أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين شاويش - هل بقي لليسار العربي من دور















المزيد.....



هل بقي لليسار العربي من دور


حسين شاويش
الحوار المتمدن-العدد: 765 - 2004 / 3 / 6 - 09:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تنطلق هذه التأملات من فرضية عامة هي أن أولئك الذين يمارسون العمل السياسي يقومون بأداء وظائف موضوعية لها مبرر تاريخي ما، وذلك بغض النظر عن العوامل التي تدفعهم كذوات إلى هذا العمل، أي كأشخاص يتمتعون من ناحية بمواقع اجتماعية وتكوينات ثقافية ما وهم من ناحية أخرى ذوو حاجات وطموحات معينة. هذه الوظائف الموضوعية تختلف كما ونوعا حسب المرحلة التاريخية وظروف البلد التي تتم فيه الممارسة السياسية. وبخصوص اليسار فإن ممارسة المنظرين السياسيين لهذا المصطلح شرقا وغربا لأكثر من قرنين من الزمن قد أعطته شيئا من التحديد المفهومي. فكلمة يسار بالمعنى السياسي ترتبط في أذهان الناس بطريقة معينة في التفكير والتخطيط تنحو باتجاه التغيير لا المحافظة، أخذ مصالح الأكثرية وخاصة الفقراء بعين الاعتبار، لا الأقلية الغنية، وأخيرا فكرة التحرر سواء أكان تحرر المرأة من استعباد الرجل أو الضعيف من تسلط القوي، أفرادا أو شعوبا. هذا النوع من التفكير والتخطيط ليس اختراعا قام به عبقري ما ثم قلّده من جاء بعده، بل هو في أكثر الأحيان طريقة بشرية في التفكير والتوجّه كانت منذ أن وجد تفاوت اجتماعي سواء من حيث الثروة أو السلطة بين الناس والأجناس والأفراد…الخ. لقد نحى هذا النحو مفكرون ومفكرات ومجموعات سياسية من مختلف الأديان والجنسيات. لذلك كتب الكثيرون عن اليسار في الإسلام وهم يعنون شخصيات من نوع أبي ذر الغفاري مثلا، بل إن القول الشهير لعمر: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فرددتها على الفقراء" يجعل تصنيفه مع اليسار الإسلامي مبررا، وكذلك الأمر مع علي إذا أخذنا بعين الاعتبار علاقته بالفقراء (أهل الصفّة مثلا)…الخ. أما ما كتب حول مجموعات بكاملها كالقرامطة مثلا فهو أشهر من أن يعرّف[1]،. ولكن العصر الحديث جاء بظاهرة لم تكن معروفة في التاريخ الإسلامي، هي أن  تتبنى مجموعات وشخصيّات بعينها تعريفا من هذا القبيل، من نوع حسن حنفي الذي عرف بأنه ممثل اليسار الإسلامي ومجاهدي خلق الذي عرفوا بأنهم ماركسيون مسلمون. 
ولعل معترضا يقول أنني بهذا التعريف الفضفاض أجهزت على الدقة في تحديد المصطلح، وهو بلا شك محقّ في اعتراضه هذا، لكن هذه المشكلة لا يمكن في الواقع تلافيها، فنحن عندما نحاول أن نصنّف كل طرق الاشتغال أو التفكير في السياسة إلى صنفين اثنين فقط لا يمكن إلا أن نظل ضمن الاتجاهات والميول العامة أكثر مما نحن في الملموس والمحدد.
لكننا نستطيع، من ناحية أخرى، أن نتجاوز مشكلة الدقة في التعريف والتحديد إذا عثرنا على مثال للمجموعات اليسارية واعتبرناه أنموذجا لا بمعنى أنه أنموذج مثالي على الكل تقليده، ولكن بمعنى أنه مختلف نوعيا لا كميا عن اليمين، مما يجعل دراسته مفيده لتحديد مكامن الاختلاف والتشابه..الخ. هذه الطريقة معروفة على كل حال في علم النفس المعرفي، حيث يسمى هذا الأنموذج: Prototyp. وفي حالتنا هذه فالانموذج الذي يفرض نفسه هو المجموعات الاشتراكية، والشيوعيون بالتحديد.
وقد مر على الناس حين من الدهر كان فيه اليسار يعني البرنامج الاشتراكي (لأنه يفترض أن يكون برنامج الطبقة العاملة للتغيير الاجتماعي)، لكن أحدا لا في البلاد العربية فحسب، ولكن في العالم قاطبة لم يعد يدعو بجدّية إلى التطبيق الفوري أو في الزمن المنظور لهذا البرنامج. وقد كانت الحجة النظرية للشيوعيين العرب لتبرير عدم فعالية أحزابهم (ربما باستثناء حزبين "أصيلين" هما العراقي والسوداني وثالث جاء الى الماركسية من البوابة القومية هو اليمني الجنوبي) هي غياب الطبقة العاملة العربية. لكن واقع الحال يقول أن البلد العربي ذي الكثافة الأكبر من العمال وهو مصر "يتمتع" بالحزب الشيوعي الأعجز تقريبا (ربما باستثناء أحزاب منطقة الخليج ما عدا البحرين)[2]، ناهيك عن أن نسبة العمال بين أعضاء هذه الأحزاب لم تكن في يوم من الأيام أكثر من نسبتهم في الأحزاب غير اليسارية، بل إن الكثير من التجمعات الشيوعية كانت محل السخرية لأنها ببساطة تجمعّات مثقفين يدّعون تمثيل الطبقة العاملة دون أن يعرفوا عنها شيئا غير ما قرؤوه في الكتب (وما جاء في تلك الكتب يصف بالمناسبة عمال الغرب لا العرب). وإذا كان نقد الستينات من القرن الماضي لليسار العربي، ولنتذكر نقد الياس مرقص مثلا، قد أدى، إلى جانب عوامل أخرى طبعا، إلى تبني مجوعات كبيرة من الشيوعيين العرب لمهام تعالج هموما كانت أثقل على قلوب الجماهير (تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة العربية مثلا) رغم أنهم كانوا يعتبرونها حتى تاريخه إما مهام طبقات وأحزاب أخرى أو مجرد ديماغوجيا رجعية وما شابه..، فإن هذا الأمر لم يوسّع كثيرا وعلى المدى البعيد من القاعدة الشعبية لتلك الأحزاب.
          لا يمكن تحليل هذه المسألة الهامة دون أن نشغل أنفسنا بأسئلة من نوع: كيف كانت هذه المجموعات تتصل بالناس؟ ما الذي كان أعضاء هذه المجموعات يمثلونه للمواطن العادي؟ كيف كان أولئك الأعضاء يعيشون فعلا؟ وهل كانوا يتمثلون الأفكار التي يحاولون إيصالها للناس، أم أنهم كانوا يقولون شيئا ويفعلون أمرا آخر؟ ثم تأتي الأسئلة البرنامجية والنطرية من نوع: ماذا كانوا يقولون للناس؟ هل كان هناك شيء يقال للناس وشيء يخفى؟ كيف كانوا يفهمون ويبررون ذلك؟ ثم كيف كان كل ذلك "يصل" الى متلقي الدعاية؟ ومهما اختلفت الإجابات على هذه الأسئلة فإن بعض الأطروحات تبدو صحتها لي شبه أكيدة. من ذلك مثلا مشكلة التواصل. فالمجموعات الشيوعية كانت تتكلم لغة من الصعب أن تفهمها جماهيرهم المفترضة، رغم أنهم أخضعوا ماركسية ماركس (بل وحتى ماركسية لينين) إلى عدد من درجات التبسيط إلى تلك الدرجة التي كادت فيها أن تفقد جوهرها، بأن تحولت من برنامج انقلاب اجتماعي شامل إلى شعارات سياسية، بل حتى هذه كثيرا ما اختصرت بمطلبين لا ثالث لهما هما السلام والخبز. والمقصود هنا طبعا هو لغة الخطاب اللفظي، ولكن حتى من ناحية المضمون كان هناك واد عميق يفصل ما ينادي به الشيوعيون عما يريده الناس. فقد كان انجراح الذات الجمعية تحت طعنات الغزاة يجعل الناس تستجيب الى نداء التعبئة أكثر من نداء السلام، ولكن مادا يفعل هؤلاء المساكين إذا كان الروس قد تعبوا من الحرب ولا يريدون سوى السلام وكادوا يموتون من الجوع ولا يحلمون إلا بالخبز؟ وحتى لو غضضنا الطرف عن هذا الخطأ الفادح للتوجيه "الأممي" –وما هو بالأممي ولكنه حديث آخر ذو شجون-، فإن مجرد الارتباط بالشيوعيين السوفييت كان وصمة لم يغفرها المواطن العربي، بل  حوّلها كعادته إلى مناسبة للتنكيت فروى عن شيوعيين يحملون مظّلاتهم في دمشق إذا أمطرت السماء في موسكو!
          لكننا سنغض النظر مرّة أخرى عن الخطاب اللفظي لشيوعيي العرب موجّهين اهتمامنا للخطاب غير المنطوق. من المفهوم أن عملية الاتصال البشري تعتمد لا على اللغة الملفوظة وحدها، فهناك الإشارات المتنوعة الأخرى (إيماء…الخ)، كما أن الدلالة لا تفهم من المعنى الحرفي للإشارة فقط، بل من سياقها ومن طريقة إرسالها ومواقع التشديد فيها…الخ. هذا كله من ناحية، أما من الناحية الأخرى فالمستقبل للإشارة (لفظية كانت أم غير لفظية) يفهم الكثير من التوقف غير المتوقع للإرسال ومن إغفال الإشارة إلى بعض الأشياء التي ينتظر أن ترد في الرسالة (كما هو واضح نسمي هنا كل ما يريد طرفا الاتصال أن يتبادلاه رسائل)، وهذا ما يدعى عادة "المسكوت عنه". فما هي الرسالة غير المنطوقة للشيوعي العربي، كما وصلت إلى "مستقبلها"؟ وما يصدق على هذا الشيوعي يمكن أن يصدق إلى حد ما على اليساري عموما، إذا استثنينا الناصريين بسبب اختلاف الإيديولوجيا، وخاصة لدى الناصرية المبكرة، حيث لم يكن الحديث يتجاوز فكرة التحرر من الاستعمار، ثم أضيفت فكرة الوحدة العربية، وفقط في النهاية جاءت فكرة الاشتراكية العربية.
          لقد كان الشيوعي العربي هو من يقرأ كتبا (فيما بعد صارت تعرف بالكتب الحمر، هذا على الأقل ما يقال، أما في الواقع الفعلي فقد كان أكثرهم يكتفي بمنشورات الحزب) ويلبس لباسا أوربيا ولا يذهب إلى المساجد أو إلى الكنائس، كما أن ابنته وزوجته لا تتحجبان بملبسهما ولا تحتجبان عن الرجال في حياتهما الاجتماعية، بل إنه يشجعهما على أن تزاولا العمل خارج المنزل… وإذا طلبت منه أن يصف طريقة حياته قال لك أنه "تقدّمي" ووصف المتديّنين بأنهم "رجعيون"، أو أنه يقول أن المجتمع "متخلف". وهذه التعابير "تقدم" و"تخلّف" و"رجعية" لا علاقة لها في الواقع بتصنيفات ماركس بحدّ ذاتها الذي كان يفضّل نظاما آخر للمعايير يعتمد على الموقع الطبقي، فهناك مثلا الطريقة البورجوازية والبروليتارية والإقطاعية للحياة…الخ. وعندما سادت النقاشات النظرية والأدبية مسألة "الأصالة أم المعاصرة/الحداثة" انضم اليساريون بشكل بديهي تماما إلى الصف الحداثوي، دون أن يتساءلوا إن كانت هذه الحداثة بورجوازية أم بروليتارية! ولم يستغرب هذا الاصطفاف أحد، لأن الشيوعيين _واليساريين عموما- لم يكونوا أصلا شيئا غير ذلك، أي دعاة حداثة. وما كانوا يعنون بكلمة "تقدم" شيئا آخر غير "حداثة" ولا بكلمة "تأخر" شيئا آخر غير "أصالة"…الخ.
          هذا الاستنتاج الأخير ينسجم مع التعريف الفضفاض الذي بدأت به هذا المقال، حيث حدّدت مفهوم اليسار بثلاث "توجّهات فكرية/ برنامجية" هي التغيير والتحرير والعدالة الاجتماعية. والبعد الأول بينها عكسه المحافظة أما عكس البعد الثاني فهو التسلّط والسلطوية، أما ما يعاكس البعد الثالث فهو ترسيخ التفاوت الاجتماعي. ولعلّ خصوصية قضية المرأة يجعل من المفيد في أكثر الأحيان إفراد مسألة تحررها بالذكر، رغم أن ذلك يجب في الواقع أن يفهم ضمنيا كجزء من بعد "التحرير". وليس الانسجام بين مفهوم التغيير ومفهوم الحداثة واضحا بذاته، فالتغيير قد يكون باتجاه القديم لا الحديث، مثال ذلك التغيير الذي جاءت به حركة طالبان في أفغانستان. ولدلك ييدو لي أن ما يميز اليسار كبرنامج سياسي (لا كمجرد "توجه" جزئي ضمن حركة كلية) هو ترافق هذه الأبعاد الثلاثة المذكورة، أي التغيير باتجاه تحرير الفرد، رجلا وامرأة[3]، والمجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية. فقط بهذا المعنى يمكن أن نجد تقاطعات كبيرة بين برنامج اليسار ونمط تفكيره وبين ما يسمى الحداثة. غير أن هذه التقاطعات ليست بديهية على الإطلاق. فالحداثة الغربية كانت كبرامج سياسية –لا كفلسفة- أكثر تقاطعا مع اليمين اللبرالي العربي في النصف الأول من القرن العشرين. ويكفي استعراض الدعائم الثلاثة التي يقوم عليها مفهوم اليسار حسب "اجتهادنا" في هذه الدراسة لنستنتج أن مفهوم الحداثة الغربي يطابق مفهوم اليسار فقط في أولى "دعامتيه" أي التغيير والتحرير[4] لا في الدعامة الثالثة، فالعدالة الاجتماعية هي مطلب اليسار في أوربا لا اليمين. ونحن بهذا نؤكد فقط ما قلناه قبل سطور فقط، أي أن برنامج الحداثة الغربية ينبغي أن يتطابق مع برنامج اليمين اللبرالي العربي، على الصعيد السياسي طبعا. وعلى هذا يبدو أننا لا نستطيع إلا أن نسخر من اليساريين العرب الذين كانوا يتبنون –بوعي أو دون وعي- برنامج اليمين. أما إذا أردنا أن نبحث عن أسباب تجعلنا لا نكتفي بالجانب الفكه من المسألة، فعلينا أن نعود إلى القاعدة الذهبية في فهم "التاريخ المقارن" للمجتمعات المختلفة، أقصد قانون "التطور اللامتكافيء" فالحداثة الأوربية هي حركة نهاية القرن الثامن عشر، أما الحداثة العربية فهي حركة القرن العشرين. أضف إلى ذلك أن كلا منهما تستند إلى تاريخ مختلف أشد الاختلاف عن الأخرى. ولنحاول أن نفهم ذلك من خلال تجربة الماركسي العربي.
          لقد قلنا أن الرسالة غير المنطوقة لليساري العربي ترتكز على مهمة تحديث المجتمع. ومهما بدا هذا الحكم غريبا، فهو لا يتناقض تماما لا مع النطرية ولا مع التطبيق إذا فهمتا في سياق الواقع التاريخي الفعلي أو الممكن. ولنأخذ الشيوعيين كمثال. ففي النظرية السياسية الماركسية يمكن للطبقة العاملة أن تتبنى مهام البورجوازية التاريخية (تحقيق الديمقراطية مثلا) إذا كانت تلك البورجوازية عاجزة عن ذلك لسبب أو لآخر. وهذا النمط من المحاكمات يذكر بالمثال التاريخي الشهير حول الدور الاقتصادي الذي لعبته الدولة في اليابان لبناء الصناعات الثقيلة، التي لم ترغب اليوجوازية اليابانية الناشئة ببنائها بسبب التكلفة الباهظة وتأخر الربح المنتظر منها. وواقع الحال أن المجتمعات العربية كانت وما زالت بحاجة ماسة للتحديث، هذه المهمة التي لم يستطع إنجازها حتى الآن أحد، رغم تعاقب كافة الألوان السياسية على السلطة بدءا من دولة الخلافة العثمانية حتى نهاية الخمس الأول من القرن العشرين وحتى القوميين بأشكالهم المختلفة في نهايته. لقد كان التحديث يعني مهاما تم إنجازها في البلدان التي كانت تسمى "متقدمة"، منها مثلا محو الأمية وفتح الباب أمام كل أفراد المجتمع إلى سوق العمل بما يعني تحرير المرأة وإلغاء كل ما من شأنه تقسيم المجتمع بشكل عامودي إلى طوائف وأديان، وهذا يعنى فصل الدين عن السياسة، إضافة إلى ما يضمن إنشاء بنى تحتية تؤمن إنتاجية كافية للتنافس في السوق العالمية. من الواضح أن الفئة السياسية الوحيدة التي يمكن أن تحمل هذه المهام بشكل جذري هي الشيوعيون، فالقوميون والإسلاميون يعملون على قسمة المجتمع العامودية إلى أقوام وأديان أو طوائف، أو أنهم لا يمكن أن يكونوا جذريين بصدد موضوع تحرير المرأة…. الخ.
هذه الحقيقة البسيطة فهمها المواطن العادي رغم أن الشيوعي لم يقلها صراجة، بل إنني أزعم أنه لم يعها بهذا الشكل النظري أصلا. فكيف تم ذلك؟ إنني أعتقد أن العامل الحاسم في هذه المسألة هو الموقف من الدين، فرغم كل محاولات الشيوعيين أن يقفوا موقفا محايدا من الدين أو حتى أن يتملّقوه أحيانا، لم يخف على ذلك المواطن البسيط موقفهم الجذري غير المعلن. ولا شك أن الدعاية المضادة ساهمت في ذلك، لكن يبدو أن الإشارات غير المنطوقة –كما جاء أعلاه- التي أرسلها الشيوعيون دون أن يدروا قد فهمت بشكل صحيح!
          وإنني أزعم أن أولئك الشيوعيين المساكين قد عانوا جميعهم، إلا من رحم ربك، من مشكلتين "نفسيتين" الأولى الصراع بين إحساسهم بأن الشعار الشهير "الدين أفيون الشعوب" ليس خطأ تماما[5]، وبين خوفهم من إعلان ذلك 0وهو خوف مبرر إذا أخذنا بعين الاعتبار نتائج التهمة بالارتداد عن الدين أو بالإلحاد، واضطرارهم إلى مجاملة "جماهيرهم" المتديّنة. المشكلة الثانية هي إحساسهم بالظلم عندما يقارنون مهامهم بمهام رفاق دربهم في أوربا وروسيا. ففي تلك البلاد النائية لا يجد رفاقهم أولئك أي إحراج في الجهر بالموقف من الكنيسة والسخرية من الفاتيكان وكاردينالاته، أو من البطرك الارثوذكسي ومطارنته، وذلك فقط لأن "المشكلة الدينية" قد حلت هناك في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي عليهم فيه من الناحية النظرية المحضة  –في هذا الشرق- أن تنبري ألسنتهم في شرح مسألة تاريخية الظاهرة الدينية للناس دون أن يجرحوا مشاعرهم وعقائدهم. هذا "الرهاب" أدّى في معظم الأحيان إلى الحل المعروف في علم النفس بالسلوك التجنّبي، أي تجنّب المشكلة واعتبارها مشكلة ثانوية أصلا.
إذن فقد أخطأ الشيوعيون العرب مرتين، الأولى بإهمال التعرض للمسألة الدينية رغم أهميّتها بالنسبة لإنجاز مهمة التحديث التاريخية، والخطأ الثاني اعتقادهم أن "مناورة الإهمال" هذه ستنجح في "تضليل المواطن" عن فهم موقفهم الحقيقي من الدين. وكان حريا بهم أن يتصدّوا بطريقتهم الخاصة لدراسة والإسهام في تنفيذ ما يمكن تنفيذه من مهمة  الاصلاح الديني.
غير أننا نعثر على مواقف مشابهة لدى شيوعيين آخرين لأسباب أخرى من النوع النظري، فقد تم إهمال  هذه المسألة المركزية في الأدبيات الماركسية أحيانا لاعتبارها مسألة تغيير "فوقي" يحدث اوتوماتيكيا إذا تغيرت البنية التحتية الموافقة. وليست النظرة إلى مشكلة الدين في هذا السياق إلا جزءا من "كل نظري" أشمل وأكثر تجريدا.
ولنتأمل أكثر قليلا في هذه المسألة. فعلى صعيد النظرية العامة نقف أمام مثال قاطع في دلالته على قصور "أداتي التفكير" التقليديتين في الماركسية المدرسية أعني مفهومي البنية الفوقية والبنية التحتية عن إمكانية فك لغز الظاهرة الدينية وبعدها الاجتماعي، وعلى أننا بحاجة إلى إعادة النظر بالموقع الذي وضع للدين في سياق التطور التاريخي. هذا القصور لا يقتصر، بالمناسبة، على فهم مسألة الدين، ولذلك كان لا بد من تغيير جذري في طرق المعرفة، وهذا يعني الخروج من الطريقة القديمة، طريقة العامل الواحد الذي يقرر كل شيء، إلى طريقة جديدة ترى العوامل المتعددة في التغيير الاجتماعي[6]، دون أن تعتبرها كلّها مجرّد أشكال "للجوهر" إياه! هذا المأزق النظري هو السبب، فيما أرى، لشعبية النزعة البنيوية (ألتوسير وبولنتزاس مثلا) التي فتحت آفاقا للفهم كانت مسدودة، حيث أصبحنا نرى مستويات مختلفة يجري عليها الحدث الاجتماعي. 
يبدو لي أن الدين، كالإيديولوجيا عموما، هو ظاهرة تاريخية، لكن فقط كشيء لذاته -أي كوجود متعين، كشيء ملموس نراه هنا وهناك-   أما كشيء في ذاته أي كوجود مطلق فهو شيء غير تاريخي موجود دائما، شديد المرونة في تغيير أشكاله لكنه عصي على الزوال. ومن المنطقي أننا نستطيع فهم الظاهرة الدينية بطرق تختلف حسب طريقتنا في مقاربتها ودراستها، فهو كظاهرة اجتماعية شيء وكظاهرة فردية شيء آخر. كمؤسسات ذات طابع اقتصادي شيء، وكطقوس وشعائر شيء آخر، رغم الارتباط المعروف. غير أننا يمكن أن نقاربه نفسيا أو فلسفيا، اثنولوجيا أو سوسيولوجيا، بل حتى أشد العقائد بعدا عن التحليل المنطقي يمكن فهمهما بالبحث المقارن بعقائد الأديان الأخرى أو بما نقل من أدب أو فلسفة للعصر الذي "ولدت فيه". أخيرا فالدين هو طريقة ما في فهم أو تفسير أو تأويل نص مقدس، و"التأويل" أصبح منذ زمن بعيد علما بحد ذاته، أي أن نصر حامد أبوزيد وزوجته ليسا أولى ضحاياه [7]…الخ.
إن العصر الذي عاش فيه ماركس كان عصرا ذهبيا لناقدي الدين –على قلّة الجيّدين منهم-. يمكن لتفسير ذلك استعارة تعبير "السلب" أو النقض من هيغل، لنقول إنه كان عصر "السلب" أو النقض البسيط أو المطلق للدين. فقد كان دوره الاجتماعي-السياسي في أوربا يكاد يكون سلبيا فقط. لكن الدين يكاد في عصرنا هذا أن يعطي الانطباع أنه قد أنجز مرحلة سلب السلب أو نقض النقض! ولندع لغة هيغل جانبا فمما لا شك فيه أنه لم يعد من الممكن لا تجاهل ولا تجاوز الشكل الإيجابي للدين. ونتأمل "ثيولوجيا التحرر" كظاهرة عالمية ليس الجهاد الاسلامي إلا أحد أشكالها (مع الاحتفاظ بالفوارق الفاقعة). ولكن الشكل السلبي له هو من الوضوع والكارثية بحيث أن تجاهله هو عمى كامل، انظر مثلا "الثيولوجيا المضادة للتحرر" ولها من التنوع بقدر تنوّع أشكال الحريّة ذاتها. هناك ما يمكن أن نسميه مثلا "ثيولوجيا الاستعمار" ومثاله حركات التبشير والدولة اليهودية في فلسطين والأصولية الأمريكية المعاصرة. يمكن هنا لعشاق الديالكتيك أن "يكتشفوه" أيضا هنا، بل لهم أن يستمرّوا في الاستنباط المنطقي لاكتشاف الأشكال التي تجلّى بها "نقض النقض"، وأنا أقترح اعتبار أحد هذه الأشكال محاولات "الاصلاح الديني" حوالي بدايات القرن العشرين (الأفغاني، الكواكبي، عبده، عبد الرازق، أمين…) وحوالي بدايات القرن الواحد والعشرين (القرضاوي وخاتمي…). ولعل هذا لا يبعد كثيرا عن الصواب، لكن الواقع ليس للأسف بهذه الجدلية فإن محاولات "الاصلاح الديني" المذكورة تبدو لي أحيانا وكأنها قد جرت على مبدأ الفعل ورد الفعل أو على المبدأ الخلدوني "الاقتداء بالغالب". ومهما يكن الأمر فطالما أنها لم تنجم عن صراع لاهوتي/ثيولوجي بين أصحاب العلاقة مباشرة ينبغي على المرأ أن يسميها "الاصلاح الديني من فوق ومن الخارج"، وبهذا التعبير لا أعني الخارج المادي السياسي (الغرب مثلا)، ولكنني أعني أن التغيير لم ينشأ عن صراع عناصر مختلفة تنتمي كلّها إلى النظام النظري نفسه وهو هنا الفكر الإسلامي. وهذا لربما هو أحد أسباب ظاهرة لها كل سمات "مقاومة رد الفعل" أقصد ما سمي بالصحوة الاسلامية التي لربما استطاع المراقب أن يلاحظ عليها بداية غفوة جديدة بعد تعثر التجربتين الايرانية والسودانية. إن فشل محاولات الإصلاح الديني لا يلغي ضرورته، والحالة السورية هي برهان من الصعب العثور على ما هو أبلغ منه دلالة.
في سوريا هناك طوائف وأديان تقسم المجتمع عاموديا (خاصة أن هذا التقسيم الطائفي/الديني يتناغم مع تقسيم عشائري شبه إثني). والحال أن الثيولوجيا نفسها لدى كافة هذه الأديان تتضمن صراحة أو ضمنا ضرورة استمرار هذا التقسيم. في القرآن نصوص صريحة تحرم الولاء لغير المسلمين بل إن بعض الموروث الديني يدنّسهم ويتدخل حتى في عواطف الفرد المسلم تجاه أتباع الديانات الأخرى فيطلب منه أن يقصر حبّه على من يتبعون ملّته. بل إن الدارس لأدبيات المدارس الإسلامية المختلفة يكاد يستنتج أن المتصوفة هم الوحيدون الذين جهروا بحبّهم للناس أجمع وللأديان كافة كائنة ما كانت. ولدى الطوائف الباطنية تقاليد قديمة أصلها مبدأ التقية تمنع الحوار المنفتح مع غير أبناء الطائفة. كما أن لدى الغالبية مشكلة دينية في الزواج المختلط…الخ.
إن السؤال الصعب هو هل من دور لليساري في الإصلاح الديني وهو آخر من يستطيع التغيير الثيولوجي من داخله لأنه ببساطه يقف خارجه؟ أجيب بنعم بسيطة، والسبب هو أن اليساري هو الأجرأ على طرح المشكلة كمشكلة اجتماعية-سياسية بشكلها الجذري، لأنه ليس مسؤولا عن المحافظة على المحرمات، فهو لن يعاني من التردد بتسمية الأشياء بأسمائها. يبدو لي من غير المستبعد أن طرحا كهذا سيثير بحد ذاته محاولات "إصلاح ديني من الداخل" وعلى الصعيد الثيولوجي لا الديماغوجي المعهود حتى تاريخه. ونحن نرى مؤشرات مشابهه ليس فقط بسبب النقد الموجه الى الوهابية وعلاقتها بالإرهاب, حيث يتم الدفاع على يد ثيولوجيين يعيدون تفسير النصوص، لكن بسبب الصدام مع متطلّبات الواقع العنيد كلما تنطّح الدين للعب دور "برنامج إدارة المجتمع", كما هو الحال في إيران، حيث نرى تجديدات واجتهادات شيه يومية بعضها يتمتع بصفة ثورية والآخر إصلاحي… لكن المطلوب من الإصلاح الديني لا زال بلا شك بعيد المنال.
لا يمكن أن يكون المطلوب من الإصلاح الديني هو نسخ ما حدث في اوربا، ليس لأننا لا نريد ذلك ولكن لأن ذلك غير ممكن ببساطة، والكل يعلم كم كتب في أسباب هذا ولا فائدة في تكرار ما كتبه الباحثون، لكنني أودّ أن أركز على الجانب غير المعهود ذكره في المسألة وهو ما يتعلق بالهوية الدينية وأحيانا الدينية-الطائفية.
عندما بحث مفكرو النهضة وفنانوها في أوربا عن مثال يبنون على منواله نهضتهم أو ليلعب دور المثل الموحّد لهم أو البديل لنماذج العصور الوسطى المرفوضة وجدوا أو أعادوا إيجاد/اختراع التجربة الإغريقية-الرومانية وهكذا أصبحت حتى اللغة العلمية تستمد صفتها الأكاديمية من كونها تصيغ مفاهيمها الأساسية باللاتينية أو اليونانية القديمة، أما على صعيد الفن فالأمر أوضح بكثير ولا داع لشرحه. هذه المرجعية الرمزية شمل تأثيرها لا سياسيي اليسار الأوربي فحسب، بل حتى سياسيي التيار المسيحي الديمقراطي الذين تكاد تقتصر مسيحيتهم على التركيز على مسائل الحفاظ على البنية العائلية المتماسكة أما ما دون ذلك فلا يفرقهم عن اليسار في هذا الخصوص شيء. أما نحن فنفتقد إلى مرجعية تاريخية تسبق الاسلام (لم يترك الكنعانيون والأشوريون…الخ ما يكفي من النماذج الفكرية والفنية ليصنع مثالا متكاملا يمكن أن يعاد بناؤه كنموذج حضاري)، كما نفتقد الى عقدة العصور الوسطى التي دفعت الاوربيين الى رفض المسيحية كهوية حضارية، بل بالعكس فبالإضافة إلى أن تاريخ الحضارة العربية-الإسلامية مازال ينظر إليه كالتجربة الوحيدة الناجحة للأمة العربية، فإن الايديولوجيا الاسلامية لعبت (وما تزال تلعب) دورا تحريريا ضد الهيمنة الأجنبية. لهذا كله علينا أن نفهم لماذا تنبعث الهوية الاسلامية بهذه القوة حتى لتكاد تطغى على الهوية "الطبيعية" أقصد القومية. وهنا نغض النظر عن عوامل أخرى لا تخصنا فقط يمكن للباحث المتوسع أن يرصدها، مثلا تأثير التيارات ما بعد الحداثية..الخ.
لكن كيف لليساري العربي أن يتعامل مع مسألة الهوية هذه بشكل إيجابي في الوقت الذي فيه لا هم لهذا اليساري إلا تحديث المجتمع على المثال الأوربي، مما يعني ،شئنا أم أبينا، زحزحة المرجعية الحضارية لتصبح خليطا من تراث الرومان والإغريق والعرب جميعا؟ هل يفيدنا التركيز على تاريخية كل شيء: الأفكار ونماذج الحكم والأديان، وعالميتها، وعدم وجود هوية واحدة إلا في الخيال، وعلى أن تطور العولمة لم يدع مكانا للمتكلسين حول هوياتهم الدينية والمحلية…الخ ؟ نعم يجب فعل هذا كلّه، غير أننا –كيسار- يجب أن نركّز –بالإضافة الى ذلك- على أمرين اثنين:
الأول هو أن لنا رسالة هي موضوعيا رسالة اليسار العربي بحكم تكوينه الفكري نكاد نصفها بالضرورية التاريخية (لولا أننا نكره هذا التعبير سيء الصيت)، ولذلك فلا مفر من إيصالها وهي تتلخص بمحاولة إعادة صياغة للهوية الحضارية الجديدة بالتركيز على جانبين أولهما الجانب المنسي من قبل الاسلاميين بقدر ما هو حاضر واقعيا وهو "الثقافة" كمقرر للهوية، الثقافة التي نواتها الرمزية اللغة التي تتجسد بالأدب والتراث الشفهي الذي أنتجه مسلمون وغير مسلمين، غير أن الثقافة هي أيضا الموسيقى والعمارة…الخ . صحيح أن الدين موجود في هذا كلّه، بل ويطغى على بعضه، غير أنه يغيب جزئيا على الأقل عن كثير منه كما أنه حتى إذا حضر فهو يحضر "كعمل إنساني على المقدس"، واليساري يفهم هذا كعملية أنسنة للدين، وفي هذا إعادة الدين الى "معناه" الحقيقي في المفهوم المادي أي كوظيفة اجتماعية…الخ. أما الجانب الآخر فهو يرتكز في العام على فكرة عالمية الحضارة وفكرة العلاقة العضوية بين الأفكار النظرية والتكنيك في إنشائها وفي الخاص على الدور الأوربي الحديث الذي لا يجادل أحد فيه في هذا الإنشاء ومن ثم على مشروعية الاستفادة ليس فقط من التكنيك الأوربي/الأمريكي الحديث، بل ومن فكر التنوير وما بعد التنوير أيضا. إن المعركة ضد "الأفكار المستوردة" –التي قد تدار هي نفسها بأفكار مستوردة أحيانا أو على الأقل بمنطق مستورد هو منطق أرسطو- هو عرض من أعراض المرض النفسي المصاب به المثقفون السلفيون، ويجب تحليله كما يحلل أي مرض نفسي آخر، وهو يعود في هذه الحالة الى خوف من هذه الأفكار سميته في أحد مقالاتي "رهاب الاستلاب". من المفيد في هذا المقام التذكير بأن الغزالي في معركته ضد فلاسفة الاغريق لم يستخدم هذه الحجة لأن كل موازين القوى الحضارية كانت مختلفة. إذن فإذا كان من المشروع أن نهضم قيم التنوير وندمجها في حضارتنا الحديثة فإن من شأن ذلك أن يغني مكونات هويتنا ذاتها ويغيّر من "طبيعتها" قليلا لاغيا تكلّسها ودورها التعطيلي في عملية التقدم متيحا لها هي نفسها أن يصبح دورها كعامل معرفة للذات دورا إيجابيا يدفع إلى موقف يتوجه الى الآخر ليتعامل معه بلا عقد نقص ولا جنون عظمة، لا بشكل دفاعي ولا عدواني…الخ
الثاني هو أن نتخلص نحن اليساريين من عقدة الاسلام! وهذا ليس سهلا لكثير من الأسباب، بعضها خاص بالتجربة المرّة للتصفيات على أساس الإلحاد (حكم المرتد الذي مازال سيفا مسلطا على رأس كل مفكر حر)، التي جعلت المرء يظن أن كل الناس في هذه الأرض يحق لهم أن يؤمنوا أو يلحدوا باستثناء من ولد في أسرة مسلمة. غير أن لذلك أسباب أخرى منها ما يجمع يسار العالم كله منذ عهد الفوضويين على الأقل من إدانة للدور الاجتماعي الرجعي للدين…الخ. غير أننا إذا أخذنا المقدمات التي سبق شرحها بعين الاعتبار أمكننا "إعادة تعريف الإسلام" بحيث يمكن أن نعقد معه نوعا من الصداقة!. إن "إسلامنا" بمفهومه الجديد هذا لن يعود "مؤسسة المقدس" لكنه سيصبح إحدى مرجعيات ثقافتنا التي يشترك في الانتهال منها العربي المسلم والعربي المسيحي على السواء، كما أنه سيصبح أيضا مرجعية ممكنة "للاهوت تحرر" يدفع المؤمنين البسطاء الى مقاومة المحتل. لكن هذا التخلص من العقدة الدينية لا يعني إطلاقا أن اليساري قد تخلى عن "الرسالة التاريخية" التي لا يمكن لغيره أن يوصلها أصلا والتي أحد أهم أركانها إعادة الدين الى صفته الطبيعية كأيديولوجيا ميتافيزيقية ذات وظيفة فردية هي ما يسميه الناس عادة "التقوى" ووظيفة جمعية هي "الطقس المقدس". يعلم هذا اليساري أن الدين هو مخزن ايديولوجي لأحزاب اليمين، كان كذلك وسيبقى كذلك إلى الأبد، وكل ما يمكن أن يفعله هو محاولة التحييد السياسي أو التجيير لصالح وظيفة التحرر المذكورة آنفا.
إنني أرى أن ثمة شيئا آخر لاحظناه في السعودية وإيران ومصر والسودان –حسب الترتيب الزمني- وسنلاحظه بلا شك في سوريا إذا سمح للأحزاب الدينية بالعمل هو المأسسة الاقتصادية للدين والتي أنتجت لا قاعدة تضمن قوة واستمرار المجموعات السياسية الاسلامية واستقلال هذه المجموعات الاقتصادي عن "ممّوليها"فحسب، بل وأساسا لشكل جديد للدين الإسلامي يقارب الشكل الذي تتخذه الكنيسة في أوربا أي المؤسسة الأيديولوجية-الاقتصادية. إن تحليل ذلك كله هو من شأننا نحن لأننا نستطيع ترجمة "هيروغليفيا المقدس" وتحليلها دون أن نتأثر بها. على المدى القريب سيزداد الإسلام السياسي قوة لأنه لم يعد يكتفي برأسماله الرمزي بل أضاف إليه رأسمال البنوك والمشاريع الإسلامية و"الخيرية"، أما على الصعيد الاستراتيجي فهو يؤسس بمأسسته الاقتصادية هذه ذاتها بداية انهياره. لكن ذلك كله –والأهم منه خفاياه- يجب أن تدرس بعناية وتشرح للجماهير باللغة التي تفهمها.
نعود إلى مسألة دور اليسار في الإصلاح الديني كمهمة تاريخية للمرحلة الراهنة. إن هذا الإصلاح، كما سيق الإلماح، لا يمكن أن يقوم به في نهاية الأمر إلا علماء دين ذوي تأثير جماهيري أو أكاديمي على الأقل. لكن اليسار يستطيع ،ويجب أيضا، أن يجبر هؤلاء على مراجعة الكثير مما اعتبر حتى تاريخه بديهيا وذلك بطرح أسئلة الواقع العنيد التي لا يمكن الإجابة عليها بدون تلك المراجعة. اليسار يطرح نفسه كحامل لرسالة التقدم بما يعني التحديث والديمقراطية وحقوق الإنسان، فكيف يستقيم حكم المرتد مثلا مع حق حرية الاعتقاد؟….الخ.
إن المسألة ليست بهذه البساطة بلا شك، لكن المحاولة لا مفر منها، كما أن هذه المعركة الطويلة قد بدأت في واقع الأمر –وإن ببطء- منذ زمن بعيد، دون أن يسميها أحد بهذا الاسم، لكن المتتبع لا يلاحظها فحسب، ولكن يلاحظ أيضا تلك الحيرة وفقدان حس التوجّه لدى كل من الإصلاحي والمحافظ على حد سواء.
          في النهاية علينا أن نجيب على سؤال أساسي حول الفرق الجوهري بين البرنامج اليساري ومنافسه اليميني فيما يتعلق بالمهام الديقراطية بشكل عام. إن ما نسمعه من منظّري وقادة الأحزاب الشيوعية لا يكاد يختلف بشيء عما يقوله "المعارضون" غير الشيوعيين. الديمقراطية مرادفة عند الطرفين للنظام اللبرالي. ويبدو لي أن عقدة النقص النظرية وعقدة العجز السياسية اللتان يعاني منهما الشيوعيون قد أدّتا إلى اليأس النهائي من لعب دور طليعي متميز، كائنا ما كان، وإلى اللجوء إلى الصفوف الخلفية في الصراع، كنوع من الاعتراف بفقدانهم أي دور قيادي ممكن سياسيا أو أيديولوجيا. إن هذا الموقف وعقدة الذنب المرافقة له (الناجمة عن الاعتراف بأن الأنظمة التي دعمها أو دعى لها أو قادها "شيوعيون" عالميا كانت شمولية وقمعية وفي نهاية الأمر فاشلة بل وكارثية) يمكن فهمها إذا تعلّق الأمر "بشيوعيي موسكو"، ولكن ماذا بشأن أولئك الذين لم ينلهم من شيوعيتهم إلا الملاحقة والسجون، وأولئك الذين كانوا منذ البداية "غير شموليين" على الطريقة الستالينية كالتروتسكيين، أو تلك المجموعات الديمقراطية الجذرية رغم شيوعيتها –أو بسبب شيوعيتها البديلة- كالمجالسيين مثلا؟ ثم إذا كانت الشيوعيون قد فشلوا في التغلب على الرأسمالية وبناء الاشتراكية فشلا ذريعا، ألم ينجح بعضهم في دحر الغزاة كما في الصين وفيتنام أو الطغاة كما في أمريكا اللاتينية؟ أليس برنامج الاشتراكية الديمقراطية الذي نجح في أوربا في الأصل هو أحد التنويعات على الماركسية؟ وأخيرا أليست أحزابهم هي التي حدّثت بنية المجتمعات العالم ثالثية جزئيا على الأقل؟ إما مباشرة حيث حكموا أو بشكل غير مباشر حيث عبّؤوا أيديولوجيا مثقفي تلك المجتمعات؟ وهنا لا مفر من التذكير بحقيقة يعرفها كل من درس علوما إنسانية حديثة أو تابعها ولو بسطحية، وهي أن الماركسية هي "موديل" نظري تجري العودة إليه كلما أراد الباحثون إضاءة الجانب الاجتماعي من أية إشكالية يراد تحليلها. فإذا كان الدور المركزي للماركسية –كإحدى أدوات التحليل طبعا لا كعقيدة تفسيرية- يكاد يكون بديهيا في علم الاجتماع، فإن المرء لا يمكن إلا أن يفاجأ وهو يرى دراسات في علم النفس تحاول إثبات أن السلوك البشري لا يمكن فهمه إذا لم نستعن بفهم ماركس للبعد الطبقي في التأثر والتأثير المتبادلين للذات والموضوع. وهذا في الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، أي قبل سنوات قليلة.
ولكن لنعد إلى سؤالنا الآنف، فما هو المتميّز جوهريا في البرنامج الديمقراطي لليسار؟ إننا نستطيع في سياق الإجابة على هذا السؤال بخصوص الديمقراطية أن نحافظ على "استمرارية" ما للبرنامج التاريخي لليسار عموما.
سأستعير التعبير التراثي "باطن وظاهر" لشرح رأيي في المسألة. ففي السطور السابقة حاولت إثبات أن باطن البرنامج اليساري عامة والشيوعي خاصة كان في الواقع هو التحديث الجذري للمجتمع. أما البرنامج الظاهري فقد كان يستند إلى استراتيجية التغيير الطبقي للسلطة، مهما اختلفت البرامج التكتيكية والمرحلية. ولعل من الضروري الإشارة ثانية أن منظّري ذلك اليسار لم يقصدوا ذلك، بل إنهم سيرفضون على الأغلب هذا الادعاء "البرجوازي" أو "البرجوازي الصغير" (هذا إن كانوا لا يزالون يتذكّرون هذه التعابير!). لعلها كانت شيئا "لاواعيا" إذن!
ولكن لعلنا يمكن أن نتوصّل إلى إثبات استمرارية ما للبرنامج التاريخي لليسار عموما, وهنا نعني البرنامج المكتوب والواعي، لا ذلك الكامن في اللاوعي، إذا تذكّرنا ما كان شائعا في الأدبيات الماركسية حول "المهام الديمقراطية للثورة الاشتراكية" أو مفهوم "الثورة الدائمة" بشرط إلغاء كل تفكير يمكن أن يكمن خلف هذه الشعارات إذا استند إلى مفهومين لا ينسجمان لا مع العلم بالتاريخ ولا مع مبدأ الديمقراطية وهما مفهوم الحتمية من الناحية الفلسفية ومفهوم ديكنانورية الطبقة من الناحية السياسية. فالأدبيات المذكورة كانت ترهن مشاركة الطبقة العاملة في إنجاز المهام الديمقراطية بقيادتها لعملية التغيير، أو أن هذه القيادة هي الشرط الضروري لنجاح العملية وتطوّرها لتصل أفقها "المحتوم" أي الاشتراكية. هذه اللغة القديمة لم تعد ذات موضوع لألف سبب وسبب، ولكن شيئا فيها مازال يمكن الاستفادة منه، إنه ضرورة الاستنهاض السياسي للطبقات الشعبية المتوسطة والدنيا، لكنه هذه المرّة استنهاض ديمقراطي مؤسساتي لا يستهدف لا بناء ديكتاتورية البروليتاريا ولا أية ديكتاتورية أخرى. إن هذه المهمة هي في جوهرها جزء من برنامج التحديث المذكور، إذا أخذنا ظروف المنطقة العربية بعين الاعتبار. فالاصطفافات السياسية مازالت في أكثر الحالات اصطفافات عامودية (دين، طائفة، قوم وعشائر…الخ)، مما يجعل انخراط الناس في العمل السياسي من خلال نقاباتهم وروابطهم المهنية عاملا في خلق مجتمع حديث ذي تقسيمات أفقية لا عامودية. وهو شرط أساسي لمصادرة أسباب الحروب الطائفية وكوارث تقسيم الأوطان. ومن جهة أخرى فإن العمل بين هذه الطبقات بهدف أن تنظم نفسها في أطرها النقابية التي تمارس "سياستها الخاصة" ذات البرنامج "الطبقي الخاص" أي الذي يمثل مصالحها كفئة اجتماعية أو مهنية معيّنة بغض النظر عن أي شعارات وطنية أو قومية عامة (وهذا بالمناسبة هو عكس سياسة لينين الشهيرة في كتابه "ما العمل")، أقول إن من شأن عمل كهذا لا أن يضمن انخراط الشرائح العريضة من المجتمع في السياسة فحسب، بل أن يعيد للسياسة بعدها الداخلي بعد أن كادت تتحول إلى سياسة خارجية فحسب.
لكن المرء عندما يتأمل حال النقابات والاتحادات المهنية القائمة حاليا في بلد ذي حكم شمولي كسوريا يعثر على صعوبة من خاص جدا. فهناك "نقابات صفراء" منذ ما يقارب النصف قرن. هذه النقابات ينطبق عليها ما سماه ألتوسير مرّة "جهاز الدولة الايديولوجي". فهي أداة بيد الدولة لتنفيذ سياساتها ولا استقلالية لها. المشكلة الأخرى هي أن جزءا كبيرا جدا من عمال القطاع العام في هذا البلد يفتقدون إلى الثقة بالنفس وبأهمية دورهم السياسي، بل إنهم حتى يربطون استمرارهم في عملهم باستمرار هذا النظام الشمولي نفسه. والسبب ببساطة أنهم لا يثقون بالمصدر الموضوعي لقوتهم كعمال وهو موقعهم الانتاجي الذي يخلقون من خلاله "فضل القيمة". المشكلة هنا هي أنهم فعلا لا يخلقون فضل قيمة فالشركات التي يعملون فيها خاسرة. وحتى لو قلنا أن الفساد هو سبب هام في خسارة هذه الشركات، فإن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر كليا، فالمبدأ الذي يسيّر هذه الشركات ليس مبدأ الربح الرأسمالي دائما. كما أن تحديث البنى الانتاجية الذي لا بد له أن يعتمد مبدأ "النجاعة الاقتصادية" سيهدد الكثير من هؤلاء بالتسريح…الخ
كخلاصة نقول أن ثمة فرصة لليسار العربي ليؤدي وظيفة سياسية لا يستطيع غيره القيام بها لأسباب موضوعية خالصة. هذه الوظيفة ليست مخترعة تماما، فقد كانت كامنة دائما خلف برامجه وسياساته إلى هذا الحد أو ذاك، كما أنها كانت في لاوعي مناضليه لدى ممارسة حياتهم الاجتماعية والسياسية. إنها وظيفة التحديث الجذري المستند إلى التغيير البنيوي على الطريقة اليسارية، أي التغيير الذي تقوم به الطبقات الدنيا والوسطى من خلال مؤسساتها وتنظيماتها المستقلة والديمقراطية. وإذا كان الإصلاح الديني وتحرر المرأة يحتلاّن موقعا خاصة في البرنامج اليساري للتغيير، فالسبب البديهي في هذا هو أن اليساري فقط هو القادر على طرح ذلك والنضال في سبيله دون "تابو داخلي" كما هي الحال لدى كل الأطراف الأخرى دون استثناء.
وكما هو واضح، فقد اقتصرنا في تخطيط برنامج اليسار على العوامل المميزة له. وبذا نهمل ما هو مشترك مع قوى التغيير الأخرى، مثل الموقف الوطني….الخ. رغم أن المرء يستطيع هنا أن يجد لليسار أيضا طريقته الخاصة في تناول هذه المهام المشتركة. فعداؤه للإمبريالية مثلا ليس مستحدثا ولا هو بالتكتيكي. وعندما كان الإسلاميون يعتقدون أن أمريكا أقل خطرا من السوفييت لأنها "أهل كتاب"، كان الشيوعيون يحلّلون الطبيعة العدوانية للامبريالية المستندة إلى بنيتها…الخ.
إن رياح التغيير قد هبت، وهي هذه المرة تكاد لا تبقي ولا تذر. وأعتقد أن اليسار يقدم للمجتمع العربي الفرصة الوحيدة لأن تبدد هذه الرياح عفن قرون طويلة، أي أن تأتي على أساسات التخّلف لا أن تكنّس السطوح فقط.
 
حسين شاويش
برلين ‏10‏/‏10‏/‏2003


[1] بل إننا بنوع من الشجاعة النظرية نستطيع أن نفرّق بين "عمر اليساري" الذي قال ما أثبتناه أعلاه و"عمر اليميني" الذي قسّم العطاء على أساس غير أساس المساواة (عكس أبي بكر على ما يروى). كذلك الأمر مع علي إذا صح ما يروى عن مواقفه التي يمكن أن نطلق عليها باصطلاح أهل هذا الزمان "مواقف محافظة" أي يمينية تجاه الجنس والنظرة إلى المرأة. القانون نفسه يمكن تطبيقه على كل شخصيات ومجموعات التاريخ الإسلامي، فالقرامطة اليساريون في مسألة توزيع الثروة كانوا يمينيين في مجموعة من المواقف الفلسفية، إذ  يجعلون من بعض الكائنات البشرية معصومين.
[2] هنا تجب الإشارة إلى أن الأحزاب الشيوعية الأوربية والأمريكية واليابانية -باستثناء الحزبين الفرنسي والإيطالي- لم تستطع هي بدورها حمل الطبقة التي تمثلها على فرض برنامجها الاشتراكي، هناك حيث الطبقة العاملة ليست متبلورة فحسب، ولكن حيث الصفة الطبقية للمجتمع تكاد تدمغ كل شيء. لكن هذا هو نصف الحقيقة، فالواقع أن نضال هذه الأحزاب -مع وضد الأحزاب المنافسة على ولاء الطبقة العاملة- قاد إلى التسوية التاريخية التي مازالت أوربا تعيشها والتي يمكن أن تسمى "دولة التكافل الاجتماعي".
[3] هنا يبدو الفرق واضحا بين النظرية والتطبيق. ففي المجتمعات التي تنطّحت لتطبيق الاشتراكية حدث انزياح كامل لمفهوم الحرية من مجال السياسة إلى مجال الاقتصاد. ينسى الكثير التعريف الأكثر شيوعا للشيوعية، والذي جاء على لسان مؤسسيها: الانتقال من ملكوت الضرورة إلى ملكوت الحرية.
[4] نعني هنا الحداثة النظرية لا الممارسة السياسية لأنظمة الحداثة الغربية على الصعيد الدولي، هذه السياسة ضربت بمفهوم الحرية عرض الحائط عندما استعبدت الشعوب الأخرى. ومن البديهي أن هذا التطبيق "المتمركز ذاتيا" جعل الشعوب المستضعفة تكفر بمفهوم الحداثة ذاته. العملية ذاتها تتكرر الآن بصدد مفهوم العولمة.
[5] الاستثناء الوحيد هو دور الدين في الصراع التحريري ضد الاحتلال. هذا في المنطقة العربية-الاسلامية (ولا يقتصر الأمر على ما نراه هذه الأيام في فلسطين مثلا، فقد كانت بعض الزوايا الصوفية كالسنوسية مثلا "قواعد" للمناضلين ضد المحتل.)، أما في أمريكا اللاتينية فقد لعبت الكاثوليكية المحلية كما هو معروف دورا نضاليا في الصراع في سبيل العدالة الاجتماعية.
[6] ليس هذا المقال بحثا ابستمولوجيا، لكنني أود –في هذه الحاشية على الأقل- أن ألفت النظر إلى أننا هنا نكتشف شيئا جديدا مشتركا بين الدين وماركسية أحزابنا (إلى جانب ما تندّر به الناس أكثر من مرّة من تقديس النصوص) وهو هذه المرة التي من النوع  الابستمولوجي، ففي كليهما تم اعتبار عامل واحد مقررا لكل شيء.
[7] يكاد "يتمتع" الإسلام بالحظ الأسوأ بين الأديان فيما يتعلق بفهم أهله له بشكل علمي. والسبب هو أن الدراسة العلمية له هي مغامرة غير مضمونة النتائج. ومن سخرية القدر أن العاصم الوحيد لمن يغامر بنشر دراسة علمية ما للقرآن لا تناسب الذوق السائد هو أن يكون الدارس غير مسلم!! والسبب أنه لا يمكن اتهام غير المسلم بالارتداد عن الإسلام، وهكذا ينجو "المغامر" من حكم الإعدام أو من الحكم المخفف بتطليق زوجته. ولذلك أنصح هنا كل من يريد أن يكتب عن القرآن أن يوقّع باسم ياباني مثلا من باب الاحتياط.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- شاهد.. سجناء يساعدون بمكافحة النيران الضخمة بكاليفورنيا
- الداخلية المصرية تعلن مقتل 16 شرطياً وإصابة 13 في عملية الوا ...
- الخلافات السياسية بصنعاء تطفو على السطح
- الداخلية المصرية تعلن مقتل 16 شرطيا وتصفية 15 مسلحا في عملية ...
- فيديو من كابينة مروحية -الصياد الليلي- الروسية المطورة
- -حسم- تعلن مسؤوليتها عن عملية الواحات
- دمشق تحذر إسرائيل من شن هجمات جديدة على سوريا
- مظاهرات حاشدة في برشلونة تأييدا لانفصال إقليم كتالونيا عن إس ...
- بوتفليقة يحذر الجزائريين ويدعوهم لـ-اليقظة-
- موسكو لا تستبعد تعديل تشريعاتها لمواجهة سياسة واشنطن الهدامة ...


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسين شاويش - هل بقي لليسار العربي من دور