أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - نولة درويش - هل نحن إزاء حركة بالفعل أم إزاء منظمات محددة؟















المزيد.....



هل نحن إزاء حركة بالفعل أم إزاء منظمات محددة؟


نولة درويش
الحوار المتمدن-العدد: 765 - 2004 / 3 / 6 - 08:38
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


مقدمة

كثر الحديث مؤخرا حول قضايا حقوق الإنسان في مصر، وحول القوى الدافعة لطرح هذه القضايا على الساحة؛ كما تكاثرت الندوات والاجتماعات لمناقشة مدى مناسبة التحاور مع حكومة الحزب الوطني؛ كذلك زادت – بدرجة ملحوظة – المؤتمرات والندوات وورش العمل التي تناقش قضايا "ساخنة" (مثل مناقشة آثار القوانين الاستثنائية وقانون الطوارئ، أو قضايا التعذيب في أقسام الشرطة، أو ضوابط الحوار مع الحزب الوطني، الخ.)، وسخنت الأجواء وطلعت علينا عديد من بيانات الشـجب أو التأييد؛ تكاثرها يشير إلى وجود حالة من الارتباك العام. 

ومن المؤكد أن أحد العوامل المهمة في إثارة كل هذه الموضوعات   – بمثل هذه الحدة الآن – يتمثل في تأسيس المجلس القومي لحقوق الإنسان؛ وما واكبه من جدل واسع في الأوساط المعنية بحقوق الإنسان، ما بين مؤيد، ورافض، ومتردد، ومتشكك.  وفي هذا الإطار – وبعد ما يزيد عن 20 عام على بروز منظمات تنادي بحقوق الإنسان على الساحة المصرية – كان من الطبيعي أن تشعر هذه المنظمات بالحاجة إلى وقفة مع النفس، لتقييم مدى نجاحها أو إخفاقها في إنجاز الأهداف والتطلعات التي تأسست من أجلها، والنظر إلى نفسها ومثيلاتها بنظرة نقدية بناءة، قد تتطلب – في نهاية المطاف – إعادة صياغة وبلورة أدوارها.  ومن هنا، جاء السؤال الذي طرحته علينا جمعية حقوق الإنسان لمساعدة السجناء كعنوان لهذه الورقة، أي: هل نحن إزاء حركة بالفعل، أم إزاء منظمات محددة؟

من أجل محاولة الإجابة على هذا السؤال، سأحاول تقديم أبرز الأفكار المتداولة حول مفهوم الحركة، ومقارنة هذه الاجتهادات النظرية بما هو قائم فعليا في مصر، ثم طرح بعض التوصيات المستقبلية.
 
حول تعريف مفهوم الحركة

هناك صعوبة في محاولة تعريف مفهوم الحركة من خلال كلمات أو عبارات مختصرة؛ فالحركة – بالمعنى الجسدي – تعني التحرك من مكان إلى آخر، أو تحريك شيء من مكان إلى آخر، أو تحرك في الوضع لا يعني بالضـرورة الانتقال إلى موقع جغرافي مختلف، كأن نقول – مثلا -  أن رد الفعل الذي يتجلى في تعبيرات وجه شخص ما يشير إلى الدهشة أو الاستغراب.  أما بالمعنى الاجتماعي، فيمكن الإشارة إلى الحركة باعتبارها القيام بعدد من الأنشطة للدفاع عن مبدأ ما، أو للوصول إلى هدف ما؛ كما تتضمن الحركة الاجتماعية وجود اتجاه عام للتغيير؛ وهي تشمل أيضا مجموعات من البشر يحملون عقيدة أو أفكار مشتركة، ويحاولون تحقيق بعض الأهداف العامة.  كما يشير البعض1 إلى أن الحركة الاجتماعية هي محاولة قصدية للتدخل في عملية التغيير الاجتماعي، وهي تتكون من مجموعة من الناس يندرجون في أنشطة محددة، ويستعملون خطابا يستهدف تغيير المجتمع، وتحدي سلطة النظام السياسي القائم.  كما يقترن مفهوم الحركة الاجتماعية بمفهوم القوة الاجتماعية، والقدرة على التأثير وإحداث التغيير.

ويمكن الإشارة بإيجاز إلى أربع نظريات أساسية حول الحركات الاجتماعية2، هي:
- نظرية السلوك الجماعي (collective behavior theory) التي أطلقها بعض المفكرين حول الحركات الاجتماعية في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.  وقد ربطت هذه النظرية مفهوم الحركات الاجتماعية بحدوث أنشطة مثل: الهبات الجماهيرية، والمظاهرات، وأشكال من الهستريا الجماعية؛ أي بردود أفعال – ليست بالضرورة منطقية تماما – في مواجهة ظروف غير طبيعية من التوتر الهيكلي بين المؤسسات الاجتماعية الأساسية؛ ويرى أصحاب هذه المدرسة أن الحركات بهذا المعنى قد تصبح خطيرة (مثل الحركات الفاشية في ألمانيا، وإيطاليا، واليابان).  كما تعتبر مقاربة السلوك الجماعي أن الحركات الاجتماعية انعكاس لمجتمع مريض؛ حيث لا تحتاج المجتمعات الصحية إلى حركات اجتماعية، بل تتضمن أشكال من المشاركة السياسية والاجتماعية.

- نظرية تعبئة الموارد (resource mobilization theory) التي تطورت منذ الستينيات؛ وتستند هذه المقاربة إلى تشكل الحركات الاجتماعية وطرق عملها وفقا لتوافر الموارد (خاصة الموارد الاقتصادية، والسياسية، والاتصالية) المتاحة للمجموعة، والقدرة على استعمال تلك الموارد.  ويرى منظري هذه المقاربة أن الحركات الاجتماعية عبارة عن استجابات منطقية لمواقف وإمكانيات طرأت حديثا في المجتمع؛ وبالتالي، لا ينظر إليها على أنها مظاهر لخلل اجتماعي، بل جزء من العملية السياسية.  وتهتم هذه المقاربة بالتأثير المباشر للحركات – القابل للقياس – على القضايا السياسية؛ بينما لا تعير اهتماما كبيرا لأبعاد هذه الحركات على المستوى الفكري، ومستوى رفع الوعي، وبلورة الهوية.  

- نظرية الحركة الاجتماعية الجديدة (new social movement theory) التي تطورت في أوروبا لتبرير مجموعة من الحركات الجديدة التي تمت خلال الستينيات والسبعينيات.  وتنظر تفسيرات هذه النظرية إلى الحركات الاجتماعية باعتبارها انعكاس للتناقضات الكامنة في المجتمع الحديث نتيجة للبيروقراطية المفرطة، وكحل لها.  كما يرى أصحاب هذه النظرية أن الحركات الاجتماعية الجديدة – اختلافا مع الحركات الاجتماعية القديمة – ناتجة عن بروز تناقضات اجتماعية جديدة، متجسدة في التناقض بين الفرد والدولة؛ وهو ما يجعل هذه المقاربة تنتقل من المصالح الطبقية إلى المصالح غير الطبقية المتعلقة بالمصالح الإنسانية الكونية.  ويقال أن هذه الحركات الاجتماعية الجديدة تهتم أكثر بتطوير الهوية الجماعية عن اهتمامها بالأيديولوجيات القائمة؛ كما تميل إلى البروز من صفوف الطبقة المتوسطة بدلا من الطبقة العاملة.

- نموذج الفعل-الهوية (action-identity paradigm)، وهي النظرية التي ترى أن الحركات الاجتماعية تحول دون الركود الاجتماعي، وهي تقوم ضد الأشكال المؤسسية القائمة والمعايير المعرفية المرتبطة بها؛ أي أنها تقوم ضد المجموعات المهيمنة على عمليات إعادة الإنتاج الاجتماعي والاقتصادي، وتشكيل المعايير الاجتماعية.  ويرى بعض المروجين لهذه النظرية أن هناك إحلالا تدريجيا يتم فيه استبدال الشكل القديم للرأسمالية الصناعية بمجتمع مرحلة ما بعد التصنيع القائم على "البرمجة"، والذي يتميز بأنماط مختلفة تماما من العلاقات والصراعات الطبقية.  ففي المجتمع "المبرمج" يشكل التكنوقراط الطبقة المهيمنة، بينما ينتهي دور الطبقة العاملة كمناضل أساسي ضد الأوضاع القائمة؛ وبالتالي يرون أن الصراع الطبقي أساسا ذو طبيعة اجتماعية-ثقافية، وليس ذو طبيعة اجتماعية-اقتصادية.

وحيث أن سؤالنا المحدد يدور حول طبيعة الظاهرة التي تشغلنا (حركة أم منظمات محدودة؟)، ووفقا للمقاربة التنموية الشاملة التي تشكل قضايا حقوق الإنسان محورا أساسيا داخلها، فإن مبدأ المشاركة يعد من المفاهيم الجوهرية – التي لا غني عن مراعاتها – لإنجاز التعبئة حول فكرة أو قضية معينة.  ذلك أن حشد الناس حول فكرة يدخل في مجال التغيير الثقافي الذي ربما يكون من أصعب مجالات التدخل؛ وهو الأمر الذي يتطلب التشاور، والتحاور، والتفاوض، والتعليم، والتعلم؛ أي أن جداول أعمال منظمات حقوق الإنسان لا يمكن أن توضـع بمعزل عن الفئات المستفيدة والمستهدفة من الأنشطة التي تقوم بها، أو من الأهداف التي تأسست من أجل إنجازها.  وبعبارة أخرى، فإن منظمات حقوق الإنسان تحتاج إلى الاستناد إلى قبول "شعبي"، أو جماهيري، أو – على أقل تقدير – واسع النطاق،  كي تنجح في تحقيق أهدافها وتطلعاتها المتعلقة في المقام الأول برفاهية هذا الشعب على كل المستويات.

ويشكل عنصر التمكين عنصرا أساسيا من عناصر المقاربة التنموية الشاملة؛ فأنت لا تتحدث باسم الجماهير، ولا يحق لك أن تقتنص حق هذه الوكالة؛ بل يمكنك التحدث مع الجماهير؛ والأكثر من ذلك، عليك تشجيع وتعزيز قدرات هذه الجماهير في التحدث عن نفسها، ودعمها في مطالبها.

نبذة تاريخية حول تشكّل بعض ملامح منظمات حقوق الإنسان في مصر

يعود البروز الفعلي لعودة ظهور منظمات تنادي بحقوق الإنسان في مصر إلى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، على الرغم من وجود لجنة عربية لحقوق الإنسان في إطار جامعة الدول العربية منذ عام 1969؛ غير أن هذه اللجنة قد اكتفت بشجب الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، بينما ظلت صامتة فيما يتعلق بالسياسات القمعية للأنظمة العربية.  وفي حين يعيد البعض بداية الظهور الفعلي لما يسمى بحركة حقوق الإنسان في مصر إلى عام 1986 مع تأسيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، يمكن القول أن هذه المنظمة لم تكن المجموعة الوحيدة على الساحة، المعنية ببعض جوانب هذه القضية3، وإن كانت هي الأكبر، ومن القلائل آنذاك التي سعت إلى اتخاذ شكل قانوني. 

وهناك ما يشير إلى أن الأجيال الأولى للمجموعات المعنية بحقوق الإنسان قد تشكلت من ناس لجئوا إلى هذا المنحى نتيجة لإحباطات سياسية متنوعة؛ إلى جانب بعض الأشخاص غير المسيسين، المتطلعين إلى المساهمة في تحقيق حقوق الإنسان؛ وتتكون المجموعة الأولى أساسا من ماركسيين وناصريين "مشوشين بدرجة أو بأخرى"4، يحملون خبرات حزبية سابقة بكل ما يعنيه ذلك من ثقافة وممارسات سياسية.  ويشير أحد الباحثين الأجانب5: "وفي مصر، أصبح الصراع السياسي سمة للاجتماعات والانتخابات التي تجري كل سنتين في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.  وقد كان عدم الرضا عن نتائج مثل هذه المنافسات وخيبة الأمل من إقحام المواقف والممارسات المتحيزة سياسيا في شئون منظمة حقوق الإنسان عاملا في تشرذم حركة حقوق الإنسان المصرية – بتشكيل العدد المتزايد من المنظمات الصغيرة الخاصة غير الحكومية، غالبا على يد قادة سابقين للمنظمة".

تكاثرت منظمات حقوق الإنسان عبر عقدين أو أكثر، وجاء بعضها نتيجة انقسامات أو تكاثر من داخل منظمات سابقة؛ كما بدأت تتنوع أنشطتها، وأخذت أشكالا أكثر تخصصا، فظهرت منظمات معنية بمجالات مثل: السجناء، والفلاحين، والعمال، والنساء، والمعوقين، والبيئة، الخ؛ وإن ظلت المنظمات المعنية بحقوق الإنسان بالمعنى العام للكلمة لم تنظر  – لفترة طويلة – إلى هذه القضايا باعتبارها في صلب قضايا حقوق الإنسان؛ ولم يتغير الوضع قليلا إلا مؤخرا.  كما بدأ يظهر نوع من التقسيم الآخر على أساس نوعية الأنشطة التي تمارسها منظمات حقوق الإنسان، فكان هناك من اهتم بالتدريب و/أو البحوث، وتقديم أنواع مختلفة من الخدمات (مثل: المساعدة القانونية، العلاج)، والرصد، والدفاع الاجتماعي، الخ.

غير أن أغلبية هذه المجموعات قد اختارت  – بسبب الضغوط السياسية والأمنية التي تتعرض لها  – أن تأخذ شكلا قانونيا محددا، هو شكل الشركات المدنية حتى تتمتع بحرية حركة أوسع نطاقا؛ هذا فيما عدا المنظمة المصرية لحقوق الإنسان. 

إلا أن هذا الشكل القانوني، إضافة إلى الأصول السياسية المختلفة لنشطاء حقوق الإنسان، وسياسات القمع والاضطهاد وتقييد الحريات العامة، قد أنتجوا أوضاعا محددة يمكن إيجاز أهم ملامحها فيما يلي:

- ظلت هذه المنظمات مقتصرة على عضوية محدودة تتشكل أساسا من المؤسسين الأصليين؛ وربما يعود ذلك إلى الخوف من الاختراقات الأمنية، أو التخوف من فقدان الهوية، أو غياب الثقة في الجمهور الأوسع، أو التردد في توسيع عضويتها خشية التعرض للمضايقات الأمنية والإغلاق، أو غيرها من الأسباب.  وحتى المنظمة الوحيدة القائمة على العضوية بحكم نشأتها – أي المنظمة المصرية لحقوق الإنسان – فلم تعقد اجتماعا واحدا للجمعية العمومية منذ عام 1997؛ وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل حول مصير هذه العضوية التي تعدت في يوم الأيام الألفين عضو.

- اتسمت العلاقة القائمة فيما بين منظمات حقوق الإنسان بالريبة المتبادلة، والتشكيك في الآخر، وصولا إلى تراشق الاتهامات؛ وبالتالي فإن بروز التخصص النسبي – المشار إليه سابقا – فيما بين هذه المنظمات لم يواكبه التشبيك أو التنسيق الكافي؛ مما أهدر كثيرا من الطاقات، وتشتيت الجهود، وتكرار عديد من الأنشطة، دون تكامل، ودون تحقيق التراكم المطلوب؛ بل تشكلت أنواع من الجبهات والتكتلات، انشـغلت كثيرا في المزايدة فيما بينها وما زالت؛ وهو من العوامل المهمة التي ساهمت في عرقلة تأسيس حركة بالمعنى الفعلي للكلمة.

- نظرا للأصول السياسية لأغلبية القائمين على منظمات حقوق الإنسان، لعبت هذه المنظمات أدوار أقرب إلى دور الأحزاب السياسية؛ كما انصب أهم تركيزها على قضايا ذات طابع سياسي صرف، ولم تولي الاهتمام الكافي بالقضايا الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية؛ التي هي في واقع الأمر قضايا سياسية.

- لم تبذل هذه المنظمات جهود تذكر لتعرّف المنظمات الأهلية الأخرى، أو عقد الصلات معها.  ويمكن اعتبار الخطوة الأساسية التي تمت في هذا الاتجاه – بمبادرة من المنظمات الحقوقية – هي تشكيل ملتقى تطوير العمل الأهلي بمناسبة مناقشة مشروع القانون 153، والتي ضمت حينذاك ما يزيد عن مائة منظمة ما بين منظمات أهلية ومراكز حقوقية؛ ورغم ثراء هذه الخبرة، إلا أنها لم تكتمل للأسف؛ حيث كان يمكن أن تمثل نواة لتوسيع دائرة انتشار ثقافة حقوق الإنسان؛ بل إن الارتباط بمنظمات قاعدية كان من شأنه إثراء منظمات حقوق الإنسان بالاحتياجات الفعلية للقواعد الجماهيرية، والاشتباك معها، واختبار مدى صحة توجهاتها، وكسب تأييدها ودعمها.  وعلى العكس، يرى عديد من المسـئولين عن منظمات حقوق الإنسان عدم صحة مقولة "جماهيرية حقوق الإنسان"6؛ وبالتالي تقوم هذه المنظمات بدور الوكيل عن الجماهير، دون استشارة هذه الأخيرة، أو إشراكها في وضع الأجندة المشتركة.

- هناك عدم وضوح في تحديد الفئات المستهدفة من الخطاب الحقوقي؛ مما يؤدي في نهاية المطاف إلى توجيه هذا الخطاب إلى دوائر المثقفين بصفة عامة، وإلى نشطاء حقوق الإنسان بصفة خاصة؛ أي إلى وجوه تتكرر في كل المناسبات؛ وإلى جمهور مقتنع أصلا؛ لا يحتاج إلى مزيد من الجهد.

- نظرا للتعتيم الرسمي على منظمات حقوق الإنسان، لا تحصل هذه الأخيرة على الحق في استعمال وسائط الإعلام الأكثر وصولا إلى الناس – أي الإعلام المرئي – وهو ما يحرمها من إمكانية مهمة للانتشار الواسع.  ومن جهة أخرى، تتمثل أهم وسيلة تستعملها هذه المنظمات لتوصيل أفكارها إلى الناس في الكلمة المكتوبة؛ ويمثل ذلك عائقا مهما في بلد تنتشر فيه الأمية انتشارا واسعا، إضافة إلى ضعف ثقافة القراءة.

- تمركز أنشطة ومنظمات حقوق الإنسان – بصفة عامة وفيما عدا بعض الاستثناءات القليلة – في العاصمة؛ وهو أمر يحمل دلالته هو الآخر، بمعنى أن خطاب هذه المنظمات يعكس ويتوجه بالأساس إلى نخبة حضرية بعيدة عن هموم عموم الشعب المصري.

- نظرا لعدم وجود ثقافة اجتماعية لتمويل الأنشطة الدفاعية، اتجهت منظمات حقوق الإنسان إلى الحصول على التمويل من الخارج؛ وقد أثير كثير من الجدل حول ما يتعلق بمنظمات حقوق الإنسان والتمويل الخارجي؛ وصل عند البعض إلى حد الاتهام بالخيانة، والامتثال لأجندة أجنبية، والموالاة للغرب، الخ.  وهو الأمر الذي وضع أغلبية منظمات حقوق الإنسان في موضع الدفاع عن النفس، والسعي إلى إثبات عدم صحة هذه الاتهامات؛ ومن ناحية أخرى، فقد ساهمت هذه الأقاويل في تعميق الفجوة الموجودة بين هذه المنظمات ومنظمات أهلية أخرى، ومع الجمهور الأوسع.  كما تولدت إشكالية أخرى متعلقة بهذا الموضوع تتمثل في الاعتماد الكلّي على التمويل الخارجي؛ وعدم السعي إلى تعبئة الموارد المالية المحلية؛ الأمر الذي يساهم بدوره إلى تعبئة البشر حول قضايا حقوق الإنسان؛ وانحسار روح التطوع، بل وعدم تشجيع هذه الروح؛ ومظاهر أخرى تم استغلالها رسميا بهدف تشويه صورة نشطاء حقوق الإنسان، وهو ما أدى أيضا إلى تشويه الفكرة ككل في أذهان عامة الناس، وإلى تعميق الفجوة بين الطرفين. 

- تعرض عديد من نشطاء حقوق الإنسان ومنظماتهم لأشكال من الضغوط والانتهاكات الأمنية؛ يقابله تنظيم حملات الاستنكار والتضامن الدولية؛ مع ضعف ردود الأفعال المحلية؛ وانحسار نطاقها، في حالة حدوثها أصلا؛ مما يشير مرة أخرى إلى العزلة التي تحيط بمنظمات حقوق الإنسان في مصر، وعدم قدرتها على إثارة التضامن الداخلي معها، رغم أنها قائمة بالذات للدفاع عن حقوق أفراد مجتمعها.  وإضافة إلى ذلك، فإن تعرض منظمات حقوق الإنسان للملاحقات الأمنية، ولأشكال القمع المختلفة يجعلها تضطر إلى تكريس جزء كبير من جهودها لمواجهة هذه الأوضاع، بدلا من توجيه هذا الجهد للقضايا الأخرى المتعلقة بحقوق الإنسان بصفة عامة.

- انتشرت أيضا في صفوف منظمات حقوق الإنسان ثقافة تقنيات الاتصال، وأصبحت البيانات والحملات تدار عبر الشبكة الإلكترونية؛ ومع الاعتراف بأهمية هذا الدور، وعدم التقليل من شأنه، إلا أن الاتكال الكبير عليه يؤدي أيضا إلى تهميش كثيرين ممن كانوا يستطيعون المساهمة بطريقة فعالة في خلق نواة حركة؛ كما يشير في الوقت نفسه إلى التوجه النخبوي لهذه المنظمات.

تلك بعض معالم منظمات حقوق الإنسان اليوم.  لا يقتصر الهدف من رصد هذه المعالم في النقد الذاتي، بل في تقييم مدى وجود حركة، والتفكير معا كيف نتحول من مجرد منظمات محددة، ومحدودة الأثر، إلى حركة قوية، قادرة على إحداث التغيير.  غير أنه – إحقاقا للحق، وقبل الدخول فيما يمكن أن نقوم به  – لابد وأن نطرح السؤال التالي: هل توجد اليوم حركات اجتماعية أخرى في مصر؟  الإجابة على هذا السؤال بالنفي، فليست هناك حركة فلاحية، ولا حركة نسائية، ولا حركة عمالية، ولا حركة خضر، الخ.
 
لماذا لا توجد حركات اجتماعية في مصر؟

الرد على هذا السؤال ليس بسيطا؛ وهو يستند إلى حزمة معقدة من العوامل الموضوعية، والذاتية، والتاريخية، والثقافية، والعقائدية، والبنيوية، والمفاهيمية..  غير أنني – شخصيا – أرجع هذا الغياب إلى عاملين أساسيين يمكن تلخيصهما فيما يلي:

* حالة الحريات في مصر التي تنعكس في قمع جهود منظمات ونشطاء حقوق الإنسان.

* إحجام منظمات حقوق الإنسان عن الالتحام بالقواعد الشعبية، مما يؤدي إلى افتقاد ثقة الجماهير، واقتناعها بأحقية القضايا التي نثيرها، وبالتالي إلى فقدان الدرع الواقي الأساسي لاستمرار هذه المنظمات وتحولها إلى حركة فعلية.

واليوم، مع تأسيس المجلس القومي لحقوق الإنسان – تحت مظلة حكومية – نحن في أمس الحاجة إلى وجود حركة بدلا من مجرد بعض المنظمات المتناثرة هنا وهناك؛ فبدون السعي إلى خلق وتطوير هذه الحركة، ستظل هناك عدم القدرة على التأثير على توجهات هذا المجلس من جهة؛ كما سيقف أمامنا خطر الاستيعاب أو مزيد من الانعزال، من جهة أخرى؛ وقراءتي للتحركات المحمومة التي تشهدها ساحة منظمات حقوق الإنسان في الآونة الأخيرة، هي أن هذه المنظمات واعية بالمخاطر المذكورة.
 
بعض المقترحات المستقبلية

هذه مجرد بعض الأفكار الأولية القابلة للتطوير - وهي تمثل اجتهادا متواضعا - يمكن تصنيفها كالتالي:

1. البدء بترتيب البيت من الداخل
إن حالة التشرذم التي نشهدها حاليا ليست في مصلحة أحد، فيما عدا من يستهدفون إبقاء الأوضاع القائمة على ما هي عليه.  وفي ذلك يمكن التفكير في عدد من الخطوات:

- فتح حوار واسع – مفتوح الصدر – حول مبادئ العمل التي تقودنا، والقيم، والمفاهيم، والرؤى، وآليات التعامل فيما بيننا؛ يستهدف هذا الحوار أولا فهم بعضنا البعض، والاستماع إلى الآخر، وتضييق الفجوة في الرؤى؛ كما يستهدف تطوير آليات وضوابط للاحترام، والحرص المتبادل، وأسس للمحاسبة والتقييم؛ ويمكن أن يهدف هذا الحوار – في المقام الأخير – إلى وضع جدول أعمال مبني على المداخل المختلفة والمتنوعة، بحيث يمكن الحديث عن أجندة منظمات حقوق الإنسان، بدلا من أجندات منظمات حقوق الإنسان؛ وبحيث نتوصل أيضا إلى إقامة علاقات تكاملية بدلا من الأوضاع التنافسية الموجودة حاليا.

- التفكير في نشر تقرير سنوي موحد لمنظمات حقوق الإنسان، بدلا من انفراد كل منظمة بتقاريرها الخاصة، التي تتداخل فيما بينها في أحيان كثيرة، بل لا تقرأها الأغلبية من الناس، سواء من انتموا إلى هذه المنظمات أو من هم خارجها.  وفي حين تنفرد بعض المنظمات بقضايا معينة (سجناء، فلاحين، عمال، ..) ينبغي أن يتم إدراج مكونات متعددة الأبعاد في التقارير التي تنتجها، مثل إدراج مكون النوع، والطفولة، والمعاقين، والمسنين، … فهي مكونات ظلت مهمشة حتى الآن، من ناحية؛ كما أن التقارير متعددة المداخل أكثر ثراء بصفة عامة، وأكثر إثارة للاهتمام من ناحية أخرى.  كما يمكن التفكير في تنويع طرق تقديم نتائج هذه التقارير، بدءا بإنتاج أفلام وثائقية، وتقديم الشهادات الحية، وإنتاج مزيد من الكتيبات والملصقات المبنية على الصورة إلى جانب الكلمة المكتوبة؛ والاشتباك مع قنوات التليفزيون والإذاعات المحلية؛ ويهدف ذلك إلى تخطي مشكلة الاعتماد الكلي على أسلوب الإصدارات المقروءة المشار إليه سابقا.

- خلق أجيال جديدة من المدافعات والمدافعين عن قضايا حقوق الإنسان في مصر؛ وهي المهمة الأصعب النابعة عن تخوفنا من الانفتاح على الغير، والتخلي عن مناصبنا وامتيازاتنا، والإقرار بأننا جيل يحتاج إلى التجديد، ليس فقط لأسباب بيولوجية متعلقة بالسن، ولكن أيضا لأسباب ترتبط بالتطورات الهائلة والمتسارعة التي نعيشها اليوم، والتي قد تفهمها وتتجاوب معها الأجيال الجديدة بطريقة أسرع وأفضل.  ولكن، تظل المعضلة الأساسية متعلقة بالنجاح في خلق وتطوير هذه الأجيال الجديدة، مع كل أصابها من إحباط وتشويه – بسببنا أو بسبب غيرنا – ومع الأوضاع المتخلفة التي نورثها لهذه الأجيال. 

2. السعي إلى فتح قنوات مع القواعد الجماهيرية
 من أجل الفوز بدعم القواعد الجماهيرية، لا بد أن تعكس مطالبنا، وأنشطتنا الدفاعية، احتياجاتها الملحة؛ كما ينبغي مساعدة هذه الجماهير الشعبية على تطوير سبلها الخاصة للمطالبة بحقوقها، والضغط من أجل الحصول عليها؛ إلى جانب بعض الاحتياجات التي – قد – لا تدركها هذه القواعد الجماهيرية بالوضوح التام، ولكنها بحاجة إلى الارتفاع بوعيها من خلال مقاربة المشاركة الجماعية.  وفي هذا الإطار، يمكن طرح بعض الأساليب الممكنة:

- التوجه العمدي لمنظمات قاعدية تحمل رؤى تتضمن المنظور الحقوقي؛ وعلى الرغم من أن هذه المنظمات ما زالت قليلة، إلا أنها بدأت تزيد في الفترة الأخيرة، خاصة مع تفشي الأوضاع المتردية اقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا، وثقافيا.  وعلى سبيل المثال، هناك بعض المنظمات ذات التوجه التنموي التي اتجهت مؤخرا إلى إدراج المكون الحقوقي في أنشطتها7؛ وتعد هذه المنظمات – وأخرى علينا البحث والتنقيب عنها – من المجالات الخصبة للاشتباك مع الواقع، والخروج من الشرنقة، وتوسيع رقعة التأثير.  وفي هذا الإطار، أقترح إعادة إحياء ملتقى تطوير العمل الأهلي الذي تشكل في نهاية التسعينيات كرد فعل للقانون 153، ولكن من منظور آخر أوسع بهدف الالتحام الفعلي بهذه المنظمات – ليس فقط فيما يخص قضايا ذات طابع "سياسي" بحت – والعمل على إدراج المكون الحقوقي الشامل في أنشطة هذه المنظمات، استنادا إلى خبراتها الذاتية التي لا تقل ثراء عن خبراتنا نحن.

- تطوير العلاقات مع باقي أطراف المجتمع المدني، وخاصة الأطراف التي تتعامل مع قواعد جماهيرية؛ والتوجه إليها بقصد الوصول إلى هذه القواعد وليس فقط الحصول على قاعة لعقد ندوة هنا أو هناك؛ فحينما نعقد ندوة أو مؤتمر في نقابة الصحفيين، أو المحامين، أو التجاريين، يكون الجمهور الأساسي حتى الآن هو نحن وبضعة المئات الذين حولنا؛ وغالبا ما لا نرى ممثلي الجمهور الأصلي لهذه النقابات المهنية الذي يتم حشده أساسا بمناسبة الانتخابات النقابية.  ويمكن اليوم الاستفادة من وجود ممثلي بعض هذه النقابات المهنية في المجلس القومي لحقوق الإنسان لعقد اتفاقات معهم بهدف تفعيل جهودهم النقابية، من خلال إثرائها بالبعد الحقوقي العام.

3. السعي إلى الالتحام بالحركات الاجتماعية العالمية
 في ظل الظروف المتعلقة بالعولمة، والتي تعني  – بالنسبة للشعوب، ومن ضمنها شعبنا بالطبع  – تعاظم هيمنة سياسات الهيئات فوق القومية على الاقتصاديات المحلية وما يترتب عليه من تفاقم حدة الفقر والإفقار، خاصة بالنسبة للأقطار النامية؛ وتزايد تدخلات القطب الواحد فيما يتعلق بالسياسات الداخلية للبلدان؛ وبالتوازي بروز أشكال جديدة من المقاومة والتضامن ضمت مئات الآلاف من البشر في مواجهة الرأسمالية العالمية الشرسة، وتجليات ممارساتها على حياة سكان هذا الكوكب؛ علينا التفكير بجدية في اختيارات واضحة تتضمن ما يلي:

- أين نحن من الحركات الاجتماعية العالمية؟

- كيف يمكن أن نخلق لأنفسنا مكانا داخلها ونحن لم نرق بعد إلى توليد حركة؟

- كيف يمكن أن نساهم في دعم هذا التدفق البشري الإنساني الذي يرى أنه ما زالت هناك إمكانية لخلق عالم أفضل لنا وللأجيال المقبلة؟

- ما التحالفات التي ينبغي بنائها؟ بمعنى، هل يكفي وجود علاقات مع منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان (بالمعنى التقني للكلمة)، أم أن توسيع نطاق التحالف سيكون لصالح المنظمات الحقوقية المصرية؟

- ما القضايا وأشكال التضامن التي يمكن أن نساهم بها؟

- ما دورنا في إطار المنطقة العربية؟

تلك بعض المهام المطروحة علينا، ولكنها ليست بالطبع جميعها.  تتعلق هذه المداخلة باجتهاد مبني على بعض الخبرات الفردية والجماعية؛ وقد لا تلقى استحسان الجميع، ولكنها قد تساهم أيضا في تنشيط مناقشة عدد من القضايا؛ وهو ما كان الهدف الأساسي منها.
 
 هوامش
1 http://www.killer-essays.com
2 http://lucy.ukc.ac.uk/csacpub/russian/mamay.html
3 على سبيل المثال: تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في عام 1983، وتشكل مجموعتان نسائيتان معنيتان بحقوق النساء في 1984، هما المرأة الجديدة، وبنت الأرض.
4 محمد السيد سعيد: "جذور الاضطراب في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان"، في تحديات الحركة العربية لحقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، 1997.
5 نيل هيكس: "خطاب حقوق الإنسان في العالم العربي"، في رواق عربي، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، القاهرة، أبريل 1997.
6 يمكن الرجوع إلى المائدة المستديرة حول "مأزق حقوق الإنسان في مصر" بجريدة "صوت الأمة"، بتاريخ 17 مارس 2003.
7 نذكر منها – على سبيل المثال لا الحصر – هيئة كير الدولية التي تعمل أساسا من خلال منظمات تنمية المجتمع، ومنظمة مثل مؤسسة الحياة الأفضل بالمنيا، ومؤسسة حواء المستقبل بالمنيا أيضا،





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647





- ما هي قصة سفن الأشباح على شواطئ اليابان؟
- إسطنبول تغير أسماء شوارعها بسبب غولن
- ما الذي دفع ترامب لشكر نظيره بوتين هاتفيا رغم خلافاتهما؟
- برّي و-خبرته- ببحصة الحريري!
- أسر ضحايا الماليزية المفقودة يوجهون أصابع الاتهام إلى بوينغ ...
- لكزس تطرح نسخة خارقة من -LC500-
- مجلس الاتحاد الروسي يحدد يوم 18 مارس المقبل موعدا لإجراء الا ...
- أنباء من اليمن: العميد طارق صالح على قيد الحياة!
- الحوثيون: إتهام إيران بإمدادنا بصاروخ لاستهداف السعودية محاو ...
- اليابان توجه ضربة جديدة لنظام كوريا الشمالية


المزيد.....

- السودان : 61 عاما من التخلف والتدهور / تاج السر عثمان
- عودة صندوق الدين والمندوب السامي إلي مصر / إلهامي الميرغني
- الناصرية فى الثورة المضادة / عادل العمرى
- رأسمالية الزومبي – الفصل الأول: مفاهيم ماركس / رمضان متولي
- النازيون في مصر المعاصرة / طارق المهدوي
- كيف اصبحت اسرائيل قلب النظام الاقليمي ؟! / إلهامي الميرغني
- التقرير السياسي الصادر عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي المص ... / الحزب الشيوعي المصري
- انهيار الدولة المعاصرة في مصر / طارق المهدوي
- البيان السياسي الختامي للمؤتمر السادس للحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني
- مدرسة السادات السياسية و اليسار المصري / دكتور لطفي الخولي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - نولة درويش - هل نحن إزاء حركة بالفعل أم إزاء منظمات محددة؟