أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد محمد حسن - دور الإنسان والموروث في غياب الممارسة الديمقراطية في واقعنا الاجتماعي















المزيد.....



دور الإنسان والموروث في غياب الممارسة الديمقراطية في واقعنا الاجتماعي


ماجد محمد حسن
الحوار المتمدن-العدد: 776 - 2004 / 3 / 17 - 09:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أن الديمقراطية هي كلمة إغريقية، وتعني حكم الشعب لنفسه أو من لا يملكون. فنظام الحكم الديمقراطي يختلف عن نظام الحكم الديكتاتوري أو الحكم العسكري أو الديني، بل هو حكم الأغلبية من الشعب. لذلك فان سيادة الشعب يعني ان كل ما يصدر من قوانين وما يتخذ من قرارات يكون بموافقة الأغلبية. لأن الشعب يختار ممثليه من أصحاب الخبرة أو الحزب الذين يجدهم يعبرون عن اتجاهاته وأفكاره ورغباته.
 
فالديمقراطية تستمد المبرر لقيامها من الالتزام الأدبي الذي يفرض على كل فرد يعي مشاركته في قرارات الحكومة التي تسعى للتعبير عن الإرادة العامة ومن أجل الصالح العام. وتفتح المجال للمنافسة الشريفة بين الأفراد والأحزاب في العمل السياسي.
 
 لقد أخذت الديمقراطية في أوربا طريقها إلى الممارسة الفعلية حين أدركت قيمتها وقيمة مواطنيها حيث لا تجد فرقاً بين مواطن عادي وبسيط وبين مسؤول كبير أمام القانون. لذلك نجد أن الديمقراطية قد ساهمت في احترام الحقوق الإنسانية لكافة الأفراد، وبإمكان أي فرد أن يعترض ويرفض ويعبر عن رأيه بحرية ويختار معتقده بدون خوف أو تردد من القمع أو التصفية.
 
لكي يتحقق هذا يتطلب وجود المؤسسات الديمقراطية مثل الدستور، والمجالس التمثلية، والقضاء المستقل، والإدارة الحكومية النزيهة، والصحافة الحرة، والنقابات والتنظيمات المهنية. أن هذه المؤسسات شبه معدومة في واقعنا الاجتماعي وأن وجد بعض منها فهو صوري أو لا يعبر عن قضايا الناس الحقيقية، بقدر ما يعبر ويخدم سلطة الأنظمة.
 
لأن الأنظمة ذات البعد الواحد والشمولية، تمارس استبدادها ضد طبقات المجتمع، وتغيّب الحريات الشخصية والسياسية، لعدم قدرتها على تحمل النقد، والحوار العام حول السياسات والتفضيلات، والقضاء على الحوافز والدوافع الأبتكارية لدى الأفراد، وتغليب مفاهيم التعبئة على مفاهيم المشاركة. ومن أجل ذلك كان العمل الديمقراطي هو تحرير للأفراد وللجماعات الذين يتحكم بهم منطق السلطة، هم أولئك الخاضعين للرقابة التي يمارسها بحقهم أسياد الأنظمة ومسيّروها ولا يشكلون إلا موارد لها.
 
لقد انتعشت في أوربا الذهنية الديمقراطية بفضل جميع الذين أصرّوا على حقهم السياسي بالحياة إصراراً في وجه سلطات مطلقة كانت اطلاقيتّها تزداد يوماً بعد يوم. ومن خلال هذه المواقف نعتبر أن الديمقراطية هي الرغبة بتزويد المقهورين والتابعين بالقدرة عل التصرف بحريّة، وعلى النقاش مع الذين يقبضون على زمام الموارد الاقتصادية والسياسية والثقافية من باب التساوي معهم في الحقوق والضمانات، عن طريق النقابات وحرية الصحافة.
 
وعلى هذا الأساس فأن الديمقراطية لا تقتصر على مجموعة من الضمانات الدستورية، بل إنها نضال تخوضه ذوات فاعلة، في ثقافتها وبحريتها، ضد هيمنة سلطة النظام. وبهذا تصبح القضية الكبرى للديمقراطية هي مسألة الدفاع عن التنوع ضمن الثقافة الجماهيرية الواحدة وإنتاج هذا التنوع. لذلك تسعى الثقافة الديمقراطية إلى حماية التنوّع. لأن الديمقراطية ستصبح مفهوم فارغ في حالة عدم الاعتراف بتنوع المعتقدات والأصول والآراء والمشاريع. وبهذا تتحدد الثقافة الديمقراطية وُتعرف بما هي جهد مبذول في سبيل الجمع بين الوحدة والتنوع، بين الحرية والتوحيد.
 
ومن خلال ذلك نعتبر أن النظام المنفتح سياسياً واقتصادياً، شرط ضروري من شروط الديمقراطية. لأن النظام الديمقراطي هو صيغة الحياة السياسية التي تزود العدد الأكبر بأكبر قسط من الحرية، وعليه فهو الصيغة التي تحمي أوسع تنوع ممكن وتعترف به. لأنه لا وجود للديمقراطية بدون حرية اختيار الحاكمين من قبل المحكومين، وبدون تعددية سياسية، لكن في نفس الوقت لا نستطيع الحديث عن ديمقراطية ما إذا كان الناخبون لا يملكون إلا الاختيار بين جناحين من أجنحة النظام الديكتاتوري، أو الجيش أو رجال الدين.
 
ومن أجل أن نحقق نظاماً اجتماعياً ديمقراطياً في واقعنا العربي والعراقي، ونتبناه ونتشرّبه ونعكسه، في ممارساتنا الحياتية. يتطلب منا تحرك جماعي ذاتي، ندعو له ونتلهف أليه، ونقاتل من أجل تعميم الأسس الديمقراطية. لكن هذا صعب تحقيقه إذا لم نتجاوز عوامل كثيرة تحتاج إلى إعادة تقييم وتدقيق وفهم أكثر شمولية ومرونة، وأهم هذه العوامل.
 


البعد التاريخي
 
أن الحديث عن موضوع الديمقراطية، يتطلب منا إعادة النظر بتاريخنا لمعرف أسباب غياب وانحسار الممارسة الديمقراطية في مجتمعنا العراقي المعاصر. في الوقت الذي نجد فيه أنفسنا مطبوعين اجتماعياً، عبر الموروث التربوي، بالتعصب لآرائنا، ونرفض كل ما يخالفها، ونسعى في سلوكنا لترسيخ سلطة الرأي الواحد، وقمع وإسكات كل من يختلف معنا. وما هذا إلا نتيجة لما هو سائد من تقاليد وأعراف، ومفاهيم استبدادية عقيمة، تراكمت عبر عصور الانحدار والانحطاط والجمود والتخلف.
 
 لذلك فنحن نمارس فعلنا السلطوي السائد، حسب قول المثل الشائع بتصرف " الذي لا يرده مرضعه، غير العصا ما تنفعه. " فمرضع الفرد هو التقاليد والأعراف والأخلاق السائدة في المجتمع وتعني أيضاً الضمير الاجتماعي، بالإضافة لسلطة القانون التي يمثله العصا، لأن الفرد حين لا يوجد رادع  يحد من تجاوزاته اللاأخلاقية، فهو يفعل كل ما تشتهي نفسه. لكن هذه العصا لا تهتم دائماً بإنصاف المظلوم، وتثبيت الحق. بل أصبحت سيفاً قاطعاً لرقاب كل من يعارض ويختلف مع سلطة الحكم وأصحاب النفوذ وأولياء الله في الأرض، على حساب التقاليد والضمير. وبعد ان تسلط واستبد حكم البعد الواحد والمطلق، وهذه العصا أصبحت أيضاً سوطاً موجعاً وقامعاً ومستبداً لصوت الابن أمام سلطة الأب، والتلميذ أمام سلطة المعلم ومدير المدرسة، والجندي أمام من أعلى منه رتبه ، كذلك هو العامل في المصنع، والموظف في الدائرة، والمواطن أمام سلطة المطبلّين والمتنفذين وحاشية وأقارب الحاكم.
 
أن أهم عامل ساهم في ترسيخ واستمرار سلطة الرأي ذو البعد الواحد، واستبداد الحاكم، وأولي الأمر، في مجتمعنا العربي والإسلامي، هم المسلمين الذين استخدموا النص القرآني، بما أنه كلاماً منزلاً عن الله، وخالق السماوات والأرض، فهو غير قابل للنقد والمناقشة وتجاوز ما فيه من شرائع وأحكام. وقد ساهم هؤلاء المسلمون إلى حد كبير، بتسخير آيات القرآن وأحاديث النبي، بالإضافة للأحاديث المنسوبة إلى النبي. لكي تخدم مصالحهم وتبرر أعمالهم الاستبدادية، وتعطيهم الأذن بتصفية المعارضة الدينية والسياسية لهم، تحت شعار الجهاد في سبيل الله، وقتال الكفار والمرتدين، والخارجين عن صف الأمة، أو الذود عن الوطن، أو قتال العملاء والمتمردين والخونة لتراب الوطن والأمة.
 
حينما جاء الإسلام، كان ثورة على كل ما هو سائد، من ظلم وعصبية، واستبداد الأغنياء بالفقراء، والسادة بالعبيد، وأصحاب القوة والنفوذ بالضعفاء والمسحوقين الذين لا يمتلكوا أحلافاً تحميهم. وكما أحيا مكارم الأخلاق بين الناس. لقد كان الدين الإسلامي امتداداً للأديان السابقة عليه، لكن بشخصية ولغة عربية. وقد وحد الإسلام قبائل الجزيرة العربية، وعلى رأسها قريش قبيلة الرسول، التي لا يحكم المسلمين إلا رجلاً من ذريتها، حسب أمر الرسول .
 
وبعد انتصار النبي تحولت قريش من سيادة القبائل إلى دول مركزية، تنتقل عاصمتها حسب المكان الذي يجده الخليفة مناسباً له. وقد أمر الله محمد والمسلمين من خلال الخطاب القرآني، أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل والمساواة، ويحسن أغنيائهم إلى فقرائهم، ويساعد قويهم ضعيفهم.
 
لأن جميع الناس خلقهم الله من نفس واحدة. ونتبين من طرح الخطاب القرآني أن الحرية من حق الجميع، وأن ممارسة الإنسان لحريته هي الوجه الآخر لعقيدة التوحيد، وحين ينطق الفرد بالشهادتين يعني بمثابة إعلان عن عبوديته لله وحده، وإنعتاقه من أي سلطان لأي واحد من الناس. وأهم ممارسات الحرية، هي التي تتم على صعيد الاختيار والرأي، كما في الآية " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي… "(1)  وأيضاً " قل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر… "(2)  والآية " قل آمنوا به أو لا تؤمنوا… "(3)  وكذلك " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. "(4)
 
فالمساواة بين الناس من الأصول، فجميع الناس خلقوا من نفس واحدة، وجميعاً لهم الحصانة والكرامة التي يقررها القرآن للإنسان بصفته تلك، بصرف النظر عن ملته أو عرقه. وقد أشار محمد إلى معنى وحدة الأصل الإنساني في خطبة الوداع " ألا وأن ربكم واحد، ألا وأن أباكم واحد ". ونجد في الآية " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. أن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير."(5) 
 
كما نجد في الخطاب القرآني احترام الاختلاف في العقيدة والرأي وله حقه في الحصانة والشرعية لمجرد كونه إنساناً. وحسب كتب السيرة النبوية، وقف النبي توقيراً لجنازة ميت يهودي، وحين أستفسر أحد الذين كانوا معه، حين سأله هل تقف ليهودي ؟ أجابه الرسول قائلاً: أليست نفساً ؟ وكذلك هو علي أبن أبي طالب الذي كان أكثر المسلمين مبدئياً والتزاماً بنهج القرآن، حينما وجه رسالته إلى واليه على مصر، مالك بن الأشتر، فأنه قال فيها " وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم……  فأنهم صنفان. أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق. "
 
فقد حد القرآن من سلطة الرسول، كما في الآية " فذكر إنما أنت مذكّر، لست عليهم بمسيطر."(6)  كما خاطب الله الناس بتكليفها في العمل لصالح الدين وعمارة الدنيا، حسب الآية " يا أيها الذين أمنوا أوفوا العقود وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان."(7)  وكما حرم الإسلام الظلم ومقاومته واجبة وما جاء الإسلام إلا ثورة على الظلم والاستبداد بالناس. ونجد في هذه الآية رفض للظلم " لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين. "(8)  وأيضاً " إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم."(9)  ويبيح الإسلام القتال لرد الظلم عن الناس حسب الآية " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقدير."(10)  وتوجد أحاديث قالها النبي ترفض الظلم مثل " افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. " و " أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب ".
 
وكما يؤكد الخطاب القرآني على العدل والإحسان حسب الآية " أن الله يأمركم بالعدل والإحسان… "(11)  وأيضاً " أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. "(12)  وهكذا نجد ان الخطاب القرآني والإسلامي، قد طرح في شريعته، ضرورة العدل والإحسان، وعدم الظلم والأمر بالمعرف، والنهي عن المنكر، وأنصاف المظلوم والثورة على الظالم، ولا إكراه في الدين ولكل إنسان الحق، فيما يعتقد وما يؤمن به.   
 
لكننا نجد أن الخطاب السلطوي الإسلامي في آيات أخرى يغاير خطابه ونفسه وأسلوب دعوته، حيث يدعو الله محمد لقتال المشركين، وغير المؤمنين بالإسلام ويفرض على الناس بالإكراه الإيمان بالإسلام. كما في الآية " إلا تقاتلون قوماً نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أمل مرةٍ أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه أن كنتم مؤمنين قاتلهم يعذبهم الله بأيديكم ويجزهم وينصركم عليهم ويف صدور قومٍ مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله".(12)  و" قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. " (13)  وكما في الآية " إن الدين عند الله الإسلام … " ( 14)  وفي الآية " ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياءً حتى يهاجروا في سبيل الله فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيرا. " ( 15) 
 
وبين نوع الخطاب في بداية الدعوة الذي كان يدعوا الناس لحرية الاعتقاد ولا إكراه في الدين، ومن لا يؤمن فحسابه عند الله في الآخرة. كما في الآيات " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون. "(16)  وأيضاً " فإن حاجُّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن أتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وأن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد. "(17)
 
وحتى حينما كان يدعوا للقتال، عبر خطابه القرآني في بدايته، كان من موقف الدفاع عن نفسه وينهي عن الاعتداء. كما في الآية "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين. "(18)  وتوجد آيات غيرها تدعوا لاستخدام القوة ضد المشركين، وكما تدعو لإخراج النصارى واليهود ما أرض الجزيرة، وكل من ليس على دين الإسلام.   
 
أن هذا الخطاب قد تغير وتحول بعد انتصارات محمد، في معاركه وزيادة التابعين له وسيطرته على مكة، فأندفع يقاتل الذين لا يؤمنون بالله ورسوله ودين الإسلام. فمن خلال هذه الآيات وغيرها التي تدعوه لقتالهم، قد أعطته المبرر للوقوف بحزم وشدة وإجبار الناس على الدخول في الدين الجديد، وتأسيس دولة الإسلام حلمه الكبير.
 
لكن بقيت الكعبة شامخة كمركز ديني مهم للمسلمين بعد هدم الكعبات التي كانت موجودة في الجزيرة، لأنها الموروث الذي بناه إبراهيم، أبو الأديان. والإسلام امتداداً لهذه الأديان، لكن بشخصية عربية. وأصبحت كعبة المدينة قبلة المسلمين في صلاتهم. ومنذ هذه اللحظة برزت سلطة الرأي الواحد واستبداده، وتصفية كل من يختلف معها، فحين دخل محمد مكة، أعتبر كل من لزم الهدوء ولم يقاتله، فهو آمن. فظهرت بشكل جلي، الدعوة للإسلام بالقوة، والويل لمن يعترض، فسوف يقتل ويسلب ماله ويستعبد أهله.
 
بعد إتمام سيطرت الرسول على مكة أرسل الكتائب لقتال القبائل التي رفضت الدخول في الإسلام. فكانت معركة حنين، بين المسلمين وبعض أفخاذ قريش والقبائل التي رفضت الدخول في الإسلام، قد تجمعت لقتاله، ونصبوا له كميناً كادوا من خلاله أن يقضوا عليه، لولا ثبات بعض جماعته حوله وقتالهم ببسالة لنالوا منه، لكن المعركة دارت على المشركين بعد عودة الهاربين من جيش المسلمين، وبعد انتصارهم  وزع الفيّء من غنائم المعركة على المسلمين، ثم توجه إلى الطائف لحربها، وتم حصارها بعض الوقت حين رفض أشرافها ومن معهم الدخول في الإسلام. لكنهم قد استسلموا بعد تهديدهم، وتخيرهم بين الإسلام أو العبودية، وماذا سوف يحل بهم، حين ينتصروا المسلمون عليهم. وما قتالهم إلا لهدايتهم لدين الحق، لأن الإسلام هو دين الله الحق، وهو شامل لكل زمان ومكان، يلغي ما قبله وما بعده.
 
ونتيجة لهذا الخطاب فقد بدأ معه استبداد سلطة الرأي الواحد الشمولي، الذي لا يقبل الرأي المختلف والمعارض. وهذا قد أعطى مبرراً للخلفاء جميعاً ليحملوا السيف على كل معارض لهم، تحت مسميات حروب الردة أو الخروج عن صف الأمة أو الخليفة أو الدعوة للإسلام أو الزندقة. فقد أشتد هذا الاستبداد على يد الأمويين، حين قاموا بتصفية كل معارض لخلافتهم، التي انتزعوها بالغدر والسيف والمال. وخرجوا بسلطتهم عن وحدة المسلمين وتعاليم الإسلام وتحولت الخلافة على يدهم الى ملكية يورثها الأب الى الابن، وبرزت حينها العداءات والثارات القديمة، وبدأ الصراع المباشر والغير مباشر بين القبائل، وعاد يطفو صراعهم وفئويتهم التفاضلية القديمة فيما بينهم. ولم يتوانوا عن قتل أولاد علي وأحفاد النبي، وتصفية كل من خرج عليهم واعترض على توليهم الخلافة، بغير حق وشرع.
 
ونتيجة لذلك فقد تحولت سلطة الخليفة من قائد روحي يسّير المجتمع الذي يحكمه حسب الشريعة والقيم الأخلاقية، إلى حاكم سياسي يسعى بكل جهده، إلى تثبيت حكمه وتصفية كل المعارضين له. ونال السيف والسجن والسم من حياة الكثير، من الثوار والفقهاء والأدباء والمتصوفة والمفكرين، الذين خرجوا ضد أو انتقدوا استبداد الخلافة وسلوكها السياسي، والتفاوت الطبقي الكبير بين الخليفة وحاشيته وبين عامة الشعب.
 
أستمر هذا الاستبداد بالحكم مع العباسيين، والبويهيين، والسلاجقة والمغول والتتار والصفويين والعثمانيين والاستعمار، وصولاً لحكوماتنا الديكتاتورية المفروضة علينا الآن. لقد ساهم وعاظ الخلفاء والسلاطين، بخطبهم وإرشاداتهم في الجوامع وأماكن التعليم، في التعتيم عن جوانب الإبداع الفكري الحر وعن العدل، وعن الثورة على الظالم والدفاع عن الحقوق والأمر بالمعروف، وإنصاف المظلوم. لكنهم ظلّلوا بخطبهم الباطلة الناس وانحرفوا بعقولهم، إلى الجمود والاستسلام والرضوخ وطاعة، وليّ الأمر وحكم الغيب، الذي سينقذهم من كل مكروه، وترسيخ وانتشار الخرافة.
 
واليوم يساهم بعض الإعلاميون من المثقفين والأدباء والفنانين، بنفس الأساليب من تعتيم وتظليل للحقائق وتلميع وتعظيم لكل ما تقوم به السلطة. أما عامة الناس أو الجماهير فهي متغّيرة بمواقفها ولا تعي سلوكها. فهي تسّيرها ميولها العاطفية وولائها لأي شيءٍ كان، عقيدة أو نص أو مجموعة شعارات أو قائد أو أي رمز تؤمن به، ولا تتوانى عن عمل أي شيء لأجل ذلك. فكيف السبيل للتخلص من ترسب، الخضوع والرضوخ للاستبداد والتسلط والاستسلام، الذي تربيّنا عليه وتشربّناه وأصبح جزء من تركيبتنا الشخصية، وبالإضافة لاستبدادنا المتسلط لآرائنا فمعظمنا لا يقبل الرأي المختلف معه بشدة، ويأخذ قضية الاختلاف قضية شخصية، تدفع بالكثير منا الى العداء فيما بيننا وتلفيق التهم، وتوجيه الشتائم بعضنا لبعض.
 
وإذا تولى أي فرد فينا سلطة ما سرعان ما تتغير أخلاقه ويتحول إلى طاغية مستبد، معتبراً نفسه ينبوع الحكمة ومصدرها.
 


التخلف الاجتماعي
 
أن المجتمع المتخلف هو المجتمع الذي فقدت كرامته الإنسانية بمختلف صورها. والذي يتحول فيه الإنسان إلى شيء وإلى أداة أو وسيلة، إلى قيمة مبخسّة. ويتخذ هذا التبخيس، الهدر لقيمة الإنسان وكرامته صوراً تتلخص في أثنين أساسيتين: عالم الضرورة الذي هو تعبير عن الاستلاب الطبيعي، التي تشكل تهديداً فعلياً لقوته وأمنه وصحته مثل الفيضانات والأمراض والأوبئة… الخ.
 
والآخر القهر التسلطي الذي هو سياسة واستبداد الأنظمة الحاكمة، التي توالت بسلطتها على مجتمعنا. وارتباط المجتمع بسلطته الحاكمة بعلاقة مبنية على الرضوخ والتبعّية، والشعور بالدونية كقدر مفروض عليه تجاه، من بيده السلطة وكل من يعيش في ظروف أفضل من ظروفه. لذلك نجد أن المجتمع المتخلف، مجتمع تقليدي جامد متوجه نحو الماضي، يضع الأعراف والتقاليد كقاعدة للسلوك، وكمعيار للنظرة إلى الأمور. وهذا الإنسان تتحكم به التقاليد وتقيد كل حركه أو انطلاقة نحو المستقبل لديه.
 
فعنصر القهر واضح في المجتمع التقليدي الذي يمتلك أبناءه ويلغي مبادراتهم. فإنه يقولبهم في صيغ جامدة وثابتة. لذلك نجد أن الفرد الذي يتحكم به التقليد والغبن في بيئته الاجتماعية، يكون دائماً في حالة من التوتر الداخلي. أن الفرد المغلوب على أمره، لا يملك إلا الرضوخ، بالرغم ما يعمل في ذاته من صراع  ورغبة في التمرد وكسر قيوده. لكن خوفه الشديد من هذا التمرد الذي يقابله استبداد السلطة أو موقف المجتمع، الذي يشكل تهديداً دائماً لأفرادها، بالنبذ أو التشهير أو التصفية، إذا حاولوا المساس بالعرف والتقليد السائد.
 
لذلك يسعى المتسلط دائماً، لإيجاد وسائل متعددة، لتعزيز التقاليد والأعراف وفرض الجمود على حركة الفرد والجماعة. وتتخذ هذه الوسائل دائماً، طابعاً قمعياً في تعاملها. كما تحاول أن تصنف الناس على أساس المستوى الاجتماعي والاقتصادي والجغرافي، ومقدار القرب من السلطة. وهذا يرجع إلى تفسخ الحكومات وغياب سلطة القانون الذي أدى بدوره إلى زيادة الفجوة بين السلطة والناس، فحلت محلها سلطة المختار وشيخ العشيرة. ــ أن هذه الفجوة لا زالت مستمرة فينا حتى يومنا هذا. فنحن لا نتوانى عن تحطيم كل ما تصل إليه أيدنا، من الممتلكات الخدميّة العامة التابعة لإدارة الحكومة، بالرغم من المردود النفعي والخدمي الكبير الذي تقدمه لنا، في أقرب فرصة نجدها مناسبة. ــ  لكن في نفس الوقت كان للقيم الأخلاقية تأثيراً مهم وكبير على الناس، وكانت السمعة الأخلاقية، لدى الكثير أهم من سمعة المال والغنى. وأن كان التقدير والتملق، للأصحاب السلطة والمال أكثر من غيرهم، وكما يقال: كلامهم ماشي، حتى لو كان باطل. وأصبحت هذه الأعراف من قوانين الحياة، وبحسب هذه القوانين يصنف الناس اجتماعياً.
 
لكن يجب أن نعرف أن الإنسان، نتاج بيئته الاجتماعية والتربوية، وليس مقياساً أن يكون الشخص جيداً، لأنه من أصحاب النفوذ الاقتصادي أو الاجتماعي أو السلطة أو من أفراد عوائلهم. فالإنسان بخلقه وبما ينتج ويبدع من أعمال تعم بالخير والفائدة على الناس. لكن نجد ان تقدير الناس يتجه نحو أصحاب السلطة والنفوذ والمكانة الاقتصادية ورجال الدين الكبار. ولو أن هذه المفاهيم يعرفها الكثير ويتحدثون بها طويلاً، لكنهم في الحقيقة عمليا يمارس الكثير منهم ازدواجية الموقف بين ما ينادي به، وبين ما يتصرف به، فتجده  يتمسح ويتملق أصحاب السلطة والمال والنفوذ.
 
وتوجد فئة أخرى من الناس الذين ساهمت عوامل التخلف وقلة الحيلة لديهم، في مواجهة متطلبات الحياة الاقتصادية، وإحساسهم بالحرمان والحاجة المستمرة وعجزهم عن تغير حالهم، بالإضافة لما تجلبه عليهم الطبيعة من فيضانات تهدم بيوتهم وتشردهم، وتكتسحهم الأمراض،  بدون استئذان فتحصد آلاف الأرواح بدون رحمة. وهناك حروب الحكام فيما بينهم، وتجنيد الرجال المعِلين لعوائلهم إجبارياً، فيموت من يموت وينحرف من ينحرف، بدون أن يسأل عنهم ويرق لحالهم أحد. والرجل الذي يشتغل طول النهار ولا يأخذ إلا ما يسد رمقه، ورمق أفراد عائلته وأكثر الأحيان لا يسد، فقد عمّق هذا من إحساسهم بالتّدني والاستلاب وقد ساهم هذا التخلف واستبداد الحكام، بانعزالنا وانقطاعنا عن العالم المحيط بنا، وبما يجري حولنا بسبب ترسخ الخرافة والمفاهيم الدينية السطحية والمنحرفة عن أصولها، التي كان رجال الدين ووعاظ السلاطين يملئون بها عقول الناس. وهذه العزلة ضيقت من وعينا ورؤيتنا، وأغرقتنا في عزلتنا وعصبيتنا تجاه أي جديد خوفاً منه والشك في طروحاته.
 
 لهذا نجد أن الفرد، من شدة حرمانه وضيق حاله واستلاب شخصيته، استهان بنفسه وقيمته، وبتراكم سوء الحال عليه، جعله يشعر بعقدة الذنب والنقص، بأنه من جنس دوني ليس راقي كجنس هؤلاء الأغنياء وأصحاب النفوذ، وما هذا إلا نتيجة لما كان يقوم به رجال الدين، من تخدير وتشويه وتعتيم للحقائق، وتظليهم بمقولات مثل أن الله يرزق الصالحين والأولياء من الناس، ولا يرزق الأشرار وأصحاب السوء. ويصوّر بعضهم أن الله حينما كان يبتلي أحداً بمشكلة أو بعاهة أو نقص في الخلقة إنما يفعل الله ذلك عن حكمة، لأن الشخص المبتلي يستحق ذلك لسوء أخلاقه أو لؤم طبعه أو بسبب ذنب فظيع قام به تجاه غيره، و يدعو رجل الدين الناس الى الصبر لأن الله يحب الصابرين، على البلوى ويمتحن قوة إيمانهم بالله واليوم الآخر. كما أن الله سوف يعوض المؤمنين الصابرين في إدخالهم الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، وفيها كل ما تشتهي أنفسكم من الفواكه والطعام والشراب، والملائكة والحوريات وتعيشون خالدين فيها، وما هذه الدنيا إلا غرور قصيرة الأمد، لا تستحق أن يتهافت عليها الناس. وللكافرين نار جهنم وبئس المصير خالدين فيها أيضاً.
 
بهذه الصورة المأساوية والبشعة والمشوهة عاش كثير من الناس، مئات السنين لا يفقهون من حياتهم شيئاً. لأن أساليب القهر والاستبداد والتعتيم وإهمال التنمية الاقتصادية والزراعية والصحية والثقافية والتعليمية والعلمية… الخ. لقد ساهمت تلك السلطات في انحدار مجتمعنا إلى الحضيض بما مارسته من إهمال وضغط متزايد على الناس، بجباية الضرائب وابتزازهم حتى لقوة حياتهم اليومي. بالإضافة إلى انحدار مستوى التعليم وتفشي الأمية، حيث أقتصر على الكتاتيب الذين يعلموا الأطفال قراءة القرآن بالحفظ على الغيب، بدون فهم واستيعاب وجدل وبحث.
 
بل يسعى لترسيخ مفاهيم الطاعة والخضوع لما يقول من هو أكبر سناً أو نفوذاً أو سلطةً، وعدم مناقشته والاعتراض على أفعاله، حتى لو كان سيئاً.وكلما زاد التخلف وأتسع تأثيره على الناس سيطرت الخرافة والسحر على عقولهم، حينما يعجزون عن التصدي والمجابهة. ويتوازى انتشار التخلف والخرافة والشعوذة والسحر مع شدة القهر والاستبداد والحرمان وتضخيم الإحساس بالعجز وقلة الحيلة وانعدام الوسيلة.
 
ولا زال مجتمعنا يغرق في تخلفه، وإنساننا ازدواجي ومتقلب ومزاجي، في آرائه وشخصيته ومواقفه من قضايا الحياة والناس إلى حد التفاهة. وأن هذا التخلف والتخبط لا يقتصر على الأميين فقط، بل يمتاز به الكثير من المتعلمين ومن أصحاب الشهادات العالية، والمثقفين ومدعيّ الثقافة خصوصاً. لأن التعليم والشهادة لا تكفي، لأن يكتسب الإنسان رؤية واعية وعميقة، لنفسه ولعلاقته بالعالم وما يدور من حوله، فهو لا زال مشبّع بقيم مجتمعه البالية والعقيمة، غارق في محليتّه وعاجز عن مواجهة انحطاطه وبغضه للآخرين، متناقض وزائف في أبسط آرائه، بعضهم موهوم بتاريخه الهش، دنيء النفس حتى بأخلاقه، خالي من أي قدرة على إنجاز وإبداع حقيقي… 
 


الطبيعة البشرية
 
أن الإنسان دائم السعي بكل قدراته لإرضاء رغباته وطموحه وشهواته الشخصية، وحبه للامتلاك والسيطرة والسلطة، وتحقيق الانتصار والغلبة على منافسيه، وكما يتوق شوقاً للظهور والشهرة، عبر تحقيقه للأماكن المرموقة والمجد في العمل، الذي يقوم به وسط المجتمع. مدفوعا بمشاعر الغيرة والحسد، وإذا تطلّب الأمر فعن طريق التآمر والاحتيال والانتهازية للفرص، حتى لو كانت على حساب الآخرين، وبعضهم حتى على حساب الأخلاق والشرف، فهو لا يتوانى عن عمل أي شيء، ما دام يحقق له الكسب الذي يتمناه،  ويحلم به ويسعى لتحقيقه دائماً. أن الأناني بطبيعته يحب اللذة ويكره الألم، ويبذل كل مجهوده لتحقيق مصالحة الشخصية. لذلك نجده  يتكالب على نيل الأشياء، لأنه يرى نفسه أحق بها من غيره، وأحياناً هو لا يريد الشيء بحد ذاته، ولكنه يتهافت عليه حين يرى غيره يتهافتون عليه.
 
أن الإنسان الأناني يعيش داخل قوقعته الذاتية ومصالحها، وهو لا يرى الحقيقة إلا من خلال هذه القوقعة المحصنة. كما أنه ينسى مساوئه ويتذكر محاسنه تذكراً فيه الكثير من المبالغة، ويحاسب ويحقد على الآخرين وينكل بهم، إذا لم يخدموا مصالحه بالشكل الذي يرغب به، أو من لم يبادروا لخدمته في زمنا ما، متناسياً كل ما قدموا له من خدمات سابقة، في الوقت الذي هو لم يعطي من نفسه لهم شيئاً. لأنه بخيل بعطائه ومشاعره، يحب نفسه ويكره الآخرين، يوهم نفسه بأنه الأفضل، لكن في الحقيقة هو يشعر بالدونية المقيتة، في داخله والسوداوية لا يمتلك أصدقاء حقيقيين. يحاول أن يتلّبس أدوار وأقنعة مختلفة، يخفي خلفها بشاعة وقبح نفسه المظلم، فيسعى بأشكال مختلفة لاختلاق مواقف أو سلوكيات، تبتعد به عن الآخرين الذين لا يخدموا مصالحه المادية. وكما أن أنانيته تدفعه إلى الاعتقاد بأنه الأفضل إذا ما تسلم زمام الأمور بيده. فهو وحده الذي يستطيع أن يصلح الأشياء، وأنه حين يصرح بآرائه في الإصلاح، يعتقد أنه جاء بأفضل الآراء لتحقيق النجاح.
 
أن بعض علماء النفس يرى أن المجتمع البشري مشدود بعاملين هما التنازع والتعاون، وكذلك الحب والبغض فهما متلازمان في النفس كتلازم التعاون والتنازع. وحيث يعتقد  وليم جميس أن هذا التنازع هو الذي يحفز الإنسان نحو العمل المثمر والإبداع. وبه يشعر الإنسان أنه حي ينمو، فلو كان الناس متآخين إخاءً تاماً، يبتسم بعض لبعض ويعانق بعضهم بعضاً ثم يذهب كل واحد في طريقه من غير منافسة أو تكالب وتحاقد لشعروا بأن الموت خيراً لهم من هذه الحياة الرتيبة. والتنازع البشري يعود إلى استحالة إشباع الحاجات البشرية كلها وحب الإنسان لنفسه وتقديرها أكثر مما تستحق. وأن حالة التقدير التي يعطيها الإنسان لنفسه من حيث الكبر أو الصغر تتفاوت من شخص للآخر. يقول شارلس كولي : أن الشعور بالأنا يتكون من ثلاث عناصر تتّابع على الإنسان في لحظة واحدة. فهو أولا يتخيل صورته في نظر الآخرين، وثانياً هو يتخيل انطباع الآخرين عنه حسناً أو قبيحاً، وثالثاً هو يشعر بالزهو أو الهوان تبعاً لما يتخيل من انطباع الآخرين عنه.
 
أن الإنسان يجتهد دائماً في البحث عن الوسائل لتحقيق مصالحه بأساليب مباشرة أو ملتوية، وأحياناً لا أخلاقية. حسب مقولة ميكافيلي " الغاية تبرر الوسيلة." لذلك فهو يخاف من الشرطي أكثر من رقيبه الذاتي. وهذا يعود لطبيعة نشأته الأخلاقية والتربوية في البيت ومحيطه الاجتماعي. لأن الإنسان يريد دائماً أن يظهر نفسه متفوقاً ومتميزاً أمام الناس. فهو حين يدخل في جدل ونقاش مع غيره يسعى لتفنيد كل دليل عقلي يأتي به خصمه، فهو لا يختلف في ذلك عن أصحاب الدعاوى في ساحات المحاكم أو أصحاب الدكاكين في الأسواق أو عامة الناس حين يتشاجرون بالأيدي والعصي.
 
يرى علي الوردي : أن طلب الحقيقة حجة يتظاهر بها الإنسان لتبرير سعيه المتواصل نحو الغلبة. وهو لذلك لا يحب الحقيقة إلا إذا كانت في جانبه، وهو لا يكاد يراها قد صارت في جانب خصمه حتى يتنكر لها ويأتي بالعديد من الأدلة العقلية والنقلية لتفنيدها وإظهار بطلانها.لأن الإنسان عند جدله يزعم أنه يسعى وراء الحق والحقيقة، بينما في الواقع هو يسعى نحو التغلب على خصمه. فهو يشعر أن تغلب خصمه عليه سوف يؤدي إلى هبوط مكانته الاجتماعية في نظر الآخرين، وهذا الأمر لا يستطيع تحمله. لأن الإنسان حين يسعى لرفعة مكانته، يتجنب ما يؤدي إلى انخفاضها، وهو لا يفعل ذلك من فراغ بل يفعله، حسبما توحي به القيم السائدة في بيئته الاجتماعية.
 
أن الإنسان من خلال حبه لنفسه ، يكون مدفوعاً في رسم أهدافه، حسب القيم الاجتماعية السائدة في مجتمعه. وتراه يلهث وراء هدفه كالفراشة التي تلقي بنفسها في اللهب دون إرادة منها. ولقد أدرك البشر بفطرتهم، ضرورة إيجاد حلول للحد من  الصراعات، وحل النزاعات والحد من اعتداء القوي على حقوق الضعيف. وكما يقول هوبز : أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان. فقد ابتكروا من أجل ذلك نظام المحاكم، ولولاها لأكل الناس بعضهم بعضاً. وقد تطور هذا النظام القضائي منذ العصور القديمة، فقد كان شيخ القبيلة يحكم بين أفرادها، ومن ثم تطور القضاء مع تطور الإنسان ورقي حضارته. كما ساهمت الأديان بتنظيم المجتمع حسب الشرائع والقوانين التي يطبقها الكهنة ويفرضها الدين على الناس. وهكذا تطورت أنظمة الحكم مع تطور وتحضر الإنسان. وأن كان لم يقضي وينهي على الظلم وتجاور إنسان على آخر، أو سلب القوي لحق الضعيف، لكنه قد حد منه.
حيث نجد عبر التاريخ أن الأنبياء وبعض الفلاسفة والعلماء والفنانين، قد قدموا للناس تعاليم وشرائع دينية ونظريات فلسفية وأخلاقية وقانونية وعلمية وفنية وجمالية. وهذه قد ساهمت بالحد من اندفاع الإنسان، في تحقيق رغباته ومصالحه على حساب الغير. وقامت في بعث القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، التي تحترم العدالة والأمانة والمساواة والجمال. وساهمت أيضاً هذه النظريات في ترويض الإنسان بعض الشيء، واستطاعت أن تصهره في مجتمعات، تتبنى القيم الأخلاقية واحترام القوانين. ولكن لا يوجد مجتمع سويّ ومنسجم مع نفسه، وبدون عقد نفسية إلا في حالة توفر توازن، اقتصادي واجتماعي وصحي وثقافي وتربوي وسياسي. لكن هذا الانسجام لا يتحقق مع كل أفراد المجتمع، ولابد أن يوجد هناك أفراد تطغي عليهم أنانيتهم فيسيؤن للآخرين.
 
لكن للأسف أن الحياة لا تقبل المثل، وجميع النظريات المثالية قد فشلت، في تحقيق مشروعها الأخلاقي والإصلاحي للمجتمع، سواء كانت دينية أم وضعية. وسوف تفشل أي نظرية مثالية أخرى أين ما تظهر. بالرغم من وجود الكثير من الأفراد، الذين أحاطت بهم ظروف اجتماعية وتربوية وثقافية سامية، قد طبعتهم بنزعة أخلاقية غيرّية، فيها الكثير من إنكار الذات وتغليب المصلحة العامة والاجتماعية على مصالحهم الفردية.
 
وأن هذه المشاريع المثالية حتى لو وجدت لها مؤيدين فهي لا تحقق إلا نجاح نسبي وقصير الأمد. لأن الإنسان أناني بطبيعته ويرفض أن يفني نفسه، من أجل تحقيق مشروع مثالي، يحتاج لتضحية وإنكار للذات. كما أن الإنسان يتغير في ولائه ومواقفه حسب مصالحه. ولهذا سوف لن تستطيع المشاريع المثالية أن تحافظ على مشروعها كما بدأت به أولاً لتغير وذهاب أصحابه ومؤسسيه الشرفاء الحقيقيين منهم، فيصبح بعدها مجرد شعارات خاوية يرددها ويطلقها المسؤولين والمنفذين الجدد للمشروع لا تتفق بل وتتناقض مع  سلوكهم في المجتمع. أن فشل الأديان والنظريات الأخلاقية المثالية في تحقيق مشروعها الإصلاحي، ويعود ذلك الى أنها لا تستطيع احتواء الحياة والإنسان بشكل شامل، بحيث تكون حلولها صالحة لكل مكان وزمان وكل ما يحدث فيها من متغيرات. بالاضافة لكونها تعتمد في تطبيق خطابها الأيديولوجي وشرائعها على الانسان من خلال إيمانه  والتزامه بها عقلياً وعملياً، وبما أن الأغلبية غير ملتزمة وتمارس ازدواجية مفضوحة في سلوكها وقولها والقلة الباقية تمارس فعلها الحقيقي ومواجهتها لهذا التردي، وأن كان هذا الفعل مرهون حسب قدرات الفرد المتاحة، من أجل ترسيخ حرية التعبير والاعتقاد، واحترام الرأي الآخر، وتعلم ممارسة الديمقراطية في الحياة اليومية، لكي تتبلور وتؤسس حركة تنويرية تنهض بخصوصية واقعنا الاجتماعي بكل ما فيه من سلبيات نحو فضاء أرحب، منطلقة بإعادة النظر والربط والتواصل بين الماضي والحاضر وتحديث المستقبل. بما تقوم به من تشذيب وغربلة وتشريح ونقد، وتجاوز كل ما لا يتوافق ويتلاءم وينسجم مع تطور العصر ومتغيراته في جميع المجالات.         
 
حيث نجد الآن أن بقاء واستمرار الإنسان في الحياة وعدم فناءه بالأسلحة المتطور والفتاكة التي يمتلكها، لا يعود لوجود قيم أخلاقية تمنع حدوث ذلك. لا بل هو اتفاق غير معلن بعدم استخدام هذه الأسلحة، لأن الإنسان يحب نفسه وكل ما يعطيه اللذة، ويكره الألم. فهو لن يستخدم هذه الأسلحة خوفاً من استخدمها ضده ويكون الفناء للجميع.
 
وهذا الإنسان يقوم في كل جزء من هذا العالم، بتفريغ شحنات البغض والغضب والعنف والأنانية والانحطاط والعدوانية بإقامته الحروب والتصفيات العرقية والطائفية والدينية والسياسية. بواسطة السلطات الديكتاتورية، والقومية والعلمانية والليبرالية والأممية والدينية والمذهبية الخ. فيا ترى إلى أين سيتمادى هذا الإنسان في زرع الرعب والخراب والموت، من أجل تحقيق شهواته الأنانية ومصالحه الشخصية. لماذا نحن كذلك ؟ ما دام كل شيء يتلاشى من حولنا، وكل ما نتذوّقه ونلمسه ونعيشه يصبح ذكرى. هل هي قضية قصر في فهم ما يجري حولنا ؟ أم هي طبيعتنا الإنسانية.    
 
يبقى للبيئة وعادات المجتمع وأساليب تربيته بالإضافة لهذه العوامل الثلاثة وغيرها دور كبير في رسم شخصية الفرد. لأن الفرد نتاج بيئته ومحيطه الخارجي الذي ينشأ وسطه، ويكتسب منه كل ما فيه من انتماءات، وميول ونزاعات سياسية أو طائفية أو عرقية أو عائلية بل وحتى طبقية. كما يوجد تفاوت واختلاف بين فرد وآخر، لأنه لا يوجد هناك تشابه بين شخصية الأفراد حتى لو نشئوا في بيئة وظروف واحدة، وهذا يعود لاختلاف العوامل اللاشعورية والمعرفية والذكاء والتجارب المتراكمة والمختلفة من شخص لأخر، فتعطي لكل شخص خصوصيته المتميزة عن غيره بل عن اقرب الناس إليه.
 
عبر هذه العوامل الثلاثة، وبالإضافة للعوامل الجغرافية، والاقتصادية، ودور القوى ذات المصالح السياسية والاقتصادية في المنطقة عبر دعمها بكل ما تستطيع لبقاء الحالة متردية ومضطربة دائماً، فهذه العوامل هي التي تعتبر، من أهم الأسباب التي ساهمت، في ترسيخ سلطة الرأي الواحد، وتغيب الحس والشعور باحترام الرأي الآخر، وقبول الاختلاف في المفاهيم والمعتقدات والاختيار والانتماء. ولكي نبني حالة مختلفة ومتنورة ومتطورة ديمقراطياً، علينا أن نبدأ في تجاوز تخلفنا من خلال تشخيص وتشريح ونقد سلبياتنا، والبحث عن البدائل التي تعطي للأفراد في المجتمع حرية اكبر، في الاختيار والتعبير والانتخاب، عبر مؤسسات تحمي حقوق الأفراد وتصونها ضمن القانون.
 


الهوامش
 
1- سورة البقرة. آية 25.                                          
2- سورة الكهف. آية 29.                        
3- سورة الإسراء. آية 107.                     
4- سورة يونس. آية 99.                                         
5- سورة الحجرات. آية 13. 29.
6- سورة الغاشية. آية 21،22.  
7- سورة المائدة. آية 1،2.                      
8- سورة الأحقاف. آية 12.                       
9- سورة الشورى. آية 42.
10- سورة الحج. آية 39.       
11- سورة النحل. آية 90.      
12- سورة النساء. آية 58.
13- سورة التوبة. آية 28.
14- سورة العمران. آية 19.
15- سورة النساء. آية 89.
16- سورة الإنعام. آية 47. 48.
17-  سورة العمران. آية 20.
18- سورة البقرة. آية 189.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- إشكالية التخلف في واقعنا الاجتماعي


المزيد.....




- بعد تمثال -عدو- لأتاتورك وأردوغان بتدريب للناتو.. تركيا: أكب ...
- وزير خارجية البحرين: فقط إيران وأعوانها "يولولون" ...
- الرئيس الألماني يعترض على إجراء انتخابات برلمانية مبكرة
- -روسكوسموس- تعرض -سبوتنيك 60- في أوروبا
- خامنئي في -سربل ذهاب- عقب الزلزال المدمر
- شركة روسية تعجب أوروبا بمعداتها الزراعية
- حقيقة أحدث شائعات نهاية العالم
- أربيل تتهم بغداد بسياسة العقاب الجماعي وتطالب المجتمع الدولي ...
- فيديو.. تحطم طائرة صغيرة على طريق في فلوريدا!
- ستاندارد أند بورز: الإصلاحات السعودية في صالح المواطن


المزيد.....

- العلمانية وحقوق الإنسان / محمد الحنفي
- نقد النساء / نايف سلوم
- الثقافة بين طابع المساءلة وطابع المماطلة / محمد الحنفي
- هل يمكن اعتبار الجماعات المحلية أدوات تنموية ؟ / محمد الحنفي
- أوزبر جبرائيل- تفسير رواية عزازيل / نايف سلوم
- توءمة ملتصقة بين الحزب الشيوعي والتجمع / مصطفى مجدي الجمال
- المُفكر والفيلسوف الأممي -صادق جلال العظم-: تذكرة وذكرى لمرو ... / عبد الله أبو راشد
- جذور وأفاق بنية الدولة / شاهر أحمد نصر
- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ماجد محمد حسن - دور الإنسان والموروث في غياب الممارسة الديمقراطية في واقعنا الاجتماعي