أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معن ذياب الطائي - الذات والممارسة السدية















المزيد.....

الذات والممارسة السدية


معن ذياب الطائي
الحوار المتمدن-العدد: 2296 - 2008 / 5 / 29 - 08:59
المحور: الادب والفن
    



ان احدى الاشكاليات الشائعة في الكتابة النقدية المعاصرة هي ضبابية المصطلح النقدي و التباس الدلالة الناتج عن تداخل مجالات الدوائر الاصطلاحية وتداعياتها. و لا يكمن ذلك الالتباس في الانحرافات الناتجة عن الترجمة او ضعف الاحاطة بالاسس المعرفية و المرجعية للمصطلح النقدي فقط ، بل في تعدد وتنوع دلالة المصطلح الواحد بين مدارس النظرية النقدية الحديثة كذلك. ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري تحديد الابعاد الدلالية لمصطلح "السردية" كما يرد هنا حتى يمكن فهم طبيعة الاشكالية التي يتم تاملها بين الذات و الممارسة السردية.

ان الممارسة السردية كمصطلح يتجاوز مفهوم السردية البنيوية.فالسردية البنيوية ليست ممارسة و لا هي فعلا ناتج عن ذات و اعية، انها بناء هيكيلي قابل للتمظهر كموضوع منقطع بالضروروة عن الهوية و عن الزمن وقابل للتفكيك الى وحدات و اجزاء لغرض الدراسة و التحليل.

لقد اقصت الدراسات البنيوية الزمان و الهوية من دائرة اهتماماتها بل و اعتبرتهما من الاوهام النظرية المترسبة عن الدراسات الرومانسية في الادب و الفلسفة. اما اقتران السردية بالممارسة فهو احالة على مجال اصطلاحي مغاير تماما، و منهج نقدي مختلف بداء بالتبلور النظري على يد الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، فالسرد عند ريكور ليس بنية جامدة بل ممارسة و تجربة بالمعنى الواسع للكلمة ، يقول ريكور "تتمثل فرضيتي الاساسية في ان بين فعالية سرد قصة، وبين الطبيعة الزمانية للتجربة الانسانية، تعالقا ليس بالعرضي، بل يمثل شكلا ثقافيا متبادلا من اشكال الضرورة. بحيث يصير الزمن انسانيا، فيصاغ بصيغة سردية، و يكتنز السرد بمعناه الكامل حيث يصير شرطا للوجود الزماني" بول ريكور:الزمان و السرد، ج 1، ص 53 ). وضمن هكذا تصور للسرد تعود الذات الانسانية لتحتل موقعا مركزيا في الفعل السردي بحيث يعني اقصاءها الغاء لأمكانية وجود السرد ذاته.

ان الممارسة السردية تتوسط المسافة الكامنة بين الذات و العالم الخارجي فالحياة "ظاهرة بيولوجية" كما يقول ريكور و يذهب الفيلسوف باركلي الى "اننا نرى المظاهر وحدها، لا الخواص الواقعية للاشياء" ( الوجود و الزمان و السرد، ت، سعيد الغانمي، ص124_125). وبذلك تصبح الممارسة السردية هي الفة الذات مع عالم الاشياء و الظواهر عبر عملية خلق معاني و دلالات لتلك الظواهر و ادخالها ضمن مجال الوعي الفردي و من ثم الجمعي، وعبر هذا النشاط تتحقق الذاتية و تنوجد داخل الزمن.

اننا هنا نتحدث عن فعل وجودي تقوم فيه الذات بأنسنة العالم وخلق وسط غير مادي يتم تواصلها فية مع غيرها من الذوات الاخرى فيما يعرف بالثقافة.وتصف السيميولوجيا الثقافة كمنظومة من الاشكال الرمزية التي يصوغها الوعي البشري الجمعي، وهذه المنظومة ذات طبيعة جدلية و تكونية مرتبطة بالممارسة الانسانية وليست سكونية جامدة، وهذا مايؤكده الفيلسوف و الناقد الايطالي أمبرتو أيكو في كتابه"العلامة: تحليل المفهوم وتاريخه" عندما يتحدث عن اهمية الممارسة الانسانية في انتاج السنن الثقافية: "ذلك ان السنن الثقافية (الاشكال الرمزية) لا تنمو خارج ملكوت الممارسة الانسانية، فالعلامات هي افراز للفعل المفرد و الجماعي، وليست كما سلوكيا مودعا في ذاكرة الانسان خارج تفاعله الحي مع محيطه الطبيعي و الانساني" (أمبرتو ايكو: العلامة ، تحليل المفهوم وتاريخه،ت سعيد بنكراد،ص 11). وياتي هذا التوصيف السيميولوجي للثقافة على الضد من تصور رائد البنيوية، الفيلسوف ليفي شتراوس للبنية الثقافية للجماعة البشرية كمنظومة جامدة تقع خارج حدود الزمان و التاريخ. أن الوعي البشري امام عالم الظواهر و الاشياء الخارجي ينزع غريزيا الى فعل التامل، والذي يتجسد قصديا في محاولات الفهم و التاويل و اضفاء المعنى و الترابط الدلالي ثم يتجه هذا الوعي الفردي للتعبير عن خبرته من خلال الممارسة السردية و التي تتخذ طابعا تواصليا بالضروروة. و الغاية من تلك الممارسة هي خلق وسط ثقافي لمجموعة من الذوات تتواطىء و تتلاقى ضمن الوسط الثقافي الواحد لخلق وحدة وجودية بشرية تسمى بالمجتمع. و يشير الناقد و المفكر سعيد بنكراد الى اننا اذا ماسلمنا "بان العالم الواقعي نفسه هو عالم مبني على شكل و حدات ثقافية، و ان مانطلق عليه (الواقع) هو في نهاية الامر بناء يتم انطلاقا من وجود شبكة من المصافي التي تتوسط ادراك الفرد للعالم الخارجي، فان بناء العالم لن يكون سوى بناء ايديولوجي" ( سعيد بنكراد: سيميائيات الايديولوجيا، ص32). وهنا تتداخل مفردتي الثقافة و الايديولوجيا، حيث اننا يمكن ان نعتبر كل ثقافة هي نوع من انواع الايديولوجيا بالمفهوم العام لمصطلح الايديولوجيا. فالثقافة هي نزوع نحو ادراك الواقعي و تمثيله رمزيا و دلاليا. اي تحويل الشيء الى رمز و دلالة يمكن تداولها حتى مع غياب الشيء في ذاته.

ان الطبيعة الانسانية لا تستطيع التعامل مع عالم الظواهر الفيزيائية المستقلة عن الوعي و الخالية من المعنى. ولذلك يلجأ الانسان، عبر السرد، الى ادخال تلك الظواهر الى مجال الوعى البشري ووضعها في سياق معين يضفي عليها معنى و دلالة ما. ان السرد هو اثبات لوجود الذات امام عالم الاشياء و تاكيد هويتها عبر استخدام الصوت و الزمن. و قد تجسدت هذه الممارسة عبر التاريخ البشري بمظاهر متعددة ظاهريا، غير انها متماثلة جوهريا، مثل الاساطير و الخرافات التي ارتبطت بعلاقة الانسان الاول مع الطبيعة و محاولة اضفاء معاني و دلالات على تلك الظواهر من خلال ربطها بالالهة المتعالية، وبالمنظومة الدينية التي حلت محل الاساطير. ومن هذا المنظور يمكن اعتبار المدارس الفلسفية على تنوع اتجاهاتها و تمايزها ممارسات سردية خالصة.

والسرد هو محاولة الذات ضد الفناء من خلال تاصيل الهوية. فالهوية تحل في السرد و تنتشر فيه. و من ذلك ينشأ الألتباس بين الهوية و السرد، وكأن حضور احدهما نفي و تدمير للاخر.

ان العلاقة بين الذات و السرد ليست علاقة تنافرية طاردة بل تواصلية متفاعلة، و يمكن تصوره هذا بشكل اكثر و ضوحا من خلال مفهوم الخطاب. فالخطاب هو سرد ارتقى من المستوى الفردي الى المستوى الجمعي.
يحدد المفكر ادوارد سعيد مفهوم الخطاب باعتباره " تشكيل عالم متماسك متخيل، تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتندغم فيه اهواء، و تحيزات، و افتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزوعات و تكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته بقدر ما يصوغها الماضي بتجلياته و خفاياه، كما يصوغها بقوة و فاعلية خاصتين، فهم الحاضر للماضي و انهاج تاويله له، و من هذا الخليط العجيب، نسج حكاية هي تاريخ الذات لنفسها و للعالم، تمنح طبيعة الحقيقة التاريخية، وتمارس فعلها في نفوس الجماعة و توجيه سلوكهم و تصورهم لانفسهم وللاخرين، بوصفها حقيقة ثابتة تاريخيا" (ادوارد سعيد: الثقافة و الامبريالية، ت كمال ابو ديب، ص 16). ويكاد يجمع نقاد و فلاسفة مابعد الحداثة على هذا التعريف للخطاب، رغم انهم يفترقون في تحديد دور الخطاب في الممارسة الانسانية بشكل عام. فميشيل فوكو، مثلا، يعطي للخطاب خاصيتي الهمينة و الاقصاء، ويجرد الخطاب من البعد الطبقي الماركسي كما عند التوسير. وعند النظر الى الخطاب باعتباره سردا جماعيا ارتقى الى مرتبة المسلمات، نجد ان هناك تناقض نظري داخل نظرية مابعد الحداثة تجاه كل من الخطاب و السرد، فهذه النظرية تطرح الخطاب كحامل لهوية جمعية داخل زمنية محددة لمجتمع ما، بينما تفشل في استيعاب فكرة حضور الهوية مع السرد في الزمن. فعند التسليم، مع فوكو، بان تحليل الخطاب الحضاري و الكشف عن انساقه يعيننا على الفهم الاعمق و الاكثر شمولية للحضارة الانسانية في حقبة معينة، نجد انه من الصعب تقبل اطروحة رلان بارت حول موت الشخصية و ذوبان الهوية في السرد وتشكل السرد كبنية خارج مدارات الذات و الزمن. فاذا كان الخطاب تعبير عن هوية جمعية داخل الزمن، فان السرد هو تعبير عن هوية فردية داخل الزمن، اي ان الممارسة السردية تعبير عن وجود و فاعلية الذات.

ولمفهوم الذات اشكاليته الخاصة ايضا. فالتصورات البنيوية على الصعيد الفلسفي و النقدي تطرح تصورها عن الذات كمعطى متشكل و تام لايخضع لجدلية التفاعل الداخلي ولا لحركية التاريخ. وهذا التصور ربما كان الارث غير المباشر لفلسفة الانوار، حيث تمثل الذات وعي خالص نقي، او عقل نظري قادر من خلال نمط التفكير الفلسفي الحر ان يعي ذاته، كما تحدث عنها الفيلسوف الفرنسي ديكارت. فقد ربط ديكارت بين الكينونة و عملية التفكير. ويستند موقف بارت الى" نفي وجود اي ذات ممكنة التحقق و لا يترك الا احتمالية وجود الانا الديكارتية الخالصة او الجوهر الروحي المجرد" ( الوجود و الزمان و السرد،ت سعيد الغانمي، ص 257).
ولعل اهم ماطرحته فلسفة مابعد الحداثة هو ازاحة هذا الوهم من مركزية الفلسفة الغربية المعاصرة، وهكذا قلبت مقولة ديكارت الشهيرة الى "انا افكر، أذن فالمجتمع موجود". فلاوجود لحالة العقل الخالص المتعالي الذي يطفو في سديم من الافكار يتخير منها مايستطيع ان يثبت امام منطقه العقلي الخاص، لا وجود لوعي بريء يتجرد من الاحكام المسبقة حتى يصل درجة الصفر في التفكير،ثم يبدا من تلك النقطة بانيا منظومته القيمية و الفلسفية الخاصة. فالوعي يخضع بالضرورة للخطاب القيمي للمجتمع الذي ينوجد فيه. اننا هنا نتحدث عن منظومة من الانساق المعرفية التي تمر من البنية الثقافية للمجتمع في لحظة تاريخية معينة الى الوعي الفردي عبر قنوات مادية لها وجود راسخ مؤسساتي مثل المؤسسات الاكاديمية و الدينية والحكومية. وتغطي تلك المؤسسات كل مراحل تطور الفرد من الطفولة الى الجامعة و الحياة المهنية. كما و تشمل الجوانب المادية و الروحية، فلا شيء يفلت من قبضة المؤسسات داخل المجتمع. و لايعني ذلك التسليم لنوع من السلبية وعدم الفعل، فما تم نقضه هو امكانية وجود الحالة الخالصة للعقل البشري، وليس جدلية ذلك الوعي داخل التاريخ. و لعل التراث الفكري للفلسفة و الفن و الاداب عبر التاريخ تثبت صحة تلك المقولة.

فالذات غير قابلة للتشيؤ الا عبر ممارسات قسرية من المجتمع. وبدلا من تكريس التشيؤ و الاغتراب، الذي يصل الى اعلى حالاته في نفي الذات وانكار حتى امكانية وجودها، نجد ان ريكور اتخذها اساسا لفلسفته والتي تقع على الطرف النقيض من البنيوية، اذ ان مرجعيتها الفلسفية تعود الى التراث الفلسفي الظاهراتي و التاويلي. ولذلك فهو يؤكد انه لايمكن ابدا اختزال الممارسة الى انكشاف بسيط للبنية ( الوجود و الزمان و السرد،ت سعيد الغانمي، ص 235). أن الذات ليست نقية ولا ثابتة، انها متعددة و متغيرة عبر صيرورة جدلية تعمل على مستويين متداخلين مادي و ثقافي.
وهكذا يتم اعادة الاعتبار الى الذات باعتبارها ذات شارحة و مؤولة و هي منتهى المعنى الذي لا يكتمل الا بوجودها، والسرد هو احدى نشاطات تلك الذات التي تنتجه و تتأمل فيه لغرض الفهم والتاويل. وعلى الضد من الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، يوضح ريكور غاياته الفلسفية في سعيه الى الكشف عن " الدور الذي غلفه النسيان للادراك في داخل عالم الحياة الذي اعده اوسع من ان يختزل الى مجرد مخطط نصي" ( الوجود و الزمان و السرد،ت سعيد الغانمي، ص 164). فالسرد هنا لايختزل العالم. بل هو احدى مظاهر وجود الذات و ممارستها لكينونتها داخل الوجود، في سعيها الحثيث لانتاج الثقافة و المعرفة.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,110,890,521





- بوريطة يكشف أمام لجنة برلمانية تفاصيل لقاء جنيف حول الصحراء ...
- بين اللحن الشرقي والموسيقى الإلكترونية.. تانيا صالح ترسم لنف ...
- العراق من اختراع الكتابة إلى ظلمات الأمية
- -غني قليلا-.. مارسيل خليفة يطلق ألبومه الجديد!
- لجنة برلمانية  تستطلع شركة كوزيمار
- انطلاق 55 معرضا بالشارقة الإماراتية تبرز «الفنون الإسلامية» ...
- الجهد الأكاديمي العربي.. لماذا لا نثق بما ننتج؟
- الأفلام القصيرة.. هكذا بدأ كبار صناع السينما المصرية
- اصدار جديد للكاتب د.عاطف سلامة -مشهد من غزة-
- مجلس النواب يجيز قانوني المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمع ...


المزيد.....

- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معن ذياب الطائي - الذات والممارسة السدية