الحياة ، انها على العكس من ذلك تعنى ضمان الحرية الدينية اعتقادا وممارسة . وضمان حرية الضمير وتؤمن بالمساواة بين الأديان ، وتناهض الاضطهاد الدينى بكل أشكاله . ان الحزب العلمانى يرفض تحويل الصراع الانسانى الى صراع دينى - ويسعى الى ايجاد حل ديمقراطى لكل الصراعات وهو ما لا يتوفر لغير العلمانيين .
أولئك الذين يضعون أنفسهم فوق البشر ، ويزعمون لأنفسهم خصائص فوق - انسانية - ومدعين لذواتهم تمثيلا فوق - انسان .
ان الحزب يناهض الدولة الدينية بكل أشكالها لهذا السبب . ولكنه يجهد فى ذات الوقت ، وبكل السبل الى التعبير عن الجوهر الاجتماعى لرسالة الدين والمتمثلة فى اقامة قيم الخير والعدالة والمساواة ، واشاعة روح التكافل والتراحم واللين . انه يستلهم هذه القيم ، ويفتح ابوبه للناس كافة ، بمختلف انتماءاتهم الدينية ، ولا يغلق امام اىّ عضو من اعضائه فرص الصعود الى اعلى المراتب القيادية بسبب انتمائه لهذا الدين او ذاك ، أو بسبب غياب ذلك الانتماء . كما يراعى فى كل نشاطاته تيسير ممارسة أعضائه لشعائرهم الدينية . ولا يطالب الحزب أعضائه بتبنى موقف فلسفى أو ايديولوجى متكامل عن الوجود . بل يطالبهم فقط بالاقتناع ببرنامجه ولائحته ومنطلقاته الاساسية المنصوص عليها صراحة فى وثائقه المختلفة

٧- يشجّع الحزب ويضمن حرية البحث العلمى ، الفلسفى والاجتماعى داخل هيئاته المختصة ،وعلى نطاق المجتمع ككل . ويشيع جوا من الصراع الفكرى الخلاّق بين مختلف المدارس . ويساهم فى بناء المؤسسات التى يمكن ان تكون منابر مناسبة لمثل هذا الصراع والحوار . ويشجع الانتاج الفكرى ، والبحث الفردى والجماعى ، ويسخر له كل الامكانيات الضرورية والمتوفرة . عن هذا الطريق يزيد المامه بالواقع وقوانينه وتزيد مقدرته فى التعبير عن مصالح القوى التقدمية الصاعدة فى المجتمع . ان المعارف التى تتراكم عن طريق هذا البحث ، الذى يتم داخل الحزب ، وعلى نطاق المجتمع ، هى المستودع الزاخر الذى يغترف منه برنامج الحزب فيصبح اكثر عمقا وشمولا . والجديد فى المسألة ان هذا لا يتم بصورة تعسفية مملاة . بل يتم كعملية ديمقراطية عميقة ، ووفق قوانين الفكر فى الانتشار والتطور. ويعبر عن تطور فكرى حقيقى وملموس . وبهذا يتخطى الحزب المطلب غير الواقعى بأن يكون أعضاؤه من الفلاسفة فى مجتمع شبه أمى ، ويغلق الباب أمام ظهور الأدعياء الذين يعتقدون أنهم ملمون بأرقى المعارف البشرية ، لمجرد تلقيهم لمحاضرة او محاضرتين ، او قراءتهم لبعض - القوانين والمقولات - والذين يصبحون بفضل هذا الادّعاء اسوأ الدعاة للحزب ، بل واسوأ رسله الى المجتمع .
وفى نفس الوقت ينفتح الباب واسعا للقادرين على الانتاج الفكرى لينخرطوا فى معرفة واقع شعبهم واحتياجاته المادية ، والروحية ، وقوانين تطوره الاقتصادية والاجتماعية والثقافية - كما يتعرفون على تراثه وينابيعه الملهمة ، ويفجرون قواه الكامنة التى تمكنهم من انجاز القفزة الى ذرى العصر وهم يستطيعون أن يفعلوا ذلك دون تصورات فكرية ايديولوجية مسبقة . ودون كوابح دوغمائية - ويفعلونه فى نفس الوقت مستفيدين من كل الارث الفكرى الايجابى العالمى ، ومن كل الانجاز العلمى والمعرفى المعاصر، صاعدين على القمم الفكرية التى انجزتها العقول البشرية ، ومنها وعلى رأسها الانجاز الفكرى الماركسى ، وما حققه من منهج علمى فى الاقتراب من الواقع ، وما كشفه من حقائق اجتماعية واقتصادية وثقافية لا يستطيع اى مفكر جاد ان يتجاهلها وفى مقدمة تلك الانجازات ، الانطلاق فى نشاط نظرى وعملى من - دراسة المنطق الملموس للواقع الملموس - والانطلاق من دراسة كل ظاهرة فى خصوصيتها الشاخصة ، وتناقضاتها الداخلية وميولها المستقبلية . مع الانتباه لكل علاقاتها الخارجية ، فى واقع وفى عالم يمثل الترابط الجدلى سمة اساسية من سماته .


٨- لقد تكون الحزب الشيوعى على خلفية من الرؤى الشاملة ، وعلى ايمان عميق بعملية ثورية واحدة تحدد مصائر البشرية جمعاء ، وعلى المسؤولية الاخلاقية النبيلة تجاه الانسانية كلها وخاصة كادحيها . وغالبا ما ينسى الكثيرون أن الهدف النهائى للماركسية هو الانسان . ليس الطبقة ولا الحزب ولا الدولة . بل الانسان الفرد ، المتحرر من كل هذه المؤسسات المشار اليها ، باعتبارها قيودا خارجية على فعاليته الانسانية الحرة ، التى يجب ان يسمح لها بالتطور تطورا غير محدود . ان هذا الهدف النهائى المتمثل فى التحرر الانسانى الشامل ، سيبقى على الدوام حافزا للمسيرة الانسانية ، ومفجرا للطاقات البشرية ، ودافعا لتخطى الانسان لذاته وواقعه . ولكن وسائل الوصول الى ذلك الهدف النهائى ستختلف على الدوام . بل ان الانسانية ستتوقف فى كل محطة هامة من مسيرتها الصاعدة ، لتعيد النظر فى الوسائل التى اعتمدتها بالامس . وستتبنى وسائل اكثر تقدما اصبح استخدامها ممكنا بفضل المسافة التى قطعت ، والمعارف التى تراكمت . وهذا ما عبرنا عنه بأن كل لحظة من لحظات الانسانية أصبحت لحظة تنظير . ولذلك فان اضفاء اية قيمة مطلقة على الوسائل ليصبح مسألة غير علمية - كما ان الاهداف نفسها ، الانسانية من حيث الجوهر ، سيتم تعميقها وتوسيعها وتوضيحها .
لقد تمت صياغة المشروع الماركسى بالتركيز على لحظة التعميم النظرى . والعكس ذلك فى الفكر والممارسة معا . وكان ذلك على حساب الخصوصية ، الامر الذى أصاب الممارسة الثورية بأضرار فادحة . وتمّ التركيز على الاهداف النهائية ، على حساب الاهداف الجزئية كوسائل فقط ، مع انها تشتمل على غائيتها الخاصة ، والتى لا يمكن الوصول الى غاية نهائية - ان كان ثمة شىء كهذا - بدونها .
وقد عومل البشر أنفسهم كوسائل فقط فى كثير من لحظات التاريخ المأساوية ، مع أن كانط كان قد حذر من ذلك قبل ماركس بكثير .
وقد أستبان الآن مدى التعقيد الذى ينطوى عليه المجتمع الانسانى المعاصر . ومدى التعقيد الذى تنطوى عليه عملية تحريره . مما يجعل التركيز على خصوصية الجماعة البشرية ، الموجودة فى هذا القطر او ذاك ، فى هذه القارة او تلك ، والبالغة مستوى معينا من تطور القوى المنتجة ، ومن قوانين الاجتماع ، وموروثات الثقافة ، أمرا لازما لصياغة اى برنامج سياسى او مشروع للنهضة . كما ان التركيز على الجزئى ، وعلى الاهداف المرحلية يصبح من مقتضيات النظرة العلمية ذاتها . وقد اوضحنا ان كل ذلك لا يتم على حساب المشروع الانسانى العام ، ولا على حساب الاجيال القادمة . بل العكس يضعها على قاعدة ارفع من التطور الانسانى . ويرفع عنها عبء الوصاية التى يصوغ لها مسبقا شروط حياتها ، مع انها اكثر قدرة من هؤلاء الاوصياء . هذه الاعتبارات تملى علينا النزول من سماوات الثورة العالمية ، ومآلات الانسان النهائية ، الى الاحتياجات الماثلة لشعبنا ،ومجتمعنا ، فى هذه اللحظة من التاريخ ، وفى هذه البقعة من الارض .


٩- ان الحزب الذى يتوق اليه شعبنا هو حزب القوى الحية فى المجتمع من منتجين بأدمغتهم وأيديهم ، ومن رأسماليين مرتبطين بالانتاج والوطن ، ومن أقليات قومية ودينية وثقافية ، فى قوة اجتماعية كبرى تواجه التخلف بكل أشكاله ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية ، وتواجه المجاعة وسوء التغذية ، ونسبة وفيات الاطفال المأساوية ، والسكن العشوائى وانعدام المياه والدواء ، وتخلف التعليم وتدنى الثقافة ، ورداءة المواصلات ، وبؤس وبدائية الكساء ، وتخلف قوانين الاحوال الشخصية ، ودونية المرأة . قوة اجتماعية كبرى تغادر الامس السياسى الى المجرى العميق للسياسة السودانية ، والمجتمع السودانى . قوة تصل السلطة وتبنى نظاما ديمقراطيا معززا ووطيدا . قوة اجتماعية كبرى ، وحزب سياسى حديث وتقدمى . يتحدث لغة الشعب ، ويأخذ من كل انجازات العصر.


١٠- وكما هو واضح فان هذا الحزب لن يكون حزبا شيوعيا لأنه لا يتبنى موقفا أيديولوجيا متكاملا ازاء الكون ، ولا يبشر بمرحلة معينة يتوقف عندها المجتمع البشرى ، ولا يرمى الى اعادة صياغة المجتمع وفق مخطط نظرى شمولى . وهو ليس حزبا اشتراكيا اذا كانت الاشتراكية هى الملكية العامة لوسائل الانتاج ، مفهومة بأنها ملكية الدولة . انه حزب للعدالة الاجتماعية والتى هى مقولة عامة لها وجهها الاقتصادى والاجتماعى والسياسى ، وهى الجهد المدروس لرفع المظالم . اى انها مقولة مفتوحة ، تعطى فى كل منعطف معنى محددا . انها تتعامل مع المجتمع كتكوين معقد ، مداخل العدالة اليه متعددة ، وليس مدخلا واحدا . ان العدالة الاقتصادية هامة واساسية ، ولكن أهميتها وأساسيتها لا تقلل من أهمية وأساسية الجوانب الاخرى . كما ان حل التناقضات الاقتصادية ، أو بعضها لا يؤدى بصورة تلقائية أو بسيطة لحل التناقضات الاخرى .


١١ - ان اقامة هذاالحزب تتم بمبادرتنا ، وانطلاقا من كل انجازاتنا واستفادة من كل قوانا ، مع التشاور الواسع مع كل العناصر الوطنية والتقدمية والديمقراطية والمثقفة . ان الانتماء الى مثل هذا الحزب سيكون ميسورا لكل انسانا مستنير سياسيا . وسيكون بالفعل (اتحادا اختياريا لمناضلين شرفاء واعين). اى انهم سيحتفظون ازاءه بقدر وافر من الحريات الخاصة والشخصية ، فالانتماء اليه ليس نوعا من العبودية ، وليس بيعا للنفس . وهذا لا يضعف روح الانتماء ، بل بالعكس يقويها . فالحزب الذى يحفظ لاعضائه حقوقهم وكرامتهم هو الحزب الجدير بتفانيهم . هذا التفانى الذى يمكن ان يصل الى درجة التضحية بالنفس ، ان الانسان ليقبل الموت من اجل المبادىء التى يمثلها الحزب ، طالما ظلت هذه المبادىء تمثل بالنسبة له قناعات شخصية راسخة وطالما ظل ينعم داخله بكرامة موفورة ، وحقوق مرعية ، وفى نفس الوقت ، فهو يستطيع ان يتركه دون ان تلاحقه اللعنات وتختلق له العيوب ، وتنبش من طيات الذاكرة . الطبيعة الاختيارية لهذا الاتحاد ستتحول من نص لائحى مجمد الى ممارسة يومية . بل ان المرء ، يتطلع الى ذلك اليوم الذى تقيم فيه الهيئة الحزبية المعنية حفل شاى بهيج لاولئك الذين قرروا التقاعد او الخروج من الحزب ، تعدد فيه انجازاتهم ، ويشيعوا فيه بدعوات النجاح فى مقبل ايامهم ، كما يعدد فيه اولئك المتقاعدون والخارجون التجارب التى استفادوها من الحزب ، والخدمات التى قدمها لهم ، والعلاقات والصداقات والاعمال المشتركة التى يمكن ان يؤدوها مع الحزب . هذه ممارسة تحدث فى كل مؤسسة متحضرة . وستنتهى بالتالى ظواهر السجال المرير والVendetta التى غالبا ما تحدث بين الحزب والخارجين عليه.


١٢ - ان الظروف المثلى لقيام هذا الحزب هى ظروف الديمقراطية بالطبع ، وهى ظروف لا تتوفر الاّ باسقاط السلطة الحالية ، ولكن اسقاط السلطة يعرقله تماما غياب مثل هذا الحزب ، مما يمكن ان يوحى بأننا ندور فى حلقة مفرغة . ونحن بالطبع لا نختار الظروف التى نناضل فيها او نمارس فيها السياسة . فقيام هذا الحزب ببرنامجه الجديد ، واسمه الجديد الذى يمكن الاتفاق عليه ، ومنطلقاته الجديدة التى يجب ان تحدد بدقة ، واساليبه الجديدة الفعّالة ، فى هذا المعمعان الشرس ، يمكن ان يعجم عوده ويصقله ، ويعتقه ويقويه ، ويجعل له بأسا شديدا.


١٣ - ما ندعو اليه هو انعقاد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعى فى فترة لا تزيد عن عام على نشر هذه الورقة . ونعتقد ان كل الصعوبات يمكن ان تجاوزها . تقدم لهذا المؤتمر كل التصورات المطروحة ، بما فى ذلك التصور الذى افضنا الحديث عنه . وفى حالة تبنى هذا التصور ، يحل الحزب الشيوعى السودانى وتتكون لجنة تمهيدية تضم بالاضافة الى الشيوعيين السابقين ، عناصر ديمقراطية مؤثرة ، وشخصيات وطنية ، مثقفة ومناضلة ويراعى فيها تمثيل الاقليات القومية والعرقية لصياغة برنامج الحزب الجديد ولوائحه ، واسمه ، ونشر وثائقه التاسيسية .

١٤- واخيرا لقد تميّزت كل الاحزاب الشيوعية التى انهارت بروح المحافظة الشديدة التى تصل فى كثير من الاحيان الى درجة الرجعية السافرة . واتسمت ردود افعالها بعدم الحساسية تجاه الشعب ، وتجاه الواقع ، وتجاه التغيير. ولقد تعاملت مع الزمن وكأنه من تراب . ولم تقبل الحقائق الاّ بعد ان فرضت فرضا عليها . ولم تعترف بالوقائع الا بعد ان جرت لها ومناخيرها مغلقة وافواهها مفتوحة. ان هذا الامر يجب الا يتكرر بالنسبة لنا ، وهذه اللحظة التاريخية يجب الا يسمح لها بالافلات من بين الاصابع. وذلك حتى لا نضطر الى ترديد قول الشاعر:
نصحتهم قومى بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح الا ضحى الغد .)







رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,045,664,790
- هل يصلح المؤتمر الخامس للحزب الشيوعى ما افسد الدهر؟


المزيد.....




- بعد فراغ لعامين.. ترامب يرشح قائدا عسكريا من أصل لبناني لمنص ...
- إسرائيل تتدرب في اليونان على مواجهة -إس-300-
- سناتور جمهوري: تصويت مرتقب على معاقبة السعودية بسبب حرب اليم ...
- ميلانيا ترامب تدعو لإقالة مسؤولة بالأمن القومي من البيت الأب ...
- سناتور جمهوري: تصويت مرتقب على معاقبة السعودية بسبب حرب اليم ...
- سلاح -جهنمي- جربته سوريا يصل إلى الغرب الروسي
- روسيا تبدأ بتصميم طائرة نقل فائقة الثقل
- شقراء تحطم بالفأس سيارة -بورشيه- في وسط كييف
- الأسد يحتسي قهوة النصر مع مختطفي السويداء المحررين
- مجلس الأمن يفشل في الإجماع على قرار غزة


المزيد.....

- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - طلعت الطيب - آن اوان التغيير - الخاتم عدلان