أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عيسى أنوار - أي بديل: طوباوية محافظة أم الطريق الاشتراكي















المزيد.....



أي بديل: طوباوية محافظة أم الطريق الاشتراكي


عيسى أنوار

الحوار المتمدن-العدد: 2399 - 2008 / 9 / 9 - 07:33
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في العدد 29 من مجلة الثقافة الجديدة سنة 1984 صدر مقال لأحمد حرزني يحمل عنوان بعض المقترحات من أجل البديل، ويكشف هذا المقال التحول الذي طرأ على كاتبه من مناضل شيوعي ماوي إلى شيء آخر ستكشف عنه السنوات خصوصا عندما أصبح رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الانسان حاليا (2008)، وقد انبرى أحد مناضلي منظمة إلى الأمام من داخل السجن آنذاك لكتابة مقال يرد فيه على أطروحات أحمد حرزني، وقد صدر هذا الرد في جريدة أنوال على حلقات ابتداء من عدد الخميس 26 يوليو 1984 وتحت اسم حركي هو عيسى أنوار. ونظرا لأهمية هذا المقال أعرضه على القراء فيما يلي:عبد السلام أديب


أي بديل: طوباوية محافظة أم الطريق الاشتراكي
بقلم عيسى أنوار

مناقشة لمقال: "بعض المقترحات من أجل البديل"

مع الانتشار الواسع والنفوذ المتزايد للفكر الاشتراكي عبر العالم، مع تعدد البلدان التي دخلت تجارب البناء الاشتراكي وتعاظم نفوذها، مع تكاثر الحركات الاجتماعية- السياسية التي تتبنى هذا الفكر كأساس نظري لممارستها، مع اقتحام الماركسية لميادين العلوم الاجتماعية الثقافية والفنون، مع كل هذا تنامت الحملة الإيديولوجية للبرجوازية وللرجعية العالمية ضد الاشتراكية العلمية، ليست هذه الحملة وليدة الصدفة بل أنها لازمت الفكر الاشتراكي منذ بزوغه في مطلع القرن الماضي، إلا أنها اتخذت في السنوات الأخيرة طابعا جديدا من حيث أساليبها ومناهجها وطابعا كونيا من حيث انتشارها وذلك بارتباط مع تباين الخطورة التي أصبحت تشكلها الاشتراكية بالنسبة للرأسمالية ومن جهة أخرى بالاستناد إلى الأخطاء والانحرافات التي عرفتها مختلف تجارب البناء الاشتراكي وكذا الحركة العمالية والشيوعية العالمية. أن هذه الحملة الشرسة ضد الاشتراكية تهدف إلى تسفيه الاشتراك كمشروع مجتمعي بديل للمجتمع الرأسمالي بمختلف ألوانه وإبعاد الجماهير الشعبية أينما وجدت عن المشروع الاشتراكي أي طريق النضال في أفق المجتمع الاشتراكي، كما تهدف إلى إبعاد الطلائع المناضلة والواعية عن الفكر الماركسي كأداة فعالة للتحليل والتغيير. إذا كان المركز الرئيسي للحملة هو الغرب الإمبريالي فإنها تجد امتدادها في بلدان ما يسمى بالعالم الثالث حيث يكرس عدد من المثقفين طاقاتهم لمواجهة الاشتراكية كفكر وكمشروع مجتمعي.
في هذا الإطار يدخل مقال أحمد حرزني (أ.ح) المنشور في مجلة "الثقافة الجديدة" عدد 29 تحت عنوان بعض المقترحات من اجل البديل" . في هذا المقال يعتبر أ.ح : أن الماركسية قد ماتت وأنه تم انفضاح الطبيعة القمعية والاستغلالية والامبريالية للمجتمعات كالاتحاد السوفيتي والصين وكوبا والفيتنام وأن الأحزاب الشيوعية الأوروبية قد تحولت إلى أحزاب "اشتراك ديمقراطية" بينما الأحزاب الشيوعية في بلدان العالم الثالث لن يكون مصيرها سوى العمالة لموسكو ؟؟ تم انكشاف وهم إمكانية قيام البرولتاريا كطبقة وأن التطور الصناعي لم يؤد إلى ثورات برولتارية إلى "الاشتراك ديمقراطية" كل هذه المصائب الناتجة عن تطور الصناعة وعن تقديسها.
"ومن هذا التقديس ماتت الماركسية كمشروع ثورة".
أما المشروع المجتمعي البديل لكل هذه المصائب بالنسبة للعالم الثالث والذي " من غير المستبعد أن يكون حاملا في طياته بديلا صالحا للعالم أجمع "فهو يرتكز إلى إحداث القطيعة مع سيادة الصناعة الحديثة الكبرى التي لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيها ويتطلب الاعتماد على أدوات عمل مصيافية "يمكن للأفراد وللمجموعات البشرية الصغيرة أن تتحكم فيها وتراقبها. لا حاجة لتغيير السلطة السياسية من أجل الشروع في تحقيق المشروع المجتمعي البديل. على الصعيد الإيديولوجي أن البديل يفترض إعادة الاعتبار للأديان نظرا لتواجدها في "خط النضال الأمامي ضد الإمبرياليات ولإعلانها أن كل البشر إخوة". أما القوى الاجتماعية الكفيلة باحتضان المشروع المجتمعي البديل وتحقيقه فهي الجماهير المبلترة في المدن والبوادي، الفلاحون، الشباب، النساء والعمال.
ليس هناك طبقة منقذة أو طليعة لكن " المثقفين الثوريين يمكنهم أن يلعبوا دورا متميزا. أما الحلفاء الخارجون فهم في الغرب البيئويون والإقليميون والنساء وغيرهم من مكونات "الحركات الاجتماعية الجديدة" وفي "الشرق المنشقون".
هذه بتركيز شديد الأفكار الأساسية الواردة في مقال أ.ح وقد حاولنا التزام الموضوعية في هذا التلخيص والحفاظ كل ما أمكن ذلك على المصطلحات والصيغ الأصلية.
1- ماتت الماركسية"!
إن أول ما يقوم به أحمد حرزني بعد تقمص بدلة الطبيب الجراح وفعل أعطاء بديله المجتمعي وأسسه النظرية، هو وضع شهادة وفاة رسمية للماركسية. وسنحاول من جهتنا إعادة صياغتها بشكل واضح بالاعتماد على طروحات أحمد حرزني نفسها وذلك لتسهيل استيعابها:
تاريخ الوفاة : لعل سبعينات هذا القرن كانت بالنسبة للماركسية.
ما العمل بجثتها؟ "إن الأمر ... يتعلق بمحاولة تشريحها للاحتراس مستقبلا مما سبب موتها".
سبب الوفاة من هذا التقديس (للصناعة) ماتت الماركسية كمشروع ثورة.
المعطيات التي تؤكد الموت، أولا، الماركسية أدت إلى بناء إمبراطورية: باختصار أنها امبراطورية ... ذلك هو ما انتهت إليه الماركسية.
ثانيا، "تمخض التطور الصناعي عن الاشتراك – ديمقراطية وليس عن أية ثورة بروليتارية".
ثالثا، نفور الشعوب من الماركسية "أن الشعوب اليوم وهي تتطلع إلى تحررها الاجتماعي تدير وجهها نحو اديولوجيات أخرى غير الماركسية، أو تجتهد لبلورة اديولوجيات جديدة انطلاقا من تقاليدها الخاصة.
سوابق مرضية خطيرة من جهة استحالة "قيام االبرولتاريا كطبقة وأكثر من ذلك "ولادة البرولتاريا ميتة " وهي الطبقة التي قامت الماركسية على أساسها ورأت فيها الطبقة الرائد لتحرر الإنسانية، ومن جهة أخرى إعلان ماركس نفسه عن فشله حينما أشار في نهاية حياته إلى إمكانية الثورة في بلد غير صناعي فيه برولتاريا ضعيفة جدا وهو روسيا.
هذا مجمل ما تمكنا التقاطه من المقال حول مسألة موت الماركسية. إنه غير كاف لإقناع حتى أعدائها وفي جميع الحالات فإنه يزخر بتناقضات ومغالطات ينكشف بعضها بمجرد طرح بعض التساؤلات:
ماذا يعني بموت الماركسية ؟ إننا نعرف معنى موت إنسان أو حيوان أو نبات معينين لكننا نجهل معنى موت نظرية مثل الماركسية تطرح نفسها كمنظور للعالم كمنهج للتحليل وكإستراتيجية لتنوير المجتمع بقيادة البرولتاريا.
إذا كانت الماركسية قد ماتت بسبب مراهنتها على الصناعة وتقديسها لها فلماذا لم تمت سوى في السبعينات من هذا القرن ألم يتجل هذا التقديس" منذ بزوغ الماركسية في الأربعينات من القرن الماضي؟ هل كان من الضروري انتظار مرور مائة وثلاثين سنة على بروزها قبل أي يتم تقديس الصناعة إلى القضاء عليها؟ أليس لكل هذا الانتظار علاقة "بالفلاسفة الجدد وأتباعهم بالعالم الثالث، الذين جاؤوا في السبعينيات ليخلصوا الإنسانية من وباء الماركسية؟
إذا كانت الماركسية قد ماتت ... كمشروع ثورة " فلماذا نجد أن جميع الثورات الوطنية والاجتماعية (باستثناء الثورة الإيرانية التي هزت مشاعرنا في وقتها والتي نعرف إلى أي وصلت من استبداد وإلى أين ستنتهي) التي تحققت في السبعينات ... في بلدان الهند الصينية وفي المستعمرات البرتغالية بإفريقيا، في النكاراكوا، في الزمبابوي أو التي تجرى حاليا في بلدان أمريكا الوسطى تخاض إما كليا أو جزئيا تحت الراية الإيديولوجية للاشتراكية العلمية أو تستلهم منظومتها الاديولوجية منها؟ لماذا نجد عددا من الأنظمة التي تريد الاتجاه جديا نحو الاستقلال السياسي والاقتصادي تتبنى من منظورها الخاص طبعا، الاشتراكية العلمية ؟ هل هذا دليل على موت الماركسية؟
إذا كانت الماركسية انتهت إلى "إمبراطورية" فهل هذا دليل على موتها؟
هل هناك في عصرنا ولو حالة واحدة لشعب من تلك الشعوب التي تدير وجهها نحو اديولوجيات أخرى غير الماركسية تمكن من تحرير نفسه وطنيا واجتماعيا أو حتى بالمفهوم الغريب للتحرير الذي يقترحه علينا أحمد حرزني؟
بالنسبة لأحمد حرزني أن الذي يعني بالماركسية هو في الجوهر تأمل في الصناعة أريد به تدعيم رهان على هذه الأخيرة".
لا غرابة بعد هذا المسح للماركسية على مستوى التعريف نفسه أن يصل صاحبه إلى كل التشويهات التي سطرها في مقاله وحتى إلى قتلها.
2- الماركسية النظرية الصاعدة لعصرنا
1- إذا لم تكن الماركسية مجرد تأمل في الصناعة فما هي إذن ؟ كيف نشأت وتطورت ؟ ما هو واقعنا الراهن ؟ هذا ما سنحاول توضيحه الآن.
إن الماركسية هي منظور شمولي علمي للعالم وأداة لتحليله وتغييره وهي إيديولوجية الطبقة العاملة وسلاحها النظري الذي تعتمد عليه في ممارستها الثورية من أجل تحرير نفسها وتحرير الإنسانية جمعا – إذا كانت الأسس الرئيسية للماركسية قد تم تشييدها من طرف ماركس بمساهمة صديقه الحميم انكلز، فإن الماركسية هي في الحقيقة مجموع الإنتاج النظري وكذا المنظور لإستراتيجية الثورة البروليتارية لكل من ماركس وانكز ولينين والأحزاب والقادة البروليتاريين الذين طوروا علما فكر ماركس على ضوء مستجدات العصر وواقعهم الخصوصي – هذا المنظور للماركسية يسمح بالتعامل معها كنظرية متطورة باستمرار، تساير تطور الواقع الملموس وتتأقلم مع كل واقع خصوصي كما أن هذا المنظور خلافا لما يقوم به أحمد حرزني في مقاله يسمح بمحاكمة الماركسية ليس على أساس خلاصات تفكير ماركس وحدها – هذا التفكير يجد حدوده بالضرورة وعلى الأقل في الإمكانيات الموضوعية لعصره ولكن على أساس تفكير وانجازات كافة أنصار النظرية التي تحمل اسمه.
2- تتجلى عظمة ماركس وأنكلز في قدرتهما الهائلة على استيعاب مشاكل عصرهما والتمكن بشكل مبكر إعطاء حلول ملائمة لها. عندما بدأ نشاطهما الثوري العملي والنظري في الأربعينات من القرن الماضي كانت الوضعية آنذاك تتميز بتطور متسارع للصناعة الرأسمالية في بلدان أوروبا الغربية – في انكلترا وفرنسا وألمانيا بالخصوص – مع ما يصاحب هذا التطور كبلترة للفلاحين والصناع التقليديين ومن تفقير للبرولتاريا الطبقة الاقتصادية منها والسياسية وفي نفس الوقت وبارتباط مع تطور قوى الإنتاج الجديدة تطورت العلوم التي عرفت اكتشافات هامة مثل قانون الحفاظ على الطاقة وتحويلها، والخلية الحيوانية والنباتية نظرية الأنواع سيكون لها منعكسات عميقة ليس فقط على صعيد تطور قوى الإنتاج ولكن كذلك على صعيد تطور النظرية الفلسفية. في هذا الإطار التاريخي تمكن ماركس بالاستناد على التحليل النقدي للاتجاهات الفكرية الأساسية لعصره – الفلسفة الألمانية، الاشتراكية الطوباوية الفرنسية والاقتصاد السياسي الانجليزي – من وضع أسسها سيعرف لاحقا بالماركسية، فبرزت المادية الجدلية والمادية التاريخية كنظرية ثورية، مكنت المادة التاريخية بالخصوص من تثوير تصور الإنسانية للتاريخ وللتطور الاجتماعي حيث تم إبراز الدور الأساسي لنمط الإنتاج في تحديد وتطور البنية الفوقية للمجتمع والدور الأساسي للتناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج في تطوير المجتمع، وتم تحديد الصراع الطبقي كمحرك للتاريخ بينما تم التأكيد على دور الجماهير باعتبارها صانعة التاريخ، أما تطبيق المادية التاريخية على المجتمع الرأسمالي فقد أدى في الميدان الاقتصادي إلى اكتشاف نظرية فائض القيمة وقانون التراكم الرأسمالي – تراكم الرأسمالي والثروات في يد البرجوازية وتراكم البؤس لدى البرولتاريا المتنامية باستمرار على الصعيد العالمي. بالاستناد على نتائج التحليل الاقتصادي لنمط الإنتاج الرأمسالي، على المادية التاريخية وعلى المنهج الجدلي المادي تمكن ماركس من وضع أسس الاشتراكية العلمية التي تؤكد على أن التناقض الأساسي للمجتمع الرأسمالي هو التناقض بين الطابع الاجتماعي لقوى الإنتاج والتملك الخاص لوسائل الإنتاج وهذا التناقض يترجم على المستوى الطبقي في التناقض الأساسي بين البرجوازية والطبقة العاملة الذي لن يجد حله إلا بالقضاء على الرأسمالية وفتح الطريق أمام المجتمع الشيوعي مما يستوجب قيام البرولتاريا – متحالف مع الكادحين وتحت قيادتها – بثورة اجتماعية ضد البرجوازية وإقامة مجتمع دكتاتورية البرولتاريا أو ما يسمى كذلك بالمجتمع الاشتراكي أو المرحلة الأولى من المجتمع الشيوعي، وتؤكد الاشتراكية العلمية على الدور التاريخي للبرولتاريا التي لن تتمكن من تحرير نفسها إلا عبر تحرير الإنسانية جمعاء.
3- بعد وفاة ماركس وانكلز قام لينين بتطوير الماركسية بشكل خلاق وذلك بالاستناد من جهة أولى على السلاح النظري للماركسية، من جهة ثانية على التجربة المراكمة للحركة العمالية في البلدان الرأسمالية ومن جهة ثالثة على مستجدات العصر حيث كانت الرأسمالية قد انتقلت بشكل واضح من مرحلة الرأسمالية التنافسية التي عايشها ماركس إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية التي تطبع عهد الامبريالية.
قام لينين بدراسة علمية لخصوصيات الرأسمالية في التطور اللامتكافئ للتشكيلات الاجتماعية مما مكنه من جهة من توضيح أسس الحروب الامبريالية باعتبارها حروب بين مختلف الامبرياليات لاقتسام السيطرة على العالم ومن جهة أخرى من طرح تصور جديد لانطلاق الثورة البرولتارية يكمن في إمكانية قيامها في عدد محدود من البلدان أ, حتى في بلد واحد يشكل الحلقة الضعيفة في السلسلة الامبريالية. هذا التصور الجديد يعتبر تطويرا هاما لأفكار ماركس وانكلز والقادة البرولتاريين السابقين الذين كانوا يعتبرون أن الثورة ستندفع أولا في البلدان الرأسمالية المنظورة لتنشر إلى بقية العالم : حقيقة أن ماركس وانكلز بدأ في نهاية حياتهما يتلمسان إمكانية انطلاق الثورة ابتداء من روسيا، لكن ما كان مجرد حدس عندهما قد أصبح عند لينين خلاصة مبنية على التحليل العلمي للواقع في عهد الامبريالية، تمكن لينين كذلك، من خلال دراسته للتطورات الاجتماعية في عصر الامبريالية، من كشف أسس الشوفينية والانتهازية اليمينية التي ظهرت وسط الحركة الاشتراكية الديمقراطية الأوربية إذ بين أسس بروز شريحة الارستقراطية العمالية التي تلعب دور حصان طروادة للرأسمالية داخل الحركة العمالية والتي تفع الطبقة العاملة إلى مهادنة الرأسمال – قام لينين كذلك بوضع الأسس الصلبة لنظرية الحزب البرولتاري تلك النظرية التي جسدها الحزب البلشفي الذي تمكن من قيادة أول ثورة برولتارية ظافرة في عصرنا – في ميدان الإستراتيجية الثورية أكد لينين على ضرورة تحالف الطبقة العاملة مع الفلاحين وطرح في نفس الوقت إمكانية قيادة الطبقة العاملة للثورة الديمقراطية البرجوازية كمرحلة على طريق الثورة الاشتراكية التي تنجزها الطبقة العاملة بتحالف مع كافة الكادحين المستغلين والمقهورين. وكان لينين أول من طرح أهمية حركات التحرر الوطني بالبلدان المضطهدة في مواجهة الامبريالية مما أدى إلى تحديد سياسية جديدة للتحالف على الصعيد العالمي وذلك لمواجهة الامبريالية العدو المشترك للبرولتاريا ولشعوب العالم، وهذا ما جسده في الشعار الخالد "يا عمال العالم ويا شعوبه المضطهدة، اتحدوا" وأخيرا فقد قام لينين باستنتاج الدروس الأولية من تجربة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي ومن تجربة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي ومن بناء مجتمع متعدد الجنسيات على أسس ديمقراطية في بلد واحد. بتركيز شديد هذه اهامات لينين الأساسية في تطور النظرية الماركسية التي أصبحت عن حق تنعت في عصرنا بالنظرية الماركسية اللينينية.
4- بالاستناد إلى النظرية الماركسية تمكن العديد من الأحزاب والقادة البرولتاريون (مثل ماو وهوشي منه وديمتروف وغيرهم) طيلة القرن العشرين ليس فقط من قيادة ثورات دمقراطية شعبية وثورات اشتراكية مظفرة بل وكذلك من أغناء النظرية نفسها – هكذا تمكن ماو مثلا بالارتكاز على تجربة الثورة الصينية التي حررت مئات الملايين من الاستغلال والاضطهاد البشيعين من تطوير النظرية الماركسية وهذا ما تجسد في أسهامات ثمينة لا يقلل من قيمتها الأخطاء التي ارتكبها في ماهية حياته بالخصوص بشيء التصورات حول التناقضات العالمية على مستوى استراتيجية الثورة طرح ماو استراتيجية جديدة ملائمة لواقع البلدان الفلاحية المستعمرة والشبه مستعمرة فأكد على الدور الأساسي للفلاحين في الثورة، على ضرورة قيام جبهة وطنية ديقراطية عريضة نضم مختلف الطبقات الوطنية الشعبية وبقيادة الطبقة العاملة وحزبها البرولتاري، وطرح بوضوح أن المسلسل الثوري في هذه البلدان يتضمن مرحلتين أساسيتين مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية بقيادة الطبقة العاملة – وهو ما يسمى كذلك مرحلة الدمقراطية الجديدة أو الدمقراطية الشعبية – ومرحلة الثورة الاشتراكية. على مستوى إستراتيجية استلام السلطة بين ماو بالملموس أن أسلوب الانتفاضة الجماهيرية المسلحة الذي استعمل في ثورة أكتوبر غير ملائم لواقع بلاد فلاحي وأن الأسلوب الملائم يتجسد في حرب الشعب الطويلة الأمد التي تعتمد أساسا على البادية. وفيما يخص البناء الاشتراكي فقد حاول ماو أن يستفيد من الأخطاء والانحرافات التي عرفتها تجربة البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفياتي في عهد ستالين، وطرح ماو أطروحة استمرار الطبقات والتناقضات الطبقية والصراع الطبقي في المجتمع الاشتراكي نفسه وهي أطروحة هامة ما تزال في حاجة إلى تعميق، كما ميز بين نوعين أساسيين من التناقضات التي تستوجب معالجة مختلفة التناقضات في صفوف الشعب التي تعالج باللجوء إلى الأساليب الدمقراطية وإلى المركزية الدمقراطية والتناقضات بين الشعب وأعدائه والتي تعالج باللجوء إلى قوانين الدكتاتورية البرولتارية ضد أعداء الاشتراكية – وقد أكد ماو على أن تطوير الاشتراكية يستوجب التثوير المستمر لعلاقات الإنتاج وتطوير وتتوير قوى الإنتاج والقضاء تدريجيا على التقسيم الاجتماعي للعمل بين العمل الذهني واليدوي، بين العمل القيادي والتنفيذي بين البادية والمدينة وتحكم الجماهير في كافة مرافق الحياة الاجتماعية والتطوير الدائم للديمقراطية البرولتارية في المجتمع وعلى صعيد الحزب البرولتاري بصفة خاصة.
هذه اللوحة حل إسهامات ماركس وانكلز ولينين وغيرهم من القادة البرولتاريين يسمح بإعطاء نظره موجزة ؟؟ عن مضمون الماركسية ويبين على الأقل أنها ليست ذلك "التأمل في الصناعة" الذي طرحه أحمد احرزني في مقاله.
5- والآن ماذا عن الماركسية في وقتنا الراهن ؟ لا أحد يمكن أن ينكر الانتشار الهائل للماركسية التي أصبحت الاديولوجية الرسمية في جميع البلدان التي وصلت فيها أحزابا برولتارية للسلطة ودخلت في تجارب البناء الا شتراكي وبالتي تشكل النظرية التي ترتكز إليها كافة الأحزاب الشيوعية الرأية الاديولوجية للعديد من الحركات الوطنية الدمقراطية التي توجد في جبهة النضال الأمامية ضد الامبريالي ة وحلفائها الرجعيين، كما أن العديد من الأنظمة الوطنية والحركات السياسية الغير برولتارية أو المحضرية تستلهم بعض مكونات منظومتها الإديولوجية من الماركسية كل هذا أن دل على شيء فإنما يدل على مدى النفود المتصاعد للماركسية التي ترى فيها الإنسانية التقدمية أكثر فأكثر نظريتها العلمية المفصلة للتحرر الوطني والاجتماعي.
طبعا أن هذا الانتشار الواسع لا يتم دون تناقضات فالماركسية التي نشأت نواتها الأولى في البلدان الرأسمالية الأوروبية في فترة تاريخية معينة انتشرت في مرحلة لاحقة في بلدان تتميز بظروف تاريخية طبقية - اقتصادية وسياسية وثقافية – مختلفة عن الإطار الأصلي الذي تشكلت فيه النواة الأولى – وهذا الانتشار العالمي قذ أدى بطبيعة الحال إلى إغنائها لكنه ساهم في نفس الوقت في تجريف بعض مضامينها الأصلية. هذا التناقض الموضوعي بين إغناء وتشويه المضمون الجوهري للماركسية لن يجد حله سوى عبر المسير ة التاريخية الطويلة وعبر الصراع الفكري العلمي والديمقراطي الهادف إلى تدعيم ما هو إيجابي والتخلص مما هو سلبي في التطورات والتحولات التي تعرفها الماركسية.
إن مسيرة الماركسية نحو الكونية المتجسدة في اكتساحها لمجمل مجالات النشاط الإنساني وفي الانتشار العالمي لا تتبع خطاء تصاعديا مستقيما بل أنها تتم عبر المنعرجات والنكسات والأزمات والفقرات إلى الأمام، عبر ملء الثغرات وتصحيح الأخطاء وتجاوز الانحرافات لقد أخطأ الماركسيون في القرن الماضي عندما كانوا يتوقعون قيام الثورة البروليارية في أوربا الغربية وجاء لينين والبلاشفة ليصححوا هذا الخطأ سقط ماركس نفسه في عدد من الأخطاء الأخرى – لا شك في ذلك- لكن هذا لا يقلل من الأهمية الكبرى لتصوره الموضوعي للعالم ولمنهجة النقدي العلمي من حيوية اكتشافه للطابع التاريخي للمجتمع الرأسمالية وبالتالي لضرورة انتهائي وقيام المجتمع اللاطبقي ولا يقلل من أهمية اكتشافه للدور التاريخي ؟؟ كطبقة رائدة لمسيرة الانتقال نحو الاشتراكية والمجتمع اللاطبقي، واليوم لا يمكن لأحد سواء كان من أنصار الاشتراكية أو أعدائها أن ينكر أن سلسل الانتقال نحو الاشتراكية رغم المفاجأت والتعلمات والأزمات يشكل سمة جوهرية لعصرنا. خلاصة القول أن الماركسية التي تحققت تحت لواء أعظم الثورات الانسانية في عصرنا والتي تشكل حاليا ايديولوجية (أو مكونا أساسيا من ايديولوجية) اتجاهات واسعة من بين الإنسانية التقدمية بما في ذلك القوى الأكثر دينامية في حركات التحرر الوطنية والتي اكتسحت مختلف مجلات المعرفة الاجتماعية لتفنيها وتعيين بها ليست فقط نظرية مليئة بالحياة بل أنها النظرية الصاعدة لعصرنا.
3- البلدان الاشتراكية طبيعة أنظمتها وموقعها في التناقضات على الصعيد العالمي
1- نقصد هنا بالبلدان الاشتراكية تلك البلدان التي وصلت فيها أحزابا شيوعية للسلطة وثم فيها تحويل وسائل الإنتاج الأساسية من ملكية فردية إلى ملكية للدولة بشكل رئيسي وبشكل ثانوي إلى ملكية مجموعة بشرية تشكل تعاونيات فيما بينها والتي (أي البلدان) شرعت في تجارب البناء الاشتراكي على قاعدة اقتصاد مخطط بعد أن تم تصفية الرأسمالية الخاصة فيها.
أن البلدان الاشتراكية المضمون المحدد هنا تضم الاتحاد السوفيتي وألمانيا الديمقراطية وتشكسلوفاكيا وبلغاريا وهنغاريا ورومانيا وبولونيا وألمانيا ويوغسلافيا والصين الشعبية وكوريا الشمالية ومنغوليا وفيتنام ولاوس وكوبا.
رغم تصنيف هذه البلدان كبلدان اشتراكية فالنقاش يظل مفتوحا حول طبيعة هذه الاشتراكية، هل هي "اشتراكية برولتارية أم اشتراكية بيروقراطية أم "اشتراكية برجوازية" أم غيرها جميعا وهذا ما سنتعرض له في الفقرة الثالثة من هذا الجزء.
حول هذه البلدان يقول أحمد احرزني : الاتحاد المسمى سفياتيا فقد إقناعه مند أمه طويل كاشفا عن حقيقته كنظام قيصري جديد يمارس الاستغلال البيروقراطي والاضطهاد في الداخل والامبريالية في الخارج ... ولقد احتلت صين ماو لفترة من الزمن مكانة كقطب للثورة العالمية إلا أنه جاء قزم نجح في رمشة عين في أثباث أنه برغم عظمة التجارب التجديدية التي قادها "الربان العظيم" فإن تلك التجارب لم تكن سوى إيماءات يائسة ظل نسق الحزب الشيوعي بعدها سليما كما كان تقريبا وبنفس السهولة تحولت فتنام من وصفها كأسطع رمز مجسد لنضالات التحرر الوطني إلى وضع الغاوي الأصفر على صعيد ما كان يعرف بالهند الصينية. أما كوبا ... سرعان انتقلت من مركز لحركة القارات الثلاث إلى مرتبة العميل المفضل "للأخ الأكبر" الروسي ... باختصار أنها امبراطورية ... ذلك ما انتهت إليه الماركسية لا عجب والحالة هذه أن صار على الشعوب وعلى شعوب العالم الثالث بالدرجة الأولى أن يدافع عن نفسها لا ضد الامبريالية فحسب ولكن أيضا وبنفس القوة – أن لم يكن بقوة أكبر – ضد الامبريالية القادمة من الشرق باعتبارها امبريالية صاعدة".
لن تتوقف هنا عند بعض الأوصاف القديمة وحتى العنصرية مثل الحديث عن "القوم" والغازي الأصفر" و"العميل المفضل" فالذي يهمنا هنا هو أن أحمد احرزني يطرح بوضوح عداءه للبلدان الاشتراكية التي يعتبرها بلدانا امبريالية بل أكثر من ذلك يعتبر أن هذه الامبريالية القادمة من الشرق هي العدو الرئيسي للشعوب العالم.
قبل تفحص الأطروحات لنستكمل عرض اللوحة التي رسمها أحمد حرزني وذلك بطرح موقفه حول الطبيعة الاجتماعية الأنظمة هذه البلدان "أنها إذن الاشتراك – ديمقراطية ... لا "البلدان : " أنها إذن الاشتراك يتفحص عنه التطور الصناعي – بهذا الصدد وجب تحديد ما معنى الاشتراك – دمقرطية، أنها تراض اجتماعي حقا قوامه توزيع "عادل" ولكن هذا التوزيع "العادل" مشروط بخضوع يمكن أن يقال أنه نهائي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية ولسيادة الآلة، وبالتالي للبروقراطية التقنوقراطية المكلفة بتسيير هاته وتلك.
بعبارات أوضح يعتبر أحمد احرزني أن الثورات التي وقعت في البلدان الاشتراكية ليس لها أي طابع برولتالي وأن الأنظمة الاجتماعية الموجودة في البلدان الرأسمالية الامبريالية وفي البلدان الاشتراكية هي أنظمة من نفس الطبيعة الرأسمالية قائمة على التراضي الاشتراك – ديمقراطي" بين المستغلين والمستغلين وذلك بسبب قيام هذه الأنظمة كلها على أساس الصناعة.
أن مناقشة مجمل الأطروحات التي وردت هنا يطرح ضرورة معالجة مسألتين : أولا الطبيعة الطبقية للأنظمة في البلدان الاشتراكية، ثانيا، التناقضات العالمية. قبل الدخول في الموضوع نريد التذكير بالمسار الذي أخذه المسلسل الثوري الذي أدى إلى بروز البلدان الاشتراكية.
4- المسير ة المعقدة للمسلسل الثوري البرولتاري
كان ماركس وانكلز وكافة الماركسيين إلى حدود الحرب العالمية الأولى يعتقدون بأن الثورة البرولتارية سيكون لها طابع عالمي حيث أنها ستندلع في مجموعة البلدان الرأسمالية المتطورة وأنها ستمتد بعد ذلك إلى بلدان العالم الأخرى، في نقده الشهري لبرنامج كوطأ طرح ماركس تصوره لمسلسل الانتقال الثوري من الرأسمالية إلى والشيوعية إذا اعتبر أن الثورة البرولتارية تؤدي مباشرة إلى القضاء على الدولة بالطبقات وبناء المجتمع الشيوعي وطرح ماركس ضرورة فترة انتقالية سماها الفترة الأولى من الشيوعية – وهي الفترة التي ستسمى لاحقا بالمرحلة الاشتراكية – التي يتم خلالها تهيئ الشروط للمرور نحو المجتمع الشوعي الناضج. من المحتمل أن ماركس كان يتصور أن هذه الفترة لن تطور كثيرا لكنه كان واعيا بأن المجتمع الذي يتم بناؤه خلالها سيظل بحمل العديد من رواسب ومخلفات المجتمع الرأسمالي الذي خرج المجتمع الجديد من رحمه.
لم تتحقق الثورة في البلدان الرأسمالية المتطورة فالرأسمالية عرفت تحولا هاما بانتقالها إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية مما حول تلك البلدان إلى بلدان امبريالية تمكنت من تصدير عدد من تناقضاتها نحو البلدان المستعمرة والشبه المستعمرة، أما على الصعيد الداخلي فقد تحولت الحركات الاشتراكية الديمقراطية التي كانت تعبر عن مصالح ومطامع الطبقة العاملة إلى حركات تعبر عن مصالح ومطامح الطبقة العاملة إلى حركات إصلاحية شوفينية مهادنة للرأسمالية ما ساهم في إجهاض الثورة. وبدل الثورة كانت الحرب العالمية الأولى. في هذه الأثناء وبالاعتماد على الدراسة العلمية للامبريالية طرح لينين نظريته حول التطور الغير المتكافئ للرأسمالية التي قادته إلى التجاوز الايجابي لتصور ماركس حول اندلاع الثورة البرولتارية (ونسجل هنا رغم ذلك ثورات 1905 و1917 في روسيا ما كانت لتفاجئ كثيرا ماركس وانكلز إذنجد في مؤلفاتهما الأخيرة أشارت واضحة حول إمكانية اندلاع الثورة في روسيا وانتشارها فيما بعد إلى أوربا). طرح لينين نظريته الشهيرة حول إمكانية الشروع في تحطيم السلسلة الامبريالية ليس انطلاقا من حلقاتها الضعيفة التي تشكلها روسيا آنذاك. كما طرح إمكانية انتصار الاشتراكية في عدد قليل من البلدان أو حتى في بلد واحد، هذه النظرية الجديدة سمحت للبلاشفة بالاستعداد للثورة وبالاستفادة من الظرف التاريخي. هكذا اندلعت في روسيا وفي 1917 أول ثورة برولتارية مظهرة. وانتصرت هذه الثورة بسهولة نسبيا لأنها تمت في الحلقة الضعيفة للسلسلة الامبريالية ولأنها تمت في لحظة ضعف لمجموع الامبريالية التي كانت مشغلة في حربها العالمية من أجل إعادة أقسام السيطرة على العالم. وراهن ؟؟ مدة طويلة على إمكانية اندلاع الثورة في أوروبا العربية وبالخصوص في ألمانيا لكن التطور الغير متكافئ للثورة خبيب آمالهم مما أرغمهم على القبول بضرورة بناء الاشتراكية في بلد واحد، الاتحاد السوفياتي في ظروف لم يتنبأ بها من قبل لا ماركس ولا أي من المنظرين الماركسيين الآخرين. وبعد حوالي ثلاثين سنة من ثورة أكتوبر انتصرت ثورات شعبية واشتراكية في حلقات ضعيفة أخرى، في أوروبا الشرقية والصين والفتنام وكوريا وكلها على العموم و أن كانت تتوفر على أحزاب شيوعية متمرسة بهذه الدرجة أو تلك سمحت لها بالوصول إلى السلطة في ظرف تاريخي ملائم فإنها تفتقر إلى الاشتراكية: طبقة عاملة قوية عدديا، واعية ومنظمة، صناعة متطورة.
تم الشروع في بناء الاشتراكية وهو النظام الجديد تماما في مجتمعات متأخرة على أكثر من صعيد وبالخصوص على صعيد تطور قوى الإنتاج وعلى الصعيد الثقافي. في نفس الوقت لم تكن الرأسمالية رغم تناقضاتها العميقة قد استنفدت كل طاقاتها وظلت تستعمل. إمكانياتها الضخمة لمواجهة المولود الجديد في كافة المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والفكرية ظلت الاشتراكية كمولود جديد، مطبوعة بمجموعة من المخلفات السلبية للمجتمعات التي خرجت من رحمها (والتي كانت قطاعية تلعب فيها دورا كبيرا) بينما كان مفروضا عليها أن تنشئ في ظروف قاسية وبسرعة جل الشروط الاقتصادية والثقافية والسياسية الضرورية لتطورها. هذه المعطيات تفسر لماذا لم يأخذ المجتمع الجديد ملامح الصورة التي رسمها ماركس، صورة الانتقال السريع نحو المجتمع اللاطبقي وإنما اتخذ طابق تشكيلة اجتماعية جديدة تستغرق مدة زمنية طويلة قد تتخللها فترات مختلفة، تشكيلة اجتماعية وجدت نفسها مرغمة على تحقيق عدد من الانجازات الضرورية في ظروف صعبة وفي إطار تناقضات حادة ما كان لماركس وللنظرية الماركسية أن تتنبأ بها – في هذه الظروف أخذ المجتمع الجديد وجها غير الذي كان متوقعا. فتقسيم العمل بين العمل اليدوي والذهبي بين العمل القيادي والتنفيذي، بين المدينة والبادية ظل قائما، كما أن الدولة بدل أن تتلاشى أزادت وظائفها وتصاعد جبروتها وتنامت في أحضانها شريحة بروقراطية تحظى بعدد من الامتيازات إلى جانب البيروقراطية الحزبية والتقنوقراطية العليا وما هو أخطر من ذلك هو أن هذه البروقراطية تعرقل إمكانية تحكم البرولتاريا الشامل في مصير المجتمع وتحول دون ازدهار الدمقراطية البرولتارية التي بدونها تتحول دكتاتورية البرولتاريا كجوهر للنظام الاشتراكي البرولتاري إلى تسلط بروقراطي والتي بدونها لن يكون هناك تقدم فعلي نحو المجتمع الاطبقي.
إذا كان توقع ماركس لقيام الثورة في البلدان الرأسمالية المتقدمة لم يتحقق، فإنه كان على صواب عندما طرح ضرورة بزغ الاشتراكية عبر الثورة البرولتارية – وما وقع في أكتوبر 1917 هو ثورة برولتارية ضخمة فتحت عهدا جديدا حيث كانت بداية للمسلسل الطويل والمعقد لانتقال الإنسانية نحو الاشتراكية والشيوعية، انتقال متناقض، بقفزاته إلى الإمام وأزماته ونكساته، لكن انتقال مؤكد – وهذا ما يؤكد بدوره أطروحة لينين حول سهولة إنجاح الثورات في الحلقات الضعيفة وصعوبة مواصلتها في هذه البلدان بينما يصعب تحقيقها في البلدان الرأسمالية المتطورة التي تتوفر فيها الشروط الموضوعية لمواصلتها بسهولة.
هذه المقدمة حول الظروف المحيطة ببزوغ المجتمع الاشتراكي ضرورية للشروع في نقاش موضوعي للطبيعة الطبقية للأنظمة الجديدة، وحتى لا يتيه النقاش ويتشعب سنكتفي بمعالجة المجتمع السوفيتي الراهن اعتقادا منا أ، مجمل تجارب البناء الاشتراكي الحالي لا تختلف من حيث الجوهر وإن كانت تختلف كثيرا من حيث تفاصيلها.
4- الطبيعة الطبقية للأنظمة في البلدان الاشتراكي
هناك داخل الماركسيين بالمعنى الواسع لهذه الكلمة عدة أطروحات حول طبيعة المجتمع السوفياتي – وسنقتصر هنا على عرض الأربعة الرئيسية :
• الطرح الأول – وهو الطرح الرسمي في الاتحاد السوفياتي – يعتبر النظام السوفياتي والدولة السفياتية اشتراكيين بدون أدنى تحفظ ويعتبر أن الاتحاد السوفياتي دخل فترة الاشتراكية المتطورة التي يجب تحسينها وتعميقها للتقدم نحو المجتمع الشيوعي، أما السلطة فهي في زاوية هذا الطرح، في يد مجموع الشعب (عمال، فلاحين متعاونين، مثقفين) بعد أن انتهت مرحلة دكتاتورية البرولتاريا.
• الطرح الثاني : وهو طرح الاتجاه التروتسكي- يعتبر كذلك أن النظام والدولة السوفياتيين لهما طبيعة اشتراكية عمالية. إلا أن هذا الاتجاه يعتبر أن شريحة بروقراطية برزت في صفوف الطبقة العاملة استحوذت على السلطة وتستغل وتضطهد العمال الآخرين. لهذا فإن هذا الاتجاه يعرف الدولة السفياتية "كدولة عمالية منحلة" ويطرح ضرورة القيام بثورة ذات طابع لإعادة السلطة للطبقة العاملة.
• الطرح الثالث : هو الذي يدافع عنه شارل بتلهايم- يعتبر أن الاتحاد السوفياتي لا علاقة له بالاشتراكية وأن النظام السائد هو نظام رأسمالية الدولة وأن الفئات البروقراطية التقنقراطية المسيطرة على الدولة. والحزب والاقتصاد تشكل طبقة اجتماعية جديدة في برجوازية الدولة. كما تعتبر هذه النظرية أن الاتحاد السفياتي بلد "اشتراكي – امبريالي".
• طرح الرابع : يعتبر أن النظام السفياتي نظام جديد ليس بالاشتراكي ولا بالرأسمالي.
أن تحديد موقف موضوعي من مختلف هذه الطروحات يتطلب دراسة وبحثا جديين، لهذا فإن موقفنا سيظل مفتوحا مع استبعاد أطروحة "الاشتراكية – الامبريالية" كطابع للنظام السفياتي كما سترى لاحقا. لكننا نسجل منذ الآن وفي انتظار معالجة عميقة للموضوع أ، الحقيقة حول طبيعة الأنظمة في البلدان الاشتراكية هي بالضرورة معقدة. أ، النظام الاشتراكي لا يقوم على أساس نمط للإنتاج خصوصي بل أنه كما حدده ماركس النظام الانتقالي – الشيوعية. إذا أضفنا إلى ذلك أن الأنظمة التي أقيمت في البلدان الاشتراكية قد شيدت بالانطلاق من مجتمعات اقطاعية – رأسمالية في غالب الأحيان إدركنا أن الطبيعة الطبقية لهذه الأنظمة لن يكون إلا متناقضا وأننا إلى جانب العلاقات الاجتماعية السياسية والاقتصادية والاديولوجية البرجوازية وأحيانا اقطاعية (أنظر مثلا ظاهرة تقديس الشخصية في عهد ستالين أو ماو وفي كوبا الشمالية ورومانيا راهنا).
إذا أخذنا الحالة الملموسة للاتحاد السفياتي فسنجد من جهة أن الطبقة العاملة تفوت بشكل كبير داخل المجتمع وأحرزت على مكاسب مادية واجتماعية ضخمة لا تتوفر عليها الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتطورة مثل ضمان الشغل وارتفاع المستوى المعيشي وضمان تقاعد كريم والصحة المجانية والتعليم الابتدائي والثانوي الإلزامي والمجاني. والمرأة، خصوصا المرأة العاملة قد قطعت أشواطا جبارة على طريق تحررها. من جهة أخرى أن الحزب الحاكم، الحزب الشيوعي يتبنى رسميا اديولوجية الطبقة العاملة الماركسية اللينينية (بغض النظر عما يمسها من تحريف بسبب النزعة نحو استعمالها كاديولوجية تبريرية). وتلعب الطبقة العاملة ومنظماتها الجماهيرية كالنقابات والجماعات العمالية على صعيد المؤسسات الحزب وكذا أجهزة السلطة- السفييتات) دورا أكبر وأرقى بكثير من دور أي فصيل من الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية. على مستوى السياسة الخارجية أن الاتحاد السوفياتي يقف في وجه السياسة العدوانية للامبريالية ويدعم إلى جانب البلدان الاشتراكية الأخرى (وهنا لا يمكن لأي تقدمي أن ينكر الدور الأممي الكبير لكوبا ومساعدتها لحركات التحرر في أمريكا اللاتينية وإفريقيا) حركات التحرر الوطني والاجتماعي. من جهة أخرى أن العديد من العلاقات الرأسمالية ما تزال سائدة على المستوى الاقتصادي الرأسمالية ما تزال سائدة على المستوى الاقتصادي (إنتاج البضائع، العمل المأجور، استمرار مفهوم الربح الخ...) كما أ، قسمة العمل الاجتماعي الموروثة عن المجتمعات الطبقة ما تزال قائمة – رغم إعادة الاعتبار للعمل اليدوي. وهذا ما يصاحبه تكون فئة بروقراطية – تقنقراطية تلعب دورا أساسيا على المستوى الاقتصادي وعلى مستوى الهيئات العليا للحزب والدولة والجيش وتحظى بمستوى معيشي يفوق بكثير مستوى الطبقة العاملة. أما الدولة فبدل أن تتلاشى تدريجيا كما هو مطروح في النظرية الماركسية حول الفترة الانتقالية فإن وظائفها وأجهزتها قد توسعت بشكل مذهل وذلك على حساب المبادرة الجماهيرية والديمقراطية البرولتارية. على المستوى الخارجي هناك نزعة سلبية لدى الاتحاد السفياتي نحو التدخل المباشر في شؤون البلدان الاشتراكي التي يحتدم فيها الصراع الطبقي وذلك نيابة عن الجماهير الكادحة المعنية بالدرجة الأولى بالدفاع عن مكتسباتها ومطامحها الاشتراكية.
ما أوردناه هنا عن الطبيعة المتناقضة للنظام السوفيتي يمكن أن يقال عن أي نظام في البلدان الاشتراكية الأخرى ويؤكد هنا على أن الخطر في هذه الأنظمة ليس هو وجود علاقات اجتماعية غير برولتارية فهذه المسألة طبيعية في المجتمع الانتقالي، بل أن الخطر – من منظور مصالح ومطامح البروليتارية طبعا يكمن في مهادنة هذه العلاقات وتركها تتقوى داخل المجتمع أوعلى مستوى البنية الفوقية في الدولة والحزب. فكلما تعززت العلاقات الاجتماعية البروليتارية على حساب العلاقات البروجواجية تعززت المسيرة نحو المجتمع اللاطبقي وتأكد الطابع الاشتراكي البروليتاري للمجتمع وعلى عكس ذلك كلما تعززت العلاقات البرجوازية تعمق الارتداد نحو الرأسمالية في شكلها القديم أو في شكل برجوازية الدولة وتغلب الطابق البرجوازي للمجتمع الانتقالي. أن هذا المنظور الجدلي للطبيعة الطبقية للانظمة القائمة في البلدان الاشتراكي يسمح أكثر من أي منظور آخر بفهم تناقضات هذه المجتمعات والصراعات الطبقية التي تخترقها والتي تتخذ طابعا ؟ظ في بعض الأحيان.
نستخلص مما سبق أن الأنظمة القائمة في البلدان الاشتراكية ليست كما يتصور أحمد احرزني أنظمة نوع جديد متقدمة رأسمالية بل أنها أنظمة تمتزج فيها علاقات اجتماعية برولتارية بعلاقات اجتماعية رأسمالية وذلك في إطار وحدة متناقضة قد تشكل مجتمعا انتقاليا نحو المجتمع اللاطبقي الذي ينعدم فيه الاستغلال بشكل نهائي إذا تمكنت البرولتاريا وبتحالف مع كافة الكادحين في القضاء باستمرار على العلاقات الرأسمالية وتدعيم العلاقات الجديدة الشيوعية على حسابها.
من جهة أخرى أن "الاشتراك- ديمقراطية" التي يتحدث عنها أحمد احرزني باعتبارها ملازمة لجميع المجتمعات الصناعية بغض النظر عن طبيعتها الطبقية ليست ميزة فارة حتى بالنسبة للمجتمعات الصناعية الرأسمالية. على سبيل المثال، منذ انفجار الأزمة العالمية الأخيرة نجد أن الاتجاه السائد وسط الرأسمالية (اتجاه ويكاد في الولايات المتحدة المحافظين في بريطانيا والمسيحيين الديمقراطيين في ألمانيا الغربية وغيرهم) يحاول الخروج من الأزمة على ظهر الطبقة العاملة وذلك عبر ضرب قدرتها الشرائية وتنمية جيوش العاطلين. هذا ما يتنافى مع التراضي الطبقي و"الاشتراك-دمقراطية".
أن موقف أ.ح الذي يعتبر "الامبريالية القادمة من الشرق" أي البلدان الاشتراكية ؟؟ عدو (ولربما العدو الرئيسي ) للشعوب ولشعوب العالم الثالث بصفة خاصة يلتحق كاتجاه عام بالنظرية المعروفة بنظرية العوالم الثلاثة. لهذا فمناقشة هذا النظرية تسمح بالجواب على طروحاته.
أن نظرية العوالم الثلاثة التي تبناها الحزب الشيوعي الصيني طيلة السبعينيات قبل أن ؟؟ شيئا ما حماسه لها في المدة الأخيرة تطرح منظور شموليا للتناقضات على الصعيد العالمي. حسب هذا النظرية أن العالم مقسم إلى عوالم ثلاثة : العالم الأول وهو يتكون من الامبريالية الأمريكية و"الاشتراكية الامبريالية " السفياتية والعالم الثاني ويتكون من البلدان الرأسمالية المتطورة الأخرى (أوربا الغربية اليابان، كندا...) ومن البلدان الاشتراكية الحلبة للاتحاد السوفيتي، أما العالم الثالث فيتكون من البلدان التي لا تنتهي للعالمين السابقين والتي تسمى ببلدان العالم الثالث، لهذا وجب عليها ه-ه البلدان أن تدخل في تحالف مع بلدان العالم الثاني من أجل مواجهة العدو الرئيسي- وقد ذهبت هذه النظرية أبعد من ذلك، في فترة معينة على الأقل حينما طرحت ضرورة التمييز داخل العالم الأول نفس بين الامبريالية الأمريكية باعتبارها في موقع دفاعها و"الاشتراكية الامبريالية باعتبارها ما تزال صاعدة في موقع هجومي، وهذا ما قد يؤدي إلى تجميد الصراع ضد الامبريالية الأمريكية لتحييدها ولتركيز الجهود ضد الامبريالية الأمريكية لتحييدها ولتركيز الجهود ضد ما يعتبر العدو الأكثر شراسة، "الاشتراكية- الامبريالية"- أن هذه النظرية ليست مثالية فحسب بل أنها رجعية. أنها مثالية لأنها تستبدل التحليل الموضوعي للواقع كما هو ببنيان هش قوامه العداء للاتحاد السوفيتي، إنها رجعية لأنها تدفع شعوب العالم الثالث إلى طمس تناقضاتها العدائية ليس فقط مع الرجعيات المحلية التي تستغلها وتضطهدها ولكن كذلك مع الامبريالية العالمية بزعامة الامبريالية الأمريكية التي تنهب خيراتها وتحمي الرجعيات المحلية.
سجلنا إعلان أن موقف أ.ح يلتحق في اتجاهه العام بنظرية العوالم الثلاثة وهذا صحيح لكننا نريد أن نطرح كذلك الفرق الثانوي بين الموقفين والذي يتجلى في كون أ .ح يدمج بين العالمين الأول والثاني في عالم واحد، عالم البلدان المصنعة الذي يدخل في تناقض أساسي مع العالم الثالث الغير المصنع، يرجع هذا الفرق في نظرنا إلى كون هاجس أصحاب نظرية العوالم الثلاثة يكمن في عزل الاتحاد السوفيتي بينما هاجس أ.ح ظاهريا على الأقل هو الصراع ضد خطر التصنيع وضد البلدان المصنعة وخصوصا منها تلك التي تشكل نموذجا إيجابيا بالنسبة لشعوب العالم الثالث أي البلدان الاشتراكية. لتغلق هذا القوس حول التمايز بين نظرية العوالم الثلاثة وبين نظرية أحمد حرزني، لنعود إلى التناقضات على الصعيد العالمي، لإعطاء تصورنا لهذه التناقضات.
ما هي التناقضات الأساسية التي تحرك عالمنا اليوم ؟
- التناقض بين حركات التحرر الوطني من جهة والامبريالية (بزعامة الامبريالية الأمريكية) وصنائعها (الصهيونية والنظام العنصري بجنوب إفريقيا) وحليفاتها الرجعيات المحلية من جهة أخرى. هذا التناقض يتجسد حاليا بشكل خاص في الصراع الذي تعرفه مناطق الشرق الأوسط وأمريكا الوسطى وجنوب إفريقيا.
- التناقض بين الامبريالية والبلدان الاشتراكية والذي يتجلى على الأصعدة الاديولوجية والسياسية والاقتصادية والعسكرية (السباق نحو التسلح النووي ).
- التناقض بين البرولتاريا والرأسمالية الاحتكارية في البلدان الامبريالية.
- أن هذه التناقضات الثلاثة يمكن دمجها في إطار تناقض أساسي أعم هو التناقض بين معسكر الامبريالية وصنائعها وحليفاتها الرجعيات المحلية من جهة والمعسكر التقدمي المعادي للامبريالية المكون من البلدان الاشتراكية وحركات التحرر الوطني والاجتماعي والحركة العمالية وكذا الحركة من اجل السلم في البلدان الامبريالية.
- التناقضات في صفوف الامبريالية. هذه التناقضات سبق لها أ، كانت السبب في اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية إلا أنه بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية لم تعد لهذه التناقضات نفس الأهمية القصوى التي كانت لها فيما قبل. ويرجع ذلك في نظرنا إلى عاملين اثنين : من جهة أولى بروز البلدان الاشتراكية كقوة عالمية مما يتطلب من المعسكر الامبريالي العمل من أجل توحيد صفوفه وحل تناقضاته الداخلية لمجابهة العدو الاشتراكي ومن جهة ثانية بروز الامبريالية الأمريكية كزعامة معترف بها في المعسكر الامبريالي – مما يسهل حسم التناقضات التي تبرز في صفوفه.
- هناك تناقضات أخرى ليست لها نفس الأهمية التي تحظى أغفالها ... ونذكر بالخصوص التناقضات بين العالم الثالث والتي أدى انفجارها إلى عدد من الحروب الطاحنة (الحروب بين الهند وباكستان من إيران والعراق الخ...) كما نذكر التناقضات بين البلدان الاشتراكية التي لا يمكن تجاهلها خصوصا بعد مناوشات الحربية التي عرفتها الحدود الصينية- السوفيتية عام 1979 والحرب بين فيتنام وكمبوديا 78-79 وأخيرا الحرب الصينية الفيتنامية في 1926 للبرولتاريا، لا يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى الطبيعة المتناقضة للأنظمة في البلدان الاشتراكية التي تتمازج فيها العلاقات البرولتارية هي أساس الممارسات الأممية البرولتارية على الصعيد الدولي، والعلاقات البرجوازية وهي أساس الممارسات الشوفينية التي نجدها عند هذا البلد الاشتراكي لذلك.
هذه آراؤنا حول التناقضات على الصعيد العالمي، نحن نعتقد أن هذا المنظور الذي يستند إلى الواقع الكفيل بخدمة الأهداف التحررية الوطنية الديمقراطية لشعوب ما يسمى بالعالم الثالث، وهو الذي ينسجم مع كفاح أمتنا العربية ضد جبروت ثالوث الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية ومن أجل التحرر الوطني والديمقراطية الشعبية والوحدة الاشتراكية.
4- الصناعة : مصدر الاضطهاد والاستلاب أم قاعدة مادية ضرورية لتحرر الإنسان ؟
1) يعتبر أ.ح أن تطور الصناعة هو مصدر الاضطهاد والاستلاب الذي وصل إليه الإنسان في المجتمع المعاصر سواء في البلدان الرأسمالية أم الاشتراكية ويرجع ذلك إلى كون الصناعة، التي ولدت في حضن الرأسمالية ستظل دائما في خدمة البرجوازية وستظل دائما مطبوعة بهذه الولادة مما يجعل العمال عاجزين عن تملك وسائل الإنتاج المرتبطة الصناعة. فحسب أ.ح أن "التجربة بينت بم فيه الكفاية أنه من غير المعقول ترقب تملك العمال لوسائل الإنتاج مادامت وسائل الإنتاج هذه ذاتها غير قابلة لذلك التملك". ثم يضيف "لا مناص اليوم في التصويب إلى جدر الداء ألا وهو تقديس الصناعة. فمن هذا التقديس ماتت الماركسية كمشروع ثورة. لقد باب واضحا أنه لا يمكن مصارعة البرجوازية في ميدانها الذي هو مزدرعها ورحمها" وينتهي قائلا: "المقصود إذن بمعنى من المعاني هو إعطاء الحق وإن متأخرا العمال الأوائل : نعم لقد كان رد فعلهم صحيحا، لقد كان يجب تكسر الآلات". وماذا بعد هذه الثورة ضد وسائل الإنتاج يوجد الحل عند المفكر الفان إلتش أحد منظري الثورة المضادة الصناعية. فهو يعتقد بأن المجتمع الصناعي هو أساس مآسي الإنسان وإن الاشتراكي بالمنظور الماركسي لا تقل اضطهادا عن الرأسمالية لأنها عوض التصدي لطبيعة وسائل الإنتاج الصناعية فهي تتصدى لمسألأة لا أهمية لها هي التملك الرأسمالي لوسائل الإنتاج. فبالنسبة لالتش أن الثورة المطروحة في عصرنا، نهاية القرن العشرين ليست هي الثورة الاشتراكية ولكن ثورة أهم منها، ثورة تقضي بالخلي عن تطوير قوى الإنتاج، بالاكتفاء وسائل الإنتاج المتواضعة و"المضافية" باكتشاف ؟ الزهد وملذة الفقر الطوعي كشرط للتحرر. في هذه الثورة كما يراها التش لا دور للطبقة العاملة التي تلعب دورا رجعيا بسبب ارتباطها بقوى الإنتاج الصناعية ونزوعها نحو تطوير الإنتاج الصناعي، بينما الدور الطبيعي يرجع لنخب جديدة ليست مكونة على ليس طبقية لكن مناهضة للبروقراطية ولاستقرار مؤسسات الثورة. أن هذه الاديولوجية "المضيافية" أن جاز التعبير، اديولوجية رجعية تهدف إلى ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد : فهي تسعى من جهة أولى إلى وضع الاشتراكية والرأسمالية في سلة واحدة على اعتبار أن لهما نفس القاعدة التكنولوجية هي الصناعة العصرية وتسعى من جهة ثانية إلى تحويل الأنظار في البلدان الرأسمالية عن مصدر الداء الأصلي والجوهري وهو علاقات الإنتاج الرأسمالية والسيطرة البرجوازية على المجتمع (مما يستوجب القيام بثورة اجتماعية للقضاء على السيطرة البرجوازية والمجتمع الرأسمالي وإقامة المجتمع الاشتراكي) وتوجيهها إلى مسألة فرعية هو الاستلاب الناجم عن الصناعة الرأسمالية، وتسعى أخيرا إلى تبرير الأزمة الرأسمالية الراهنة والقبول بالركود الطويل الأمد ("النمو الصفر") الذي يطرحه البعض كآفاق اللازمة، إذا أصبح للقلق أمام الركود الاقتصادي مهما طال أمده. أليس كذلك؟
2) "جذر الداء" : الصناعة الرأسمالية؟
عندما قام ماركس بتحليل المجتمع الرأسمالي خصص جزءا هاما من مجهوداته للصناعة الرأسمالية. وقد سجل بوضوح المآسي التي تؤدي إليها : الدفع بالعديد من الفعال نحو البطالة كما جيء بآلات جديدة متطورة بالنسبة لأدوات الإنتاج القديمة، فرض تقسيم تقني للعمل يؤدي إلى محو شخصية العامل، استبعاد العامل من طرف الآلة التي يصبح عمليا جزءا منها تكثيف العمل بشكل فظيع، إدخال نظام 24 ساعة في اليوم مع ما يفرضه من نظام للتناوب وتغيير أوقات العمل الخ... إلا أن ماركس باعتباره على تناقضات الواقع كان يرى أن تطور الصناعة يؤدي إلى تنامي الطبقة الجديدة المرتبطة بالصناعة الرأسمالية، الطبقة العاملة، التي تتوفر على المؤهلات الموضوعية للقضاء على المجتمع الرأسمالي وتحرير الإنسان بشكل نهائي من الاستغلال. رغم أن ماركس (وكذا أنكز) كشف بدقة عما تسببه الصناعة ونظام العمل المرتبط بها من قهر واستيلاب فإنه أدرك منذ البداية أن سبب شقاء العمال ليس هو الصناعة وإنما علاقات الإنتاج الرأسمالية المرتبطة وكذا الطبقة الرأسمالية التي تكدس الأرباح على ظهورهم، وقد انتقد بشدة ردود فعل العمال الذين كانوا انطلاقا من معرفتهم البدائية والسطحية للرأسمالية آنذاك يلجئون إلى تكسير الآلات ظنا منهم أنها مصدر شقائهم. وقد أدرك العمال الطليعيون في النضال والواعون بمصلحة طبقتهم أن "جدر الداء" هو الرأسمالية المرتكزة على تملك الرأسماليين لوسائل الإنتاج وافتقاد العمال لها مما يضطرهم إلى بيع قوة عملهم مقابل أجر يشكل مصدر عيشهم. كما أدركت الطلائع العمالية أن الحل الجذري لمعاناتهم يكمن في القضاء على المجتمع الرأسمالي وذلك أولا وقبل كل شيء بإقامة سلطة البرولتاريا على أنقاض السلطة البرجوازية بإخلال علاقات اجتماعية اقتصادية واديوليوجية جديدة مكان العلاقات القديمة. أما استبعاد العامل من طرف الآلة فهذا ما يتم التخلص منه تدريجيا بعد إقامة سلطة البرولتاريا فقط وليس قبلها، أي في إطار المجتمع الاشتراكي. بعبارات أخرى إذا كان أحمد احرزني يعتبر أن التناقض الأساسي في المجتمع الرأسمالي هو التناقض بين المنتخبين ووسائل الإنتاج الصناعي وأن حل هذا التناقض يقتضي عمليا الرجوع إلى المجتمع ما قبل الصناعي واستبدال وسائل الإنتاج الصناعية بوسائل الإنتاج "المضيافية" فإن الماركسية تعتبر أن التناقض الأساسي هو التناقض بين الطبيعة الاجتماعية لقوى الإنتاج (العمال ووسائل الإنتاج وأساليب الإنتاج) والتملك الرأٍسمالي لوسائل الإنتاج وهذا التناقض يجد تعبيره على المستوى الطبقي في التناقض يجد تعبيره على المستوى الطبقي في التناقض بين البرجوازية والبرولتاريا.
3) تثوير قوى الإنتاج ملكة أساسية للاشتراكية
أن مهمة الاشتراكية ليست فقط إقامة السلطة السياسية للبرولتاريا وعلاقات اجتماعية اقتصادية واديولوجية جديدة وتنمية قوى الإنتاج الموصول إلى مجتمع الوفرة الضروري ؟؟ إلى المجتمع اللاطبقي ولكن كذلك تثوير قوى الإنتاج هذا ما يتطلب العمل على ثلاث واجهات أولا تثوير الإنسان المنتج مما يتطلب تجاوز رواسب الإيديولوجية والمسلكيات البرجوازية وتعميق الإيديولوجية والمسلكيات البرولتارية ويتطلب التثقيف. العلمي الرفيع المستوى لجميع المنتخبين والتجاوز التدريجي لقسمة العمل بين العمل الذهني واليدوي والعمل القيادي والتنفيذي. ثانيا، التخلص من قسمة العمل التقنية الموروثة عن التنظيم الصناعي الرأسمالي والتي تعوق تطور طاقات المنتخبين وتشوه انسانيتهم – أن تجاوز قسمة العمل هاته لن يتم بسهولة ويتطلب تغييرا جذريا ليس فقط للمنتخبين لكن كذلك لوسائل الإنتاج أن التخلص من قسمة لعمل التقنية هاته يتطلب وقتا طويلا للتمكن من تجاوزها تدريجيا وإحلال نظام جديد للعمل يسمح بتطوير كل الطاقات الفكرية والمادية للإنسان. في مؤلفة الشهير "اليسراوية، المرض الطفولي للشيوعية" طرح لينين هذه المسألة معتبرا أن القضاء على قسمة العمل في الوحدة الإنتاجية لن يتم تلقائيا وأن منظمات الطبقة العاملة ستلعب دورا حاسما في هذا المجال.
"بواسطة النقابات الصناعية هاته سيتم تربية مستقبلا على قسمة العمل بين الناس سيتم تربية وتثقيف وتكوين أناس شموليين من حيث تطويرهم ومؤهلاتهم قادرين على كل شيء ‘إلى هناك تذهب ويجب أن تذهب وستصل الشوعية لكن بعد سنوات طويلة أما الجانب الثالث من تثوير قوي الإنتاج فيتعلق بتثوير وسائل الإنتاج لتصبح المنتج من العمل المتعب المكرر والروتيني لتكون منسجمة مع البيئة الطبيعية وتحافظ على التوازن البيئوي لتسمح بتقليص الفوارق بين البادية والمدينة لتكون مندمجة في محيط اجتماعي تتكامل فيه مختلف أوجه الحياة الاجتماعية الاستهلاك الثقافة السكن الترفيه الرياضة الدراسة الخ...
هكذا تتوفر لدينا العناصر للجواب على السؤال المطروح في بداية الفقرة هل الصناعة مصدر الاضطهاد والاستلاب أم قاعدة مادية ضرورية لتحرر الإنسان ؟ أن الصناعة الرأسمالية هي فعلا مصدر للاستغلال والاستلاب والقهر، أما في ظل الاشتراكية فهي تتحول إلى قاعدة موضوعية لتحرر الإنسان وهذا التحول يتم تدريجيا بالموازاة مع التثوير الضروري لعلاقات الإنتاج ولقوى الإنتاج في شموليتها. نعم أن الاستلاب الناجم عن الصناعة الرأسمالية هو استلاب فعلي لكنه نتيجة فرعية للاستغلال والاضطهاد والاستلاب الناجمين عن الرأسمالية كعلاقات اجتماعية لهذا فإن القضاء على الرأسمالية بدءا بالتخلص من السيطرة السياسية للبرجوازية هو الشرط الضروري للتخلص من الاستلاب الصناعي، هذا المنظر للربط بين علاقات الإنتاج في المجتمع الاشتراكي يجعلنا على طرقي نقيض مع أ.ح ومع التش ولكنه في نفس الوقت يتعارض مع المنظور الذي ساد في الاتحاد السوفيتي خلال عهد ستالين والذي ما يزال الأسف حاضرا بقوة في جل البلدان الاشتراكية. يعتقد هذا المنظور الميكانيكي أن الثورة الاشتراكية قد حلت المشكل الأساسي لعلاقات الإنتاج بإحلالها نظام الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج محل الملكية الرأسمالية لوسائل الإنتاج هو العمل الدؤوب على تثوير علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج لخلق الشروط المادية للمجتمع اللاطبقي بالموازاة مع التثوير الإيديولوجي والملكي لخلق الشروط الإيديولوجية لهذا المجتمع.
4) والآن يمكن الجواب على طرح أ.ح القائل باستحالة "تملك العمال لوسائل الإنتاج" الصناعية بسبب نشأتها في أحشاء المجتمع الرأسمالي، أن تملك وسائل الإنتاج كمعظم العلاقات الاجتماعية التي يجب أرساؤها في المجتمع الاشتراكي ليس مسألة هيئة تتم بين عشية وضحاها، بل أنه مسلسل طويل يبتدئ بالإقرار القانوني لملكية وسائل الإنتاج وينتهي بالسيطرة التامة للمنتج الجماعي على وسائل الإنتاج ومجمل شروط الإنتاج، أن مسلسل التحكم في وسائل الإنتاج معقد ويتضمن عدة جوانب منها قدرة المنتج الجماعي على التحكم وهذه القدرة تتطور من جهتها مع التثوير المستمر للمنتج الجماعي ثانيا طبيعة وسائل الإنتاج ومدى انسجامها في وقت معين مع قدرات المنتج الجماعي ثالثا نوعية الروابط بين المنتج ووسائل الإنتاج، بعبارة أخرى أن مسلسل التملك لوسائل الإنتاج يتقدم كلما تقدم تثوير علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج والإنسان المنتج.
5- الدور التاريخي للبرولتاريا
1) في انسجام تام مع موقفه من الصناعة يعتبرها مصدر مصائب عصرنا يتخذ أ.ح موقفا عدائيا من البرولتاريا التي لا يعترف لها بأي دور تاريخي ويذهب إلى طرح "ولادة البرولتاريا" واعتبار قيام البرولتاريا كطبيعة...غير مسكن". "أجل يصف أحمد احرزني أن البرولتاريا لم تقم ولا تستطيع أن تقوم فكلما تقدمت الصناعة، كما امتدت تجزئة العامل الجماعي بين جمهور متزايد من غير المختصين وأقلية أقرب إلى فئة التقنيين والمهندسين وغيرهم من "الأخصائيين" المحظوظة، وكقاعدة تكاد تكون عامة فغن هذه الأقلية هي التي تنتهي بشكل شبه طبيعي إلى تأمين تمثيل "المجتمع لنفسها، والحال أنها وبشكل طبيعي اشتراك – دمقراطية، بالمعنى المتعارف عليه اليوم ومما يزيدها صلافة أن أجورها لا تفتا تتصاعد بفضل حصولها على قسم من أرباح الاستعمار.
واليوم فجموع "الطبقة العاملة" في المراكز الاستعمارية قد بات اشتراك – دمقراطية". ويضيف أ.ح بشأن الطبقة العاملة في البلدان الاشتراكية : "ربما سفرت "القواعد المادية للاشتراكية" المزعومة عن اشتراك دمقراطية أكثر تسفية.
2) لتتفحص هذه الطروحات ولنبدأ بمسألة وجود البرولتاريا. فهل "قيام البرولتاريا كطبقة ... غير مكن" كما يقول أحمد احرزني؟ وهل مفهوم ماركس للبرولتاريا مفهوم أسطورة كما طرح ذلك الفيلسوف الأمريكي ماركوز منذ 15 سنة في كتابة "الإنسان دو البعد الواحد؟
يعرف الماركسيون البرولتاريا كطبقة مكونة من المنتخبين المباشرين الذين يشتغلون في إطار نظام الإنتاج الرأسمالي (صناعة ضيعات فلاحية رأسمالية الخ...)الذين لا يملكون وسائل الإنتاج والذين يضطرون من أجل كسب معيشتهم إلى بيع قوة عملهم مقابل الأجر الذي لا يشكل سوى جزء من قيمة إنتاج عملهم بينما يستحوذ الرأسمالي على الجزء الآخر المسمى فائض القيمة.
أن البرولتاريا بهذا التحديد نشأت مع بروز الصناعة الرأسمالية وتطورت مع تطورها واكتساح الرأسمالية لمختلف مجالات الإنتاج والتبادل ولمختلف البلدان والقرات، فمن بضعة مئات الآلاف – أو بضعة ملايين على أكثر تقدير – من العمال متواجدين فقط في بعض بلدان أوروبا الغربية عند مطلع القرن الماضي انتقل هذا العدد حاليا إلى مئات الملايين من الفعال على امتداد العالم. ومنذ نشأتها طبقة تمكنت الطبقية المهنية أي النقابات، من تشكيل أحزابها السياسية الطليعية المعبرة عن مطامحها السياسية، من بلورة اديولوجيتها الطبقة الاشتراكية العلمية من القيام بنضالات سياسية ضخمة وبثورات كانت أهمها في القرن الماضي كمونة باريز وفي مطلع هذا القرن ثورة أكتوبر البرولتارية المظفرة وبعد ذلك تمكنت البرولتاريا مع حلفائها الكادحين من الوصول إلى السلطة في عدة بلدان والشروع في مسلسل النماء الاشتراكي بما يعرفه هذا المسلسل من تناقضات وفقرات جبارة إلى الإمام وأزمات ونكسات.
من خلال هذه اللمحة السريعة عن تطور الطبقة العاملة منذ أقل من قرنين يتضح أنها ليست فقط موجودة بل أنها الطبقة الصاعدة لعصرنا. هذا ما يمكن تأكيده على الصعيد السوسيولوجي المحض من خلال نمو الطبقة العاملة في البلدان الاشتراكية، من خلال نموها السريع في بلدان العالم الثالث ومن خلال الفترة المتسارعة في هذه البلدان للجماهير الفلاحية. أن التحولات التي عرفتها الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية المتطورة لا تنفي هذه الحقائق.
3) لتأكيد استحالة "قيام البرولتاريا كطبقة" يطرح أ.ح أن تقدم الصناعة يؤدي إلى احتداد "تجزئة العامل الجماعي بين جمهور متزايد من غير المختصين" وأقلية محظوظة "اشتراك دمقراطية وتدعى تمثيل مجمل الطبقة.
أن الطبقة العاملة في البلدان المتطورة تنقسم إلى عدة فئات : فهناك العمال الصناعيون والعمال الزراعيون هناك العمال المنتمون للبلد والعمال المهاجرون، هناك العمال النشيطون والعمال العاطلون كما تنقسم الطبقة العاملة على العموم إلى ثلاث شرائح العمال المهرة والعمال المتخصصون والعمال اليدويون الذين لا اختصاص لهم. كل هذه التمايزات موجودة لكنها تظل ثانوية أمام الوحدة الموضوعية الطبقة العاملة في علاقتها بالرأسمال وكذا مصبرها المشترك. أن دور التنظيمات الطليعية للطبقة العاملة يمكن على هذا الصعيد في تمتين الوحدة الذاتية للطبقة العاملة ومنع أعدائها وخصومها من الركوب على التمايزات في صفوفها لخدمة أغراضهم الطبقية.
هناك تمايز آخر داخل الطبقة العاملة يجب الانتباه إليه أكثر نظرا لنتائجه السياسية على مجموع الطبقة ويتعلق الأمر بما ينعته لينين بالارستقراطية العمالية، فهذه الشريحة تنتمي من حيث موقعها في الإنتاج إلى الطبقة العاملة وبالتحديد إلى شريحة العمال المهرة، لكن الوظائف التي تحتلها في المعمل وكذا الأجور المرتفعة التي تتقاضاها (المشكلة جزئيا من الأرباح المضاعفة الناجمة عن الاستغلال الامبريالي للشعوب المضطهدة) ونمط حياتها يقربها من البرجوازية الصغيرة ويجعل منها على العموم أداة للبرجوازية وسط الحركة العمالية. فمن صفوف الارستقراطية العمالية ينبع العددي من أطر البيروقراطية العمالية التي تكبل الطاقات النضالية لمعظم النقابات العمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة. من جهة أخرى أن تحالف الارستقراطية العمالية مع المثقفين الانتهازيين والبرجوازية الصغيرة عامة يشكل القاعدة الطبقية لما يسمى بالاشتراكية الديمقراطية (التي لعبت كحركة سياسية على العموم دورا سلبيا في الحركة العمالية منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى ) وللاتجاهات والنزاعات التحريفية داخل الأحزاب الشيوعية. أن وجود الارستقراطية العمالية كشريحة محظوظة نسبيا، تدفع نحو مهادنة الرأسمالية وإصلاحها تدريجيا لا يمكن أن يشكل مبررا لنفي إمكانية قيام البرولتاريا كطبقة بل أنه يستوجب فقط الحذر من نشاطها السلبي ومواجهتها ايدولوجيا وسياسيا وذلك لتعميق الطابع الثوري للأحزاب العمالية الطليعية ولتتمكن الطبقة العاملة من القيام بدورها التاريخي الكامن في القضاء على الرأسمالية وفتح طريق التحرر الشامل للإنسانية.
4) لا يكتفي أحمد احرزني بإبراز الطابع الاشتراكي – ديمقراطي "للاستقراطية العمالية وهذا ما نعتبره صحيحا لكنه يعتبر أن مجموع " الطبقة العاملة" في المراكز الاستعمارية قد بات إشراك- دمقراطية". أنه يلتقي هنا من جهة بأطروحة الفيلسوف مركز القائلة بانتهاء دور الطبقة العاملة وأن الدور الثوري في المجتمعات الرأسمالية المتطورة يرجع الآن للفئات الهامشية في المجتمع (أحمد احرزني لا يتحدث عن الفئات الهامشية وإنما عن "الحركات الاجتماعية الجديد") ومن جهة أخرى بأطروحات بعض المنظرين الأوربيين المهتمين بالعالم الثالث والذين يعتبرون أن التبادل الغير متكافئ بين البلدان الرأسمالية المركزية والبلدان التابعة يؤدي إلى استفادة مجموع الطبقة العاملة من الاستغلال الامبريالي وتحولها بالتالي إلى ارستقراطية عمالية بكاملها. في هذا المنظور لم تعد البرجوازية الامبريالية وحدها تستغل وتنهب شعوب البلدان التابعة بل تصبح البروليتاريا في المركز نفسها مستغلة مما يؤدي إلى رسم خريطة جديدة للتناقضات العالمية تطمس التناقضات بين المستغلين في البلدان التابعة وتطمس التناقضات بين البرولتاريا والبرجوازية في البلدان الامبريالية ويصبح التناقض البارز هو التناقض بين "الأمم المستغلة" و"الأمم البرولتارية"- أن هذا الطرح في نظرنا خاطئ" و"الأمم البرولتارية" – أن هذا الطرح في نظرنا خاطئ وخطير سياسيا خاطئ لأنه لا يقوم على أسس موضوعية أن البرجوازية في البلدان الرأسمالية المتطورة هي المستفيدة من استغلال شعوب البلدان التابعة وكدا من استغلال الطبقة العاملة في مسقط رأسها وخلال عملية الاستغلال هذه أنها تتكرم بإعطاء بعض فئات الموائد لفئة قليلة من عمال بلادها، الارستقراطية العمالية. أن هذه الطرح خطير سياسيا لأنه يؤدي إلى عزل شعوب بلدان العامل الثالث عن حليفهم الطبيعي الأساسي في البلدان الرأسمالية المتطورة ألا وهو الطبقة العاملة.
أن طرح أحمد احرزني المتعلق بتحول الأنظمة في البلدان الاشتراكية إلى أنظمة "اشتراك – ديمقراطية" والذي عالجناه سابقا يؤدي هو الآخر إلى نفس النتيجة على المستوى السياسي أي إلى عزل شعوب بلدان العالم الثالث عن البلدان الاشتراكية التي تشكل مع الطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية الحلفاء المقربين لتلك الشعوب.
6- طبيعة "المقترحات من أجل البديل"
1) والآن سيمكننا أن نتعرف على مضمون وطبيعة البديل المقترح من طرف أحمد احرزني لنقاد بلدان العالم الثالث أ، أول ما يفاجئ قارئ مقال أحمد احرزني هو الإسهاب في نقد الاشتراكية العلمية وأسسها المادية (بروز وتطور الصناعة الرأسمالية) والطبقية (بروز وتطور البولتاريا) وفي نقد البلدان التي دخلت في تجارب البناء الاشتراكي بينما لم يخصص ولو جملة واحدة لتحليل الأوضاع في بلدان العالم الثالث. فكيف يمكن طرح بديل جدي بدون تحللي الوضع القائم وفهم تناقضاته ؟ أن الارتكاز على هذه التناقضات هو الذي يسمح بطرح البديل الملموس. أما النهج المعاكس فلن يؤدي سوى إلى الطوباوية التي تستند إلى المحلية لطرح الحلول بدل اكتشاف جذورها في الواقع المادي نفسه، أنه بذلك يشبه نهج الطبيب الذي يكتب وصفه للمريض بدون فحصه أو على الأصح نهج الفقيه الذي يكتب حجابا للمرض من دون أن يعرف سبب علته. أن غياب أي تحليل لواقع بلدان العالم الثالث والإسهاب في نقد الصناعة والبرولتاريا والماركسية والتجارب الاشتراكية يقود إلى التفكير بأن ما يهم أحمد احرزني ليس هو إيجاد بديل للأوضاع الراهنة في هذه البلدان بقدر ما يهمه إيجاد بديل للطريق الاشتراكي الذي تنجذب إليه شعوب هذه البلدان. البديل المطروح هو إذن بديل لمواجهة خطر الاشتراكية القادمة لا ريب فيها. فما هو المضمون الاقتصادي السياسي الاديولوجي والطبيعة الاجتماعية لهذا البديل؟
2) على الصعيد الاقتصادي يؤكد أحمد احرزني منذ البداية بأن "العالم الثالث على كل حال "مخسور" نهائيا بالنسبة للصناعة" ثم يضيف "أن أولى المستعجلات تتمثل في ضرورة توفير أدوات عمل ليس من شأنها أن تخلف البطالة ولكن من شأنها عكس ذلك أن تسمح بتشغيل الجميع. معناه أنها ستكون أدوات على قياس البشر" ربما ليس على قياس التجمعات البشرية القاعدية... قابلة للمراقبة من طرف هذه التجمعات ثم يعطينا أحمد احرزني نموذجين لهذه الأدوات التي يسميها "مضيافية" وهما من جهة عدد من الأدوات التي يسميها "مضيافية" وهما من جهة عدد من الأدوات العصرية المتقادمة ومن جهة ثانية الأدوات وتقنيات الإنتاج التقليدية.
هذا هو ما يمكن تسميته بالبرنامج الاقتصادي العام ثم يليه ما يمكن تسميته بالبرنامج الاقتصادية الاستعجالي الذي يمكن تطبيقه منذ الآن- قبل عرض هذا البرنامج الآخير لنتفحص البرنامج الاقتصادي الاستعجالي الذي يمكن تطبيقه منذ الآن – قبل عرض هذا البرنامج الأخير لنتفحص البرنامج الاقتصادي العام المقترح علينا لنسجل بعض الملاحظات:
أولا: أن البرنامج الاقتصادي المطروح لا يهتم سوى بطبيعة أدوات الإنتاج في المجتمع البديل، وهو لا يخصص جملة واحدة لعلاقات الإنتاج سواء في جانبها العملي كعلاقات اجتماعية أو في جانبها القانوني.
فهو لا يقول لنا شيئا عن ملكية وسائل الإنتاج، فهل ستكون في ملكية الدولة، في ملكية الجماعات المحلية أو في ملكية الأفراد ؟ كما أنه لا يقول لنا شيئا عن مآل علاقات الاستغلال، فهل سيظل الاستغلال قائما أن سيتم القضاء عليه. طمس هذه القضايا الجوهرية ليس بريئا في نظرنا ولنا عودة للموضوع.
ثانيا : يطرح أحمد احرزني بأن العالم الثالث "مخسور" نهائيا بالنسبة للصناعة لكنه لا يأتي بأية حجة على ذلك هذا الطرح باطلاقيته ليس صحيحا. فمن جهة أن العديد من البلدان التابعة أي التي تعرف شكلا من أشكال السيطرة الاستعمارية الجديدة عرفت تصنيعا هاما لكن المشكل هو أنه تصنيع تبعي لا يساهم في تحرير البلاد وحل مشكل الجماهير بقدرة ما يعمق التبعية ويكشف الاستغلال من جهة ثانية هناك بلدان أخرى وهي قليلة اختارت طريق التحرر الوطني وشرعت في إقامة صناعة مستقلة موجهة أساسا لسد حاجيات الجماهير.
ثالثا: يعطي أحمد احرزني قوة سحرية للآلة: هناك آلات تخلق البطالة وأخرى تخلق فرص الشغل، هناك آلات تسمح بمراقبتها والتحكم فيها وتمليكها وأخرى لا تسمح بذلك إن هذه النظرة الميكانيكية تعطي الأهمية القصوى للآلة بينما تحقر قدرات المنتجبين ودور الوعي والتنظيم الاجتماعي وعلاقات الإنتاج في مجال سيطرة الإنسان على شروط الإنتاج ووسائل الإنتاج، لنأخذ مثال جرار الحراثة فهل هذه آلة تخلق البطالة أم تخلق فرص الشغل؟ في المجرد لا يمكن الجواب على هذا السؤال، والجواب يقتضى معرفة الظروف الاجتماعية التي تجرى فيها عملية استعمال الجرار. فإذا كان الجرار مستوردا من الخارج ثم جيئ به إلى ضيعة تفلح بواسطة المحارث الخشبية المستعملة من طرف الفلاحين فإنه سيكون السبب في حرمان العددي منهم من الشغل هذا حصل في بلادنا في نهاية الخمسينات عندما تفتق المنظور الإصلاحي التقنوقراطي عما يسمى بعملية الحرث التي كانت تهدف بشكل فوقي إلى استبدال المحراث الخشبي بالجرار. أما إذا كان إدخال الجرار للضيعة الفلاحية يتم في إطار اجتماعي جديد وفي إطار منظور شمولي للتحرر الوطني والاجتماعي فآنذاك يمكن أن يشكل إدخال الجرار للضيعة أداة لتحرر. فالجرار الذي يتم صناعته وصناعة مختلف مكونات في البلاد والذي يتم إدخاله لضيعة فلاحية بعد الإصلاح الزراعي وبعد تشكيل تعاونية فلاح للإنتاج الجماعي هذا الجرار يخفف من أعباء الفلاحين ويطور إنتاجهم ويساهم في تطوير الصناعة وخلق فرص جديدة للعمل ؟؟ دائما مع جرار الحراثة فهل هذه آلة قابلة للمراقبة والتحكم أم لا؟ بالمجرد لا يمكن الجواب على السؤال فالجواب رهين بالمنتخبين ليست لهم أية معرفة بالتقنيات الحديثة وبالعقلية المرتبطة بها فسيفشلون في مراقبته والتحكم فيه مضطرين في كل لحظة إلى طلب النجدة من الاختصاصيين وإلى باهظة وربما سيفضلون الرجوع إلى محارثهم، أما إذا وضع بين أيدي فلاحين أو عمال زراعيين لهم خبرة بالتقنيات الحديثة أو سبق لهم أن تعلموا في مدارس التكوين المهني أو عمل بعضهم في مصانع لإنتاج ولإصلاح الآلات الميكانيكية فإن عملية المراقبة والتحكم في الجرار ستصبح ممكنة وبسيطة.
رابعا: أن بديل يمكن في اختيار أدوات على "قياس البشر رأينا أن مثل هذا المفهوم ليس له معنى فليس هناك آلة على قياس البشر بطبيعتها بل أن ستكون على قياسهم أن لا حسب هؤلاء البشر نفسهم كأفراد وكتنظيم اجتماعي وحسب قدراتهم على التطور التكيف والذي يهمنا الآن هي النماذج التي اقترحها أحمد احرزني الأدوات العصرية المتقادمة والأدوات التقليدية بعبارة أخرى أن القاعدة التكنووجية للمجتمع البديل تتكون من كل ما أكل الدهر عليه وشرب في مجال أدوات الإنتاج علينا في ميدان الفلاحة مثلا أن ترجع أو على الأصح أن نتشبت بالمحراث الخشي والزوجة والمجل والري التقليدي، في ميدان الطاقة وجب الرجوع إلى النباتات اليابسة الخشب والعجم الخشبي، في ميدان صناعة النسيج إلى الحياكة القديمة في ميدان استخراج الزيوت إلى المعاصر القديمة في ميدان صناعة الدقيق إلى المطاحن البدوية في ميدان النقل إلى قوافل الجمال . أما إذا اضطر الشعب لخوض الحروب من أجل الدفاع عن نفسه فيمكنه الاكتفاء بالسيوف والبنادق القديمة لمواجهة الطائرات النفاثة والمدرعات الفتاكة والقابل النووية. طرحنا هذه الأمثلة حول استعمال الأدوات التقليدية لأننا نفهم ماذا يعني أحمد احرزني بهذا المصطلح ولأن مجتمعنا ما يزال عارقا في استعمال مثل هذه الأدوات وفي العقلية المصاحبة لاستعمالها لكننا لا نفهم جيدا تصوره بشأن استعمال لأدوات العصرية المتقادمة، فهل ستتخصص بلدان العالم الثالث في صناعة وسائل الإنتاج المتقادمة التي أدى التطور التكنولوجي في البلدان الصناعية إلى تجاوزها أم سنعمل على استبراد مثل هذه الأدوات المتقادمة كلما تم التخلي عنها في بلدان أخرى ؟ إلا يدعونا أحمد احرزني هنا إلى إقامة صناعة تابعة ومتخلفة باسم مناهضة الصناعة الكبر ى الحديثة؟ مهما يكن من أمر فإن التطور الاقتصادي للبلاد واشباع حاجيات الشعب المادية والثقافية بتنفيذ مثل هذا البرنامج الاقتصادي لن يقود سوى إلى المزيد من التخلف والانحطاط واستمرار التبعية التكنولوجية والاقتصادية. ونسجل هنا تفاديا لأي لبس أن العيب لا يمكن في استعمال الأدوات التقليدية والأدوات العصرية المتقادمة، لكن العيب يكمن في اختيارها كأساس تكنولوجي للاقتصاد البديل، فنحن من جهتنا نرى كذلك الضرورة القصوى لاستعمال مثل هذه الأدوات طيلة مرحلة معينة لكن كجانب فقط من القاعدة التكنولوجية للتصنيع بينما يظل الأساس الذي تهدف إلى تطويره باستمرار هو أدوات الإنتاج المتطورة المرتكزة إلى أحدث الاكتشافات العلمية، التي يتم صناعتها في البلاد بالاعتماد على قوانا الخاصة وعلى الطاقات الشعبية وعلى أسس تكنلوجية وطنية، ون؟ظ هنا إلى أن تجربتي الصين والفتنام في ميدان التصنع قد أولتا أهمية كبرى لوسائل الإنتاج التقليدية ولوسائل الإنتاج الصناعية المتواضعة باعتبارهما جزءا هاما من القاعدة التكنولوجية للبناء الاقتصادي الوطني المستقبل.
هذه بعض الملاحظات على البرنامج الاقتصادي العام ونتطرق الآن للبرنامج الاقتصادي الاستعجالي يقول أحمد احرزني "ثمة تغيرات اجتماعية أخرى يمكن مباشرتها بدون تأخير أي بدون أن يكون "شرط" السلطة السياسية قد تحقق قبلا ولا بالأحرى شرط تعميم أدوات جزئيا وعلى نطاق محلي ... تأسيس أوراش لفائدة ومع العاطلين... أتاحه الفرصة (للمهارات الجماعية للفلاحين) للتدليل على فعاليتها. التعاونيات العمالية تنشد من يشجعها، ناهيك عن مجرد تعاونيات المستلهمين الفقراء... تخيل وتجريب مدرسة أخرى معايرة...
هذا هو البرنامج الاستعجالي المتكامل الذي يطرحه أ.ح ونحن نعتقد أن مثل هذا البرنامج لن يحل أي مشكل من مشاكل الجماهير أما لكون بعض بنوده تطبق مند زمان وبدون نتيجة في بلدان العالم الثالث أو لأنه مجرد ضباب طوباوي لا يقدم ولا يؤخر، لترى الأمور عن كتب بالاستناد إلى حالة بلادنا بطرح أ.ح مقترح "البدء بنشر الأدوات المضيافية جزئيا وعلى نطاق محلي "أليست تلك الأدوات منتشرة أكثر من اللازم على الصعيد الوطني نفسه ؟ أن أغلبية الفلاحين ما تزال تستعمل المحراث الخشبي والزوجة للحرث والمنجل للحصاد والدواب لدرس الغلة أو لنقل منتجاتهم : والصناعة التقليدية بمختلف فروعها تشغل مئات الآلاف من الصناع والعمال والأطفال والفتيات الصغار، والنساء في البيوت (وهي في أغلبيتها الساحقة بيوت "مضيافية" مبنية بالتراب أو بالقزدير) لا تستعمل على العموم سوى الأدوات "المضيافية" الخالصة من قدور طينية ومجاهر وأدوات التصبين والعجين المعروفة وغيرها من الأدوات العتيقة. إلا يرى أحمد احرزني مجتمعا بكامله هو في اتجاهه العام قائم على "المضيافية"؟ يكفي التذكير هنا بأن مائتي ألف عامل على أكثر تقدير أي ما يقل عن خمسة في المائة من السكان المشتغلين هم الذين يرتبطون في بلادنا بالصناعة الكبيرة العصرية التي يمكن أن يسميها أحمد احرزني بغير "المضيافية".
يطرح أحمد احرزني كذلك "تأسيس أوراش لفائدة العاطلين". أن هذا المقترح يوجد رهن التطبيق في شكل ما يسمى بأوراش الإنعاش الوطني منذ ما يزيد على العشرين سنة. وهذا التبطيق لم يسمح بتاتا بحل مشكل البطالة التي يعرف الجميع اليوم منها استفحالها صحيح أن أحمد احرزني أضاف فكرة تأسيس الأوراش ليس فقط لفائدة العاطلين ولكن "العاطلين" وهذه الإضافة الحميدة من شأنها فقط تضيف الضباب الطوباوي على الواقع المأساوي ما يتأكد أكثر في المقترحات الآخرى مثل ؟؟ الفرصة (للمهارات الجماعية للفلاحين) للتدليل على فعاليتها" مثل "تشجيع التعاونيات العمالية و"تعاونيات المستهلكين الفقراء" ومثل تخيل وتجريب مدرسة أخرى مغايرة. والآن يمكننا أن نت؟؟ هذه الصرخة " أننا لا نفهم لماذا ظلت في بلدنا هذه الميادين المختلفة متجاهلة إلى حد الآن ؟ لكن الجواب بسيط في الواقع، أنه يتخلص في الانشداد إلى السلطة".
خلاصة القول أن البرنامج الاقتصادي المطروح علينا من طرف أ.ج سواء في شطره الأول أي البرنامج العام أو في شطره الثاني المتعلق بالمقترحات الاستعجالية هو برنامج لا يتعدى في جوهره ؟؟ للواقع القائم مع تغليفه في طوباوية متخلفة ومحافظة هذا ما ينسجم تماما مع الطمس التام للمسألة الجوهرية المتعلقة بعلاقات الإنتاج في المجتمع البديل ينسجم كذلك مع المضمون السياسي للمجتمع البديل.
3- على المستوى السياسي أن أحمد احرزني في مقال مقترحات من أجل البديل " لا يقول لنا شيئا يذكر عن السلطة السياسية الجديدة في المجتمع البديل – كل ما نجده في هذا المجال هو ما طرحه حول إمكانية إنجاز برنامجه الاستعجالي "بدون تأخير أي بدون أن يكون "شرط" السلطة السياسية قد تحقق قبلا" هذه هي الجملة الوحيدة داخل النص التي توحي بشكل خجول بإمكانية أحداث تغيير في السلطة السياسية من أجل إقامة المجتمع "المضيافي". فلولاها لاعتقدنا أن أحمد احرزني يعتزم إقامة المجتمع البديل في ظل العلاقات السياسية السائدة. وهذا الاعتقاد تعززه أربعة معطيات أولها أن أحمد احرزني لا يطرح تغيير السلطة وإنما (تحقيق شرط" السلطة السياسية" ومع وضع كلمة شرط بين مزدوجتين مما يزيد الأمور غموضا، ثانيا أنه يريد الشروع في تطبيق جزء أساسي من برنامجه الاقتصادي وهو البرنامج الاستعجالي في أطر السلطة السياسية القائمة ثالثها أنه ينتقد بشكل غير مباشر نزعة الانشداد نحو السلطة "التي تحول في نظره دون الشروع في إنجاز البرنامج الاقتصادي "بدون تأخر" ورابعها يوجد في مقال أخر لـ أحمد احرزني (أنظر المقال بعنوان "من أجل ميثاق وطني" – صحيفة البلاغ- 19 فبراير 1983 – في المقال يطرح حرزني ضمن شروط المجتمع الجديد ضرورة تيسير إجماع صريح حول "نظام الحكم" وهو يرى من أجل ذلك "الدعوة إلى وضع ميثاق وطني" يسطر اختياراتنا الجوهرية في كافة الميادين (السياسي والاقتصادي والثقافي) تشترك في وضعه جميع الفعاليات الموجودة في البلاد بعبارة أخرى يجب أن تتعاون جميع الطبقات الاجتماعية المستغلة والمستغلة المضطهدة والمضطهدة لبناء المجتمع "المضيافي" الذي يخدم مصالح الجميع. هنا تنكشف مرة أخرى منهجية أحمد احرزني في بناء المجتمع البديل : المحافظة على الواقع في جوهرة مع تغليفه في ضباب طوباوي. هذا ما فعله بالنسبة للبرنامج الاقتصادي هذا ما وصل إليه في الميدان السياسي.
4) نشير الآن بسرعة إلى القوى الاجتماعية الداخلية التي ستشكل القاعدة الاجتماعية لنجاح المشروع الطوباوي "المضيافي" والي حلفائه في الخارج أن هذه القوى الاجتماعية الداخلة تتكون من الجماهير المبلترة في المدن والبوادي الفلاحين، الشباب النساء العمال" بينما يؤكد أحمد احرزني بقوة أنه لم تعد هناك طبقة منقذة مما يترتب عنه أنه لن تكون هنالك طليعة تزعم تمثيلها " (المقصود هنا هي الطبقة العاملة والحزب البرولتاري) فإنه يعطي المثقفين دورة ضخما : أن أنبل دور يمكن لبعض المثقفين الثوريين أن يطمحوا إليه هو المساعدة في إبراز حركات جماهيرية مستقلة وديمقراطية للوجود في تيسير التواصل فيما بينها". هكذا فالدور الطليعي الذي نزعه أحمد احرزني بيده اليمنى عن الطبقة العاملة يعطيه بيده اليسرى للمثقفين "الثوريين".
على الصعيد الخارجي أن حلفاء المشروع الطوباوي "المضيافي" هم في الغرب الامبريالي "البيئويون والإقليميون والنساء" وغيرهم من مكونات "الحركات الاجتماعية الجديدة، وهم في البلدان الاشتراكية المنشغلون الرجعيون من أمثال سنجنتسين الذين وضعوا نفسهم في خدمة مصالح الرأسمالية العالمية. يالها من آفاق زاهرة تنتظرنا في المجتمع الطوباوي "المضيافي" آفاق زاهرة تنتظرنا كذلك على مستوى الشمروع الاديولوجي لهذا المجتمع!
5) على المستوى الاديولوجي كان لزاما على مشروع أحمد احرزني أن يكون منسجما مع برنامجه الاقتصادي وتصوراته السياسية وهو كذلك بالفعل. لم يكتف أحمد .ح بالإعلان عن موت الماركسية بل انتقل بعد ذلك إلى نقد عقلانية ديكارت في مجال التعامل مع الطبيعة معتبرا " أن تعاليم ... "الهنود الحمر" مثلا أثمن بالنسبة لنا من خطابات أبناء ديكارت سواء أكانوا من اليمين أو من اليسار" كما طرح على المثقفين منهجا ريبيا يدير الظهر للتصورات الشمولية. فعليهم من الآن فصاعدا أن يتعودوا على النقاش مع الارتياب وأن يكتفوا ... بحقائق متفرقة ومتفاوتة القدرة على الصعود للزمان". بعد هذه المناوشات يمر حرزني لطرح بديلة الإديولوجي المتكامل وليعلن "موقفه الإيجابي بكل وضوح من الأديان. ويعلل حرزني موقفه هذا أولا يكون الدين في نظره يسمح دون غيره من الاديولوجيات "باطلاق البعد الأخلاقي للكفاح من أجل التغيير) أي من أجل إقامة المجتمع المضيافي ثانيا لأن الأديان تتمسل "بالسداجة" التي تجعلها تعلن ا، كل البشر أخوة ثالثا "لأنها تتموقع اليوم في خط النضال الأمامي ضد الامبرياليات أي ضد البلدان الاشتراكية والبلدان الرأسمالية رابعا لأن الأديان أصبحت "طرفا فاعلا في البديل الآخر في التشكل على الصعيد العالمي "أي أن الأديان تشكل عمليا إديولوجية المجتمع "المضيافي" الذي سيقوم على أنقاض الرأسمالية والاشتراكية في المستقبل. كل هذا واشح ولا يحتاج إلى تعليق.
6) والآن اكتملت صورة البديل الذي طرحه أحمد احرزني بالنسبة للعالم الثالث وربما للعالم ككل. رأينا أن هذا البديل ليس بديلا للأوضاع القائمة في العالم الثالث التي لم يتم االتطرق لها بتابتا وإنما بديلا للاشتراكية التي تطمح لها شعوب بلداننا للتحرر الشامل من القهر القومي والاجتماعي. أما عن جوهر هذا البديل المزعوم فإنه سواء على الصعيد الاقتصادي او السياسي أو الاديولوجي، لا يختلف عن الواقع الحالي موضوعا في حلة مضيافية. أن البديل المزعوم ليس سوى طوباوية محافظة الغرض منها مناهضة الاشتراكية كفكر علمي وكنظام اجتماعي.
فما هو إذن البديل الحقيقي بالنسبة للعالم الثالث؟
7- الطرق الاشتراكي البديل بالنسبة للعالم الثالث
1) أن مفهوم العالم الثالث ليس مفهوما علميا وهو يتخذ مضامين مختلفة من اتجاه سياسي لآخر هناك من يعتبر أن العالم الثالث يشمل مجموع البلدان الغير متطورة صناعيا مما يؤدي إلى حشر بعض البلدان الاشتراكية مثل كوبا وبلدان الهند الصينية والصين الشعبية وكوريا الشمالية ضمن هذه البلدان. ومن جهتنا أننا نقصد بالعالم الثالث في هذا النص مجموع البلدان التي لا تنتمي لمجموعة البلدان الرأسمالية المتطورة (أوربا الغربية الولايات المتحدة، كندا اليابان، استراليا، وزيلاندا الجديدة) ولمجموعة البلدان الاشتراكية التي تحدثنا عنها سابقا.
إن العالم الثالث يشمل الأغلبية الساحقة من بلدان العالم وهو بالطبع ليس منسجما سواء على صعيد النظام الاجتماعي الاقتصادي السائد أو على الصعيد السياسي. يمكن التمييز داخل بلدان العالم الثالث بين مجموعتين رئيسيتين المجموعة الأولى تضم الأغلبية الكبرى لبلدان العالم الثالث وهي البلدان التابعة ذات الأنظمة الكمبرادورية والتي سنتعرض لها بتفصيل لاحقا. أما المجموعة الثانية فتتكون من البلدان ذات الأنظمة الوطنية التي تحاول الإفلات من قبضة الامبريالية على المستويات الاقتصادي والسياسي والثقافي. هذه المجموعة الثانية بدورها ليست منسجمة وتتكون من بلدان تسود فيها أنظمة تتراوح بين أنظمة برجوازية الدولة ذات الطابع الوطني والتي لا تخلو مع ذلك من بعض أشكال التبعية (مثل الجزائر وسوريا وليبيا في العالم العربي) إلى أنظمة وطنية ديمقراطية لها جذور شعبية أصيلة مثل اليمن الجنوبية والنكاراكوا ونشير هنا بسرعة إلى أن البلدان ذات الأنظمة الوطنية توجد في وضعية غير مستقرة. ذلك أن هذه الأنظمة محكوم عليها أما بالنكوص نحو هذا الشكل أو ذلك من الأنظمة الشعبية وأما بالتقدم نحو الاشتراكية مما يستوجب تدخل الطبقة العامل بقوة لتفرض الاختيار الاشتراكي البرولتاري.
2) أهم الخصائص العامة للبلدان التابعة :
- أن النظام الاقتصادي السائد في هذه البلدان هو نظام الرأسمالية التبعية الذي يجمع بين عاهات الاستغلال الرأسمالية المكثف ومصائب التبعية للاحتكارات العالمية والمؤسسات الاقتصادية والامبريالية والسوق الرأسمالية العالمية. فهذا النظام الاقتصادي القائم على أساس الاستغلال المكتف للعمال ولعموم الكادحين على أساس التفقير والبلترة والتشريد المتواصلين للفلاحين والحرفيين وتحويلهم إلى جيوش جراري من أشباه البرولتاريا والباطلين على أساس خدمة المصالح الاقتصادية الرأسمالي الامبريالي هذا النظام لا يمكن أن يحل مشاكل الجماهير والاستجابة لطموحها نحو العيش الكريم ولن يعود بلدان العالم الثالث التابعة سوى إلى الطريق السدود نظرا لازمته الهيكلية التي لا يقع معهد أي إصلاح أو توقيع. إذا كان نظام الرأسمالية التبعية هو المهيمن كنظام للإنتاج فإنه ما يزال يتعايش بأشكال متنوعة ودرجات متفاوتة من هذا البلد إلى ذالك – مع بقايا الأنظمة الاقتصادية ألما قبل رأسمالية التي استطاع أن يخضعها لصالحه. لكن مخلفات هذه الأنظمة الاقتصادية الماقبل رأسمالية ما تزال حاضرة بقوة على صعيد العلاقات الاجتماعية والبنيات الفوقية الاديولوجية والسياسية حيث ما يزال للعلاقات الإقطاعية والقبلية والعشائرية دورا هاما وأحيانا رئيسيا.
أن السيطرة الامبريالية على البلدان التابعة خاصة أساسية البلدان هذه السيطرة كانت تتخذ إلى حدود القرن الماضي في أمريكا اللاتينية وإلى حدود القرن الماضي في أمريكا اللاتينية وإلى حدود القرن الماضي في أمريكا اللاتينية وإلى حدود نهاية الحرب العالمية الثانية في إفريقيا وآسيا طابع السيطرة الاستعمارية المباشرة المتميزة بالاحتلال الاستعماري العسكري المباشر والإدارة الاستعمارية للبلاد ووجود مجموعات بشرية واسعة من المعمرين وبالنهب والاستغلال المباشر للبلاد وشعبها بعد النضالات التي خاضتها الشعوب، على العموم بقيادة البرجوازية الوطنية وبارتباط مع التحولات العالمية تمكنت البلدان التابعة التي نتحدث عنها من الإحراز على استقلالات شكلية تم على أثرها استبدال الاستعمار القديم بالاستمرار الجديد مع العلم أنه لحد الآن لم يتم بعد التخلص نهائيا من السيطرة الاستعمارية القديمة وأبرز أمثلة على ذلك حالة الاستعمار الصهيوني لفلسطين والاستعمار العنصري في نامبيا وتانزانيا (جنوب إفريقا).
تتخذ السيطرة الامبريالية حاليا أشكالا متعددة تختلف من بلد تبعي لآخر ومن امبريالية مسيطرة لأخرى.
أولا: هناك الوجود العسكري في شكل احتلال لبعض الجيوب والمناطق (لبنان، التشاد، جزر المالوين في الارجنتيين جزيرة ما يوط في القمور جزيرة كرينادا سبتة ومليلة والجزر الشمالية المغربية الخ...) في شكل قواعد عسكرية قارة (كما هو الصومال وعمان والبحرين وفي العديد من البلدان الأخرى وكما هو الشأن بالنسبة للقواعد الفرنسية في السينغال وساحل العاج والكابون وإفريقيا الوسطى وجيبوتي وغيرها من البلدان التابعة للامبريالية الفرنسية) أو في شكل تسهيلات عسكرية كالتالي منحت مؤخرا في بعض البلدان العربية لقوات التدخل السريع الأمريكية.
ثانيا : تتخذ السيطرة الامبريالية شكل نفوذ سياسي قوى يتجلى في الخضوع للتوجهات السياسية الصادرة عن البلدان الإمبريالية وذلك سواء طبعا تفاوت الداخلي أو على المستوى الخارجي. هناك طبعا تفاوت من بلد تابع للآخر وتذكر هنا أن بعض البلدان التابعة نصبت نفسها بإيعاز من الامبريالية كخديمة لمصالحها الاستراتيجية على مستوى منطقة بكاملها : ونشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى دور نظام شاه إيران طيلة السبعينيات في منطقة الشرق الأوسط.
ثالثا : هناك السيطرة الامبريالية على المستوى الاقتصادي وتتخذ هذه السيطرة عدة أوجه. الوجه الأول يتجلى في التواجد المباشر للرأسمال الامبريالي في هذه البلدان وبصفة خاصة في الاستغلال المكثف والنهب اللذان التابعة وفي المديونية الضخمة الناجمة عنها والتي تستنزفها اقتصاديا وتعمق تبعيتها بشكل خطير – الوجه الثالث للسيطرة الاقتصادية يتجلى في التبادل التابعة للقيام به مع البلدان الامبريالية أساسا والذي يخضعها لمنطق السوق العالمية ولقسمة العمل السائدة عالميا ويؤدي إلى استنزاف خيراتها. الوجه الرابع للسيطرة الاقتصادية يتجسد في التبعية التكنلوجية التي تجعل القطاع الحيوي من الصناعة المحلية تحت رحمة الرأسمال الأجنبي وذلك عبر الإحصائيين الأجانب والتزود بقطاع العيار وبراءات الاختراع ... أما الوجه الخامس التبعية ويتسجد في تصدير اللحوم البشرية للبلدان الامبريالية في شكل عمال مهاجرين يعانون من شتى ألوان الاستغلال والقهر والعنصرية.
رابعا : السيطرة الثقافية الامبريالية على البلدان التابعة وتتخذ أشكالا متنوعة : سيادة اللغة الأجنبية (على العموم لغة المستعمر القديم) في المعاملات الاقتصادية والإدارية. وعلى مستوى التعليم وحتى في المعاملات اليومية أحيانا وجود بعتات ثقافية هدفها نشر الثقافة الامبريالية خصوصا وسط أبناء الطبقات الغنية، اكتساح الساحة الثقافية من طرف أفلام وبرامج إذاعية ومتلفزة وكتب ومجلات وصحف البلدان الامبريالية انتشار القيم الأخلاقية والملكيات المهترئة للبرجوازية الامبريالية...الخ.
تتكون الطبقات السائدة في البلدان التابعة على العموم من طبقتي البرجوازية الكمبرادورية وملاكي الأراضي الكبار. تتشكل البرجوازية الكمبرادورية من جميع الفئات البرجوازية – وهي برجوازية كبيرة على العموم- الصناعية والتجارية والبنكية والزراعية وغيرها التي تندمج مصالحها عضويا بمصالحها الاقتصادية الامبريالية والتي لا يمكن أن تخدم مصالحها الاقتصادية وتطورها ألا إذا خدمت في نفس الوقت مصالح الامبريالية. أما طبقة ملاكي الأراضي الكبار فتتكون من أولئك الذين يملكون مساحات شاسعة من الأراضي ويعيشون من استغلال العمال الزراعيين والفلاحيين- الفقراء بالخصوص – من دون القيام بأي عمل منتج.
أن الطبقات السائدة في البلدان التابعة ليست فقط حليفة للامبريالية وخادمة أمينة لمصالحها على كافة المستويات بل أنها كذلك طبقات لا شعبية ولا ديمقراطية تمارس الاستغلال والاضطهاد والقهر على الجماهير الشعبية. ففي الميدان الاقتصادي أنها تستحود مع الرأسمال الأجنبي ورأسمال الدولة (الذي تنامي بقوة في البلدان التابعة بالموازاة مع اندماجه المتزايد بالرأسمال الأجنبي والرأسمال الخاص الكبير المحلي ) على وسائل الإنتاج الأساسية من مصانع ومناجم ووسائل النقل وأبناك وأراضي حيدة الخ..وتمارس هذه لطبقات الاستغلال المكثف على الجماهير العمالية والنسبة البرلتارية والفلاحية بينما يظل جزء كبير من الجماهير الشعبية، قد يشكل أغلبيتها أحيانا يعاني من البطالة المكثوفة أو المقنعة. وهذا ما يؤدي إلى التفقير المستمر للجماهير إلى تنامي ابؤس والشقاء وحرمانها من أدنى مقومات الحياة الإنسانية الكريمة على الصعيد السياسي أن الطبقات السائدة في البلدان التابعة تجعل من الدولة وأجهزتها المتعددة أداتها الأساسية لأحكام قبضتها على الجماهير، لاضطهادهم وقمع تحركاتهم الاحتجاجية والمطلبية ومواجهة طموحاتهم التحررية. أن الدكتاتورية هي المضمون الجوهري لعلاقات الطبقات السائدة والثقافية، وحتى عندما يقوم هذا البلد التابع أو ذاك بانفتاح ديمقراطي ويسمح فيه ببعض الأنشطة السياسية للأحزاب وبإقامة برلمانات فعلى اليوم أن الطبقات السائدة هي التي تنعم وحدها تلك الديمقراطية مع ترك بعض فئات الموائد للطبقات الوسطى المتهاتفة وراء سراب الحلول الإصلاحية والترفيعية. وأخيرا نشير إلى أن الايديولوجية السائدة في ايديولوجية تبريرية الغرض منها تزكية الأوضاع القائمة في هذه البلدان وضمان استمراريتها. أنها على العموم عبارة عن تركيب معقد يجمع بين الايديولوجية الامبريالية والإقطاعية والبرجوازية. هذا ما تعكسه بالخصوص الثقافة السائدة وهي ثقافة لا ديمقراطية لا شعبية ولا وطنية كذلك نظرا لاندماجها العضوي بثقافة الاستعمار الجديد- أما الثقافة الشعبية بمختلف مكوناتها فهي تعاني من شتى منوعات والاضطهاد.
أن التناقض الطبقي الأساسي في البلدان التابعة هو التناقض بين الامبريالية والطبقات السائدة من جهة والجماهير الشعبية المكونة من الطبقة العاملة والجماهير الشبه البرولتارية والفلاحين والبرجوازية الصغيرة من جهة أخرى. أما البورجوازية الوطنية (المكونة أساسا من البورجوازية المتوسطة) التي لعبت دورا كبيرا في مناهضة الاستعمار القديم فهي تحتل في عهد الاستعمار الجديد موقعا وسطيا بين الطبقات السائدة الجماهير الشعبية وتظل تتدبدب بين التحالف مع الرجعية والتحالف مع الجماهير الشعبية.
2) انطلاقا من هذه الخصائص العامة للأوضاع ال؟؟ في البلدان التابعة ؟؟ المركزية على القاعدة الطبقية البولتارية والتي تعتمد الاشتراكية العلمية كأساس نظري وكأداة للتحلي والتغيير – البديل الاستراتيجي الذي يمكن تسميته بالطريق الاشتراكي والمتمثل في إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية. ومواصلة الطريق نحو الاشتراكية والتمهيد لبناء المجتمع اللا طبقي الذي ينعدم فيه الاستغلال الإنسان للإنسان. أن الطريق الاشتراكي هو إذن مسلسل طويل يتضمن مرحلتين متمايزتين ومتداخلتين في نفس الوقت : مرحلة التحول الوطني الديمقراطي الشعبي ومرحلة التحول الاشتراكي.
تكمن الانجازات الأساسية للمرحلة الأولى في القضاء على كافة إشكال السيطرة والتواجد والنقود الامبرياليين في البلدان التابعة وكذا التخلص من سيطرة الطبقات السائدة ومن الأسس المادية لهذه السيطرة ثم بناء مجتمعات جديدة تتحقق فيها المطامح الوطنية الديمقراطية الشعبية لكافة الجماهير وذلك على المستويات السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ونذكر منها بالخصوص : 1) إقامة ديمقراطية شعبية تضمن للجماهير الممارسة الفعلية للحريات الديمقراطية السياسية والنقابية والثقافية وتضمن حكم الشعب للشعب عبر مجالسه الشعبية المحلية والجهوية والوطنية 2) تأميم المرافق الاقتصادية الأساسية وبناء اقتصاد وطني مخطط يتوفر على مؤهلات المتطور المستقل عن الامبريالية (مما يستوجب بناء صناعة وطنية قوية مرتبطة بفلاحة متطورة) يضمن الشغل للجميع يوفر الحاجيات الأساسية للجماهير من مواد غذائية وملابس وفي ميدان السكن والتعليم والثقافية والصحة والنقل، ويمكن من رفع المستوى المعيشي للجماهير بشكل متواصل 3) القيام بإصلاح زراعي جدري يقوم على أساس انتزاع الأرض من ملاكي الأراضي الكبار تسليمها للعمال الزراعيين والفلاحين المحتاجين لها والذين يمكنهم أن يستغلوها فرديا أو جماعيا في إطار التعاونيات التي يشكلونها طوعيا وتدريجيا 4) وضع حد للاستغلال المكثف الذي يعاني منه العمال والعاملات وذلك بالخصوص عبر تقليص مدة العمل وتقنينها وضمان عطل كافية مؤدى عنها وتحسين شروط العمل وضمان أجور وكذا مرتبات للتقاعد توفر الشروط الأساسية المعيش الكريم. حماية المرأة العاملة ومنع تشغيل واستغلال الأطفال 5) ضمان تعليم مجاني وطني ديمقراطي علمي لجميع أبناء الشعب وبناء ثقافة وطنية ديمقراطية شعبية تضمن في نفس الوقت تفتح وتطور لغات وثقافة الاقليات القومية والدينية والثقافية في البلدان التابعة 6) ضمان تحرر المرأة من العبودية والاضطهاد وذلك عبر ضمان مساواتها التامة مع الرجل وضمان حقوقها الخاصة كأم.
هذه لمحة عن أهم المنجزات التي يتم تحقيقها أثناء المرحلة الأولى التي يتم خلالها وبواسطتها تهييء مرحلة التحول الاشتراكي – فالمرحلتين بشكل كبير إذ أنه يشرع في إنجاز بعض مهام المرحلة الثانية خلال المرحلة الأولى نفسها كما أنه يمكن لبعض مهام المرحلة الأولى نفسها كما أنه يمكن لبعض مهام المرحلة الأولى نفسها كما أنه يمكن لبعض مهام المرحلة الأولى أن تتحقق في المرحلة الثانية فقط. ويتضح من تجاوب بعض الشعوب التي تمكنت من السير بنجاح في الطريق الاشتراكي أن أحد الشروط الأساسية والجوهيرية لانجاز مجمل مهام المرحلة الأولى والانتقال السلمي للمرحلة الثانية هو قيادة الطبقة العاملة وحزبها الطبيعي المستقل للجماهير الشعبية صاحبة المصلحة في انجاز مسلسل التعبير الجذري.
كما تبين تجارب الشعوب وكذا التحليل الملموس للأوضاع الطبقية القائمة أن التحول في مرحلته الأولى بالخصوص لن يكلل بالنجاح إلا عبر الكفاح الجماهيري المتعدد الأشكال والأساليب الطويل النفس والشاق.
4) بقي لنا أ، نلقي نظرة سريعة حول قوى التغيير الطبقية والسياسية والفكرية في البلدان التابعة.
إن الطبقات ذات المصلحة في التغيير الجذري في مرحلة الراهنة أي مرحلة التحول الوطني الديمقراطي الشعبي تتكون من الطبقة العاملة والجماهير الشبه البرولتارية والفلاحين والبرجوازية الصغيرة وكذا البرجوازية الوطنية جزئيا. هذه الطبقات لها مصلحة متفاوتة في التغيير وفي الأبعاد التي يتخذها هذا التعبير. فالطبقات والفئات الطبقية ذات المصلحة الأساسية في التعبير الجدري والتي تقبل التضحية من أجله تتكون من الطبقة العاملة الصناعية والزراعية والجماهيرية الشبه برولتارية والفلاحين الفقراء والمثقفين الثوريين. هذه الكتلة الطبقية ستظل على العموم موحدة على امتداد مسلسل التعبير الجذري الذي يقتضيه الطريق الاشتراكي ذلك أنها وبجميع مكوناتها لها مصلحة جوهرية ف بإنجاز مهام المرحلة الأولى وكذا إنجاز مهام المرحلة الثانية أي المرحلة الاشتراكية. أما البرجوازية الصغيرة فهي على العموم طبقة مترددة قصيرة النفس وذات الأفق الضيق لهذا لا يمكن الثقة في قيادتها لعملية التغيير وأن كان من الضروري توفير كل الشروط لمساهمتها الفعالة في التغيير المنشود أما البرجوازية الوطنية فرغم تناقضاتها الهامة مع الامبريالية والطبقات السائدة وبسبب ارتباطاتها الجزئية معها ومع الطبقات السائدة وبسبب طابعها الاستغلالي وخوفها من المبادرات المستقلة للجماهير فهي تتردد بين التحالف مع هذا الطرف من التناقض الأساسي أو الآخر لهذا وكما توضح التجربة ذلك ليس من مصلحة الجماهير الشعبية إطلاقا أن تسمح للبرجوازيا الوطنية بقيادة عملية التحول الوطني الديمقراطي الشعبي وأن كان من مصلحتها ومن الضروري أن تعمل القوى الشعبية الجذرية على إشراك كافة العناصر والاتجاهات المتقدمة من البرجوازية الوطنية في عملية التحول هذه.
أن تجارب الشعوب وشروط الصراع الطبقي في البلدان التابعة تؤكد أن الطبقات والفئات ذات المصلحة في التغيير لن تتمكن من ذلك بدون إنجاز تحالف طبقي وسياسي فيما بينها مما بدون أنجاز تحالف طبقي وسياسي فيما بينها مما يفترض البناء التدريجي لجبهة واسعة ذات طابع وطني ديمقراطي شعبي. ومن أجل توفير شروط قيام هذه الجبهة على أسس متينة تبين التجربة من جهة ضرورة إقامة تحالف استراتيجي متين بين الطبقة العاملة والفلاحين (الفقراء بالخصوص) ومن جهة ثانية ضرورة قيادة الطبقة العاملة وحزبها الطليعي لهذا لتحالف الوطني الديمقراطي الشعبي الواسع.
إن الطبقة العاملة هي الطبقة الثورية حتى النهاية وهي الطبقة المؤهلة موضوعيا لقيادة مسلسل التغيير في شموليته. يرجع ذلك إلى أنها الطبقة التي تعاني أكثر من الاستغلال الرأسمالي والتي لا تملك شيئا خارج قوة عملها وبالتالي ليس لها ما تخسره أثناء عملية التحول المجتمعي سوى أغلالها بينما ستتمكن من خلال هذه العملية من فتح الطريق أمام تحررها الشامل وتحرر مجمل الطبقات والفئات الأخرى. من جهة أخرى أن ارتباط الطبقة العاملة بوسائل وأساليب الإنتاج الحديثة وبنظام العمل الرأسمالي (وما بلازمة من عمل جماعي وتقسيم للعمل وانضباط ) وكذا النضالات النقابية الجماعية، كل هذا يؤهل الطبقة العاملة إلى اكتساب خبرات ومعارف متقدمة، إلى خوض العمل الجماعي الخلاق إلى ابتكار أرقى الإشكال التنظيمية القائمة على أساس المركزية الديمقراطية. إضافة لذلك خلاقا للطبقات والفئات الأخرى ذات المصلحة الأساسية في التحول المجتمعي والتي ليس لها مشروع اجتماعي مستقل فإن الطبقة العاملة تحمل معها مشروعا اجتماعيا متكاملا يسمح بالتحرير الشامل للمجتمع وهو المجتمع اللاطبقي الذي يشكل المجتمع الاشتراكي مرحلته الأولى.
لا يمكن لهذه الخصائص الموضوعية للطبقة العاملة أن تتجسد على أرضية الواقع إلا إذا تمكنت الطبقة العاملة من توحيد نفسها نقابيا وسياسيا وتجذير وعيها الطبقي البرولتاري وبناء حزبها الطليعي المستقل الذي يضم في صفوفه الطلائع العمالية المناضلة والواعية وكذا العناصر الأكثر كفاحية من بين الفلاحين الفقراء وأشباه البرولتاريا والمثقفين الثوريين الذي يعتمد الاشتراكية العلمية كأساس نظري كأداة للتحليل والتغيير.
إن الحلفاء الخارجيين لعملية التحول الوطني الديمقراطي الشعبي في هذا البلد التابع أو ذاك يتكونون من جهة من حركات التحرر الوطني والاجتماعي في بلدان العالم الثالث، من البلدان الاشتراكية ومن الحركة العمالية ومجموع القوى التقدمية في البلدان الرأسمالية المتطورة.
نستكمل هذه النظرة حول مكونات الطريق الاشتراكي في البلدان التابعة بالإشارة إلى أن الاشتراكية العلمية تشكل اليوم الاديولوجية الأساسية للتغيير في هذه البلدان شريطة التمكن من دمج حقائقها العامة بالواقع الملموس لهذا البلد أو ذاك وشريطة التمكن من صهر الفكر الاشتراكي العلمي بالطلائع العمالية المناضلة أنها بالتأكيد عملية شاقة عسيرة وطويلة لكنها، كما تبين ذلك من خلال تجارب الشعوب، ضرورية بالنسبة لكل من أراد الابتعاد عن أوهام الطريق الإصلاحي الترقيعي وعن الطريق الطوباوي والمساهمة في عملية التحرر الوطني والاجتماعي التي تطمح إليها شعوب بلدان العالم الثالث.






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,282,451





- بعد القتل البطئ للرئيس السابق: آلاف السجناء في خطر
- في بيان حزب التجمع عن السقوط الإخواني لأردوغان وجماعته الإره ...
- مرسي يجسد المأساة العربية
- «لينين الرملى» رائد الكوميديا الجماهيرية
- مات محمد مرسي تحيا ثورة 25 يناير المجيدة
- افتتاح لقاء الأحزاب الشيوعية العربية ببيروت
- الشيوعي اللبناني يلتقي الديمقراطية في صور
- -الشيوعي- يستقب وفداً كوبياً
- من أجل برنامج نضالي مشترك لصد الزحف على ما تبقى من المكتسبات ...
- ناشطون عرب وبرازيليون يتظاهرون أمام قنصلية النظام السوري في ...


المزيد.....

- الماركسية وأزمة اليسار العربي وسبل النهوض / غازي الصوراني
- روزا لوكسمبورغ بعينيّ رايا دونايفسكايا / ألكسندرا المصري
- روزا لوكسمبورغ : في أزمة الاشتراكيّة الديمقراطيّة ومفارقات ا ... / وسام سعادة
- هل نعتبر دفاعنا عن المدرسة العمومية باعتبارها مدرسة شعبية؟.. ... / محمد الحنفي
- لماذا هذه الهجمة على المدرسة العمومية من قبل الطبقة الحاكمة، ... / محمد الحنفي
- فيدرالية اليسار الديمقراطي، نواة لقيام جبهة وطنية للنضال من ... / محمد الحنفي
- فيدرالية اليسار الديمقراطي، أو الأمل في تحرير اليسار من التق ... / محمد الحنفي
- -الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس إلى القواعد الثورية ومناطق ... / الشرارة
- إضاءات خاطفة على كتاب «ماركس ومجتمعات الأطراف» / نايف سلوم
- الأزمة وبنيتها، من أجل اللحظة اللينينية (1-2) / هشام روحانا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - عيسى أنوار - أي بديل: طوباوية محافظة أم الطريق الاشتراكي