أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لمياء الآلوسي - إمرأة















المزيد.....

إمرأة


لمياء الآلوسي

الحوار المتمدن-العدد: 2319 - 2008 / 6 / 21 - 07:03
المحور: الادب والفن
    



(أنا لست إلا طفلة صغيرة .. تتشبث بك، وتختبئ وراءك، وتحاول بكل ما فيها من خوف، وتردد، وقلق أن تمد يديها، وتعانق هذا الكم الهائل من الجمال الذي يتألق فيك ..

آه لو أتمكن من أن أختزن سنوات عمري .. أعبقها، وألملمها،وأهيلها بين يديك .. أنثرها لتكون لك، قد تكون قصيرة وقصيرة جدا .. لكن من قال أن المعمرين، أكثر سعادة من امرأة تحب؟؟ .. أن تحبني فهذا يعني، أني امسك الكون كله بيدي، وأبعثره كما أريد .. أعيش كما أنا، مجنونة، صارخة بكل صوتي .. أنا حبيبته .. وسحقا لكل شيء !!)
كل يوم أكتب له هذه الكلمات .. وانتظره .. لكنه لا يأتي أبدا .. !!

منذ ذلك اليوم، الذي اقتحم عليَ وحدتي في غرفتي المنعزلة في عملي
ووضع على مكتبي باقة من ألورد .. عبقت رائحته .. وأنعشت في قلبي شبح حب مات منذ زمن بعيد

***




كانت تلك ليلة بلا ضوء، قارسة البرد لم يكن في البيت إلا فانوس خافت، ومدفأة علاء الدين القديمة، تحلقنا أنا وأمي وأبي العاجز حولها .. الصمت يغزل فينا ألف حكاية وحكاية




كانت هذه المدفأة هدية عرسي .. وبعد عشرين سنة، جاءني بصبغ حديث وقال ستعود زاهية كالأول، لكني عندما أوقدتها اشتعلت فيها النيران،عباس ( سوده عليا) فقط هو الذي اقتحمها وأطفأها إهتز جسد أبي، ودفن وجهه بين يديه، وبدأ ببكاء طفولي حاد
أُمي ... ألا ينتهي هذا الموال بالله عليك
الك من جاحدة .
أشرت إلى أبي المرتجف

كلما تدافعت حكاياتك القديمة عنهم، يبدأ أبي بالبكاء، ولا ينتهي ليلنا أبدا
نهضتْ متحاملة على ألمها، وأحاطته بفروته القديمة،

بعد لحظات تكورا على بعضيهما، وبقيت وحيدة .




الليل الطويل الذي يتركاني له دائما، ويتركانه لي، ذلك التكور الذي يمتد بي بعيدا،ويكورني في داخلي، داخل صمتي !
أوقدت المصباح النفطي الصغير، وتركت لهما الفانوس القديم المتهالك، فهو والمدفأة والصندلية، وبضع أشياء قديمة، هي كل ما تبقى من أثاثهما الذي شهد يوم عرسهما، وأبي يرفض أي تجديد،

أريدهم أن يأتوا، ويروا كل شيء كما تركوه
ممر مظلم يفصل بين غرفتينا، تركتهما لكن ومنذ سنوات عافني النوم، وأمتلكني الخوف، لا أدري كيف احتوى بيتنا القديم، أجسادنا الصغيرة، أنا وإخوتي الذين ذهب بهم الزمان بعيدا، عندما كانت مدينتنا الصغيرة ترخي أردانها على امتداد الشاطئ الجبلي، الممتد على نهر دجلة من الشمال إلى الجنوب، لم يمهد الأهالي الأرض، بل بنوا بيوتهم متراصفة على التلال، فغدت تتكتل بشكل عمودي، اكسبها جمالا وتفردا عجيبا، تفصلها أزقة متعرجة متداخلة ضيقة، مشرفة بعضها على بعض






كان ذلك الزقاق يمتد بين بيتنا وبيتهم، ترابيا يرشح طوال اليوم ماؤهم، ومياه كل المدينة الصغيرة، فتغدو زلقة كل الأيام، وتسمع لها خريرا مستمرا، وينحدر بانحدار الأرض الترابية، باتجاه النهر، هذا الصوت الذي كان يسمع من بعيد، حتى أطلق الأهالي على تلك المنطقة جزافا (الخِرْ) .. كان عليَ أن أتسلق تلك الهضبة، كل يوم أكثر من مرة
تتلقفني امرأة كالصبح، وأخرى سمراء دائمة الإنشغال بنساء متعبات، مصابات بتخثرات متعددة في أجسادهن، يجلسن حاسرات سيقانهن، ممدات، كانت تعمل في مواقع محددة أشرطة مسطحة بسكينة حادة مستدقة، كانت ترفعها في وجهي، كلما حاولت الدخول عليها، تنضح دماً قانياً يفزعني في الغرفة البعيدة .






تعرف دقات يدي الصغيرة، فتتلفت بحذر، ثم تجعلني أمرق بجسدي الضئيل إلى الدرجات الضيقة، التي توصلني إلى غرفته




أدخل عليه غارقا بين كتبه، حاملة صحنه المليء بالطعام، فيأخذه مني، ويضعه على الأرض، عندما يفعل ذلك كنت أهم بالصراخ، لكني أخاف من المسنتين في الغرف التحتية فأطبق بأصابعي على شفتيَ، أتوسله إتركني، بالله عليك
لكنه وبكل شبابه، وغضاضة عودي، يرفعني عليه، فأغمض عيني، لكنه يسرف في مداعبة جسدي الطفولي، أشعر بوخز جسده على أجزائي التي يعريها بفضاضة يديه، ورائحته المغبرة تكسوني، وتملؤني بالقيء، عندها تخور قواي ولا أعرف ماذا يحدث لي ليست إلا دقائق، فيتركني، لاهثا، الملم عريي، وأجري إلى الخارج،






يتلقفني الحوش الضيق، وتحت الحنفية الشاخصة أمام الباب الخشبي، كانت تغسل سكينتها الحادة من آثار دماء عالقة بها




كنت أرمي جسدي ودموعي في أي ركن منعزل من البيت، ثم أخرج معبأة بالخوف، لا أعرف ماذا أقول لها - أُمي لاأريد أن أذهب إلى ذلك البيت
أمام جسدها القوي، ويديها الخشنتين أتعثر، وتخرسني صفعاتها عن البوح

يكفي أنهما تخفيانه في بيتهما، فلو عرفوا أنه يختبئ هناك، لفارقته مثل إخوتك وإلى الأبد .
ولكن، لكنه يحاول

إنصرفي عني ألآن ..
******








الأشجار كل الأشجار والنباتات هنا، تورق في هدوء وبلا مبرر، مابين الخريف والشتاء، فتشرق الأماكن كلها بالربيع القادم في غير وقته، وبعد أيام يطيح الشتاء بكل تلك الوريقات الفتية، لكنها رغم ذلك تعاود الكرة دائما




لكن في هذه الأيام، يتداخل الخريف بالشتاء، وتمر كل الفصول في يوم واحد، ففقدت الأشجار عرسها، وماتت النباتات، حالة واحدة هي التي تنتصر دائما، هذا الغبار الذي يغتال الروح، حتى تتحول البيوت إلى مدافن، ونبقى في تساؤل، ياترى متى تقوم الساعة؟؟ أم إننا في قبورنا أحياء، أموات؟؟ لكني في هذا اليوم، انتقيت ملابسي، وأردتها خضراء، رغم أنف الغبار
رغم أن صباحاتي مملة، وتنزلق بي إلى مهاوي العذاب، وعندما أهم بالخروج، أنسى كل شيء وأرحل داخل أحلامي، فأنا أعيش في حلم طويل، لا يريد أن ينتهي






وعندما أغلق الباب دوني، كنت أتوهم أني نسيت شيئا ما في الداخل، لكني لا افتح الباب، ولا أريد دخول هذا البيت مرة أخرى، لا ألتفت ورائي، كل يوم اخرج فيه، أتمنى ألا أعودة إليه، وأن تمتد بي ساعات العمل إلى ما لانهاية، لكني أعود، ودائما أعود




عندما تداعت مدينتنا الصغيرة، وسويت أزقتها المتعرجة، لغرض بناء جسر، يربطها بالقرى على ضفاف دجلة، ثم عادت لتندثر مرتفعاتها، عندما حوصر النهر، بقصور فارهة، وأبعدت المدينة الصغيرة عن النهر نهائيا، لكي يسكنها ألقادمون عبر البحار، ونحاصر نحن بعيدا عن ألنهر الجميل .




يمتد بي طريق طويل، في شوارع غدت حاويات لأكداس النفايات، وتحف به أشجار الزيتون العطشى، والمرصوفة على امتداد الطريق، والتي زرعت ذات يوم، ونسيت إلى الأبد مع أشجار النخيل، الهزيلة، وسعفاتها المتآكلات، والتي نتيجة للعطش، والجفاف فتحت في سيقانها، فجوات يعشعش فيها التراب، والعنكبوت وثمة أعذاق ضئيلة، بقيت مدلات،




ولا أعرف لما ضاق جذع النخلة من الأعلى؟ حتى أصبحت رقبتها تنوس متمايلةً مع الريح، بعد أن نفضت تمرها على قارعة الطريق،




تجلس كلبتان هزيلتان، فقدتا لونيهما، وطباعهما، فأصبحتا تنظران إلى المارة بتكاسل، ولا مبالاة، وفي المساحة القريبة، ثمة شاش وأربطة مغمسة بالدم الجاف، تتلاعب بها الريح، متناثرة من البيت الضيق على ركن الشارع، والذي حول بغفلة من الزمن إلى مستشفي، تبقر فيه بطون القرويين القادمين عبر الجسر من القرى القريبة، وبعضهم يفترشون الأرض مملؤين بالتعب، والحزن




أمتار قليلة تفصلني عن مقر عملي، لكني هذا اليوم، كنت في شك من قدومه، فرافقتني فرحة ضئيلة، بضآلة آمالي بمجيئه ****




في لحظات كالحلم، دوى انفجار زلزل الأرض تحت جسدي، وتداعت المرئيات أمامي، انتابني صمت وذهول، خيم على كل شيء، وارتفع الدخان المتداخل مع سحب الغبار، الذي يغزو السماء منذ الليل الفائت، تعالى الصراخ المذعور في كل مكان، وتراجعت الحياة، وتوقف كل شيء للحظات، كان الانفجار قريبا من غرفتي في العمل، سيارات الإسعاف تنقل الأجساد، موتى؟ جرحى؟ لا احد يسأل، فقد ينسى الرب بعضا من الروح في أجساد من انتقى، فتهديه المستشفى إلى السماء من جديد تبعثر الألم في داخلي،
ورجل يدعوني إليه، وأنا أدعوه للإبتعاد، وخوف يزغرد في قلبي

لكنها باقة الورد، تهمس لي من بعيد، تدعوني إليها،
كانت، مغمسة بالدم

تناثرت حولي، أم تناثرت حولها، لم أعد أدري
وصوته يملؤني
(يا جملة الكل أنت كلي)






كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,688,118,033





- مسلسل كارتون روسي يتصدر برامج الأطفال التلفزيونية الصينية
- ثورة 25 يناير بالسينما المصرية.. من التمجيد إلى التشكيك والت ...
- نهبتها مليشيا مدعومة إماراتيا.. آثار العاصمة الثقافية لليمن ...
- الهجوم على المعالم الثقافية اعتداء على الانسانية
- السفير الأمريكي الجديد يزور مسجد الحسن الثاني بالبيضاء
- ميشيل أوباما تمنح جائزة -غرامي- الموسيقية
- أخطاء كارثية في نسخة القرآن المترجمة للعبرية.. ومجمع الملك ف ...
- استقالة مفاجئة لرئيس جماعة المضيق
- ظريف : استهداف المعالم الثقافية والتاريخية جريمة لا تغتفر
- ظريف: تهديد ترامب بضرب معالمنا الثقافية هو رمز للإرهاب الثقا ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لمياء الآلوسي - إمرأة