أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مجدي الجزولي - أها يا كيزان: الحركة الإسلامية..إلى أين؟















المزيد.....

أها يا كيزان: الحركة الإسلامية..إلى أين؟


مجدي الجزولي

الحوار المتمدن-العدد: 2367 - 2008 / 8 / 8 - 11:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"ما في فايدة، هو يعني حيحصل شنو، أهو الكيزان ديل حيفوزوا وبس"، بهذه الخلاصة يعبر الكثيرون، بالذات من حضر الخرطوم وطبقته الوسطى، عن عدمية ثقيلة الآهات تجاه حراك سياسة المناورات ما قبل الانتخابات المقبلة، والتي حضر نجمها باكمال التعداد السكاني، أي الفاصل الأول العملي في انتخابات نيفاشا، ثم إجازة قانون الانتخابات رغم المحاذير (أنظر كتابات الزميل صديق يوسف بجريدة "الميدان")، ومؤخرا إعلان الحركة الشعبية رئيسها والنائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب سلفا كير مرشحا عنها لمنصب رئيس الجمهورية. العدمية بيانها ألا أمل في تحول يعتد به في ميزان القوة الطبقية بدرجاتها الثلاث المتراكبة: الاقتصادية والسياسية والآيديولوجية، وهي كما قال رفيق عزيز نقلا عن لينين ميادين الصراع الثلاث التي يتم فيها حسم الصراع الطبقي.
فوق ذلك، انفصم نادي السياسة السودانية بإزاء إعلان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية اتهام رئيس الجمهورية بجملة جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية فطفق يكب اللعنات على الحكومة وما فعلت بالبلد في مجالسه بينما تسارعت حول تياراته المعارضة للمؤتمر الوطني رياح شوفينية قومية أصبح بموجبها رئيس الجمهورية "ود بلد" يضمن السيادة ويقي من "الفراغ الدستوري"، كأنما السيادة حوض فارغ لا محتوى له من مشروعية الشعب أو إرادة جماهيره، لا تطعن فيها سنين مطولة من سياسة الجنون الفاشي التي ينتهجها قادة الانقلاب وما زالوا. محل التناقض أن "المؤتمر الوطني" بحسب الزعم الساري طوفان، نعم، لكن في ذات الوقت نوح صاحب المركب!
هذه العدمية، وفي وجهها الأقل شحوبا، هذا الأمل المفقود يكاد يبلغ باتباع التحليل النفسي الجماعي مبلغ الذهان الذي يتبع الصدمة، والصدمة هنا العنف الاجتماعي الذي واجهت به الحركة الإسلامية المجتمع المدني السوداني منذ اختطافها السلطة ليلة الثلاثين من يونيو 1989 حتى انهزم ذاته القديم وانحسر نفوذه بانحسار تنظيماته الموروثة منذ ما قبل الاستقلال، إلا أن ذات العدمية قد تسربت بدورها، وبدرجة أشد فتكا، إلى الحركة الإسلامية بنت ذات الفترة التاريخية، فقد غرقت في التكتيك حتى غابت عنها الاستراتيجية وانطمر الهدف. ولعل محاولات جناح في السلطة القائمة إعادة إحياء التنظيم الإسلامي (التقليدي) بعقد مؤتمر تلو الآخر، مرة مجلس الشورى وأخرى مؤتمر إعلاميي الحركة الإسلامية وهذه الأسبوع المؤتمر العام للحركة الإسلامية، دليل يقوم من جهة على صراع داخل البيت الحاكم، ومن أخرى على رغبة عند الحركة الإسلامية أن تستعيد قوامتها على دولة انعقد لها لواءها حتى انكسر بنزاعات السلطان وداءه، لكنها تبدو عاجزة عن ذلك كل العجز فقد سرح القصر وأهله في درب "مستقل" عن دعاية الحركة الإسلامية ومشروعها الجذري، إلا ما كان تسربلا بالرموز، في شبه قريب لارتداد مصر الناصرية عن جذرية القومية العربية إلى ديكتاتورية حكيمة بطلها السادات، ثم التطهر عن كل ما هو "ناصري" بما في ذلك دعاية مضادة متأخرة ترجو إعادة الاعتبار لليبرالية المصرية تحت الاستعمار الأجنبي والاقطاع الملكي ما قبل ثورة يوليو 1953. بل أثبت الإسلام السياسي في تطبيقه السوداني فشلا بنيويا جعل البراغماتيون من أهله يرتدون في جبهة الآيديولوجيا عن منظور "التقدم" الإسلامي بعنفه السياسي والاجتماعي العاري وتبريراته الأخروية، إلى رجعية انتهازية بالأساس، منها الانكفاء مجددا على الطرق الصوفية وشيوخها طلبا لشرعية (إسلامية) جديدة قديمة تنهل من التقاليد الريفية السودانية، ورغبة في استعادة اتزان آيديولوجي بعد أن جرحت التكتيكات والممارسات السياسية عميقا وعلنا في نقاء الصفوة الاسلامية (الحديثة) واستقامتها، كان ذلك بالفساد المالي وأشباهه، أو بالعنف السياسي والطبقي، وبطبيعة الحال بتوترات التناقض الساكن في خطاب الدولة، فمن جهة الأصولية الدينية المعلنة ومن أخرى عقيدة الربحية التي تحرج بدينها المالي كل أصل في صلاح المسلم المتطهر المتقشف، والمتفوق لا بد على إغراءات الدنيا الفانية.
في هذا المعنى يبدو أن غلبة فكر الجبهة الإسلامية على المجال العام، والذي استقر عبر عقدي الثمانينات والتسعينات قد تضعضع وانقسم بين اتجاهين، الأول السلفية الإسلامية التي تنافس بشدة تيار التدين السياسي من جناحه اليمين، وفقه الإثنيات السياسي الذي يسحب من تحت أقدام الإسلاميين بساط "التحرر" بين القوميات المضطهدة، ومن قبضتهم عكازة "ود البلد" بين جماعة العرب المسلمين. الدليل على هذين التحولين قائم في حركة الطلبة وفي تطور حركات الهامش السوداني. في الجامعات فقد الإسلاميون الشريان الذي طالما غذى كتلتهم السياسية بالكادر والفكر، فالطالبة ذات الميول الدينية من أواسط السودان تجد نفسها أكثر أمنا من جانبي الآيديولوجية والممارسة في أحضان سلفية دينية لم تلوثها مساعي السلطة السياسية في وجهها العملي، فتبدو لها نقية غير شقية، ذلك في طيف واسع يمتد من "حُب" عمرو خالد إلى "جهادية" محمد عبد الكريم. أما فتوة الحركة الإسلامية من أقاليم السودان المسلمة (والمهمشة)، بالأخص دارفور، فلا ينتظرهم عند باب المؤتمر الوطني سوى المقارنات المفزعة بين وعود المساواة والعدالة وواقع "العدل والمساواة".
الأهم أن سطوة الاسلاميين في "مثلث حمدي" تهز أركانها سياسة النظام نفسه، وذلك بديالكتيك الرأسمالية التي لا تبقي ولا تذر: "بومبرانغ" في فقه التاريخ يصبح به المرء حافر قبره. يبدو أن سر منعة الحركة الإسلامية، أي اقتصادها، هو ذاته موقع ضعفها الأشد. في الأسبوع الماضي تصادمت قوى الدولة وأهل الأعوج ناحية النيل الأبيض فسقط نفر من المواطنين فداء أرضهم. بهذا انتقل التراكم الرأسمالي البدائي في توحشه العنيف من أطراف السودان، حيث العرق والثقافة خلاف، كان ذلك في حقول البترول أو أراضي الخزانات أو مزارع دارفور ومراعيها، إلى مركز سيادة الحركة الإسلامية. والواقع ألا طريق أمام دولة ريعية سوى مزيد من الريع، فهي وإن تنبرت بالتنمية واقعة تحت جبر المنطق الرأسمالي الذي لا يعرف سوى الربح دينا.
في سياق هذه التناقضات تهرب الحركة الإسلامية إلى الأمام باختيار ثوب "القومية" درعا، إذ لا سبيل لتجاوز التناقضات الداخلية سوى الدفع في اتجاه العداء للخارج، وهي حيلة فاشية مجربة شعارها السوداني "فلترق منا الدماء"، ثم "فلترق كل الدماء". ولا تفسير آخر لمساعي المؤتمر الوطني "تنفيس" كل الخطاب السياسي المعارض بدعوى "المصالحة"، فقد قبلت السلطة إسميا دعوة "المؤتمر الجامع" وزادت بطرح عنوان "مبادرة أهل السودان لحل قضية دارفور" شريطة حماية الظهر من "كيد المارقين". ذلك في محتوى بروباغاندا مكثفة رسالتها الأهم: "يا فيها يا نطفيها".
شواهد الشعور بالأزمة كثيرة على ألسنة الإسلاميين، فقد حصدوا من الدولة بجانب "السلطة والجاه" حصادا مرا في جبهات نشاطهم السياسي "السلمي"، من ذلك ما ورد في كلمة غازي صلاح الدين بعنوان "دعوة لإحياء العمل الإسلامي الوطني" (منشورة على صفحات شبكة المشكاة الإسلامية على الإنترنت، 06/08/08) حيث وصف تجربة الحكم بعد تمجيد الانجازات وتعديد المكاسب بأنها "أكبر عملية تعرية وإضعاف لأبناء (ها)" الحركة الإسلامية، فقد "أفقدتها الصدمات المتتابعة تماسكها ووحدة صفها وفاعلية قيادتها ومقدرتها على المبادرة. ومن ثم فقدت التكافل التاريخي المتين بين أفرادها، الذي قام على الإخاء في الدين. وفي أحيان كثيرة انقلب التكافل مقاطعة وتحاربا بين أخلاء الأمس." لكن، وكما هي العادة الفاشية، جعل غازي صلاح الدين في كلمته مبرر الدعوة إلى "إحياء العمل الإسلامي" مهددات الخارج المتتالية: اتفاقيات السلام المحروسة بالأمم المتحدة، قرارات مجلس الأمن بخصوص السودان وتقييدها الإرادة الوطنية، مذكرات التوقيف والتهم الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية؛ وخلص إلى أنه "من قصر النظر أن تسعى المجموعات التي تشكل الساحة السياسية الوطنية إلى إضعاف بعضها بعضا، إما باحتكار السلطة والمراوغة بقضية الديمقراطية والحريات والاعتراف بالآخر لمن كان في الحكم، أو بالغلو في معاداة من بالحكم والاستنصار عليه بعدو خارجي مشترك بغية لنصر عاجل وهزيمة حتمية آجلة. إن الصراع الموهن لبنية المجتمع ليس رديفاً للتنافس النزيه المشروع، وما لم تتواضع الحركة السياسية الوطنية على تلك القيم فإن مصير البلاد إلى الإنقسام والانكشاف أمام كل طامع." وبذا حرم على بلابل الدوح ما أحله لنفسه و"ثوريي" الحركة الإسلامية حين وصف انقلاب الحركة الإسلامية في مبتدر كلمته بأنه "مثّل المنتهى المنطقي لرؤيتها حول مركزية السلطان السياسي في مشروع النهضة." وفصل قائلا: "الحركة (الإسلامية) في طرحها وبلاغها عن أهدافها لم تكن تراوغ في التسليم بأن السلطة السياسية تمثل غاية مطلوبة لها، بل غاية مشروعة للحركة بجملتها، من حيث هي جماعة وليس من حيث هي أفراد يسعون إلى أهداف دنيوية أو ذاتية محدودة؛ فالسلطة السياسية ظلت وستبقى أداة فاعلة في إحداث التحولات الضرورية لنهضة المجتمع لا يمكن لحركة سياسية تروم التغيير أن تتجاهلها."
بمقارنة هاذين الاقتباسين يتبدى ما في صحن مؤتمر الحركة الإسلامية من تناقضات، فمرادها حماية نفسها "الأمارة بالسلطة" بهذيان ديموقراطي لا محل له البتة في فكرها وممارستها السياسية. من ثم يجهر الشعار البائد "سلم تسلم"، لكن هذه المرة "سلم تسلم البلد". أما القبول بأن تحدد الحركة الإسلامية ومؤتمرها الوطني قواعد الصراع السياسي بزيف "وحدة الصف"، وكذبة "المصالحة" فمعكوس سادية الحركة الإسلامية وفاشيتها عند ضحاياها تعريفه تعذيب الذات وجلدها بل حب ذلك.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,518,501
- الاقتصاد السياسي للتحول الرأسمالي في الصين: مقدمة
- بوش في افريقيا: الضيف أم رب المنزل؟!
- تسعون عاماً على نوفمبر 1917م: ألحقنا يا إليتش!!
- مباحث ماركسية: حول تنوير ماركس
- وما الحياة: صراع البقاء في دارفور وأخواتها -2
- وما الحياة: صراع البقاء في دارفور وأخواتها - 1
- حال النسابة: ما بين الحكومة السودانية والغرب
- تنمية بالبندقية
- مباحث ماركسية: تقديم
- الحركة الإسلامية: يَهْدُوكْ مِنْ المَبيتْ تَقَيِّل كُتُرْ-2
- الحركة الإسلامية: يَهْدُوكْ مِنْ المَبيتْ تَقَيِّل كُتُرْ - ...
- فالتر بنجامين: يسار الفلسفة، أثناء الفن
- الإضراب: حباب الشعب السوداني
- حول هابرماس: إنقاذ الحداثة
- الصين الشعبية وديكتاتورية الطبقة الخاملة
- حالة الطبقة العاملة في الصين الشعبية
- الرفيق لينين: وداعاً ومرحباً
- البترول في السودان: مورد وطني أم (مؤتمر وطني)-الأخيرة
- فاطمة أخت البدور
- البترول في السودان: مورد وطني أم (مؤتمر وطني)-7


المزيد.....




- من يدعم ويؤسس لبقاء الارهاب وأمريكا تحرك الدمى من وراء الستا ...
- -نحو دستورية إسلامية جديدة-.. كتاب جديد يتناول القرآن وإحياء ...
- الكويت: التحقيقات متواصلة للكشف عمن تطالهم شبهة التستر على أ ...
- إسرائيل… تجدد احتجاجات يهود -الفلاشا- أمام الكنيست
- تمرد اليهود الإثيوبيين على عنصرية البيض في إسرائيل هي فقط ال ...
- الكويت تنقلب على -الإخوان- المتفاجئين... وشعبها يسأل -منو ال ...
- السلطات الإسرائيلية تخلي سبيل شرطي قتل شابا يهوديا إثيوبيا
- سلمت القاهرة مطلوبين.. هل تغيرت الكويت مع -الإخوان-؟
- إعترافات خطيرة لعناصر الخلية الإخوانية المصرية المضبوطة في ا ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى وسط حراسة مشددة من قوات الاحت ...


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مجدي الجزولي - أها يا كيزان: الحركة الإسلامية..إلى أين؟