أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - عمار عمروسية - انتفاضة الحوض المنجمي















المزيد.....



انتفاضة الحوض المنجمي


عمار عمروسية

الحوار المتمدن-العدد: 2302 - 2008 / 6 / 4 - 10:44
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    



محاولة تقويمية
تعيش جهة قفصة وبالخصوص مدن الحوض المنجمي، منذ 5 جانفي المنصرم، احتجاجات شعبية عارمة. وقد انطلقت هذه الاحتجاجات بالرديف إثر إعلان نتائج مناظرة شركة فسفاط قفصة التي خيبت الآمال بسبب قلة عدد الناجحين مقارنة بما كان منتظرا وطغيان المحسوبية وعقلية الولاءات في اختيار هؤلاء الناجحين. وبسرعة انتقلت شرارة الغضب إلى مدينتي "أم العرائس" و"المظيلة" واتسع نطاق الحركة الاحتجاجية فأضحت مجمل جهة قفصة تحت وقع حدث اجتماعي استثنائي هو الأهم في تونس خلال العشرين سنة من حكم بن علي بل منذ انتفاضة الخبز عام 1984. ومن البديهي أن يستوجب منا مثل هذا الحدث تناوله بالتحليل لاستخلاص الدروس الضرورية منه حتى وإن كانت الحركة مستمرة بما يسهم لاحقا في تحسين أدائها وفي الأداء الشعبي عامة ضد خيارات نظام الحكم التي لا تخدم سوى مصالح أقلية نهابة وفاسدة. لذلك سنرصد في هذا المقال تطور الأحداث بحثا عن أسبابها والأشكال النضالية التي اتخذتها تحركات المواطنين للوقوف عند دلالاتها وأبعادها.

1 – الأسباب

لم يكن إعلان نتائج مناظرة شركة فسفاط قفصة يوم 4 جانفي 2008 سوى القطرة التي أفاضت الكأس لدى متساكني الحوض المنجمي. فردة الفعل ما كانت لتكون بمثل القوة والاتساع اللذين عرفتهما لولا التراكمات السابقة التي تجد جذورها في تفاقم حالة الفقر والتهميش بالجهة، والتي كانت تنبئ منذ مدة بانفجار كبير، كانت علاماته تتواتر الواحدة تلو الأخرى وهو ما لم يكن خافيا علينا إذ أننا كتبنا قبل ذلك إثر قمع تجمع "اللجنة الجهوية للمعطلين عن العمل" واعتدى فيه اعتداء صارخا على المناضلة عفاف بن ناصر: "انتظروا مفاجأة في القادم من الأيام".

لقد ظل النسيج الاقتصادي في جهة قفصة، منذ الاستعمار المباشر إلى اليوم، متمحورا أو يكاد حول النشاط المنجمي. وهو ما جعل مدنا بكاملها (المتلوي، المظيلة، الرديف، أم العرائس) تعيش على الفسفاط، بل إن وجودها ارتبط إلى حد كبير بتواصل إنتاج هذه المادة الذي أمن لها في الماضي العيش. واستمر الأمر كذلك حتى نهاية الاستعمار المباشر. لكن "البقرة الحلوب" (شركة فسفاط قفصة) أضحت بفعل "برنامج الإصلاح الهيكلي" (1986) سيء الصيت الذي أملته الدوائر المالية الامبريالية، ونفذه نظام الحكم في تونس، جحودا على الأعداد المتزايدة من طالبي الشغل من أبناء الجهة وبناتها، وأصبحت الأضرار وحدها هي التي تصلهم.

لقد نزل عدد عمال شركة فسفاط قفصة من 14 ألف عامل في أواخر الثمانينات إلى حوالي 5300 عامل اليوم ! (في سنة 2006 كان العدد الجملي للأعوان 5853 منهم 492 إطارا). وقد جعلت الشركة من المكننة وسيلة للتخلص من اليد العاملة. كما أنها كثفت من الساعات الزائدة لاجتناب انتدابات جديدة، ناهيك أنها صرفت في السنوات الماضية على هذه الساعات ما قيمته 5 مليارات من المليمات.

أما الدولة التي تراجع دورها الاقتصادي والاجتماعي، وانحصر أساسا في القيام بدور "الجندرمي" لإخضاع العمال والكادحين للنهب والاستغلال وثنيهم عن الدفاع عن حقوقهم الأساسية فإنها لم تهيئ النسيج الاقتصادي بالجهة أمام تراجع الشركة لاستيعاب المتغيرات، عبر بعث مشاريع جديدة. فالاستثمارات ظلت تتجه بشكل خاص نحو المناطق الساحلية سواء بحثا عن الربح أو للحفاظ على "الزبائنية" السياسية، وهو ما فاقم ظاهرة الجهويات التي أصبحت تشكل خاصة من خواص النظام الدستوري النوفمبري.

وهكذا وجدت مدن الحوض المنجمي نفسها منسية ومهمشة تعاني من وضع صعب. فثروتها من الفسفاط تنهب من الشركة. ومع إرساء الغسالات أصبحت الشركة تنهب جانبا كبيرا من الثروة المائية للمنطقة والأنكى أن مياه الغسيل الملوثة أصابت كميات المياه المتبقية بالتلوث حتى أن الناس في الرديف مثلا أصبحوا يشربون الماء من عند باعة يجلبونه من مناطق غير ملوثة (20 لتر بدينار واحد). وقد انجر عن هذا الوضع تفاقم البطالة التي بلغت أرقاما مفزعة بما في ذلك في أوساط حاملي الشهادات العليا. وإلى ذلك فقد شهدت الخدمات الصحية والتربوية والنقل ترديا كبيرا بسبب تراجع دور الدولة في هذا المجال وفتحه أمام الخوصصة التي حولت تلك الخدمات من خدمات اجتماعية عمومية في مجال السكن والكهرباء والغاز إلى خدمات تجارية مدرة للأرباح لأصحاب رأس المال. ولم يعد بإمكان الناس البسطاء تحمل نفقات تدريس بناتهم وأبنائهم خصوصا الذين يدخلون منهم الجامعة، أو نفقات علاج مرضاهم أو تكاليف النقل والسكن ومواد البناء واستهلاك الكهرباء والغاز والماء. وقد زاد الطين بلة غلاء الأسعار الذي لم يهدأ والذي شمل المواد الأساسية بشكل خاص مثل المواد الغذائية واللباس وغيرها. وبالنظر إلى ضعف الأجور والمداخيل التي لم تواكب نسق الغلاء، وكذلك غياب أي دخل بالنسبة إلى جمهور المعطلين عن العمل الذي يزداد عددهم يوميا، فقد تحوّلت ولاية قفصة إلى فضاء واسع للفاقة والتهميش الاجتماعي والتسول.

وبالطبع فإن هذا الانهيار الاجتماعي لمعظم سكان المنطقة يقابله تضخم ثروة بعض الأطراف والأشخاص. فالشركة ومن ورائها الدولة وحفنة من بيروقراطييها ازدادت ثرواتهم، خصوصا أن سعر الطن الواحد من الفسفاط ارتفع خلال السنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا (من 38 دولار إلى 140 دولار للطن الواحد).

كما أن أشخاصا معينين مقربين من السلطة قد أثروا ثراء فاحشا، ومن بين هؤلاء الكاتب العام للاتحاد الجهوي بقفصة وعضو البرلمان، عمارة العباسي، الذي كان من المفروض أن يدافع عن العمال والأجراء لكنه ظل يجمع الثروة منذ سنوات عديدة على حسابهم واجدا الحماية من السلطة جهويا ووطنيا، ومن قيادة المركزية النقابية التي لا يقلّ معظم أعضائها عنه فسادا.

وليس خافيا أيضا على المواطنات والمواطنين، بالجهة وهم الذين يشاهدون الفضائيات، وتصلهم الأخبار عن طريق أبنائهم وبناتهم المتعلمين والمتابعين للشأن العام بصورة التعاظم الهائل لثروة حفنة من العائلات المتنفذة (العائلات القريبة من بن علي وأصهاره وأصدقائه...) التي تكاد تستولي على مقدرات البلاد الاقتصادية وتحولها إلى ملك خاص بحماية البوليس والإدارة والقضاء. كما ليس خافيا عليهم استفحال الرشوة التي طالت كافة الميادين بما في ذلك ميدان التشغيل.

كل هذه العوامل متجمعة خلقت حالة من الاحتقان في الجهة، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة وحتى الأشهر والأيام التي سبقت الانفجار الاجتماعي بالحوض المنجمي، عديد التحركات التي قام بها إما أصحاب الشهائد المعطلون عن العمل الذين انتظموا في لجنة جهوية وأبدوا روح مقاومة عالية ونوعوا من تحركاتهم ومن أشكالها النضالية أو مواطنون من هذه القرية أو تلك للتعبير عن سخطهم مما لحقهم من قهر وضيم. ثم جاءت نتائج المناظرة بالشركة لتكون القطرة التي أفاضت الكأس لما للفسفاط وللشركة من وزن ومعنى في حياة سكان الحوض المنجمي بشكل خاص وسكان قفصة بشكل عام. فكانت المظاهرات والمسيرات والاعتصامات التي شملت معظم سكان الحوض المنجمي بمدن أم العرائس والرديف والمظيلة وبصورة نسبية المتلوي.

2 – حركة جماهيرية

لقد اتخذت التحركات منذ الانطلاق طابعا جماهيريا، شعبيا واسعا وهو ما حولها إلى انتفاضة شعبية بأتم معنى الكلمة، وإن اتخذت طابعا محليا. فقد انخرطت تدريجيا في الحركة، كل الفئات السكانية: العمال، والمعطلون عن العمل والمهمّشون، والموظفون وحتى التجار والحرفيون الصغار دون أن ننسى التلاميذ. كما انخرط فيها السكان، من مختلف الأعمار شيبا وكهولا شبانا وأطفالا، ونساء بمن فيهم ربات البيوت. وفي سابقة غير معهودة منذ عقود عدة ذابت الانقسامات القبلية لتترك مكانها للانتماء الطبقي الاجتماعي، فالسكان من مختلف العروش أدركوا أن شيئا واحدا يجمعهم وهو البطالة والفقر وتدهور المقدرة الشرائية وتردي الظروف الصحية. وقد تعزز هذا الشعور بمرور الأيام وتطور الحركة والتحام السكان بعضهم ببعض من خلال النقاشات والمواجهات المشتركة والتعرض لنفس الشدائد. ومن الصعب اليوم أن تعود العجلة إلى الوراء، خصوصا في مدينة الرديف سيّما إذا تواصل تأطير الحركة وتطويرها.

لقد تميزت هذه الانتفاضة باستمراريتها. فقد تجاوزت الآن شهرها الرابع ومع ذلك فهي مستمرة خصوصا في الرديف التي شكلت مع تطور الأحداث، وبسبب نواة قيادية نقابية-سياسية، قلب الرحى. وقلما عرفت بلادنا، منذ "إعلان الاستقلال" في عام 1956 حركة محلية أو وطنية استمرت في الزمن على هذا النحو. وإذا كان لوجود عناصر واعية دوره في استمرارية الحركة، فإن للعوامل الموضوعية دورها في ذلك أيضا. وتتمثل هذه العوامل كما ذكرنا في تردي الحالة الاجتماعية للسكان ولشعورهم بأنهم لم يعد لهم ما يخسرون سوى بؤسهم وشقائهم. فقد انسدت أمامهم أبواب الأمل وفقدوا كل ثقة بنظام الحكم. ومن العوامل التي ساهمت في طول الحركة أيضا هو موقف السلطة. التي عجزت عن إيجاد حلول للمعضلات التي تعاني منها الجهة. كما عجزت عن تلبية المطالب المباشرة التي قدمها السكان وحتى الوعود التي قطعتها على نفسها، بعنوان "إجراءات رئاسية" لفائدة بعض الفئات في أم العرائس خصوصا، فإنها لم تف بها وهو ما وزاد في نقمة المحتجين ووسّع الحركة.

ومن جهة أخرى فإن السلطة لم تقدر على مواجهة الحركة بالقمع منذ البداية. وحتى عندما تدخلت قواها في مطلع شهر أفريل ثم في مطلع شهر ماي بشكل عنيف، في الرديف وفي أم العرائس خصوصا، فإنها فشلت في إخماد الحركة، بل إنها جذرتها وهو ما فرض على السلطة إطلاق سراح الموقوفين الذين استقبلوا في الرديف كأبطال وقادة شعبيين بأتم معنى الكلمة. وما من شك في أن موقف السلطة الذي تجاهل الحركة من جهة واجتنب مواجهتها بالقمع من جهة أخرى محكوم بعدة عوامل. فقد أربكتها جماهيرية الحركة واتساعها، فراهنت في البداية على عامل الوقت عساه يدفع الحركة إلى التلاشي والانحلال، وكانت تخشى إن تنازلت لها أن تتوسع لتشمل مناطق أخرى من قفصة ومن البلاد لأنها تعيش نفس المشاكل. كما كانت تخشى أن يؤدي القمع إلى إعطاء الحركة بعدا وطنيا ودوليا، وهو ما من شأنه أن يفضح الدعاية الديماغوجية للسلطة حول "الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية" و"الإنجازات العظيمة لنظام بن علي". فما وقع في الحوض المنجمي يضرب في الصميم هذه الدعاية ويبين أنها مؤسسة على الكذب. ومن جهة أخرى فإن نظام الحكم لا تفصله على انتخابات 2009 سوى عام ونيف. وقد بدأت الحملة المعدة في قصر قرطاج بمناشدة بن علي الترشح لولاية خامسة لـ" يواصل إنجازاته العظيمة"، وبطبيعة الحال فإن انفجار الوضع الاجتماعي في مدن الحوض المنجمي لا يناسب هذه الحملة بل يضربها في الصميم.

لذلك عملت السلطة ما في وسعها على تهميش الحركة وعزلها مستندة إلى تواطؤ القيادات النقابية البيروقراطية في الجهة وفي المركزية النقابية التي جسدت تواطؤها كما سنبين ذلك لاحقا بمعاقبة بعض النقابيين بالرديف. كما استغلت السلطة ضعف الحركة السياسية وانشغال كل طرف منها بأجندته الخاصة. ولكن كل ذلك لم يمنع الحركة من الاستمرار ومن اختراق العزلة وجلب التعاطف معها عبر الإعلام الذي أحاطته بها "قناة الحوار التونسي" وجريد "البديل" الإلكترونية" وصحافة المعارضة المستقلة أي "الموقف" و"الطريق الجديد" و"مواطنون" والصحافة السرية وبالخصوص جريدة "صوت الشعب" اللسان المركزي لحزب العمال الشيوعي التونسي وكذلك عبر الأعمال التضامنية التي نظمتها "اللجنة الوطنية لمساندة الحوض المنجمي" في الداخل والأحزاب والجمعيات والهيئات التونسية العاملة بالهجرة وخصوصا في فرنسا.

3 - أشكال نضالية متنوعة وجريئة

وقد اتخذت الحركة أشكالا نضالية عدة. بعضها يحمل بصمات الماضي وبعضها الآخر جاء متأثرا بما يدور حولنا عربيا ودوليا من أحداث وبما تنقله وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات من أشكال مقاومة وهو ما يؤكد حيوية جماهير الشعب وقدرتها ولو في حدود على تمثل ما يدور حولها من أحداث واستيعابه وترجمة البعض مما استبطنته وقت الحاجة. فبالإضافة إلى الاجتماعات والمسيرات والتظاهرات التي فرضت فرضا دون إعلام أو ترخيص، برز الاعتصام الجماعي المفتوح في الأماكن العمومية وانتصاب الخيام إطارا لضمان ديمومة الاعتصامات وتوقيف الأنشطة الاقتصادية إما في مقاطع استخراج الفسفاط في كامل المنطقة أو توقيف المغاسل وشل حركة نقل الفسفاط بقطع سكك الحديد. في نفس السياق لجأ الأهالي أيضا إلى إضرابات الجوع المفتوحة والجماعية مثلما فعلت مجموعة من النساء والرجال بمقر الجامعة الدستورية التابعة للحزب الحاكم بأم العرائس أو الفردية مثلما حصل في مدن الحوض المنجمي الثلاث أي أم العرائس والرديف والمظيلة. وإلى ذلك فقد أقدم بعض الشباب على اقتلاع مئات الأمتار من سكة الحديد بالمظيلة وأم العرائس لمنع مرور القطارات في الوقت الذي أقدم فيه بعض الشباب الآخر على كسر أنبوب المياه الذي يصل |أم العرائس بمدينة المتلوي بهدف تعطيل عمل المغاسل هناك. ولم يتردد سكان المظيلة في بدايات الحركة في احتجاز ضابط شرطة برتبة رائد ولم يطلق سراحه إلا بعد أن أطلقت السلطات سراح 7 مواطنين أوقفهم البوليس أثناء المسيرات الاحتجاجية.

ومن الملاحظ أن المواطنين، نساء ورجالا، شبابا وكهولا وحتى شيوخا، أظهروا أثناء المواجهات التي دارت بشكل خاص بالرديف ما بين 7 و10 أفريل قدرة فائقة على مقاومة البوليس الذي داهم المدينة بأعداد غفيرة لإخماد الاحتجاجات وإيقاف النشطاء من النقابيين والشبان. فقد انتظم الشبان حسب الأحياء وقطعوا الطرقات بأكداس الحجارة والعجلات المحروقة وجعلوا من الهواتف النقالة أداة اتصال بينهم لمراقبة تحركات فرق التدخل ومواجهتها بشكل منظم والتركيز على نقاط ضعفها واستنزافها عن طريق الحجارة لإحباطها ودفعها إلى الخروج من المدينة. وهو ما حصل فعلا إذ كان قادة البوليس يتصلون بأعرافهم لإعلامهم بعجزهم عن السيطرة على المدينة بالنظر إلى إصرار الأهالي على المقاومة وعدم خوفهم من القمع. ومما يرويه الأهالي أن قوات البوليس عندما فتحت خراطيم المياه الساخن لتفريق الشبان المتظاهرين في الشارع سارع هؤلاء بنزع قمصانهم والمكوث تحت شلالات الماء يغتسلون بها متندرين"هاو الماء السخون... دوّش بلاش..." بل فيهم من سارع بجلب "الشومبوان" والصابون واغتسل. وهو ما حدا بالبوليس إلى سحب خراطيم الماء والتوقف عن استعمالها. كما يُروى أن رجلا معاقا كان يستعمل "المعلاق" ويصيب الأعوان بدقة كبيرة، وأن امرأة تظاهرت باستقبال الأعوان القابعين أمام منزلها وأهدتهم كؤوس شاي. لكن الشاي كان مخلوطا بحبة "ملوك" مما سبب لهم إسهالا فغادروا المكان. وكان لإغلاق الحوانيت دورها في عزل قوات البوليس التي لم تجد ما تأكل وما تشرب. فما هي إلا ثلاثة أيام حتى أطلقت السلطات الموقوفين وعادوا إلى ديارهم وسط استقبالات شعبية غير مسبوقة.

وبشكل عام فإن ما يميز هذه الانتفاضة سواء كان في الرديف أو أم العرائس أو المظيلة هو كبح جماح التغول البوليسي. فقد مثل خيار اللجوء إلى العنف الهمجي من قبل نظام بن علي الخيار الأساسي لإخماد كافة مظاهر الاحتجاج الفردية والجماعية خلال العشريتين الأخيرتين. فالهراوات نشطت كما يجب لمنع الاحتجاجات في الشوارع وحتى في مقرات الأحزاب والجمعيات القانونية وفي الفضاءات الجامعية وينبغي الاعتراف بأن هذا الخيار كان ناجعا وخلق وضعا سلبيا قلـّما عرفته تونس وهو انحسار الاحتجاجات في دائرة ضيقة وعدم السماح لها بالتطور واتخاذ أبعاد شعبية واسعة ومؤثرة. فبدت تلك الاحتجاجات أعمالا معزولة في محيط من "السلم الاجتماعي" الذي راح النظام يتغنى بها في الداخل والخارج، دليلا على نجاح اختياراته. ولكن الأمر اختلف هذه المرة في الحوض المنجمي، إذ عجز البوليس عن تحقيق ما حققه في السابق على حساب الاحتجاجات النخبوية والمعزولة لا لشيء إلا لأن الحركة شعبية بحق ولأن المشاركات والمشاركين فيها مصممون على النضال وعلى الاستمرار فيه لأنهم لم يعد لهم ما يخسرون سوى فقرهم وتعاستهم. لذلك فحتى عندما تدخل البوليس بعنف في مطلع شهر أفريل ثم في شهر ماي، تراجع بسرعة أمام صمود الأهالي. كما أن السلطات لم تجد أي وسيلة توقف بها التحركات. إن ما اعتادت على منعه حتى على الأحزاب والجمعيات القانونية داخل مقراتها وخارجها مارسه المحتجون في الحوض المنجمي متى وحيثما أرادوا. فالمسيرات تجوب الشوارع في النهار وفي الليل إذا اقتضى الأمر والاجتماعات تعقد في الساحات العامة والبيانات والمنشورات السياسية توزع في وضح النهار وتحت أعين البوليس الذي يكتفي بالمراقبة ولا يتدخل. وبعبارة أخرى فقد خلق الأهالي ميزان قوى لفائدتهم سمح لهم بممارسة حقهم في الاجتماع والتظاهر والتعبير إلخ... ولم يبق أمام البوليس سوى احتلال مدن الحوض المنجمي وإعلان حظر التجول فيها لإيقاف الحركة وهو ما يمكن أن يحصل لاحقا.

4 - انتفاضة عفوية لكن

ما من شك في أن السمة العامة لهذه الانتفاضة كانت وما تزال العفوية. وهي السمة التي برزت بصفة جلية في انطلاق الحركة ولازمتها خلال الأسابيع الأولى. ونقصد بالعفوية غياب القيادة السياسية التي تخطط للحركة وتوجهها وتحدد لها مطالبها. ولكن هذه النقيصة أخذت مع مرور الأيام في التراجع إلى حدود كبيرة، بمنطقة الرديف خاصة بينما هي تتواصل في المدن الأخرى بهذه الدرجة أو تلك. وقد تجلى الوعي في الرديف من زاوية بلورة المطالب المباشرة وربطها بأفق أعم وأشمل، لوجود نواة قيادية متمرسة في المجال النقابي، ولبعض عناصرها تجربة في الحركات السياسية واليسارية خصوصا.

وفي الحقيقة فإن الرديف مثلت منذ الانطلاق الاستثناء في الحوض المنجمي. وحتى الصعوبات التي رافقت تدفق الآلاف من المحتجين وبروز "الخيام" التي وقف وراءها بعض المنتسبين للحزب الحاكم تمّ تذليلها والتعاطي الإيجابي مع تعقيدات تلك الصعوبات مما أفضى إلى تعزيز قوى الاحتجاج وسحب البساط من تحت أقدام بعض أعيان العروش والدوائر المتنفذة في الحزب الحاكم والدولة والاتحاد الجهوي للشغل. فلجنة تأطير التحركات بهذه البلدة، مضافا إليها حزامها الواسع من النشطاء النقابيين والمعطلين وغيرهم، تمكنت من إدارة دفة الاحتجاجات بحنكة كبيرة جنبت الأهالي المجزرة وأمنت استمرار الحراك بوتائر وأنساق مختلفة. وحتى ما عرف بالهدنة الثانية بهذه البلدة فقد رسخت بما لا يدع مجالا للشك من قدرة هذه القيادات على إدارة الأمور وفق مقتضيات التزاماتها وتعهداتها وعززت القناعة بأن هذه القيادة هي الحاكم الفعلي للأهالي في غضبهم وهدوئهم على حد السواء. وعلى صعيد آخر من المهم ملاحظة تطور الوعي لدى الأهالي ولدى النشيطات والنشطاء منهم. فالحركة تعلم الفاعلين فيها، وترتقي بوعيهم وهو ما يزيدها عمقا وتجذرا . وهكذا دواليك. فالجماهير الواسعة التي انخرطت في الحركة وجدت نفسها فجأة في قلب الشأن العام، تناقش مشاكلها وهمومها كما تناقش الأوضاع العامة بالبلاد وتشارك في الجدال السياسي وتكتشف طبيعة نظام بن علي بصورة تجريبية تزيدها النقاشات رسوخا. كما تكتشف قواها الذاتية، وبالتالي قدرتها على المقاومة وعلى فرض نفسها. لقد انهارت أمام سلطتها رموز السلطة المحلية من معتمد وبوليس وحرس وجامعات وخلاي الحزب حاكم. وفي كلمة لم يعد الحديث في السياسية في الرديف ممنوعا أو مخيفا أو محصورا في وسط ضيق، بل أصبح شأنا عاديا، فالجميع ينتقد المعتمد والوالي كما ينتقد بن علي ويتحدث عن الثراء الفاحش لأصهاره وأفراد عائلته وحلقة المقربين منه.

وبعيدا عن الرديف وتحديدا بأم العرائس مثلت خيمة أصحاب الشهادات العليا المعطلين عن العمل حاضنا لمجموعة من الشبان قادتهم تجربتهم الخاصة من جهة وانفتاحهم على محيطهم السياسي والنقابي من جهة أخرى إلى التطور السريع بل المذهل في التعاطي مع مطالبهم الخصوصية في أفق سياسي أوسع أهلهم رويدا رويدا إلى التحول إلى مشروع نواة قيادة متقدمة فكريا وسياسيا ضمن شريحة المعطلين من أصحاب الشهائد العليا دون أن تتمكن من الفعل كثيرا في محيطها الشعبي الواسع وهو أمر منتظر بالنظر إلى عوامل عدة لعل أبرزها افتقارها إلى مقومات خارجة عن نطاقها ومرتبطة بغياب السند النقابي والسياسي الذي توفـّر بالرديف.

ولكن رغم عناصر الوعي هذه لا بد من الإقرار أن هذا التحرك الجماهيري ظل محروما من رؤية سياسية شاملة سواء للحلول بالجهة أو بالبلاد. وقد مثلت هذه النقطة المنفذ الذي تسللت منه أحيانا السلطة لفرقعة التضامن الشعبي وأحيانا أخرى للتسويف ونشر الوعود الزائفة، خصوصا في ظل الاعتقاد السائد بإمكانية حلول المشاكل المتعددة بصفة جوهرية في ظل حكم بن علي ونظامه ورواج الأوهام بين الناس حول إمكانية "لفتة كريمة من سيادته" قد تضع حدا لمعاناتهم. وما من شك في أن عوامل عدة ساهمت وما تزال في انحسار الحركة في إطار محلي ضيق وعدم تشكلها في حركة موحدة حتى على المستوى الجهوي فما بالك بتحولها إلى حركة على المستوى الوطني رغم أن القضايا التي تطرحها هي قضايا عامة تهم كافة فئات الشعب كما تهم كافة الجهات.

5 - ضعف الحركة السياسية

إن أول تلك العوامل هو ضعف الأحزاب السياسية ونقصد هنا ضعف ارتباطها بمحيطها الشعبي. فكلما تقدمت الحركة إلا وحملت المزيد من الوقائع التي تؤكد الهوة القائمة أصلا بين الحركة السياسية من جهة وبين الشعب بكل طبقاته وفئاته من جهة أخرى. وحتى الطفرة الإعلامية التي صاحبت الحركة في البداية، تراجعت بالنسبة إلى العديد من الأطراف في ما بعد، كما أن زيارة بعض مسؤولي أحزاب المعارضة الليبرالية والإصلاحية للجهة وتحديدا لبؤر التوتر انقطعت ولم يتبعها تنشيط إعلامي وسياسي من شانه أن يسهم في فك الحصار المضروب على المحتجين وإعطاء حركتهم بعدا وطنيا، هم في أشد الحاجة إليه.

ولا يمكن تفسير هذا الأمر فقط بضعف انتشار الأحزاب في صفوف الشعب. هذه حقيقة لها أسبابها الموضوعية والذاتية، ولكن هذه لأحزاب كان بإمكانها استغلال هذه الحركة لتجاوز ضعفها وتطوير وجودها غير أن عوائق فكرية وسياسية تحول دون تحقيق هذا الهدف. فبعض هذه الأحزاب، ليس له في الواقع حلولا جوهرية يقدمها لسكان الجهة وللشعب عامة لأنه وإن كان يعارض الاستبداد على المستوى السياسي فإنه يتبنى على العموم الخيار الاقتصادي الليبرالي وما يعنيه من خوصصة وتراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي، كما يتبنى هيمنة الرأسمال الأجنبي على البلاد بدعوى "تشجيع الاستثمار الأجنبي" والنظر إليه كعامل من عوامل "التنمية" وليس كعامل من عوامل عرقلتها وتخريب الاقتصاد التونسي وتعميق تبعيته. وبالتالي فإن حركة كحركة الحوض المنجمي تفند كل ما تقوله الأحزاب الليبرالية عن "مزايا الخيار الليبرالي" ولا تترك لها مجالا كبيرا للتصرف عدا نقد جزئي لهذا الخيار.

وحتى بعض القوى التي تزعم أنها يسارية أو "تقدمية" فإنها ظلت ترقب الحركة من الخارج إما لأنها ليس لها ما تقدمه إليها وتعتبر أن دورها لا يتجاوز التعبير عن المساندة وكأن الأحداث تتم في بلاد "الواق الواق" وليس في جنوب تونس، أو لأنها ترى نفسها غير معنية بها لأنها ليست طرفا فاعلا فيها أو بكل بساطة لأنها تعارض هذه الحركة لأنها من شأنها أن تفسد حساباتها مع السلطة أو أنها ترتاب منها لأنها فندت كل أقاويلها حول "حالة الجزر" أو "ركود الحركة الشعبية" الذي تُتخذه ذريعة لتبرير انهزاميتها.

وهكذا فقد بدا أن هذه القوى السياسية في واد والشعب في واد آخر، لكل "أجندته الخاصة". ولا بد من الإقرار بأن القوى الديمقراطية والتقدمية، ومنها حزب العمال، التي وعت أهمية الحركة في مختلف أبعادها الفكرية والسياسية والاجتماعية فقد اصطدمت بدورها بحدود انغراسها في الجهة، حتى وإن كان لها وضعا أفضل من القوى الأخرى ليبرالية كانت أو إصلاحية وهو ما جعل تأثيرها في الأحداث يختلف من مدينة إلى أخرى، ولكنها بقيت وما تزال في كل الحالات قريبة من جماهير الشعب، تدافع عنها وتنصهر في صلبها وتكسب شيئا فشيئا ثقتها على أمل تطوير تأثيرها في صلبها.

6 - خيانة البيروقراطية النقابية

لعلها المرة الأولى التي يتجه فيها الغضب الشعبي، بهذه الصورة، ضد الاتحاد العام التونسي للشغل، وبالتحديد الاتحاد الجهوي والنقابات المنجمية. فسخط الناس (في مسيراتهم وبياناتهم وأحاديثهم) تجاوز النظام ليشمل رموز الفساد النقابي. هذه الرموز التي زيادة على قبولها بالمحاصصة النقابية في مناظرة الشركة وانخراطها في لعبة العروش و"الأكتاف" والرشوة إضافة إلى استغلالها للعمال مباشرة من خلال شركات المناولة سيئة الصيت، تتحمل مسؤولية جسيمة في الدمار الذي طال الجهة. فالاتحاد الجهوي للشغل ونقابات المناجم، لم تلازم الصمت فقط وإنما رفضت في آخر مجلس جهوي حتى مجرد طرح احتجاجات الجهة، وأكثر من ذلك أصدرت بيانا في ما بعد (بيان 12 نقطة) أصرت فيه على التمسك بنتائج المناظرة وطالبت بالإسراع بتشغيل الناجحين(!) في تحدّ واضح لمطالب المحتجين. فالطرف النقابي المتنفذ بالمنظمة جهويا وعلى رأسه عمارة العباسي مثار سخط الناس ومحل نقمتهم. أما باقي النقابات فهي غارقة في اللامبالاة ولعل الاستثناء الأبرز جاء مرة أخرى من جهة الرديف إذ سارعت النقابات المحلية وعلى رأسها الكاتب العام للاتحاد المحلي على نصرة المحتجين والإسهام النشيط في حراكهم.

أما المركزية النقابية التي غضت الطرف كعادتها عما يجري في المنطقة ثم تظاهرت بإرسال "لجنة تقصّي حقائق" متركبة من عضوين من المكتب التنفيذي معروفين بمعاداتهما للشغالين وبتواطئهما المفضوح مع السلطة والأعراف (محمد شندول ومحمد السحيمي) ومن الكاتب العام للنقابة العامة للتعليم الأساسي محمد حليم، أصيل الجهة. وكما كان متوقعا لم يكن لهذه اللجنة أي تأثير في الواقع النقابي بالجهة، فقد ظل العباسي يتلاعب بمصالح العمال ويناور، وإن بدون جدوى، ضد المحتجين في الحوض المنجمي. ولكن إذا كان منتظرا أن تسلك البيروقراطية النقابية سلوكا مخزيا، معاديا للعمال والكادحين والمحرومين بالحوض المنجمي، لتحولها من زمان إلى مجرد أداة من أدوات الدكتاتورية النوفمبرية، فإن المشكل كل المشكل يتمثل في سلبية إن لم نقل لامبالاة القطاعات النقابية المعروفة تقليديا بنضاليتها وبقدرتها على ليّ العصى في أيدي البيروقراطية النقابية.

لقد تساءل العديد من المتتبعين لما يجري في الحوض المنجمي: أين قطاعات التعليم الأساسي والثانوي والصحة والحال أن زعامات الحركة الاحتجاجية البارزة تنتمي إلى هذه القطاعات وتعرضت للاعتقال والتعذيب؟ وأين هو قطاع البريد أيضا؟ فالنقابات العامة لم تصدر بيانات ولم تنظم تحركات مساندة. وقد جاءت المساندة من نقابات قاعدية ومحلية أو جهوية، لا من النقابات العامة التي لازمت الصمت خوفا من جراد وبطانته أو تواطؤا معهم أو بسبب مشاكلها الداخلية.

7 - لامبالاة المثقفين

لا يمكن للمرء إلا أن يلاحظ أيضا الموقف السلبي لعموم المثقفين. ففي ما عدا قلة قليلة تفاعلت مع الحدث وكتبت عنه بعض المقالات فإن الأغلبية لم "يستفزها" الحدث ولم يلهمها شيئا. وهو ما يؤكد عمق الأزمة التي يعاني منها المثقفون والمبدعون في تونس. فقد انتابهم الإحباط على مدى السنين الأخيرة وفقدوا الثقة بالشعب الذي لم يتردد الكثير منهم من إدارة الظهر له بدعوى أنه "جبان" أو "جحود" ومن الارتماء في أحضان السلطة أو الانغماس في الشأن الذاتي. ولما عادت الروح إلى الشعب من جديد وأظهر أنه "حيّ لا يموت" لم ينفض أولئك المثقفون الغبار عن أنفسهم ولم تحرك أربعة أشهر من الصمود والمواجهات عقولهم وأفئدتهم، فهم لم يمضوا حتى عريضة للتنديد بالقمع ومناصرة جماهير الرديف وأم العرايس والمظيلة التي نخرتها البطالة والتهميش والفقر والجوع. ربما هم في حاجة إلى زلزال يرجّهم حتى يستفيقوا من سباتهم.

ولا بد من إبداء ملاحظة أخرى. فانتفاضة مدن الحوض المنجمي حملت المرأة الشعبية إلى الواجهة بعد تراجع دور العنصر النسائي المثقف في ساحات النضال السياسي والنقابي والحقوقي. وقد تجاوزت المرأة الدوائر التقليدية المعروفة إذ أنها شاركت وتشارك بفعالية في الاعتصامات بالخيام، حتى أن خيمة الـ"10 نساء من أم العرايس" أضحت الأكثر شهرة. لقد سارع هؤلاء النسوة بنصبها منذ اليوم الأول أمام المقر الاجتماعي لشركة فسفاط قفصة بأم العرايس وتمكنت الأرامل من الصمود لما يزيد عن الشهر رغم كل المضايقات بما فيها المتأتية من أقربائهن. وبرزت في هذا المعمعان "خيرة العماري" التي اعتصمت بمقر الحزب الحاكم لما يفوق الشهر. وقد أصرت على البقاء هناك رغم تقدمها في السن وأمراضها المزمنة ورغم أنها حامل في شهرها الأخير، ولم تخرج إلا للذهاب إلى المستشفى لتضع بنتا اختارت لها من الأسماء "انتصار". وإلى ذلك فقد أصبح النساء يترددن بالعشرات ثم بالمئات على مقر الاتحاد المحلي بالرديف مثلا لحضور الاجتماعات الخطابية والخروج في المسيرات، فيهن السافرة وفيهن لابسة "البخنوق" وفيهن المتحجبة. لقد تركن البيت والمطبخ وخرجن للتعبير عن معاناتهن ومعاناة بناتهن وأبنائهن.

إن هذه الحركة كان من المفروض أن تستفز المثقفات وخاصة التقدميات منهن لتوسيع قاعدة الحركة النسائية في مواجهة الدكتاتورية، والتيارات السلفية الرجعية. ولكن، عدا اجتماع وحيد عقدته "جمعية النساء الديمقراطيات" بعد ثلاثة أشهر كاملة من انطلاق الأحداث، لم تحرك المثقفات ساكنا وربما أبدين لامبالاة كبيرة بهذه الحركة التي تضرب في الصميم أنانية البورجوازيات الصغيرات وتعاليهن وخمولهن ونزعتهن إلى الثرثرة حول "انتشار لباس الحجاب" دون القيام بشيء مُجْدٍ للتصدي له وتأطير الفتيات والنساء.

8 - تعاطف شعبي... ولكن

رغم أن الحركة بلغت الآن شهرها الرابع فإنها لم تتوسع ولم تتحول إلى حركة وطنية، تنخرط فيها كافة الطبقات والفئات الشعبية المتضررة من اختيارات نظام بن علي الرأسمالية التابعة. ففي ما عدا بعض الاحتجاجات المحلية والمحدودة زمنيا وعدديا لم تنجح الحركة في استنهاض الجهات والمناطق الأخرى وخاصة الفقيرة والمنسية منها، بل إنها لم تستنهض حتى جهة قفصة بالكامل. فقد تحرك العاطلون عن العمل بزنوش من ولاية قفصة، كما تحرك الفلاحون الفقراء المختطلة صفوفهم بالعمال المتقاعدين والمعطلين عموما ليطالبوا بحفر الآبار للتغلب على الصعوبات المناخية القاسية (الرديف، المظيلة...) وبتسوية الملكية العقارية للأراضي الفلاحية (الرديف) وبتهيئة المسالك الريفية وتعبيدها (المظيلة).

وما من شك في أن عددا من العوامل حكم على الحركة بأن تبقى محلية، ولا يمكن حصر هذه العوامل في الجانب الذاتي أي في انعزالية القوى السياسية ومحدودية تأثيرها أو في خيانة البيروقراطية النقابية، بل لا بد أيضا من اعتبار العوامل الموضوعية. فانتفاضة الحوض المنجمي ارتبطت انطلاقتها بأسباب محلية، أي فسفاط قفصة، وليس بأسباب ذات بعد وطني على غرار الزيادات في أسعار الخبز والعجين في انتفاضة الخبز سنة 1984 التي اتخذت طابعا وطنيا رغم استقالة الأحزاب وتواطؤ البيروقراطية النقابية مع الحكومة.

ولا بد من ملاحظة أن الشباب الطلابي كان له في انتفاضة الخبز دور أساسي، فقد كان لنزوله إلى الشارع يوم 3 جانفي 1984 بتونس العاصمة أثر حاسم في استنهاض شباب الأحياء الفقيرة وجرهم إلى المعمعة. وهو ما أعطى تلك الانتفاضة بعدا وطنيا إذ أنه ما أن انتشر خبر المظاهرات والمواجهات في العاصمة حتى خرج الناس في مدن ومناطق أخرى إلى الشارع. وهو ما اضطر بورقيبة وقتها إلى التراجع عن قرار الزيادات.

ولكن الشباب الطلابي، رغم انتشاره في معظم مدن البلاد، مقارنة بمنتصف الثمانينات، فقـَدَ اليوم الدور الذي يقوم به بحكم العديد من العوامل التي لا يمكن التطرق إليها الآن، وكانت التحركات التضامنية مع أهالي الحوض المنجمي باهتة ومحدودة. ومن البديهي أنه من دون حامل support)) سواء كان حركة نقابية (1978) أو حركة شبابية (1984) أو حركة سياسية فمن الصعب أن تتجاوز انتفاضة الحوض المنجمي إطارها المحلي. وأخيرا فإن الذهنية العامة لجماهير اليوم مختلفة عن ذهنية الأمس. فالناس رغم تدهور أوضاعهم الاجتماعية في الوقت الحاضر، فإنهم يعيشون، رغم تذمرهم ورغم النقمة السارية في صفوفهم، منكمشين على ذواتهم، بسبب ثقل سنوات القمع وما ولدته من خوف وإحباط وتدمير لعلاقات التضامن والتآزر، ناهيك أن الإضرابات التضامنية مثلا منعت قانونيا منذ عام 1996 بموافقة المركزية النقابية. وكذلك بسبب تفتت علاقات العمل إذ ضُرب القطاع العام الذي كانت توجد فيه تجمعات كبيرة للعمال والأجراء، وتطور القطاع الخاص مع كل ما يحمله من أشكال عمل هشة على حساب العمل القار. دون أن ننسى ما ساد في هذا المناخ من "اللبرلة" الوحشية من روح فردانية وانتهازية تقودها عقلية "تدبير الراس". لكن وضعا كهذا قابل لأن ينقلب رأسا على عقب مع تفاقم المشاكل الاجتماعية وانسداد الآفاق خصوصا.

9 - آفاق الحركة

إن انتفاضة أهالي الحوض المنجمي ما تزال متواصلة. وكل ما ظنت السلطة أنها خمدت إلا وعادت الاحتجاجات من جديد بأكثر جرأة وإصرارا على النضال ومن المتوقع أن تتواصل هذه الحركة لمدة أخرى غير قصيرة وذلك لأن السلطة لم تظهر إلى حد الآن أي استعداد للاستجابة على الأقل للمطالب المباشرة للأهالي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الأهالي أنفسهم لم يظهروا أي علامة من علامات التراجع، فكل يوم يمر يزيدهم لحمة وقوة، وتنويعا لأشكال التحرك (مسيرات، اعتصامات، إضرابات عن العمل...).

ولكن من المنتظر أيضا أن تظل الحركة/الانتفاضة مطبوعة بطابع محلي، ذلك أن العوامل التي عاقت إلى حد الآن تحولها إلى حركة واسعة تشمل مناطق أخرى من البلاد، أو على الأقل جهة قفصة بالكامل ليس من السهل تجاوزها في مدة قصيرة. ولكن لا يمكن أن نتكهن بالمستقبل فلو شملت الحركة مدينة قفصة فلا نعتقد أن ذلك لن يكون له تأثير في جهات أخرى من البلاد. بل إنه سيعطي الحركة أبعادا سياسية بارزة. كما يمكن أن تحصل أحداث أو انفجارات في هذه الجهة أو تلك خصوصا وأن الأوضاع الاجتماعية قابلة للمزيد من التدهور بسبب غلاء المعيشة المستمر وتفاقم البطالة وتعمق الفوارق الاجتماعية والجهوية وانتشار الفساد. وبهذه الصورة ستعرف حركة أهالي الحوض المنجمي أبعادا جديدة. ولكن لا يمكننا أن نبني من الآن أحكامنا على افتراضات، بل علينا أن نراعي الواقع ونعمل على التأثير فيه ونبحث عن السبل التي من شأنها أن تمكّن الحركة من تحقيق أقصى النتائج في ظل موازين القوى الراهن. ومن هذه الزاوية فإننا نعتقد أنه من الملحّ أن يتجه الاهتمام مباشرة إلى خلق لحمة بين مكونات الحركة في مدن الحوض المنجمي الثلاث ولمَ لا تكوين قيادة مشتركة حول جملة من المطالب المشتركة للمدن الثلاث في انتظـار التحاق مدينة المتلوي بالحركة.

ومن جهة أخرى فإن أهمّ ضمانة لاستمرار الحركة الحفاظ على توهجها بل وتطويرها هي السّعي لتنظيم الأهالي المنتفضين والمحتجين في أطر خاصة حسب الأحياء ومراكز العمل والدراسة إن أمكن أو على الأقل حسب الأحياء. ويكون دور هذه الأطر تعيين أو انتخاب القيادات المحلية ومناقشة القضايا المطروحة وتحديد المواقف منها وضبط الخطط ومساعدة المواطنات والمواطنين الذين فقدوا الثقة بالسلطة، على تصريف شؤونهم. إن هذا التمشي الديمقراطي قابل للتحقيق وهو من العوامل التي سترتقي بالحركة وعيا وتنظيما.

وأخيرا فإننا نعتقد أنه من الضروري إيلاء أهمية أكثر اليوم للحركة التضامنية في مختلف جهات البلاد. وعلى هذا الأساس يمكن مراجعة تركيبة اللجنة الوطنية للمساندة حتى تصبح وطنية بحق وتشمل كل الفعاليات التي يمكن أن تنخرط في حملة التضامن من أحزاب وجمعيات وهيئات نقابية وشخصيات. فاللجنة تأسست في نطاق ضيق نسبيا ووفق رؤية محدودة تجاوزتها الظروف الآن.







لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,889,284,358





- ارتفاع معدل البطالة في تركيا إلي 12.9%
- نقابة عمالية عامة تبدأ توثيق “الخطة السرية” لأخونتها بواسطة ...
- المواصلات العامّة.. سبباً لعزوف النساء عن العمل
- في يومين.. إعادة مستشفى النجيلة بمطروح لعزل كورونا.. وقرار ب ...
- منظمة الصحة العالمية تدعو غرب أوروبا ومناطق أخرى في العالم ا ...
- التعدي على حقوق العمال بذريعة كورونا
- ارتفاع البطالة في تركيا
- النقابة العامة للغزل والنسيج تخاطب المسؤولين لمنع تشريد 500 ...
- مالية إقليم كوردستان تعلق العمل بقرار استقطاع 21% من رواتب ا ...
- البدوى: غرفة عمليات باتحاد عمال الاسكندرية لمساعدة العمال فى ...


المزيد.....

- تطور الحركة النقابية في المغرب بين 1919-1942 / عادل امليلح
- دور الاتحاد العام التونسي للشغل في الثورة وفي الانتقال الديم ... / خميس بن محمد عرفاوي
- كيف تحولت مختبرات الأدوية إلى آلة لصنع المال وما هي آليات تح ... / المناضل-ة
- النقابية (syndicalisme) في قاموس الحركات الاجتماعية / صوفي بيرو
- تجربة الحزب الشيوعي في الحركة النقابية / تاج السر عثمان
- ما الذي لا ينبغي تمثله من الحركة العمالية الألمانية / فلاديمير لينين
- كتاب خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية / تاج السر عثمان
- من تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية:مؤتمر العمال الع ... / جهاد عقل
- كارل ماركس والنّقابات(1) تأليف دافيد ريازانوف(2) / ابراهيم العثماني
- الحركة العمالية المصرية في التسعينات / هالة شكرالله


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - عمار عمروسية - انتفاضة الحوض المنجمي