أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حذام العربي - هل يجرؤ الفلسطيني على مجرد التفكير بما تهمس به رواية -ماء السماء-؟















المزيد.....

هل يجرؤ الفلسطيني على مجرد التفكير بما تهمس به رواية -ماء السماء-؟


حذام العربي
الحوار المتمدن-العدد: 2421 - 2008 / 10 / 1 - 05:35
المحور: الادب والفن
    


ماء السماء للأديب يحيى يخلف رواية من القطع المتوسط تقع في 285 صفحة. صادرة عن دار الشروق للنشر والتوزيع – رام الله – 2008 .
يفتتح الكاتب روايته بالإشارة الى ان احداث وشخصيات ووقائع هذه الرواية امتداد لاحداث وشخصيات ووقائع رواية سابقة له بعنوان "بحيرة وراء الريح". لم اقرأ روايته المشار اليها. ولكني قرأت له روايات اخرى.
على صفحة الغلاف الاخيرة سيرة ذاتية مقتضبة للكاتب، تشي بأنه عاين واختبر بنفسه المادة التي نحت منها شخصياته، بزمانها ومكانها. بغض النظر عما اذا كانت هذه الرواية تسرد بعض من السيرة الذاتية للكاتب، ام انها تشبيك لسـِيـَر ٍ اخرى مع ظلال لهذه السيرة. فالرواية، تضيء بقعة فسيفسائية صغيرة جدا، من الذاكرة الجمعية للفلسطيني اينما كانت جذورها في فلسطين، ومهما اختلفت اماكن اللجوء والتشرد. واكاد اجزم ان كل قارئ فلسطيني، سيجد فيها هنا او هناك جزيئية تفصيلية أو سياق عام، يستطيع ان يؤشر اليه ويقول، هذا جزء من سيرتي كذلك.
الرواية ترصد حياة مجموعة صغيرة جدا، من اهالي قرية سمخ، يوم وغداة تشردهم من ديارهم إثر نكبة 1948 . ترافق عائلة مع بعض الاقارب، في مسيرة التشرد واللجوء، وتنتقل معهم واحدا تلو الآخر، تقف امام خزائن ذاكراتهم، تنبش في جوارير النفس المتعبة والعواطف الكسيرة، ثم تراقب خطوات النهوض والبعث المتعثرة لكل منهم.
الرواية تتعرض لتفاصيل الحياة اثناء الزمن الجميل في القرية. ترسم لوحة تعج بالتفاصيل الدقيقة المرئية. المشهد بكل ما فيه يداعب الحواس الخمس، البشر والحيوان والشجر والماء والحجر، الرجال والنساء والاطفال. ثم الدجاجات والغنمات، والبغل، والفرس البيضاء، والكلب. والطبيعة بالاعشاب والشجر والحجر، المطر وروائح الارض، نداء موجات البحيرة ومناغاتها، أسماكها وأعشابها وكل ما يعيش في بطنها. ثم تغوص في تشريح الحالة النفسية لمجموعة شخوصها، الذين شردتهم الهزيمة. تجيد رصد مشاعر القهر النفسي، ومكامن الغضب والإكتآب والحزن، الذي ينتابهم جميعهم. ولكنها لم تهمل وهج جمرة الحياة في نفوسهم.
يكاد قلب القارئ ينفطر حزنا على ما آلت اليه احوال اشخاص الرواية وأبطالها، وهؤلاء ليسوا فقط من البشر. فقد تركت الرواية حيزا رائعا لتشبيك الحيوانات والبهائم في المشهد العام كذلك، حيث اصبح هؤلاء جزءا من مشهد النكبة، تجرعوا وتحملوا بصمت مع البشر، كل اصناف الاضطهاد والقهر المادي والنفسي والمعنوي للتشرد واللجوء والمنافي . وكم كان مروعا ومريعا ما آلت اليه احوال الفرس الأصيلة المدللة، الصبوح، والكلب أبو فروة بيضا، حتى أنها تستنفر دموع القارئ، تماما كما تستنفرها احوال البشر في الرواية.
في الرواية تشبيك متناغم بين الانسان والزمان والمكان. لكن المكان يطغى بروائحه وتفاصيله الحسية وغير الحسية على الرواية. كما انه يأخذ منحى سحريا أحيانا، كأنه هاجس أو هاتف خفي لا يترك متنفسا. هذا يكتم على انفاس الجميع، وذاك يطغى على ذاكراتهم. يلوح لهم في المنام، ويبدو في عز الظهيرة، يظهر في مجالس الرجال والنساء، وفي التراويد والتهاليل والزجل. في الأفراح والمآتم، على الموائد وفي المواسم.، المكان يداعب الانسان مع النسائم، وكذلك بهبوب العواصف، يبزغ مع الفجر، ولكنه لا يستريح في الليل، فهو يجوس في احلام الجميع. يصبح المكان وبعض رموزه وسماته، في هذه الرواية، ظل لحياة اشخاصها، يلازمها اينما حلت وكيفما رحلت. في هذه الرواية يصبح المكان الحبل السري للإنسان.
تعتمد الرواية، المقارنة والمقابلة والمفاضلة والموازنة بين زمانين ومكانين. قبل النكبة واللجوء وبعدها. ذاك الزمن الجميل، وهذا الزمان الردئ. كما انها تـَنسبُ الزمان إلى المكان. الزمان وافرازاته ليس سوى تحصيل حاصل للمكان. ذاك المكان القديم الساحر شبه الاسطوري، {القرية} وزمن العز والفرح فيها. وهذا المكان التعيس القاتم {مخيم اللاجئين} وزمن الذل والانكسار فيه. ويبقى الانسان، او الحياة هي العنصر الوحيد المتحرك، بإنكساراته، وإكتآبه، وحزنه، ثم بفرحه وبإرادة الحياة فيه.
يقول السارد في الرواية ص71 :" الحياة تمضي في المخيم على الرغم من المكابدات والاحزان، وتقلبات الطقس، وما احدثته المأساة من تغيير. تكسر النسيج الاجتماعي، وتكسرت الطبقات، ومع مرور الايام اصبح اغنياء الماضي فقراء، وتساووا مع غيرهم من اللاجئين، فبعض العائلات ذات المكانة المرموقة ايام البلاد، اضطرت الى مصاهرة عائلات كانت وضيعة في نظرها .." ثم يردف : " ولشدة البؤس، هجرت عائلات عديدة المخيم الى مناطق اخرى، بحثا عن لقمة العيش، ومرَّ صيف حار، ثم خريف باهت، فشتاء قاس، فربيع عـَزَّ فيه الفرح". ولاحقا : "بعض الوجهاء القدامى من اللاجئين، الذين شملهم احصاء وكالة الغوث، لم تطأ اقدامهم المخيم، فقد استأجروا بيوتا في بعض احياء المدينة، وحافظوا من حيث الشكل على تمايـزهم عن لاجئي المخيمات".
على الرغم مما قاله السارد أعلاه وفي اماكن اخرى في الرواية، يكتشف القارى، ان شخوص الرواية يسيرون في حركة دائرية، وكأنه لم يحدث انفجار بركاني وتفكيك مزلزل على الطريق. وعمليا تصف الرواية واقع ينافي ما أشار إليه السارد من "تكسيـر للطبقات وللنسيج الاجتماعي". فمَنْ كان، أيام الزمان والمكان الجميل، ميسور الحال، وجيه محترم في مجتمعه، ذو قدرة اقتصادية او مكانة إجتماعية، حافظ على موقعه هذا في المخيم، فباتت خيمته أو بيته في المخيم مركز يقصده الآخرون، تماما مثل بيت الحاج حسين، والذي لاحقا، بخلاف آخرين، يستطيع إمتلاك مزرعة في الأغـوار. ومَنْ كان ذا بنية جسدية قوية، وهمة عالية، ونفس متوازنة، محتـفية بالحياة، عاد إلى نفسه بعد ان انقضت مراحل الصدمة بأهوالها. وأهالي القرية وان شتتهم رياح النكبة الى أربع جهات الارض، يتزاورون، يتراحمون ويتسقطون اخبار الاقارب والجيران والمعارف من قريتهم، بلهفة وبشغف وإهتمام .
مخيم اللاجئين كما تصفه الرواية، عاد، أو عمليا استنسخ القرية الفلسطينية بشبكة علاقاتها الاجتماعية، بما فيها من افراح، مآسي، غرائبيات، خلافات عائلية ومآتم، وما إلى ذلك من دلالات حياتية عادية، بما في ذلك بهلولها ص152. لكنه مخيم مسلوب المكان والزمان الجميل.
في المحصلة النهائية فإن مجتمع الشتات الفلسطيني، الذي شكل مادة هذه الرواية، اعاد في أماكن لجوئه ومخيماته، انتاج علاقاته الهرمية - الطبقية السابقة والمعهودة. اي ان التكسير الذي تحدث عنه السارد، لم يكن بركانيا، الى حد تذوب معه الفوارق، أو يشكل بوتقة لإنبثاق مجتمع جديد. بل هو ان جاز لنا التعبير، ذبذبات ارتدادية، استطاع المجتمع تلافي تداعياتها، بنسخ نظام الزمان والمكان السابق والمألوف، الى زمان ومكان اللجوء الراهن. بطبيعة الحال، باستثناء مَنْ اسقطته نهائيا وكليا رياح النكبة العاتية. أيّ ان تجربة النكبة واللجوء، لم تتغلب على البنيان الاجتماعي، ولم تستطع ان تكسر شوكته، فقد ظل هذا صامدا، ولكن بتواتر نسبي. وكأن الرواية ترسم لنا مشهد نقل شجرة معمرة متجذرة من مكان لآخر.
يبقى الانسان، الوحيد، الذي يمتلك ناصية الحدث بزمانه ومكانه. فحيثما وكيفما تواجد هو الذي يدير الصراع الداخلي والخارجي في الرواية. إذ يورق مجتمع المخيم، وينخرط أهله في التفاعل مع الاوضاع العامة في المنطقة، اتجاهات سياسية - اجتماعية مختلفة، تيارات، تحزبات وافكار، القوميون العرب، الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، الاسلام هو الحل، وما إلى ذلك من تيارات تعيد الى الاذهان، حالة صحية وصحيحة لمجتمع عادي، حيوي وطبيعي لا يعاني من استلاب الارادة في المكان والزمان.
تترك الرواية متسعا للتفاؤل وللأمل بالجيل القادم، وبثورة آتية، وتفتح النهاية على باب واحد لا غير، على لسان نجيب، ابن القرية وأحد المقاتلين الذين تشردوا وتشتتوا مع تشتت جيش الانقاذ ايدي سبأ، والعائد الى اهل المخيم في فصل الخريف، فيما بدا له ايضا خريف عمره، يقول: "امضيت العمـر وأنا احارب دون ان احقق شيئا ً.. كنت يائسا لكنني عندما وصلت الى هذه المزرعة، والتقيت بالطفلين شعرت بان الامل ممكن... عندما اخبروني بحكاية ماء السماء... احسست بأن قلبي ينخلع من جذوره، انها ابنة النكبة.. ابنة المأساة ... ابنة هذا الظلم الذي يملأ الكون .. جيل ماء السماء هو جيل الثورة القادمة ... إذا ما حدث ذلك سأكنس التراب تحت اقدامهم". ص282-285 .
بتراكم الزمن، أمسك جيل ماء السماء هذا، بمقاليد الأمور على الساحة الفلسطينية. جاءت الثورة، وذهبت الثورة. وكأنها حدثٌ، أو محطة. وللقارئ اللبيب أن يقول اذا ما ذهبت فلسطين وقضيتها ادراج الرياح، أو ان جيل ماء السماء دفنها في الرمال المتحركة للعمق العربي الساكن، كذلك في حركة دائرية، توصل الشعب الفلسطيني الى المربع الاول مرة اخرى. علما ان دلائل الحاضر لا تخفى على المراقب الاريب.
هل تقول الرواية همسا ما يخشى المرء، وخاصة الفلسطيني، حتى ان يفكر به؟! هل ما تزال رياح النكبة تدحـرنا جيلا بعد جيل؟! هل اجتاز المجتمع الفلسطيني مرحلة الصدمة، أصلا؟! هل نهض من ركام البركان؟! أم لا يزال عالقا هناك؟! أم تسأل الرواية اذا ما كان المجتمع الفلسطيني يتعثر المرة تلو الاخرى بكمائن نصبها هو بنفسه أو قياداته بالنيابة عنه؟! ثم كيف يفسر ويعلل جيل ماء السماء الفلسطيني، لجيل نجيب المقاتل الذي خسر المعركة عام 1948 والذي استبشر به خيرا حتى انه ابدى استعداده ليكنس الارض تحت اقدامه، كل هذا النكوص والقعود والتردي والشرذمة وضياع الهوية وتبخيس ارادة القتال والمقاومة؟! كيف يفسر جيل ماء السماء، فورة وعنفوان إرادة المساومة والمفاوضة على ما تبقى من فلسطين؟! كيف يفسر طمس الإيمان بعدالة قضيته، تغليب الخاص على العام، تفكيك إرادته القتالية، والقضاء على دافعيته واستعداده للمقاومة؟! وكل هذه من الاسلحة الحيوية والاولية لأي صراع أو مفاوضات او قتال.
هل تقول الرواية ان هذا الجيل، جيل ماء السماء، جيل النكبة، أوصل القضية الفلسطينية الى ما هي عليه اليوم، من تشرذم واندحار ونكوص؟! كيف يفسـر هذا الجيل، استمرار الضياع في سراديب الوطن العربي ومتاهات أروقة الأمم المتحدة؟! ثم كيف يفسر، استمراءه لحالة التـَسوُّل الفلسطيني المزمنة، وهو الذي يقودها اليوم؟! حتى بات التسول أحد أركان السياسة الفلسطينية! والأشد هولا من كل هذه الاسئلة، هل كان لهذا الجيل أصلا أجندة ما، وضعها نصب عينيه؟! ماذا حقق منها؟! وماذا، ولماذا لم يحقق ما جاء على اجندته. هل لهذا الجيل اجندة ما لعقدين قادمين؟! ما هي اجندته؟! وهل سبق ترتيب اجندته تلك، فحص ومفاضلة وترجيح، بين خيارات مختلفة ومتفاوتة؟! وماذا يطرح جيل ماء السماء وقياداته، اليوم، على جدول اعمال هذا الشعب، على القارئ الإمّعة مثلي مثلا؟!
قدمت هذه القراءة الى ندوة اليوم السابع في مسرح الحكواتي – القدس





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,096,445,423





- المصادقة على مشروع إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وإحداث ال ...
- ودادية القضاة تصعد ضد الرميد.. أخطاء بالجملة وموقف يخرق واجب ...
- تيفو الملاعب بتونس.. لوحات فنية ورسائل للسلطة
- قتلتني امرأة
- -فلسفة التنوير- يفوز بجائزة الشيخ حمد للترجمة
- محكمة أميركية تقضي بدفع ممثلة أفلام إباحية تعويضات لترامب بق ...
- محكمة أميركية تقضي بدفع ممثلة أفلام إباحية تعويضات لترامب بق ...
- معهد الجزيرة للإعلام يطلق موقعه الإلكتروني -بثوب جديد-
- لغز الموسيقى الكبير... وفاة عملاق الموسيقى الكلاسيكية موزارت ...
- مجلس المستشارين يصادق بالأغلبية على قانون المالية 2019


المزيد.....

- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حذام العربي - هل يجرؤ الفلسطيني على مجرد التفكير بما تهمس به رواية -ماء السماء-؟