أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - الغلاء، رابحون وخاسرون















المزيد.....



الغلاء، رابحون وخاسرون


محمد باليزيد

الحوار المتمدن-العدد: 2276 - 2008 / 5 / 9 - 11:13
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


تنبأ وأعلن مؤخرا مدير البنك الدولي أن موجة الغلاء الحالية لن تتراجع وأنها من المحتمل جدا أن تستمر حتى سنة 2015.
هل نفهم من هذا الإعلان أن على الشعوب بأن لا تحمل بعد اليوم مسؤولية الغلاء للسياسة المتبعة من طرف حكوماتها . وأنه عليها، هذه الشعوب، أن تعتبر الغلاء ظاهرة عالمية لا سياسية مثل الجفاف والتصحر والكوارث وتواجهه قائلة: "لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا أمر يتجاوز الحكومة. لقد تنبأ به مدير البنك الدولي." وأن تتخلى بالتالي عن كل مظاهر الاحتجاج وترجئ أمرها إلى الله. أعتقد شخصيا أن هذا، إضافة إلى أهداف أخرى لا يعلمها سوى ذوو الاختصاص، هو الهدف من وراء التصريح. وفي مواجهة هذا علينا أن نتساءل ونحاول أن نجيب حتى لا يبقى حق الإجابة والتفسير لما يجري حكرا على مديري الأبناك والمؤسسات الأمبريالية ومخططي السياسة الدولة ومن يدور في فلكهم.
ماهو الغلاء؟ وما هي أسبابه؟ وما علاقته بالسياسة الداخلية؟ وما علاقته بالاقتصاد العالمي أو التجارة الدولية؟ .....كل هذه الأسئلة وغيرها على المناضلين، وبالخصوص ذوي الاختصاص والكفاءة العلمية، توضيحها للشارع الذي يكتوي يوما عن يوم بنار ارتفاع كلفة العيش.
يفهم الغلاء بأنه ارتفاع أسعار المواد. وهذا الفهم، رغم صحته، فإن عموميته تسقط في عدم فهم. لذا يجب أن نتساءل مرة أخرى: هل ارتفاع الأسعار يعني ارتفاع كل الأسعار؟ وهل هذا الارتفاع يكون بنفس النسبة؟ لنبسط ذلك نقول أن الغلاء لن يحس به المواطن (تجدر الإشارة هنا إلى أن كل مواطن له دخل أو أجر(1) هو بالضرورة مواطن ينتج سلعة أو خدمة لها سعر يجب أن يرتفع بنفس النسبة.) ولا يمكن أن يحس به ما لم يكن يعني "تغيير جديد في كيفية تقسيم الدخل الوطني". أعني أن المواطن الذي كان دخله مثلا4000 درهم لن يحس بالغلاء إذا ارتفعت الأسعار، أو نقول ارتفعت تكلفة العيش، بنسبة %5 وارتفع دخله أو أجره من 4000 إلى 4200. أي أن دخله ارتفع بنفس النسبة التي ارتفعت بها الأسعار. لكن إذا كانت الأجور والدخول ترتفع بنفس النسبة التي ترتفع بها الأسعار فإن ذلك لا يعني سوى كثرة الأوراق النقدية دو أن ترتفع تكلفة العيش. وهذا لا يعني سوى بلادة مسيري اقتصاد وسياسة البلد المعني. ذلك أن ارتفاع الأسعار والأجور سيكون دون هدف يذكر. المسألة إذن تتلخص في أنه إذا حدث ارتفاع في الأسعار فإن ذلك سيعني بالضرورة أن دخول المواطنين لن تسايره بنفس السرعة. ومعناه بصيغة أخرى أن كل السلع والخدمات، وهذا يصح على المستوى الوطني كما على المستوى الدولي، لن يرتفع سعرها بنفس الوتيرة. من هنا نفهم أن أية موجة غلاء هي بكل بساطة إعادة تقسيم الدخل الوطني لصالح فئة على حساب أخريات. ولنذكر هنا بعض فئات المجتمع:
*) فئة رأس المال المالي والمتحكمين في الأبناك وما شابهها.
*) فئة الصناعيين. هذه الفئة التي يمكن تقسيمها إلى فئات صغرى كفئة الصناعة الثقيلة وفئة صناعة الأسلحة وفئة الصناعة التحويلية ويمكن تقسيمها حسب معايير أخرى.
*) ثم هناك الفئة الفلاحة التي يمكن تقسيمها إلى فلاحة معاشية وأخرى تسويقية أو حسب تقنية الإنتاج أو حسب المنتوج.
*) فئة الأجراء التي يمكن تقسيمها إما حسب الانتماء للقطاع العمومي أو للقطاع الخاص أو غيره.
*)فئة الحرفيين والمهن الحرة.
*) كما أن هناك فئة سياسية/اقتصادية وهي الفئة المتحكمة في القرار السياسي/الاقتصادي. ورغم تداخل هذه الفئة مع الفئة الاقتصادية من الوزن الثقيل، فإننا نستطيع أن نتحدث عنها كفئة بذاتها.
إن الغلاء، بما هو كما قلنا إعادة النظر في كيفية توزيع الدخل لصلح فئة على حساب أخرى، يمكن أن يكون لصالح فئة من الفئات الكبرى ضد أخرى كما يمكن أن يكون لصالح فئة صغرى ضد أخرى داخل نفس الفئة.
لنبدأ بشرح ميكانيزم الغلاء انطلاقا من مادة واحدة وهي البترول. لنفترض أن أسعار البترول ارتفعت بنسبة %5 مثلا. مع العلم أن البترول يستخدم إما محروقات لوسائل الإنتاج والنقل. وإما كمادة أولية لبعض الصناعات. ولنأخذ كمثل دولة لا تنتج البترول ولكن تستهلكه فقط. سيصبح هناك خياران أساسيان. إما أن تسمح الدولة فقط برفع سعر الخدمات والسلع، لتي يدخل البترول في دورة إنتاجها، بقيمة مساوية للقيمة التي ارتفع بها سعر إنتاج هذه السلع والخدمات. وهذا يعني أن الدولة لم تسمح بإعادة النظر في كيفية توزيع الدخل الوطني. أي أنها لم تسمح للفئة التي يدخل البترول في دورة إنتاجها بانتهاز الفرصة لتحسين حصتها من الدخل الوطني. لكن يبقى على الدولة هنا أن تواجه مسألة تغيير كيفية توزيع الدخل على المستوى العالمي لصالح منتجي البترول والوسطاء في هذا المجال. وكل دولة تعتبر نفسها ذات سيادة ولها حس وطني عليها أن تواجه هذه المشكلة بأقصى ما يمكن من الجدية. وأن تدخل حتى فيما يمكن أن نسميه حربا اقتصادية/تجارية (2) من أجل المحافظة على حصة مواطنيها من الدخل العالمي. لكن ما أبعد حكومات العالم الثالث، وبالخصوص حكومات العرب، عن هذا المستوى. فمثلا الحكومة المغربية تسابق الزمن من أجل الإصلاح النيولبرالي والخضوع إلى مقتضيات التجارة الحرة(3). هذه "الحرية" التي لا يحتاج أحد إلى كثير من الذكاء أو المعرفة كي يفهم أنها ليست سوى ديماغوجية من أجل تغيير حصة الدول والشركات الكبرى في الدخل العالمي على حساب المنتجين الصغار والدول غير الصناعية. والخيار الثاني هو أن تسمح الدولة برفع سعر أسعار المواد والخدمات التي يدخل البترول في دورة إنتاجها بنفس النسبة التي ارتفع بها البترول، أو لنقل بقيمة أكبر من القيمة التي سببها ارتفاع البترول. وهذا يعني، بالإضافة إلى ما قلناه من أثر على المستوى الدولي، أن الدولة سمحت للفئة التي يدخل البترول في دورة إنتاجها بأن ستغل تغير سعر البترول من أجل تحسين حصتها في الدخل الوطني.
هذا مثل عن الأسباب الخارجية التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار. فماذا عن الأسباب الداخلة. إن كل مجتمع لا يخلو من حركية هدفها تغيير كيفية توزيع الدخل الوطني لصالح هذه الفئة أو تلك. وكل فئة تحاول تغيير الموازين لصالحها. لكن أكثر الفئات طمعا وشراهة هي الفئة السياسية/الاقتصادية التي تتحكم في القرار السياسي/الاقتصادي. وغالبا ما تكون حركية الفئات الأخرى هي مجرد رد فعل منها نتيجة تغيير الفئة الحاكمة لكيفية التوزيع. فإضرابات المأجورين والموظفين وحتى احتجاجات بعض فئات الصناعيين لا تأت إلا كرد فعل متأخر على محاولة الفئة الحاكمة إعادة التوزيع لصالحها. وغالبا ما يكون رد الفعل هذا غير قادر على إرجاع الوضع إلى ما كان عليه. وإنما في أقصى الحالات تتراجع الفئة الحاكمة عن جزء يسير مما اكتسبته مؤخرا وهكذا تراكم هذه الفئة لصالحها مستعملة تكتيك "خطوتين إلى الأمام، ثم خطوة إلى الوراء تحت الضغط".
لكن رفع الأسعار مباشرة ليس وحده التقنية الوحيدة لتغيير توزيع الدخل. فهناك تقنيات أخرى منها الضرائب والتضخم إضافة إلى نظام الامتيازات. ومن نافلة لقول ذكر الفساد كالرشاوى واختلاس المال العام وغير ذلك من الوسائل المفضوحة التي هي مجرد سرقة تغر بشكل مباشر وسريع نصيب القائم بها من الدخل العام وبذلك تساهم في الغلاء بالنسبة للفئات الضعيفة.
لقد عرفت البشرية الضرائب منذ أقدم العصور في شكل ضرائب مباشرة يقدمها "المواطن" لجهاز "الدولة" كي تستطيع هذه الأخيرة أن تستمر وذلك مقابل خدمات بسيطة كالأمن مثلا. لكن تطور الدولة والمجتمع جعل الأولى مطالَبة بخدمات أخرى غير أمن المواطن، كالتعليم العمومي مثلا. وهكذا كان عليها أن تجد موارد كثيرة ومتعددة لخزينتها. وبهذا تنوعت الضرائب. فبالإضافة إلى الضريبة المباشرة على الدخل كان على لدولة أن تفرض ضرائب غير مباشرة يؤديها المواطن دون أن يعرف أنه يدفع ضريبة كأن تفرض الدولة على السلع المنتجة والمباعة نسبة من ثمن بيعها وهذه هي الضريبة على القيمة المضافةTVA. وفي الدول الديمقراطية تعتبر الضرائب عامة، سوء على الدخل أو الممتلكات أو المعاملات التجارية أو الضرائب الجمركية وغيرها، من الوسائل الناجعة في تلطيف كيفية توزيع الدخل لصالح الفئات الضعيفة. ذلك أن الضرائب التي تجمعها الدولة تصرف على خدمات عمومية يستفيد منها الفقير بنفس القدر الذي يستفيد منها الغني في حين يمولها الأخير بقدر أكبر بكثير مما يمولها الأول. لكن حين تطالب فئة المأجورين بالزيادة في الأجور وتستجيب الدولة لذلك ، باتفاق مع النقابات، عن طريق تخفيض الضرائب، فإن هذا لا يعني سوى أن النقابات البيرقراطية متواطئة مع الحكام من أجل الضحك على ذقون الفقراء. فهي ستعطيهم القليل، تخفيض الضريبة الذي سيرفع أجرهم بما لا يذكر، وفي المقابل تتخلى عن تقديم أية خدمة عمومية للمواطنين بتخليها عن مصادر تمويلها.
وقبل التطرق إلى مسألة التضخم نشير إلى أن نظام الامتيازات أو ما يسمى باقتصاد الريع، كمنح رخص للنقل ورخص للصيد في أعالي البحار أو التجارة الدولية أو رخص استغلال مناجم أو غابات أو مقالع رملية أو حجرية... كلها ذات معنى واحد هو إعطاء حق الاحتكار في مجال من المجالات الاقتصادية لأشخاص معينين، معنويين أو ماديين، كي يجنوا أرباحا طائلة. هذا الاحتكار الذي لم يعد مقبولا بأي منطق. فبأي منطق مثلا يكون دخول مهنة النقل العمومي محرما على جميع المواطنين سوى من منت عليهم أجهزة المخزن بذلك؟ إنه شيء يتنافى مع مبدإ المساوات كما يتنافى مع أبسط مبادئ الليبرالية، التي لا نمتدح بأي شكل من الأشكال، ألا وهو المنافسة الحرة.
أما التضخم، فهو وإن كان يقترب من نظام الامتيازت في نتائجه، فوسائله تختلف. يُعرَّف التضخم بكون الكتلة النقدية تفوق ما يحتاجه فعليا اقتصاد البلاد. فالكتلة النقدية الرائجة يجب أن تتناسب مع مجموع السلع والخدمات المنتجة والمعروضة. أي أنها يجب أن تتناسب مع ثروة البلاد من منتجات صناعية وفلاحية وخدماتية بشكل يجعل كل مواطن لا يتصرف إلا في ما يساويه منتوجه/خدمته من نقد. لكن حين تكون هذه الكتلة النقدية أكثر من اللازم، فهذا يعني أن في السوق من النقد أكثر مما فيه من السلع والخدمات، وأن سعر البضائع حتما سيرتفع بنفس النسبة التي ارتفعت بها الكتلة النقدية. فمن أين أتت الكتلة النقدية الزائدة؟ وما هي الفئة التي ستستفيد من هذا الخلل؟
من المعلوم أن الدولة هي المتحكمة في صناعة النقد. ومن هنا يظهر أن التضخم، على الأقل من هذا النوع، لن يحدث رغم إرادة الدولة. إن أشهر أنواع التضخم، تحدث حين تكون الدولة في زمن الحرب. حيث يتعطل كثير من جهاز إنتاجها وفي المقابل تحتاج إلى صنع أو شراء المزيد من عتاد الحرب. فتطبع المزيد من النقد في حين تقل أكثر فأكثر السلع المعروضة في السوق. في هذه الحالة تكون الدولة مضطرة لذلك، إن كانت في موقع الدفاع، ويكون على المواطن تحمل تبعات الحرب بغض النظر عما إذا كانت قضيتها تعنيه أم لا. كما أنه في هذه الحالة لا يخلق التضخم قصد استفادة فئة ما. وقد لا يكون هناك مستفيد من هذا الوضع.
لكن التضخم في زمن السلم له أسباب أخرى. ولنشر في البداية إلى ما يمكن أن نسميه "تضخم اللاسلم اللاحرب"(4). إن نظاما لا ديمقراطيا قمعيا، يحتاج إلى قمع المعطلين بدل تشغيلهم وقمع العمال المضربين بدل الضغط على الباطرونا لتلبية مطالبهم، هذه المطالب التي لم تعد منذ أكثر من عقدين سوى مطالب دفاعية وغير هجومية، ويحتاج إلى قمع الآراء والتشويش عليها بدل محاورتها من أجل بناء دولة القانون. في ظل نظام كهذا نجد الدولة تسارع إلى فتح أبواب الجندية والأمن والمخازنية والمخابرات أمام الشباب العاطل، وعلى الخصوص ذوي المستويات الدراسية الدنيا الذين "ما تيتشرْطوا" والذين يسهل تدجينهم "إدگوا فيهم الشوكة". تفتح لهم الأبواب كي يشتغلوا في قطاعات لا تنتج سوى القمع بدل توظيفهم في قطاعات منتجة. وبهذا تقلل الدولة من الإنتاج الوطني وتخلق كتلة نقدية (أجورا) لا مقابل لها في السوق. هذه الدولة التي تحرص على الإنتاجية إلى درجة أنها تصف قطاع التعليم بالقطاع غير المنتج. بالإضافة إلى هذه الوظائف ذات الهدف الأمني هناك وظائف أخرى تخلقها الدولة، غير إنتاجية طبعا، بهدف إعطاء امتياز أو تأليف قلوب أو على شكل هبات لبعض المؤسسات أو الهيئات كالزوايا أو حتى منح لبعض الجمعيات ذات صفة "النفع العام". لكن هذه الجمعيات لا تصرف على النفع العام إلا اليسر اليسير مما تحصل عليه لهذا لغرض. كل هذا أو غيره، يخلق كتلة نقدية ليس لها مواز مادي في السوق مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. وكل هذا يتلخص في كون فئة لا تنتج شيئا تعطيها الدولة "حصتها" من الناتج الوطني بفضل تحكم الأخيرة في خلق النقد.
وبما أننا هنا بصدد التضخم، يستحسن أن نتطرق للتضخم على المستوى الدولي. فكل ما قلناه لا يرتبط سوى بالتضخم داخل اقتصاد وطني. وبأثر هذا التضخم داخل هذا الوطن لا غير. فكيف يسطيع التضخم، على مستوى دولة ما،أن يتخطى الحدود ويؤثر على اقتصاد وشعوب دول أخرى؟
هذه الظاهرة يجسدها الاقتصاد الأمريكي الآن. فهذا الاقتصاد الذي يعاني من التضخم، انخفاض قمة وسعر الدولار$، تعدت آثاره حدود الولايات المتحدة الأمريكية لتصل إلى الدول لتي ربطت عملتها بالدولار وربما حتى إلى دول أخرى.
يعتبر الدولار عملة أداء في التجارة العالمية ولذلك فهو يشكل أهم قسط من مخزون الدول من العملة الأجنبية. ولأن أمريكا داخلة في حروب متعددة في أكثر من منطقة، بالإضافة إلى سياستها في سباق التسلح الذي يعد بمثابة حرب ضخمة والتي لم تتغير رغم انهيار الاتحاد السوفييتي ودعوة روسيا في العديد من المناسبات إلى التخلي عن هذا السباق، نتيجة لكل هذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية دائما في حالة حرب إما ضد عدو حالي وهو ما تسميه "بالإرهاب" أو ضد عدو مستقبلي محتمل يمكن أن يكون كوريا أو الصين أو إيران أو روسيا أو حتى أوربا الغربية ذاتها. فمنطق أمريكا، وهذا ما يفهم من سياستها، هو الكل عدو مستقبلي محتمل وإنما يختلف الأعداء في السرعة التي يستطيعون بها التحول إلى أعداء حاليين. نتيجة هذا فإن اقتصاد الولايات المتحدة يعيش تضخما مستمرا وقيمة الدولار في انخفاض مستمر. وما يظهر من هذا الانخفاض ليس سوى جزء يسير من قيمة الانخفاض الحقيقي. ذلك أن الكمية التي تمتصها الأبناك والخزائن العالمية من الدولار تجعل هذا الأخير في حالة "هروب مستمر من مواجهة نفسه " في الداخل الأمريكي مواجهة كاملة وبالتالي معرفة حقيقته.
إن انخفاض قيمة الدولار باستمرار يؤدي إلى انخفاض قيمة الكتلة النقدية المخَزّنة بالدولار. وهذا الفرق في القيمة تخسره الجهة التي استعملت الدولار، أي وضعت فيه ثقتها، لتخزن ثروتها الخاصة وتربحه الدولة صاحبة هذه العملة،USA(5). مما يجعل المسألة وكأن الدولة التي وضعت ثقتها في الدولار تتحمل مع الولايات المتحدة جزء من متاعب اقتصادها الناتجة عن الحروب. وبصيغة أوضح، تمول حرب الولايات المتحدة أينما كانت. إن الذي أعطى أمريكا حق مشاركة الآخرين معها حربها، حتى وإن لم يقصدوا، هو مسألة اعتبار الدولار عملة أداء دولية. (7) ومعالجة هذا الوضع لن تتم إلا بمعالجة سببه الرئيسي. وذلك يقتضي أن لا تلجأ دولتين ما، من أجل الأداء بينهما، إلى عملة غير عملتيهما. (6) وهو ما سوف يشبه مقايضة بين الدولتين. وقد دعى إلى هذا منذ زمن بعض الاقتصاديين الماركسيين كبديل على نظام التجارة الإمبريالي المبني على قواعد من شأنها استغلال الدول الصغرى.
ما تحدثنا عنه لحد الآن يمكن أن نعتبره تضخما أو غلاء مصطنعا. لذلك وجب أن نتحدث عما يمكن أن نعتبره غلاء طبيعيا، أي نتيجة ظروف طبيعية وموضوعية وليس نتيجة قرار ما بهدف ما. لكن قبل التطرق للغلاء الطبيعي يجب أن نعرف ما هو السعر الحقيقي للمواد الذي لا تدخل فيه أية نسبة من الغلاء. إن تحديد سعر المواد الحقيقي هو مسألة صعبة. فالأسعار تتحدد أوتوماتيكيا في السوق. أي بمسألة العرض والطلب. لكن عبارة أوتوماتكيا هذه ليست بريئة تماما وهذه النظرية فيها ما يقال. لأن ميكانيزمات أخرى تتدخل لكي تعطي لسلعة ما قيمة في الغالب لا تستحقها. ومن هذه الميكانيزمات الإشهار والاحتكار وكذلك العامل النفسي الذي يتمثل في الخوف من نفاذ سلعة ما ولو بسبب إشاعة. نستنتج إذن أن السعر المحدد "أوتومايكيا" في السوق والذي يظهر لنا كسعر حقيقي قبل موجة جديدة من الغلاء، يتضمن هو نفسه قسطا من الغلاء لكنه أصبح معتادا ومقبولا سيكولوجيا ، وهكذا ستصبح الزيادة المقبلة بعد أن تمضي عليها فترة من الزمن. فما هو إذن السعر الحقيقي؟ (8)
عاملان أساسيان يحددان/يدخلان في تحديد سعر سلعة ما. العامل الأول هو كلفة إنتاجها الذي يتضمن سعر المواد الأولية زائد العمل الضروري لإنتاجها. والعامل الثاني هو عامل العرض والطلب الحقيقي وليس المصطنع. وإذا ارتفع سعر سلعة ما نتيجة ارتفاع الطلب، فإن مزيدا من الرساميل، مع افتراض حرية تحركها، ستتوجه نحو إنتاج المزيد من هذه السلعة وبذلك يتوازن السوق. وليس هناك سوى عامل واحد يحد من ميكانيزم السوق هذا ألا وهو ندرة المواد الأولية. أو الظروف الضرورية لهذا الإنتاج. في هذه الحالة يبقى سعر هذه المادة مرتفعا مقارنة بالمواد الأخرى. هذا الغلاء الذي يمكن أن نسميه طبيعي له مفعولان. الأول هو أن غلاء هذه السلعة سيقلص من استهلاكها. وهو ما سيكون بمثابة ميكانيزم ضد تبذير مادة معرضة للنفاذ أو الانقراض. وهذا مفعول إيجابي. أما المفعول الثاني فهو أن غلاء هذه المادة يحدد مستهلكيها في فئة معية من المجتمع، الفئة ذات الإمكانات، ويحرم الفئة الضعيفة من ذلك. وبالتالي يصير عدم تبذير هذه المادة إنما يعني الحفاظ عليها حكرا لهذه الفئة. وهذا مفعول سلبي في نظرنا. فمثلا ارتفاع أسعار البترول يحدد الطبقة الاجتماعية التي تستطيع أن تملك سيارة. وتبعا لهذا، فإن الفئة المحرومة ستفضل أن تستهلك قسطها من هذه المادة ولو أدى ذلك إلى نفاذها في بضعة عقود على أن تحرم هي منها من أجل أن تستمر قرونا إرثا لحفدة الفئة الغنية.
يتضح إذن أن الغلاء الطبيعي إما نتيجة نقص في إنتاج مادة ، نقص العرض، أو عدم زيادة العرض بنفس نسبة زيادة الطلب، النمو الديمغرافي مثلا. أو زيادة اطلب في مادة ليس نتيجة النمو الديمغرافي، وإنما نتيجة استعمال جديد لهذه السلعة . وخير مثال على ذلك الآن زيادة الطلب على بعض الحبوب، ليس لاستهلاكها كمواد غذائية، وإنما لاستهلاكها كمحروقات من أجل إنتاج طاقة غير ملوثة!! لكن هذه الحالة يجب اعتبارها حالة غير طبيعية للغلاء. ذلك أنها ترتبط بقرار سياسي مفاده: "ما يهمنا هو أن ننتج محروقات غير ملوثة كي يستطيع المواطن في الشعوب الراقية التحرك بسيارته وهو مطمئن أنه لا يزيد من تلوث كوكبنا الجميل. ولا يهم أن تحرق سيارته آلاف الأطنان من الذرة أو الأرز التي يحتاج لها مواطنو الدول الضعيفة الذين يمنعهم الجوع من التفكير في مسألة مهمة كالتلوث."
لإتمام الفائدة علينا أن نتطرق إلى مفاهيم اقتصادية مرتبطة بالموضوع مثل كلفة العيش ومستوى العيش وكذلك مؤشر التضخم (IPC).
فالكلام عن ارتفاع كلفة العيش يعني حسب بعض المنظرين أن المواطن سيضطر، للحصول على كمية معينة ،سلة، من المواد، لدفع أكثر ما كان يدفع من النقود سابقا. وهذا تحليل في نظرنا سطحي. ففي نظرنا أن ارتفاع ثمن تلك السلة لا يعني ارتفاع كلفة العش بالنسبة لذلك المواطن إذا ارتفع دخله في نفس الوقت، دون أن يغير من نوع عمله أو يزيد في ساعات عمله الشيء الكثير. إذا ارتفع دخله بنفس النسبة التي ارتفعت بها الأسعار. أما إذا ارتفع ثمن السلة وبقي ذلك المواطن قادرا على شرائها لأنه زاد من ساعات عمله مثلا فإن كلفة العيش ارتفعت فعلا. لذا فنحن نعتبر أن ارتفاع كلفة العيش يعني: أن المواطن لن يحصل على نفس السلة التي كان يحصل عليها إذا احتفظ بنفس عمله وكمه. (9)
وارتباطا بهذا نقول أن ارتفاع مستوى العيش يعني أن يحصل المواطن، وهو يقوم بنفس العمل كما وكيفا، مع إمكانية تطوره، على سلة أكبر من التي كان يحصل عليها إما بزيادة كمية المواد التي كان يقتني أو بإدخال مواد أو خدمات جديدة. أو بالتقليص من وقت عمله لصالح أوقات راحته وهواياته. والحال الآن أن كثيرا من المواطنين في الدول الفقيرة يكرسون كل وقتهم من أجل الحصول على الخبز لا غير.
المفهوم الآخر الذي يجب التطرق له هو مؤشر التضخم،(IPC) . والذي يعني حرفيا: مؤشر ثمن مواد الاستهلاك. Indice des prix de consommation. هذا المؤشر الذي يحسب بالطريقة التالية: نعتبر أن استهلاك عائلة، سلتها،، تتكون من مجموعة من المواد ونتتبع ثمن هذه السلة شهرا بعد شهر أو سنة بعد سنة. فإذا كان ثمن هذه السلة في الشهر 1 هو 302 وفي الشهر 2 صار ثمنها هو 324 فإن عامل التضخم هو: (324-302)/302=0.0728 ونسبة التضخم هي 7.28%.لكن هذا المؤشر يوهم بأنه يعطي الحقيقة لكنه غير ذلك. فأولا مفهوم السلة مفهوم غير دقيق. ذلك أنه لا يمكننا أن نأخذ عائلة، وبالتالي سلة، تمثل معدلا. ومفهوم المعدل هو بالتالي للتغطية على فورق لا حصر لها. فتعدد فئات المجتمع يعطينا تعدد السلال التي ينبغي أن نتتبع كلفتها كل على حدة. لأن هذه السلال لا تتطور كلفتها بنفس السرعة. كما أن هذه السلال نفسها تتطور وتضيف مواد جديدة ولكن ليس بنفس الوتيرة. ومن جهة أخرى ففي حين يمكن أن تنخفض كلفة سلة عائلة غنية لأن النصيب الأكبر فيها تمثله المنتوجات التكنولوجية التي ينخفض سعرها باستمرار وبسرعة. يمكن أن ترتفع تكلفة سلة عائلة فقيرة لأن النصيب الأكبر مننها تمثله المواد الغذائية التي لم تعرف إلا الارتفاع منذ زمن طويل. وهكذا فتحديد سلة متوسطة لا معنى له. يبقى أن نشير إلى أن النظريات الاقتصادية ذات الطابع البرجوازي تتعامل مع الظواهر الاقتصادية كظواهر فيزيائية لا تحمل أي معنى اجتماعي. ولنعط مثالا على ذلك نذكر أحد الاقتصاديين الذي اعتبر أن ما يسمى بالتضخم الحاد (l’hyperinflation) 10 لا يمكن الحديث عنها مالم تصل نسبة التضخم 50% في الشهر!! دون أن يعنى بما يعني ذلك من كوارث.. إنه كمن يقول: "لا يمكن أن ننعت حربا داخلية بحرب أهلية ما لم يصل عدد الضحايا القتلى إلى نسبة 5% من مجموع السكان شهريا ! دون أن يعرف هذا المنظر أنه يحكم على عدد ضخم بالموت شهريا كي يتفضل هو ويطلق على حربهم لقب/وسام "حرب أهلية".
وهذه بعض الأسباب النظرية التي يحددها الاقتصاديون ووراء التضخم:
_ تزايد كتلة النقد. دون أن يشيروا إلى معنى ذلك.
_ نقص معدل الفائدة وتشجيع قروض الاستهلاك.
_ تقلص الإنتاج.
_ زياد الطلب.
_ ارتفاع الأجور! وحين يحدد الاقتصاديون البرجوازيون هذا العامل كمسؤول عن التضخم يتضح جيدا عدم حيادهم العلمي. ذلك أنهم يقولون أن ارتفاع الأجور يرفع من كلفة الإنتاج الشيء الذي يرغم الرأسماليين، المساكين، على الزيادة في أسعار بيع المنتجات مما يؤدي إلى التضخم. والحال أنهم يعكسون الصورة تماما. فحين يزيد ذوو الأبناك أو الصناعيون من هامش ربحهم ترتفع الأسعار فيجد العمال أنفسهم قد فقدوا قسطا من قدرتهم الشرائية فيحتجون ويطالبون بزيادة الرواتب و نادرا ما تستطيع الزيادة في الأجور إرجاع قدرة شراء المأجورين إلى المستوى الذي كانت عليه سابقا.
(1) ما لم يكن أجره مجرد منحة كما سنبين لاحقا بصدد التضخم
(2) لكن زمن الحكومات الوطنية قد ولى ونحن الآن في زمن الحكومات العالمية، أي التي تعنى بخدمة البرجوازية على الصعيد العالمي وليس على الصعيد الوطني.
(3) أن يكون المغرب التلميذ النجيب لتعليمات البنك الدولي ويُمتدح من طرف هذا الأخير. ثم في تقارير هذا الأخير يرتب من بين آخر الدول في مجال التعليم مثلا. شيء طبيعي ولم يفاجئ سوى البسطاء مثلنا. أما النظام والمسؤولين المغاربة وكذلك الدوليين فإن أبدوا دهشتهم وتفاجؤهم فليس ذلك سوى من باب النفاق الذي يعد الميزة رقم واحد المطلوبة في السياسي العالم ثالثي.
(4) سمينا هذا الوضع باللاسلم اللاحرب لأن الدولة في حرب ضد شعبها لكنها حرب تحت شعارات مثل: السلم الاجتماعي، الانتقال الديمقراطي ..............
(6) إن الارتباط بالدولار بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية التي تجنيها منه الولايات المتحدة، يمثل مكسبا معنويا يعني سيادة أمريكا والاعتراف بقوتها، الشريرة الطبع حسب تعابير ساسها.
(5) لكن هذا لا يحدث نفس الضرر لدى كل الدول. فالدول التي تعتبر عملتها عملة صعبة وتستعمل في الأداءات لا تتضرر بنفس الحجم الذي تتضرر به الدول ذات العملات الغير مستعملة في الأداءات الدولة.
(7) لكن هل يتجرأ مدير البنك الدولي وأذنابه بأن يصرحوا أن من بين الأسباب لما نعيشه هو الثقة في عملة دولة شريرة لا ثقة فيها هي نفسها، حسب تعابير ساسها؟
(8) تجدر الإشارة هنا إلى أننا نتحدث عن ميكانيزمات الأسعار في الاقتصاد الرأسمالي وليس الاشتراكي الذي له ميكانيزمات خاصة.
(9) وهنا يجب أن نشير إلى أن ارتفاع الإنتاجية نتيجة تطور التكنولوجيا يعني أن المواطن يجب أن يحصل على نفس السلة التي يحصل عليها السنة الماضية بنفس نوع عمله مع نقص، مهما كان طفيفا، في مدة العمل. هذه هي الثمرة التي يفترض أن تجنيها البشرية من التطور التكنولوجي.
10) نعتذر عن عدم دقة الترجمة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,358,505,658
- بين الدولة والعصابة
- العمل الجمعوي والتنمية
- رؤية الهلال ومسألة علمنة الدين


المزيد.....




- «الفالح»: نترقب آثار العقوبات الأمريكية ضد طهران على أسعار ا ...
- صنعاء تتهم الحكومة بعدم الجدية في مناقشة البنود الاقتصادية ل ...
- محكمة تقضي بكشف إقرارات ترامب الضريبية
- -القناص القاتل- لعبة إلكترونية من إنتاج برازيلي تستهدف الصحف ...
- ترامب: اقتصاد إيران ينهار… سيطلبون التفاوض
- إيران ترفع مستوى إنتاج اليورانيوم منخفض التخصيب
- الخطوة الثانية للرد على ترامب.. إيران تزيد إنتاج اليورانيوم ...
- مصر.. البنوك تنتظر سداد ديون قناة السويس عبر وزارة المالية
- مصر.. 17 مسؤولا يتقاضون 46 مليون جنيه يربكون اجتماع لجنة الم ...
- ترامب: الإيرانيون سيتصلون بنا عندما يصبحون جاهزين واقتصادهم ...


المزيد.....

- السعادة المُغتربة..الحدود السوسيواقتصادية للمنافع الاختيارية / مجدى عبد الهادى
- تقييم حدود التفاوت الاقتصادي بين منطقتي العجز التجاري الامري ... / دكتور مظهر محمد صالح
- المحاسبة والادارة المالية المتقدمة Accounting and advanced F ... / سفيان منذر صالح
- الموظف الحكومي بين الحقوق والواجبات Government employee betw ... / سفيان منذر صالح
- حدود ديموقراطية الاستغلال..لماذا تفشل حركات الديموقراطية الا ... / مجدى عبد الهادى
- الثلاثة الكبار في علم الاقتصاد_مارك سكويسين، ترجمة مجدي عبد ... / مجدى عبد الهادى
- تجربة التنمية التونسية وازمتها الأقتصادية في السياق السياسي / أحمد إبريهي علي
- القطاع العام إلي أين ؟! / إلهامي الميرغني
- هيمنة البروليتاريا الرثة على موارد الإقتصاد العراقي / سناء عبد القادر مصطفى
- الأزمات التي تهدد مستقبل البشر* / عبد الأمير رحيمة العبود


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - محمد باليزيد - الغلاء، رابحون وخاسرون