أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزو محمد عبد القادر ناجي - الفقر فى أفريقيا: أبعاده والإستراتيجيات الموضوعة لإختزاله (السودان نموذجا)






















المزيد.....

الفقر فى أفريقيا: أبعاده والإستراتيجيات الموضوعة لإختزاله (السودان نموذجا)



عزو محمد عبد القادر ناجي
الحوار المتمدن-العدد: 2186 - 2008 / 2 / 9 - 10:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المحتويات

الرقم الموضوع الصفحة

1/ مقدمة 3
2/ المبحث الأول: ويشمل:
الفقر: مفهومه وتعريفاته وأبعاده 4
المسببات الرئيسية للفقر 6
ظاهرة الفقر فى افريقيا 7
الفقر فى السودان كنموذج 9
3/ المبحث الثانى: ويشمل:
معوقات التنمية فى افريقيا 15
معوقات التنمية فى السودان كنموذج 15

4/ المبحث الثالث: ويشمل:
الاستراتيجيات الموضوعة لإختزال الفقر فى افريقيا 18
استراتيجيات السودان لإختزال الفقر 19

5/ الخاتمة 26

6/ المراجع 27





بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
احتلت ظاهرة الفقر مكانة بارزة داخل البحث العلمي وقد كانت أغلب اهتمامات الباحثين على معرفة المشاكل المترتبة أو الناتجة من ظاهرة الفقر مثل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصحية وتأثيرها على المجتمع ومحاولة إيجاد حلول لهذه الظاهرة والفقر ليس ظاهرة تجارب في جيل واحد وإنما هي ظاهرة عميقة الجذور في كل مجتمع ويعتبر الفقر مصدر المشكلات وكافة الشرور والتي يعاني منها الأفراد في أي مجتمع.
إن الفقر في حقيقة الأمر هو الوجهة الأخرى لصور التمايز الاجتماعية واللامساواة وانعدام العدالة التي هي السبب الأساسي الذي ظل وما زال يهدد الحياة البشرية والحضارات الإنسانية سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات والدول والمجتمعات والتمايز الاجتماعي واللامساواة والفقر ليس ظاهرة أبدية متأصلة في الحضارات البشرية تظهر بفعل عوامل بيولوجية يتوارثها الأفراد والمجتمعات وإنما هي نتائج لأنماط تاريخية محددة على العلاقات التي تربط بين البشر.
ومن الواضح أن ظهور مفهومي الغنى والفقر في الحياة الاجتماعية قد ارتبط باستئثار البعض بجانب أكبر من الموارد المتاحة على حساب الآخرين أو ظهور المجتمعات الطبقية، ففي إطار مثل هذه المجتمعات التي تقوم على التميز واللامساواة تختلف أوضاع أعضاء الطبقات المتميزة عن أوضاع غيرها من الطبقات الأخرى.
ويأخذ هذا التمايز صوراً مختلفة تظهر شكل السيطرة على الموارد المتاحة أو الملكية والثورة أو الأدوار التي تتطلبها عمليات الإنتاج أو التنظيم الاجتماعي للعمل. ويعني ذلك أن مفهوم الغنى أو الفقر يرتبطان بالتمايزات الاجتماعية ولا يمكن فهم عوامل تشكل أي منها بمعزل عن الآخر.
كما تتسم دراسات الفقر بوجود مساهمات متنوعة في الاقتصاد، متعددة المداخل، فلا يمكن النظر إلى ظاهرة الفقر من زاوية واحدة، ومن هنا يشترك في دراسة الفقر كل هذه الفروع من المعرفة، ولكن تقتصر هذه الدراسات في معظمها على رصد الظاهرة من حيث الحجم والأبعاد أو الخصائص. بينما لا تتعلق في معرفة الأسباب لهذه الظاهرة.
وتحتاج دراسة الفقراء إلى رؤية بعيدة المدى للقضاء على مشكلة وسوف نناقش من خلال هذا البحث تعريف الفقر وأهم أسبابه وأهم المشكلات وكيفية مواجهتها..
في إطار كل هذه الظروف ظهرت استراتيجية اختزال الفقرPoverty Reduction Strategic Papers والتي تعد الإطار الأساس الذي تمنح المؤسسات المالية الدولية على أساسها القروض للدول الفقيرة. وفي الوقت نفسه تمثل هذه الاستراتيجية فرصة لزيادة المشاركة الشعبية في صنع القرار، وتمنح الدول المقترضة الفرصة لصياغة استراتيجية ذاتية لاختزال الفقر، تتناسب مع ظروفها وأوضاعها الداخلية.
وبناءً على ما سبق تحاول هذه الدراسة التعرف على استراتيجية السودان كنموذج فى اختزال الفقر، وما إذا كان من الممكن اعتبارها حلاً مناسباً لاختزال ظاهرة الفقر في الدول الأفريقية بما يتناسب مع الأوضاع الداخلية لهذه الدول، أما إن هذا الحل يعد تكراراً لحلول سابقة، مثل: برامج التكيف الهيكلي، والتي حاولت المؤسسات المالية الدولية فرضها، بما لا يتناسب مع الأوضاع الداخلية في الدول المطبقة لها.
وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث؛ حيث يتناول المبحث الأول: تعريفاً لمفهوم الفقر، ولظاهرة الفقر في القارة الأفريقية مع أخذ السودان نموذجا، ويتناول المبحث الثاني: المعوقات التي تعترض طريق التنمية في السودان. بينما يتناول الجزء الثالث: استراتيجية اختزال الفقر فى السودان.
المبحث الأول
أولا: الفقر: مفهومه وتعريفاته وأبعاده
من الإدراك العام يمكن القول بأن الفقر هو عدم القدرة عل تحقيق الحد الأدنى من مستوى المعيشة، ونجد في تحليل للنصوص الأولى «القرآن» تعريف "للفقراء" ثم المفرد «الفقر» ثم اسم الفعل «الفقر» فمن حيث الشكل اللغوي يشير الفقر إلى مجموعة من الناس فى طبقة اجتماعية هم الفقراء وليس جوهرا والطبقات الاجتماعية متغيرة متحركة لا تبقى على حال ثابت وهم معرفون بالألف ولام التعريف وليسوا مجهولين جمعا فاعلاً ومفعولاً ومجروراً أي أنهم فاعلون ومفعولين ومستقبلون لأفعال أخرى.
وتتخذ كلمة "الفقر" ثلاثة معانى رئسية هى:
المعنى الأول: هو التعوذ من الفقر وهو معدل للفقر يضع الإنسان قلة وذلة ويجعله يشعر بالظلم وهو المعنى الذي قصده عمر بن الخطاب ] بقوله الشهير: «والله لو كان الفقر رجلا لقتلته».
المعنى الثاني: تجاوز الفقر بالصدفة وضع مؤقت والمساواة بين الناس وضع دائم وهي مسؤولية الحاكم قبل المحكومين.
المعنى الثالث: وهو أن عامة أهل الجنة من الفقراء يدخلون الجنة قبل الأنبياء والفقراء صفة الأنبياء وهو المعنى السلبي الذي استمر في بعض الثقافات عند الصوفية وعلماء العقيدة.
أن الفقر مفهوم سلبي ونسبي يصعب فهمه في ذاته بصورة مستقلة ومنعزلة غيره من المفاهيم الأخرى المرتبطة كمفهوم الغني والرفاه ومستوى المعيشة ونوعية الحياة.
ويشير مفهوم الفقر إلى غياب أو عدم ملكية الأصول أو حيازة الموارد أو الثروة المتاحة المادية منها وغير المادية، فإذا كان هذا النقص في الثروة المادية أو الدخل حيث يكون الفقر اقتصاديا يتمثل في عدم القدرة على إشباع الحاجات البيولوجية (المأكل - الملبس - المسكن) بصورة كلية ويسمى (بالفقر المطلق) أو في مستوى إشباع الحاجات الأساسية وتدني المعيشة ونوعية الحياة وخصائص وقدرات الأفراد والجماعات داخل المجتمع (فقر نسبي) وتدعى عناصر الثقافة الخاصة أو المحلية في الفاعلية الاجتماعية وهنا يأخذ الفقر بعدا ثقافيا واجتماعيا وسياسيا، وهكذا يصبح الفقر ظاهرة متعددة الأبعاد تظهر في أي مجتمع على مستويات وفي صور أشكال مخالفة تكشف عن مجمل أوضاع البناء الاجتماعي.
ويمكن التميز بين ثلاث معاني للفقر وهي:
المعنى الأول: «الفقر الاجتماعي» وهو لا يعني عدم المساواة الاقتصادية الناتجة عن نقص الدخل ولممتلكات وانخفاض مستوى المعيشة وإنما يشمل أيضا عدم المساواة الاجتماعية والدونية الاعتمادية والشعور بالنقص والاستغلال. وهذا يكون الفقر نسبيا لا يوضع مستوى معين من الدخل أو حجم الملكية.
المعنى الثاني: «العوز والحاجة» ويقصد به فئة من الناس غير القادرين على تأكيد وجودهم على المستوى التقليدي الذي يعتبر أدنى مستوى دون أي مساعدات خارجية في أي وقت من الأوقات فهو يحدد المستوى الأدنى الذي يؤدي بالإنسان إلى الهاوية كما يحدد نموذجا للعلاقات الاجتماعية التي تشير إلى من هم المحتاجين الذي يطلبون المساعدة ومن الذي يساعدهم وتميز المجتمعات بين أشكال ذوي الحاجة الذين يستحقون المساعدة.
المعنى الثالث: «الفقر الأخلاقي» يحدد مكانه في نسق القيم في المجتمع أو في أحد جماعته الفرعية ويشير هذا المعنى إلى ما إذا كان الفقر مقبولاً أخلاقيا وإلى المكانة التي يشغلها الفقير وتحول دون استمتاعه لذا فإن التعريف المناسب للفقر هو ذلك التعريف الذي يصف الفقراء وهذا الوصف يختلف من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى.
وأخيرا يمكن القول أن الفقر لا يعبر فقط عن عجز الإنسان عن إشباع حاجاته البيولوجية كما يقرر رجال الفكر الاقتصادي بل يعني كذلك عجز البناء الاجتماعي عن توفير مستلزمات الإنسان المادية والمعنوية وتأثير ذلك على عمليات الاندماج والعلاقات الاجتماعية وتكوين شخصية الفرد في المجتمع وتشكيل قيمته وثقافته بل تحديد دوره ووزنه السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
فالفقر يجب أن ينظر إليه على أنه «حالة يعجز فيها الإنسان بسبب مجموعة من العوامل الموضوعية والذاتية عن تلبية حاجاته المادية والمعنوية في ظل نظام اجتماعي وثقافي محدد».
ويحمل الفقر معاني مختلفة باختلاف رؤى الباحثين منها ما هو مادي أو اجتماعي أو ثقافي ولذلك فالفقر ظاهرة مركبة تجمع بين أبعادها ما هو موضوعي (كالدخل والملكية والمهنة والوضع الطبقي) وما هو ذاتي (أسلوب الحياة ونمط الإنفاق والاستهلاك وأشكال الوعي والثقافة).
إن تحليل وفهم الفقر كظاهرة اجتماعية يعتمد على تحليل كيفي لظاهرتين أساسيتين تتعلق الظاهرة الأولى بعملية التفاوت في توزيع الدخل وإعادة توزيعه على الفئات الاجتماعية وترتبط الظاهرة الثانية بقضية التفاوت الطبقي والتمايز المعيشي وتشير الظاهرة الأولى إلى اختلاف واضح بين رجال الفكر في رؤية الفقر وتحليله وتحديد العوامل المساهمة في انتشاره وبينما يرى فريق منهم أنه يجب التركيز على مفهوم المركز النسبي للفقراء في إطار السياسات الاقتصادية للدولة.
ويعرف الفقر في قواميس علم الاجتماع بأنه مستوى معيشي منخفض لا يفي بالاحتياجات الصحية والمعنوية والمتصلة بالاحترام الذاتي لفرد أو مجموعة من الأفراد. (وينظر على المفهوم نظرة نسبية نظرا لارتباطه بمستوى المعيشة العام في المجتمع وبتوزيع الثروة ونسق المكانة والتوقيعات الاجتماعية)، هذا ويعرف خط الفقر عادة بأنه الحالة التي يكون الفرد فيها عاجزا عن الوفاء بتوفير متطلبات الغذاء، الملبس، والمأوى الضروري لنفسه.
ويعرفه «فليب عطية»: بأنه ندرة المادة أو تبديدها أو توزيعها على نحو غير عادل.
ونجد أن الفقر ظاهرة متعددة الأبعاد يمكن التعبير عنها من خلال مفهومين للفقراء هما:
- فقر الدخل (الذي ينصرف إلى عدم كفاية الموارد لتأمين الحد الأدنى لمستوى المعيشة المناسب اجتماعيا).
- فقر القدرة (الذي ينحرف إلى تدني مستوى قدرات الإنسان إلى حد يمنعه من المشاركة في عملية التنمية).
ويرى «مارك فريد» إلى أن الفقر حالة واقعية وليست وحدة تصورية وأنه يمثل مجموعة مشكلات غير مترابطة مثل تفشي البطالة والبطالة المقنعة واللامساواة في الرفاهية وتفاوت الخدمات في البيئة الحضرية أي أن الفقر واقع اجتماعي يتطلب التفسير.
وهكذا يتبين لنا أن مضمون الفقر لا يرتبط فقط بالحرمان والعوز المادي فقط وإنما هو ظاهرة مركبة تتضمن معايير متعددة.
وبعد كل هذه التعريفات الخاصة بالفقر نستخلص منها أن الفقر ليس فقط عجز إمكانية الفرد لتلبية حاجاته الأولية فقط ولكنها تشمل عدة أبعاد هناك بعد اقتصادي وأحيانا اجتماعي وأخر سياسي وسيكولوجي وكل تلك الأبعاد تؤثر على الفرد وتنمية المجتمع ككل.
ومن هذا المنطلق رُكّزت الحلول العديدة التي طرحتها الأمم المتحدة لاختزال ظاهرة الفقر في العالم النامي على بعدين أساسيين: فمن ناحية ركّزت على تنمية القطاعات التي يتركز فيها الفقراء، ومن ناحية أخرى عملت على تمكين هؤلاء الفقراء، وتنمية قدراتهم ليتمكنوا من الخروج من دائرة الفقر. وعلى هذا الأساس كانت استراتيجية اختزال الفقر كما سيرد تحليله في جزء لاحق في الورقة.

ثانيا : المسببات الرئيسية للفقر:

نجد أن أهم أسباب الفقر تندرج تبعا لأسباب أو أبعاد رئيسية وهي أما بعد سياسي أو اجتماعي وتعتبر تلك الأبعاد ذات تأثير قوي على الفرد والمجتمع ككل.
1- البعد السياسي:
نجد في هذا البعد أن التوزيع الجغرافي لبعض البلاد قد يؤثر على مستوى المعيشة بالنسبة لأفراد المجتمع وذلك بسبب قلة الموارد المتاحة للأفراد وبالتالي يؤثر على مستوى المعيشة نظرا لسوء التوزيع الجغرافي.
نجد أيضا الحرب قد تؤثر على مستوى معيشة الفرد وتجعله يعيش في مستوى أدنى للمعيشة وذلك لأن الحروب تؤثر على النشاط الاقتصادي وعلى الموارد الموجودة والحصار الذي يفرض على أي بلد على الأفراد أيضا لأنه يوقف أي نشاط أو استثمار وبالتالي لا يجد أفراد المجتمع أمامهم إلا الموارد المتاحة لهم وبالتالي يصلوا إلى مرحلة الفقر المطلق وهي عدم القدرة على إشباع الحاجات الأولية (كالمأكل - والملبس).
ونجد أيضا أن بعض السياسة في بعض المجتمعات تكون السبب في ظهور ظاهرة الفقر والتي ترجع إلى امتلاك بعض من أفراد المجتمع الثروات وأيضا السلطة والبعض الآخر لا يستطيع أن يملك شيئاً من هذا.
2- البعد الاقتصادي:
ويظهر من خلال الظروف التالية:
1/ بعض الأزمات الاقتصادية في بعض المجتمعات التي تؤثر على طريقها على أفراد المجتمع مثل: عدم الاستفادة من الموارد التي تساعد على رفع المستوى الاقتصادي للبلد أو المجتمع.
2/ التطورات الاقتصادية الدولية مثل الـ "جات" والعولمة والخصخصة والتمويل الاقتصادي ولا يعتبر ذلك نجاحاً اقتصادياً في بعض المجتمعات وإنما سيعمق مشكلة الفقر.
3/ عدم استغلال الموارد الطبيعية الموجودة في المجتمع مثل (البترول - الزراعة - الأنهار) وبالتالي يكون استهلاك أفراد المجتمع أكثر من الإنتاج وزيادة الإنتاج.
4/ عدم الاهتمام بإنشاء أنشطة جديدة داخل المجتمع مما تزيد وتحسن من دخل المجتمع وأفراده.
5/ عدم الاهتمام بتكوين علاقات جيدة مع العالم الخارجي للمجتمع لتبادل الأنشطة التجارية بين المجتمعات وبعضها البعض.
3- البعد الاجتماعي:
ويظهر من خلال الظروف التالية:
1/ ثقافة المجتمع والمبادئ التي يقوم عليها هل هي المساواة أم اللامساواة بين أفراد المجتمع.
2/ عدم تقديم الخدمات مثل الرعاية الصحية والتعليم وفرص العمل بالنسبة لأفراد المجتمع تعتبر من أهم الأسباب المؤدية لظهور الفقر.
3/ ظهور النظام الطبقي والتمايز بين الطبقات والذي يؤدي إلى عدم وجود مشاركة فعالة بين أفراد المجتمع أيضا من أهم أسباب الفقر.
4/ عدم الاهتمام بالتنمية الثقافية بالنسبة لأفراد المجتمع قد يكون ضمن الأسباب المؤدية لظهور الفقر.
ونجد من خلال طرح الأبعاد الثلاثة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مع اختلاف الأسباب الناتجة من خلال هذه الأبعاد إلا أنها تعتبر مرتبة ببعضها وذو تأثير قوي على هذه الظاهرة وهي الفقر وينتج عن كل ذلك الحالات التالية:
1- البقاء في دائرة الحروب مما يؤدي بدمار أفراد المجتمع وانهياره ككل.
2- انعدام أو تدني في مستويات الدخل.
3- انتشار البطالة.
4- انخفاض مستوى المهارة وظهور الأمية (الجهل).
5- ظهور وانتشار الأمراض وانخفاض مستوى الرعاية الصحية مما تؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات.
6- نقص وسوء التغذية والتي تؤدي لانتشار الأمراض.
7- تدني مستوى الإسكان.
8- ظهور المشكلات الاجتماعية مثل التفكك الأسري الناتج عن عدم قدرة رب الأسرة على تحمل المسؤولية لباقي أفراد الأسرة والتي تؤدي إلى:
9- اللجوء إلى نزول الأطفال إلى مجال العمل وترك الدراسة لمساعدة سد احتياجات الأسرة من مأكل وملبس.
10- انتشار الجرائم مثل القتل والسرقات والاختلاس الناتج من انخفاض الدخل ومستوى المعيشة والرغبة في الثراء أو الحصول على المال لسد احتياجات الأسرة.
11- قلة فرص التعليم بالنسبة لأفراد المجتمع.
12- نقص القدرة والضعف الجزئي والكلي عن المشاركة بفاعلية في الحياة الاجتماعية والاستمتاع بثمار التطور الحضاري والتنمية.

ثالثا: ظاهرة الفقر في أفريقيا

تعانى أفريقيا جنوب الصحراء من ظروف معيشية متدنية؛ حيث يعاني ثلث تعداد سكانها من الجوع، ويموت نحو سدس عدد أطفالها قبل سن الخامسة، برغم استمرار الزيادة السكانية في الكثير من دولها. وما زال الركود الاقتصادي، وانخفاض مستويات المعيشة سائداً في أغلب مناطقها. وهو الوضع نفسه الذي كان سائداً منذ عقد سابق من الزمان؛ مما يعني إخفاق كل المحاولات التي بذلتها دول القارة، والمؤسسات المالية الدولية لرفع معدلات النمو الاقتصادي، وإنجاح تجارب التنمية، وتحسين مستويات معيشة أبناء القارة.
وعلى مدى عقدين كاملين بُذلت العديد من المحاولات لاختزال الفقر في أفريقيا، إلا أنها أخفقت جميعاً في تحقيق أهدافها. واستمرت هوة الفقر التي تفصل بين القارة الأفريقية وباقي دول العالم في الاتساع. حيث تنقسم الدول الأفريقية ما بين دول منخفضة الدخل: (وهي الأغلبية؛ حيث يبلغ عددها 40 دولة أفريقية)، وتبلغ حصة الفرد فيها 745 دولاراً أو أقل سنوياً من إجمالي الدخل القومي، وفقاً لإحصاء عام 2001م، ودول متوسطة الدخل (ويبلغ عددها 14دولة)(1)، وتتراوح فيها حصة الفرد من إجمالي الدخل القومي ما بين 746 إلى 9205 دولارات في عام 2001م(2).
وتبدو خطورة هذا الوضع إذا عرفنا أن التقديرات المعتدلة تطلب أن تحقق الاقتصاديات الأفريقية معدلات نمو لا تقل عن 7% للحد من الفقر بصورة كبيـرة. وفي ظل ظروف أفريقيا الاقتصادية الحالية يعتبر هذا تحدياً كبيراً في ضوء أهداف الألفية الجديدة، وتتلخص في: اختزال الفقر والجوع، وتحقيق تعليم ابتدائي عالمي، وتطوير المساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، وتخفيض نسبة الوفيات بين الأطفال، وتحسين الصحة الإنجابية، ومحاربة الإيدز، والملاريا، وغيرها من الأمراض، ودعم البيئة المستدامة، وتطوير شراكة عالمية للتنمية(1).

على الرغم من النجاح النسبي الذي حققته القارة الأفريقية في رفع مستوى معيشة الأفراد، إلا أن حصة أفريقيا ممن يعيشون تحت خط الفقر؛ (أي من يحصلون على أقل من دولار أمريكي يومياً) ما زالت هي الأكبر؛ حيث يقدر عدد هؤلاء بحوالي 522 مليوناً في جنوب آسيا في عام 1998م، بالمقارنة بما يقرب من 291 مليوناً في أفريقيا جنوب الصحراء، و278 مليوناً في شرق آسيا ومنطقة المحيط الهادي. وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها دول القارة لخفض نسبة هؤلاء، إلا أن النجاح كان نسبي؛ حيث تمكنت القارة من خفض نسبة من يعيشون تحت خط الفقر بواقع 1.4% فقط في الفترة من 1990م، وحتى 1998م، وهي نسبة ضئيلة إذا ما قورنت بالنجاح الذي حققته القارة الآسيوية؛ حيث انخفضت النسبة بواقع 4% في منطقة جنوب آسيا، و12.3% في منطقة شرق آسيا (انظر الجدول 1). وهو ما يعني أن نسبة من يحصلون على أقل من دولار أمريكي يومياً قد زادت من 19% في عام 1990م إلى 24% في عام 1998م (2).
وعلى الرغم من ارتفاع إنتاج الغذاء في الفترة من عام 1980م إلى عام 1995م في مناطق الدول النامية بنسبة 27% في آسيا، و12% في أمريكا اللاتينية؛ فقد انخفض في أفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 8%. ورغم انخفاض انتشار الجوع في آسيا إلا أن ثلث سكان أفريقيا ما زالوا يعيشون في ظل الجوع الشديد، والنسبة في ازدياد مستمر. وما زالت القارة الأفريقية تعاني من ارتفاع نسبة السكان الذين يعانون من سوء التغذية؛ حيث انخفضت النسبة انخفاضاً طفيفاً من 35% إلى32%، في حين تأمل أهداف التنمية إلى خفض النسبة إلى 17% في عام 2015م، وهو هدف بعيد المنال استناداً إلى مسار الإنجازات الحالية. (
ويلاحظ ارتفاع نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية خلال التسعينيات في أمريكا اللاتينية لتصل إلى 90% من الأطفال، وتبلغ النسبة 79% في جنوب آسيا، بينما زادت النسبة 3% فقط في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تصل نسبة الأطفال الملتحقين بالمدارس الابتدائية إلى 60% من الأطفال (انظر الشكل 2)، ونتيجة لهذا ترتفع نسبة الأمية في أفريقيا. حيث قدرت نسبة الأمية في القارة الأفريقية لدى البالغين من العمر 15 عاماً وما فوق 62.4% في عام 2001م بعد أن كانت تقدر بما يربو على 50% في عام 1990م، بينما ارتفعت هذه النسبة في الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً من 76.4% في عام 1990م إلى 77.9% في عام 2001م، كما وصل مجموع نسب الالتحاق الإجمالية بالتعليم الابتدائي والثانوي والعالي في الفترة من 2001م إلى 2002م ما يقرب من 45%؛ وذلك رغم اختلاف نسبة الأمية فيما بين الدول الأفريقية؛ حيث تصل إلى أدنى معدل لها في دول مثل: زيمبابوي (12%) وموريشيوس (16%)، بينما تبلغ أعلى معدلاتها في دول مثل: النيجر (85%)، وبوركينا فاسو (77%)، وجامبيا (56%)(1). يتضح عدم امتلاك الأفراد في القارة للقدرة العلمية التي تمكنهم من الارتقاء بوضعهم الاقتصادي، أو مكانتهم الاجتماعية؛ فتظل أوضاعهم الاقتصادية بلا تغير يُذكر، مهما كانت المحاولات المبذولة في سبيل ذلك.
كما ترتفع نسبة الوفيات أثناء الحمل والولادة بشكل مخيف في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تصل النسبة إلى نصف وفيات الأمهات في العالم النامي؛ حيث تتوفى أُمّ من بين كل مائة أثناء الولادة. وفي هذا الإطار تبدو الأهداف التي وضعتها الأمم المتحدة أهدافاً بعيدة المنال؛ حيث تنص على تخفيض وفيات الأطفال بنسبة الثلثين مع حلول عام 2015م، بينما تبلغ نسبة الوفيات من الأطفال دون الخامسة في أفريقيا 17%، ومن هنا لن تتمكن القارة من تحقيق هدف خفض الوفيات سوى بعد نحو 150 عاماً .
وفي حين يعتبر الحصول على مياه الشرب النقية أمراً ضرورياً للبقاء على قيد الحياة، ولتحقيق أهداف التنمية، تبلغ نسبة السكان الذين لا يحصلون على مياه مأمونة 65% في آسيا، بينما تصل إلى 28% في أفريقيا.
أما بالنسبة للصرف الصحي؛ فيقدر عدد المحرومين من سكان آسيا 80%، بينما تصل نسبة المحرومين من خدمات الصرف الصحي إلى 13% في أفريقيا .
إلا أن (الفقـر) وفقـاً لتعـريـف البنـك الدولـي لا يقتصر على المعنى المادي فقط، بمعنى الحرمان من المال والثروة (وهو ما يقاس بمفهوم الدخل والاستهلاك)، ولكنه يتسع ليشمل انخفاض نصيب الفرد من عوائد التنمية الاقتصادية .. من الخدمات الأساسية، والتعليم والرعاية الصحية... إلخ(1).
فالفقير ليس من تنقصه الأموال والثروة المادية فقط، ولكن هو من يعاني من ضعف مستوى الدخل ومن ثم الاستهلاك، وضعف نصيبه من الخدمات التعليمية، والصحية، والأمن؛ نتيجة تعرضه للتقلبات الاقتصادية، وكذلك يعاني من ضعف فرصته في المشاركة السياسية، ومن ثم فرصته في الوصول إلى السلطة(2).
وبهذا المعنى لا يصبح الفقير فقيراً بالوراثة، ولكنه يصبح كذلك عند افتقاده للوسائل والأدوات التي تمكنه من الخروج من دائرة الفقر والتهميش، وتعينه على تحسين مستواه الاقتصادي والاجتماعي.
ومن هنا يكون اختزال الفقر من خلال تمكين الفقراء Empowerment، بمعنى منحهم الأدوات والقدرات التي تمكنهم من تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية وظروفهم المعيشية(3).

ثالثا : الفقر فى السودان كنموذج
1/ البعد التاريخى:
السودان هو أكبر قطر في أفريقيا وتاسع أكبر قطر في العالم (تبلغ مساحته حوالي 2.5 مليون كيلومتر مربع), ويشترك بحدود واسعة مع تسعة دول. وبسبب كبر حجمها, فإن البلاد تغطيها عدد من المناطق المناخية. لقد إنعكس هذا التنوع الجغرافي أيضاً علي سكانه, ونتيجة لذلك فإن البلاد متعددة الثقافات, الأعراق, اللغات و الأديان. يقدر عدد السكان بحوالي 32 مليون نسمة, الغالبية العظمي منهم ( حوالي 70% وفقاً لتعداد السكان عام 1993) يعيشون في المناطق الريفية, ولو أن ذلك يمكن أن يكون قد تغير بسبب الهجرة الكبيرة من الريف إلي الحضر في السنوات الأخيرة, وبالرغم من ذلك فإنه من غير المحتمل أن يكون ذلك قد أثر علي الطبيعة الريفية الغامرة للسكان. إن البلاد متناثرة السكان بسبب حجمها بالمقارنة مع عدد سكانها بالإضافة إلي ذلك فإن حالة الطقس التي يغلب عليها الطبيعة الجافة والتي يصعب التنبؤ بها قد أثرت علي أجزاء واسعه من البلاد وجعلتها عرضة لنوبات من الجفاف الشديد و/أو الفيضانات الكبيرة. إن الغالبية العظمي من السكان فقراء بمتوسط دخل فرد أقل من 400 دولار في السنة, ولو أن هذا المستوي المنخفض للدخل لايعكس التباين الكبير بين الأقاليم في التنمية الإقتصادية والإجتماعية. إن مستويات التعليم منخفضة و الأمراض واسعة الإنتشار وتشكل عبئاًً ثقيلاً. البنيات الأساسية( الطرق, النقل النهري, الطاقة الحديدية, المياه, الإتصالات, بالإضافة الي وسائل الري) إما غير موجودة أوغير متطورة وغير كافية, وحتي القليل الموجود منها منهار نتيجة للإهمال الطويل لعمليات الصيانة الضرورية والدورية. ونتيجة للهجرة الكبيرة والمستمرة للكوادر المدربة لدول الخليج الغنية بالبترول والتي بدأت في مطلع السبعينات وما زالت مستمرة إلي الأن ولكن بكثافة وسرعة أقل مع التدهور الكبير في نوعية وفعالية القدرات المؤسسية, فإن المحاولات السابقة في التعامل مع هذه المشاكل الهيكلية قد ثبت أنها لم تكن كافية. وهذه العوامل قد زادت حدة نتيجة للوضع السياسي الصعب منذ الإستقلال, وقد ساهمت جميعها في الحلقة المفرغة ما بين الصراعات السياسية, الأضطرابات المدنية والتخلف.
ظل أداء الإقتصاد السوداني منذ الإستقلال دون التوقعات وخصوصا في ضوء الهبات والخيرات التي تتمتع بها البلاد من موارد طبيعية بالإضافة للإستثمارات الضخمة التي تمت في تنمية وتطوير الموارد البشرية والمهارات. وفي لب هذه الظاهرة تكمن الحرب الأهلية التي ظلت مستعرة منذ الإستقلال ما عدا فترة قصيرة بعد إتفاقية السلام بأديس أببا عام 1972. العامل الرئيسي الأخر الذي ساهم في ذلك هو ضعف وعدم ملاءمة السياسات الإقتصادية السائدة خلال معظم أجزاء فترة ما بعد الإستقلال. وفي الوقت الراهن, يقف السودان في مفترق الطرق لتغيير كبير. حيث يبدو أن السلام أخيرا أصبح في متناول اليد وقد تم أيضاً إجراء إصلاحات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية والتي نتج عنها تحسن في الأداء الإقتصادي وتم وضع الأساس لمزيد من النمو الإقتصادي الشامل والعادل والمستمر. وعلي الرغم من أن هذين التطورين قد وجدا الترحيب, فإن تفاعلهما يضع تحديات جديدة أمام البلاد في كيفية مقابلة المتطلبات العاجلة للسلام والمحافظة علي المناخ الملائم للإقتصاد الكلي لتعزيز النمو والتنمية.
2/ تقييم الفقر:
فى حين أنه لا يمكن الوصول إلى تقدير دقيق عن مستوى الفقر فى السودان في الوقت الحاضر بسبب الإفتقار إلى البيانات الحديثة الخاصة بقياس الفقر (بحيث أن آخر مسح قومي لدخل وإنفاق الأسرة قد تم القيام به فى عام 1978م)، فإنه يمكن القول بأن الفقر فى السودان ربما يكون واقعاً فى المدى 50 – 60%، بما يتسق مع الدول المجاورة له. وهذا المستوى للفقر واضح أيضاً في مختلف مؤشرات التنمية البشرية.
بالإضافة لذلك ، فإن نتائج المسوحات القليلة التي أجريت في الفترة الأخيرة، علي الرغم من أنها ليست مركزةً أو مصممة بصفة خاصة للفقر, لكنها أيضاً توضح تفشى الفقر فى البلاد. هذه المسوحات الحديثة هى:
- مسح ميزانية الأسرة لعام 1992م (وبصفة خاصة عن شمال السودان).
- مسح الأمومة الأمنة لعام 1999م (الذي قام به الجهاز المركزى للإحصاء بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للإنشطة السكانية)، والمسح متعدد المؤشرات فى عام 2000م (الذي تم بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للطفولة). وعلي الرغم من أن أى من هذه المسوحات لم يغطى كل المناطق بالبلاد (حيث قامت بتغطية شمال السودان, وفى أحسن الظروف، المناطق التي تحت سيطرة الحكومة في جنوب السودان)، فإن نتائجها يمكن، علي أية حال إستخدامها لتسليط الضوء على المؤشرات غير الدخلية للفقر، وإظهار التباين فيما بين المناطق، وكذلك فيما بين الريف والحضر. إن العديد من خرائط الفقر المستندة على هذه المسوحات والتي تم إنتاجها, تشير أيضاً إلى الإنتشار الواسع للفقر والمناطق التي تأثرت كثيراً بذلك. هذه الخرائط توضح ، ما عدا الشريط الضيق الذى يغطى مناطق من الخرطوم وعلي طول الجزيرة إلى القضارف فى شرق السودان، بأن تفشى الفقر هو قاسم مشترك تقريباً فى كل المناطق الأخرى (جنوب السودان لم تتم تغطيته).
إن نتائج هذه المسوحات يمكن الإستفادة منها بصورة أكبر فى وضع خريطة للفقر البشرى فى شمال السودان من منظور الحرمان فى أبعاده الثلاث وهى: - البقاء والمعرفة والحد الأدنى لمستوى المعيشة اللائق. الأول هو مؤشر مركب من إحتمال وفاة الشخص قبل بلوغه سن الأربعين، وإحتمال وفاة الطفل قبل بلوغه/بلوغها سن الخامسة، وإحتمال وفاة الطفل الرضيع قبل بلوغه العام الأول. الإحتمال الثانى قد تم قياسه بمؤشر مركب من نسبة البالغين (+15) الغير قادرين على القراءة والكتابة, نسبة الأطفال فى سن التعليم الأساسى والذين لم يلتحقوا به أبداً و/أو الفاقد في التعليم الأساسي، والنسبة من اليافعين فى سن التعليم الثانوى الذين لم يلتحقوا به أبداً و/أو الفاقد في التعليم في التعليم الثانوي. الثالث تم قياسه بمؤشر مركب من عدم القدرة على الحصول على الحد الأدنى من المكونات المادية لمستوى المعيشة اللائق، وقد تم قياسه من نسبة الأشخاص الغير قادرين على الحصول على الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والتصريف الصحى الكافي، ونسبة هؤلاء الذين يعتمدون على الطاقة بواسطة البيوجاز. إن إستخدام مؤشرات الفقر غير النقدية، علي الرغم من بعدها عن المثالية، لكنها تساعد في توضيح، ليس فقط نسبة الفقراء على مستوى مؤشر الفقر الفردى، ولكن أيضاً على مستوى المؤشرات المركبة. بالإضافة لذلك، فإن البيانات تعطى معلومات أيضاً عن توزيع الفقر على مستوى الريف والحضر بكل ولاية. كل ذلك له إنعكاسات هامة علي السياسات وبصفة خاصة على إستهداف الفقر علي المستوي الجغرافى والقطاعى.
إن تحليل البيانات من مسح الأمومة الآمنة والمسح متعدد المؤشرات، تشير بأن الحرمان من البقاء منتشر في كل أرجاء البلاد، لكنه مرتفع قليلاً فى المناطق الريفية. إن الإحتمالات للمتوسطات القومية الريفية بأن الشخص سيموت قبل بلوغه سن الأربعين وأن الطفل سيموت قبل بلوغه سن الخامسة وأن الطفل الرضيع سيموت قبل بلوغه العام الأول هى 23.3% و 12% و 8.2% على التوالى، فى حين أن المتوسطات القومية الحضرية لنفس هذه المؤشرات هى 19.4% و 9.95% و 6.9% على التوالى. وعلي الرغم من وجود فروقات بين الريف والحضر فى كل هذه المؤشرات الثلاثة, فإن التباين ما يزال ضئيلاً. ومن ناحية ثانية، وبإستخدام مؤشر الحرمان المركب للبقاء في المناطق الريفية لترتيب الولايات، يتبين أن المستويات الأعلى للحرمان توجد بالمناطق الريفية لولايات البحر الأحمر، النيل الأزرق، كسلا، جنوب كردفان، وشمال دارفور، ويعتبر البحر الأحمر من أكثر المناطق حرماناً فى هذه المجموعة. ومن جهة أخري، وبإستخدام مؤشر الحرمان المركب للبقاء في المناطق الحضرية, يتبين أن المستويات الأعلى للحرمان توجد في المناطق الحضرية لولايات النيل الأزرق، ملكال، البحر الأحمر، جنوب كردفان، وكسلا. ويجب التنبيه، بأن ولايات البحر الأحمر والنيل الأزرق وكسلا وجنوب كردفان تبرز كأكثر المناطق حرماناً لكل من السكان الريفين والحضريين.
إن مؤشر الحرمان من المعرفة يوضح بأنه رغم التباين الكبير بين الريف والحضر، إلا أن الحرمان من المعرفة هو القاسم المشترك بين كل الولايات وتتعرض له كل من المناطق الريفية والحضرية, وبالرغم من الإختلاف بينها لكن المستويات تظل غير مقبولة. وتظهر المسوحات بأن المتوسطات الريفية القومية لمعدل أمية البالغين، في التعليم الأساسى والثانوى للذين لم يلتحقوا أبداً و/أو معدل الفاقد التربوي هى 52.3% و49.8% و53.6% على التوالى، فى حين أن المتوسطات الحضرية القومية لنفس هذه المؤشرات هى 28.9% و26.82% و27.4% على التوالى. المقارنات فيما بين الولايات تشير أيضاً إلى التباين الكبير. وعلى سبيل المثال، فإن معدل الذين لم يلتحقوا أبداً و/أو الفاقد التربوي في التعليم الأساسى في المناطق الريفية يتراوح ما بين 75.5% فى ولاية النيل الأزرق و 17.8% فى ولاية الشمالية. بينما يتراوح نفس المعدل في التعليم الثانوى فى المناطق الريفية ما بين 77.9% فى شمال كردفان و23.2% فى ولاية الشمالية. وعلي نحو مماثل، فإن الذين لم يلتحقوا أبداً و/أو معدل الفاقد التربوي في التعليم الأساسى بالمناطق الحضرية يتراوح ما بين 46.5% فى ولاية غرب دارفور و9.6% فى ولاية الجزيرة. بينما يتراوح نفس المعدل في التعليم الثانوى فى المناطق الحضرية ما بين 41% فى غرب دارفور و8.5% فى ولاية الجزيرة. وتظهر كل من ولايات النيل الأزرق، شمال وغرب كردفان، وشمال وغرب دارفور بإعتبارها الولايات الأكثر تضرراً, وعليه فإنها تعتبر أولي الولايات المرشحة للتوسع فى الخدمات التعليمية بها. بالإضافة لذلك، فإن معدلات الأمية أيضاً مرتفعة في كل من المناطق الريفية والحضرية وكذلك الحال فيما بين الولايات. الأمية في المناطق الريفية تتراوح ما بين 69.1% فى شمال كردفان و30.7% فى الولاية الشمالية, بينما تتراوح معدلاتها في المناطق الحضرية ما بين 30.5% فى ولاية غرب دارفور و20.4% فى ولاية النيل الأبيض. وحتى على مستوى ولاية الخرطوم، التى تعتبر الأفضل نسبياً، فإن معدلات الأمية هي 43.5% و 21.2% في كل من المناطق الريفية والحضرية على التوالى. وفى نفس الوقت، فإن إمكانية الحصول علي وسائل الإعلام منخفضة للغاية مما خلق عائقاً معلوماتياً ليس فقط فى المناطق الريفية التى تشير المسوحات إلى أن نسبة 88.4% من المواطنين في المناطق الريفية بولاية البحر الأحمر لا يتمكنون من الحصول علي وسائل الإعلام، ولكن أيضاً فى بعض المناطق الحضرية حيث تشير النتائج إلى أن 76.8% من سكان مدينة واو علي سبيل المثال لا يتمكنون من الحصول علي الوسائط إعلامية.
إن المؤشرات التى تقيس العوامل اللازمة التي تتيح إمكانية الحصول علي الحد الأدنى من مستوى المعيشة اللائق توضح التباين الكبير بين الريف والحضر. وفى المتوسط، فإن نسبة السكان الريفيين الذين لا يتحصلون على الكهرباء تبلغ حوالى 87.4%، نسبة الذين لا يمكنهم الحصول على المياه الصالحة للشرب تبلغ حوالى 53%, نسبة الذين لديهم وسائل صرف صحى متدنية تبلغ حوالي (53%), نسبة الذين يعتمدون على إستخدام الطاقة الحيوية (البيوماس) تبلغ حوالى 92.6%، وهى أعلى من تلك النسب في المناطق الحضرية. بالإضافة لذلك، فإن المتوسط الريفى القومى للمؤشر المركب للحرمان والذي يبلغ حوالي 74.5% يعتبر أعلى كثيراً عن المتوسط القومى الحضرى والذي يبلغ حوالي 54.3%. وهذا يعكس التباين الكبير فى إمكانية الحصول على حياة لائقة. فإن نسبة السكان الذين لا يمكنهم الحصول على الكهرباء فى المناطق الريفية يتراوح ما بين 99.6% فى ولاية غرب كردفان و57% فى ولاية الخرطوم، نسبة أولئك الذين لا يمكنهم الحصول على المياه الصالحة للشرب تتراوح ما بين 92.3% فى ولاية النيل الأزرق و14% فى الخرطوم، ونسبة أولئك الذين لديهم وسائل صرف صحى متدنية (ليس لديهم مراحيض) تتراوح ما بين 89.1% فى ولاية شمال كردفان و15.6% فى ولاية نهر النيل. من ناحية ثانية, حتي في المناطق الحضرية، فإن التباين بين مختلف الأجزاء يعتبر مرتفعاً. إن نسبة أولئك الذين لا يمكنهم الحصول على الكهرباء يتراوح ما بين 89.2% فى ملكال و27.4% فى الجزيرة، نسبة أولئك الذين لا يمكنهم الحصول على مياه المياه الصالحة للشرب تتراوح ما بين 94.6% فى ملكال و3.2% فى الخرطوم, ونسبة هؤلاء الذين يعتمدون على الطاقة الحيوية (البيوماس) يتراوح ما بين 99.6% فى ملكال و40.8% فى ولاية نهر النيل.
إن ترتيب الولايات وفق الحرمان الريفى فى المؤشر الإقتصادى المركب يوضح بأن أكثر المناطق حرماناً هي التي توجد فى ولايات النيل الأزرق، شمال كردفان، غرب دارفور، البحر الأحمر، وغرب كردفان. وهذه هي المناطق الريفية ذات المستويات الأكثر إرتفاعاً في الحرمان والتى تتسم متوسطات مجموعاتها الفرعية لمؤشرات الفقر بأنها أكثر إرتفاعاً عن المتوسطات الريفية القومية. من جهة أخري, فإن ترتيب الولايات وفق الحرمان الحضري في المؤشر الإقتصادى المركب يوضح بأن أسوأ المناطق هي ملكال, جنوب كردفان, واو والنيل الأزرق وجميعها ذات مجموعات فرعية لمؤشرات الفقر أكثر إرتفاعاً من المتوسطات الحضرية القومية.
وإجمالاً، فإنه من الواضح أن الفقر، بمقياس الحرمان البشرى، منتشر على نطاق البلاد، لكنه أكثر إنتشاراً في الريف. إن معظم الفقراء هم من المقيمين في الريف، ولو أن الفقر الحضرى أيضاً في تزايد. ومن الجدير بالذكر أن الأجزاء الريفية و/أو الحضرية فى ولايات البحر الأحمر، النيل الأزرق، كل كردفان، كل دارفور، كسلا، ملكال وواو ظهرت منسجمة فى قائمة المناطق الأكثر حرماناً فى جانب واحد أو أكثر من جوانب الحرمان الثلاث. ولكن ذلك لا يجب أن يخفي حقيقة أن معظم فقراء الحضر يوجدون فى ولاية الخرطوم حيث النسبة الكبرى من النازحين بالداخل قد إستقروا فى معسكرات. أما الذين هم أفضل نسبياً فإنهم يوجدون فى ولايات الخرطوم، الجزيرة، والمناطق الحضرية بالولايات الشمالية وأجزاء من الشرق حول بورتسودان. بالإضافة إلي ذلك، فإن عدم المساواة كبيرة بين الولايات والأقاليم، بين المناطق الريفية والحضرية، بين المناطق المتأثرة بالحرب وأكثر المناطق تمتعاً بالسلام, بين السكان المستأصلين من جذورهم و السكان المقيمين وبين الرجال والنساء.
هناك فهم واسع، يستند على الملاحظة والأدلة الروائية، أن حالة الفقر والحرمان البشرى قد إزدادت سؤاً خلال العقد الماضي أو نحو ذلك. ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الطريقة التى نفذت بها سياسات الإستقرار الإقتصادى الأخيرة. إن الحكومة لها الفضل فى برنامج الإستقرار الإقتصادى القوي والذى خفض التضخم من مستوي ثلاثة أرقام إلى رقم آحادى وتحقيق الإستقرار النسبى فى سعر الصرف. علي الرغم من ان ذلك قد تم تحقيقه من دون دعم، أو دعم محدود، من المانحين، ومن خلال التخفيض الحاد فى الإنفاق العام بأكثر من 50%، مما تسبب فى تخفيضات كبيرة فى تنمية الخدمات الإجتماعية والبنيات الأساسية. وهذه السياسة الإقتصادية القاسية والحالة المتدنية لتوزيع الخدمات الإجتماعية قد ساهمت فى زيادة الفقر والحرمان البشرى، علي الرغم من النمو الإقتصادى العالي الذى زادت وتائره عند البدء في إنتاج البترول وإستمرار الظروف المناخية الملائمة لعدد من السنوات.



























المبحث الثانى

أولا: معوّقات التنمية في أفريقيا

تمتلك القارة الأفريقية العديد من المقومات التي تسمح لها بالخروج من دائرة الفقر؛ فهي أكثر قارات العالم ثراء، وقد حباها الله بالطبيعة الرائعة، وبالموارد المعدنية، والثروات الطبيعية، والأرض الخصبة والتي تمكّنها من أن تلحق بركب التنمية، وتتولى مكاناً رائداً على المستوى الدولي.
إلا أنها في الوقت نفسه تشهد العديد من المعوّقات التي تعترض طريقها للتنمية، وتحول دون إنجاح محاولاتها لرفع مستوى معيشة مواطنيها. وتتعدد هذه المعوقات ما بين معوقات اقتصادية من تخلف في الأوضاع الاقتصادية، واعتماد أغلب الاقتصاديات الأفريقية على تصدير السلع الأساسية، وهو ما يجعلها عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية. ومعوقات اجتماعية من ارتفاع معدلات الأمية، وانتشار الفساد الذي يلتهم جزءاً كبيراً من عوائد التنمية، وضعف المعارضة والمجتمع المدني، ومعوقات سياسية من وجود نظم سياسية دكتاتورية تقمع المشاركة الشعبية، وتحظر التعددية الحزبية؛ فلا تسمح برأي غير رأي الحكومة. ومن هنا يشعر المواطن الأفريقي إلى جانب فقره بالإحساس بالظلم والاغتراب فيضعف انتماؤه للدولة، ويختفي أمله في إمكانية تغيير أوضاعه، وتحسين مستواه(1).
كما أصبح الفقراء في القارة الأفريقية ضحايا لظروف وقوى جديدة التهمت ثمار النجاح المتواضع الذي حققته في طريق التنمية. وكان من أهم هذه القوى:
1/ الصراعات والنزاعات الداخلية.
2/ مرض نقص المناعة البشرية المكتسبة(AIDS).
3/ ظاهرة التهميش التي تعاني منها القارة في ظل النظام العالمي الجديد.
4/ ظاهرة العولمة وعلاقتها بالنمو واختزال الفقر.
5/ أزمة الديون.

ثانيا: معوقات التنمية فى السودان:

إن أسباب الفقر فى السودان تظهر فى الإنحياز المستمر للحضر فى إستراتيجيات التنمية التي تم وضعها منذ الإستقلال. وقد أدى ذلك إلى إهمال القطاع الزراعى التقليدى حيث يعيش غالبية السكان وهو المصدر الرئيسى لمعيشتهم الريفية. وقد نتج عن ذلك هجرة مرتفعة من الريف إلى الحضر ولم يصاحب ذلك أي زيادة في الإنتاجية فى هذا القطاع أو تنمية حضرية كافية لتوليد فرص العمل اللازمة في الحضر. ولكن لا يعني ذلك أن تنمية القطاع الزراعى قد تم إهمالها تماماً ولكنها ذات طبيعة مزدوجة بمعني وجود مجموعة من الجزر في الزراعة المروية الحديثة جنباً إلى جنب مع الزراعة المطرية التقليدية الواسعة. وبينما إستفاد الأول من التقنيات الحديثة المحددة الحجم وإمكانية الوصول إلى الأسواق، فإن الأخيرة تخلفت من ناحية التقنيات الإنتاجية، التمويل، الإدارة، والبحوث، الإرشاد، الوصول إلى الأسواق والطرق الريفية ....إلخ. وكنتيجة لهذا الهيكل الغير متوازن للتنمية الحضرية/الريفية، فإن القطاع الزراعى التقليدى قد إستمر بأن يكون المصدر الرئيسى للعرض غير المحدود للعمالة غير الماهرة إلى المراكز الحضرية وبالتالى فى التضخم الكبير في أسواق العمالة الغير رسمية حيث القليل من الأعمال التى تعطى أجوراً تعادل أو أقل من حد الكفاف، وبالتالى تضيف ضغوطاً إضافية على الخدمات والمرافق الإجتماعية المحدودة. وهذه الإتجاهات قد تفاقمت أكثر بأولئك النازحين سواء من جراء العوامل الطبيعية (فشل مواسم الأمطار الذي يؤدى إلى المجاعات) أو الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان (النزاعات الأهلية).
بالإضافة إلي ذلك، وعلى إمتداد الفترة منذ الإستقلال، كان هناك إنحياز واضح مناصر للحضر فى السياسات التي تبنتها الحكومات المتعاقبة. وقد عبرت تلك السياسات عن نفسها فى توفير قدر كافي ومعقول من البنيات الأساسية الإقتصادية والإجتماعية في المناطق الحضرية التي لم تضاهيها وسائل مماثلة في المناطق الريفية. هذه الإنحيازات المناصرة للحضر قد تم تقويتها أكثر بالسياسات المستمرة الخاصة بدعم مجموعة من السلع الإستهلاكية لسكان الحضر. إن قائمة السلع المدعومة وحتى وقت قريب تشمل السكر، والدقيق المستورد، والخبز، والمنتجات البترولية (والغاز للإستخدام المحلى)، الكهرباء، والمياه ...إلخ. ولكن مثل هذه السلع لم تكن في متناول غالبية فقراء الحضر وعلي وجه الخصوص أولئك الذين هاجروا حديثاً من المناطق الريفية والذين يشكلون أفقر فقراء الحضر ويعملون بشكل أساسي فى الأعمال الهامشية في القطاع غير الرسمى. ولكن، تجدر الإشارة إلي أن معظم هذا الدعم الإستهلاكي قد تم وقفه فى ظل برامج الإصلاح الإقتصادى الأخيرة، علي الرغم من أن خدمات الكهرباء والمياه التي تضخ بواسطة الأنابيب ما زالت مدعومة علماً بأن هذه المياه تعتبر أرخص فى المناطق الحضرية من المناطق الريفية. ولكن حتى فى المناطق الحضرية فإن سياسات التسعير للمياه الصالحة للشرب فيها تمييز ضد فقراء الحضر فى أن أسعار المياه لا تستند على القياس المترى للإستهلاك ، ولكن على الأرجح علي معدلات متساوية بالإعتماد على حجم توصيلات المياه للمستخدم. إن النظام الحالى يعتبر غير كفؤ إلى درجة أن هذه الرسوم لا تغطى كامل التكاليف, بالإضافة الي أنه غير عادل طالما أن مثل هذه الدعومات لا تصل فقراء الحضر الذين لا يتحصلون على المياه الصالحة للشرب التي يتم ضخها بواسطة الأنابيب.
إن أثر هذه الإنحيازات للحضر قد زادت حدة بسبب سياسات الحكومة التسويقية لبعض محاصيل الصادر الرئيسية التى يتم إنتاج غالبيتها فى القطاع الريفى التقليدى، حيث إحتكارات الصادر تسير في توافق كبير مع مجالس التسويق القديمة، التي تم إنشاؤها للصمغ العربى، الحبوب الزيتية (والتي تم حلها فى أواخر الثمانينات) ومؤخراًً الماشية. هذا النوع من هياكل التسويق قد أثر تأثيراً سالباً على دخول المزارعين، حوافزهم لزيادة الإنتاج، وفرصهم فى تحسين مستوياتهم المعيشية. وفى إطار الحد من الفقر ( من دون ذكر الكفاءة والمساواة), فإن هياكل التسويق الحالية لكل من الصمغ العربى والماشية تحتاج إلى إصلاح جذرى بصورة عاجلة وليس آجلةً. بالإضافة إلي ذلك، فإنها تحتاج إلى مراجعة جادة في ضوء خرقها لقواعد منظمة التجارة العالمية التى يطمح السودان في الحصول على عضويتها.
من ناحية ثانية, فإن أسباب الفقر الريفى هى أكثر تعقيداً. إن جزء من تفسير ذلك هو بالتإكيد الإفتقار إلى التركيز على الريف فى الجهود التنموية العديدة منذ الإستقلال، كما تم ذكره عاليه. أما الجزء الأخر من التفسير, يرتبط بالسمات الأساسية للقطاع التقليدى حيث يلعب ما يسمي بالمجال المعيشى دوراً بارزاً فى مد المنتجين التقليدين بالجزء الهام من متطلبات إستهلاكهم (المحاصيل الغذائية، منتجات الألبان، السكن...إلخ)، بينما تغطى الدخول النقدية جزءاً صغيراً من متطلباتهم. وفي حالة فشل المجال المعيشى في القيام بدوره (كما فى سنوات فشل المحاصيل الزراعية، جفاف المراعى، شح المياه ...إلخ) تتزايد الحاجة إلى النقود لمقابلة الإنفاق علي الغذاء والمدخلات الرعوية (الأعلاف، والمياه). وفى مثل هذه الظروف، فإن المنتجين التقليدين يعتمدون على مدخراتهم وأصولهم أو، كما فى الأيام الأخيرةً، يعتمدون على الإغاثة والأشكال الأخرى من المساعدات الخارجية. وبمعنى آخر، فإن الضعف والإنكشاف للفقر يعتبر علي الدوام السبب الرئيسى للإفقار والحرمان فى القطاع التقليدى.
إن المرونة فى القطاع التقليدى تنبع من الأعمال في المجال الريفى الذى يعتمد أولاً وقبل كل شيء على العوامل الطبيعية، وعلي وجه الخصوص هطول الأمطار. ولكن في حين أن هذا الإعتماد على الطبيعة قد ينظر إليه كسبب للمرونة، إلا أنه فى ذات الوقت يعتبر المصدر الهام للإضعاف والإنكشاف للفقر. إن عدم إستقرار النظم البيئية فى الريف السودانى، بسماتها المتمثلة في التغييرات المتكررة في سقوط الأمطار، فإنها من قديم الزمان تنذر المنتجين الريفيين إلى التقلبات المتكررة من حالات الرخاء إلى حالات المجاعات. إن الإستراتيجية الأساسية للمنتجين الريفيين والتي ما زالت، وستستمر، وهي تخزين الفوائض فى سنوات الوفرة لتجاوز سنوات الشدة. ولكن العمل بأسلوب منطقى يتطلب تبنى سياسات وتدابير للمحافظة علي ودمج مرونة المجال المعيشى، مثل الفصل الدقيق والتام للمجالات المختصة بالزراعة والرعى من خلال رسم وإنفاذ خطوط الرعى والرقابة الدقيقة للهجرة من الريف للحضر وقياس نتائجها علي القطاع الريفى. و ما زالت تلك السياسات وسياسات الحماية والتقوية الأخرى غير موجودة فى سياسات التنمية الأخيرة. إن حقائق الحرمان البشرى في هذه المناطق تدعو، على أقل تقدير فى المدى القصير، إلي السياسات التى تخفف العمليات المزدوجة للإفقار والإنكشاف للفقر والتى أدت إلى تآكل المجال الحيوى. إن إصلاح الأراضى لرفع مستوي الأمان في الحيازات الزراعية للمنتجين التقليدين والإعتراف الصريح بحقوق الرعاة فى الموارد الطبيعية تعتبر واحدة من التدابير التى من المؤمل أن تهيء ظروفاً ملائمة فى المدى القصير. أما فى المدى المتوسط والطويل لتنمية القطاع الزراعى التقليدى فسوف يعتمد ذلك على تبنى إجراءات وسياسات لتحسين الإنتاجية بينما يتم فى نفس الوقت ترقية التعليم والتدريب المهني لتوفير فرص لوظائف بديلة خارج أنظمة الإنتاج الزراعى الرعوى. إن البحوث التطبيقية ورفع مستوي إدراك العاملين في مجال التنمية بالإمور الثقافية والإجتماعية على المستوى المحلى تعتبر شروطاً ضرورية لمثل هذه الإستراتيجية طويلة المدى.






المبحث الثالث

أولا: الإستراتيجيات الموضوعة لإختزال الفقر فى أفريقيا

لقد طرح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ما يعرف بإستراتيجية اختزال الفقر Strategy for Poverty Reduction في 70 دولة متوسطة الدخل في عام 2002م، وبموجبها تتولى الدول المقترضة مسؤولية تطوير استراتيجيات محلية، خاصة بها لاختزال الفقر في أقاليمها. ومن هنا تتوفر ـ من وجهة نظر المؤسسات المالية الدولية ـ المشاركة الوطنية الكاملة في صياغة الإستراتيجية، وتنفيذها والرقابة الفعالة عليها؛ حيث تعدها الدولة بنفسها، بعد التشاور مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، سواء بشكل مباشر من خلال اللجان الشعبية، أو بشكل غير مباشر من خلال نواب الشعب في البرلمان(1).
وفي هذا الإطار تبدو أهمية مشاركة الفقراء أنفسهم، فهم الأقدر على تعريف أبعاد الفقر من وجهة نظرهم، وأهم أسبابه. لكن نظراً لضعف وعي هذه الفئة، تتولى اللجان الشعبية هذا الدور؛ حيث تتولى مع أعضاء البرلمان مهمة الرقابة على أداء الحكومة، وضمان اختيار الاستراتيجية المثلى لاختزال الفقر والتي تتناسب مع ظروف الدولة ووضعها الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي الداخلي.
وتتولى البرلمانات الوطنية الدور الرئيس في صياغة الاستراتيجية، والرقابة على تنفيذ الحكومة. وترجع أهمية تضمين البرلمان الوطني لعدة أسباب. فمن ناحية تفضل المؤسسات المالية الدولية التعامل مع لجان البرلمان عن التعامل مع الوزارات المختصة؛ حيث تضمن بذلك تضمين الحكومات المستقبلية إذا ما تولت المعارضة الحكم، ومن ثم يتوفر للاستراتيجية قدر من الاستقرار والاستمرارية. ومن ناحية أخرى يمثل البرلمان قطاعات كبيرة من الشعب من الفقراء؛ مما يضمن مشاركتهم في وضع برامج اختزال الفقر، ومتابعة تنفيذ كل مراحلها، ومن ثم يشاركون في صنع السياسات التي تؤثر على حياتهم اليومية. وفيما يتعلق بالدول المقترضة نفسها، فتولي أعضاء البرلمان مسؤولية اختزال الفقر أفضل من تركها للمؤسسات المالية الدولية والدول المانحة لتملي عليها وصفات جاهزة لا تتفق مع ظروفها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية(2).
إلا أنه نظراً لاختلاف الأدوار التي تلعبها المجالس التشريعية في مختلف الدول، ولاختلاف وعي هذه المجالس بطبيعة الدور المتوقع منها، فيما يتعلق بالاستراتيجية، قدم البنك الدولي والبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في عام 2001م، برنامج مشترك لتفسير الاستراتيجية، لأعضاء البرلمان في العديد من الدول، ولمساعدتهم في تحديد الدور المنوط بهم في صياغة الاستراتيجية والرقابة على تنفيذها. وبالفعل بدأ تطبيق برنامج (البرلمانات والحكم واستراتيجية اختزال الفقر) بالتعاون مع البرلمان الفنلندي في ستة دول إفريقية، وهي: إثيوبيا، وغانا، وكينيا، وملاوي، ومالي، ونيجيريا(3).
وبالفعل طبقت الإستراتيجية 29 دولة إفريقية، ما بين مرحلة الإعداد والتطبيق، كانت أولها تنزانيا والتي بدأت مرحلة الإعداد في إبريل 2000م، وكانت آخرها موزمبيق، وبوركينا فاسو في مارس 2004م(4).
وحسب رؤية البنك الدولى ، تنقسم مراحل استراتيجية اختزال الفقر إلى ثلاثة مراحل أساسية:
تبدأ بعملية صياغة الاستراتيجية، وتشمل هذه المرحلة تحليلاً لظاهرة الفقر لفهم خصائصها، والعوامل التي تؤثر على زيادة معدلات الفقر، أو على اختزاله، يعقبها صياغة الاستراتيجية، وتشمل اختيار سياسات اختزال الفقر على المدى القصير والبعيد. ثم مرحلة تنفيذ الاستراتيجية، وأخيراً مرحلة تقييم الاستراتيجية.
وتشمل تحديد مؤشرات قياس التقدم في عملية التنفيذ، والمراقبة الدورية للنتائج، ثم التغذية الاسترجاعية لمتابعة تنفيذ سياسات الاستراتيجية، أو إجراء تعديلات عليها(1).

ثانيا: استراتيجيات السودان لإختزال الفقر

هناك حاجة لنظرة قومية واضحة يتم من خلالها وضع اللبنات لإستراتيجية واقعية للتنمية. وبالنظر إلى التطورات الأخيرة ومفاوضات السلام الجارية، فإن مثل هذه النظرة القومية يمكن أن تتم في إطار السودان الموحد القائم علي صيغة عميقة للحكم الفدرالي اللامركزي. إن الرهان الأساسي على كل السياسات المستقبلية يجب أن يكون في إعادة التوازن لعوامل البعد عن المركز والتى غذت النزاع الأهلى وجعلت السودان ممزقاًً خلال النصف قرن الماضي أو ما يقارب ذلك. إن وضع السياسات وبذل الجهود لتشجيع التكامل بين مختلف أقاليم السودان، وزيادة الثقة بين مواطنيه وإزالة الإحساس بالتهميش والإبعاد، يجب أن يتم ،كما يجب الإتفاق عليها وتبنيها بواسطة كافة عناصر المجتمع المدنى. بالإضافة لذلك ، فإن الإستراتيجية الواقعية للتنمية يجب أن تعكس، وتستند على خصائص البلاد وإقتصادها, أى كبر حجمها وإتساع إراضيها بالنسبة لحجم سكانها حيث أن معظم أراضيها خصبة لكنها عرضة للظروف الطبيعية الجافة وشبه الجافة والأمطار التي يصعب التنبؤ بها، والطبيعة الريفية الطاغية علي السكان المتنشرين على نطاق مساحته الشاسعة، والذين يعتبروا بشكل أساسي فقراء ومستوياتهم التعليمية والصحية منخفضة ، ولكن البلاد تعتبر أيضاً غنية بالموارد الأخرى كالبترول ومختلف الأنواع الأخرى من المعادن, الغابات, الأسماك والحياة البرية .... إلخ، ولكن بنياتها الأساسية إما غير موجودة أو منهارة أو متخلفة ومواجهة بنقص في القدرات البشرية والمؤسسية والتي لا تمكنها من التعامل مع مثل هذه المشاكل.
إن الإعتبارات المشار إليها أعلاه توضح بأن إسلوب التنمية ذات الحدين مطلوبة. أولاً، لأن الموارد المتوفرة التي تتمتع بها البلاد تدل علي إن مستقبل السودان يعتمد على تنمية وتطوير هذه الموارد، وأن الإنتاج وتركيبة صادرات السودان سيكون لها علي الدوام النصيب الأكبر من البنود التي تعتمد على الموارد المحلية أكثر من الدول التى تعتمد على التنمية الصناعية ذات العمالة الكثيفة. وهذا يدعو إلي تحول كبير وملحوظ فى إستراتيجية السودان التنموية نحو الريف وبصفة خاصة نحوالزراعة التقليدية (بمعناها الواسع) فى جهد متناسق لتحويل الأساس الذي تقوم عليه الزراعة المطرية والأنشطة المرتبطة بها (كالرعى) من تلك التي يغلب عليها الإنتاج ذو الطابع المعيشي إلى تلك التي تقوم علي الإنتاج التجاري للأسواق. وهذا يعتمد بشكل أساسي على الزيادة المستمرة فى إنتاجية صغار المزارعين والرعاة من أجل تعزيز قوتهم الشرائية والمساعدة علي دمجهم فى الإقتصاد النقدى. أما إحتياجات الأجزاء الأخرى من قطاع الزراعة، وبصفة خاصة الزراعة المروية وشبه الآلية، فسوف يتم تقديم الدعم المطلوب لها ولكن وفق إستراتيجية مختلفة تعكس متطلباتها السابقة ومساهمتها المستقبلية فى الإقتصاد بصفة عامة وتخفيف الفقر بصفة خاصة. وبصيغة أكثر تحديداً، فإن التدخلات فى القطاع الزراعي المروى ستركز على الإصلاح المؤسسي الذى يهدف إلى خلق مزارع يتمتع بحق الملكية بدلاً عن المزارع الذي يشارك في قسمة المحاصيل, وسيتم ذلك من خلال إصلاح واسع للأراضي يركز علي كفالة حق الملكية في إستخدام الأراضي, حرية إختيار المحاصيل بواسطة المزارعين وخلق جمعيات مستخدمى المياه لإدارة المياه نيابةً عنهم. إن توفير المياه والخدمات الأخرى (الحلج، والنقل، والخدمات الهندسية) سيتم على أسس تجارية لضمان تغطية كامل التكاليف. أما دور القطاع العام فسوف يقتصر على إجراء البحوث لتوسيع قائمة المحاصيل التى تمكن المزارعين من ممارسة حريتهم في اختيار محاصيلهم، وتوفير خدمات الإرشاد ومكافحة الحشرات والآفات. وقد تم حالياً، تجربة هذا النظام بمشروع الجزيرة وهناك خطة لتوسيعه ليشمل كافة المناطق بالمشروع وبعد ذلك ليغطى المشاريع المروية الأخرى داخل القطاع العام. وبصورة مماثلة، فإن الدور الرئيسى للقطاع العام فى مناطق الزراعة شبه الآلية والزراعة المطرية، يكون فى إصلاح الأراضى لضمان حقوق الملكية، إنفاذ نظم ولوائح إستخدامات الأراضى, ضمان نمو وإستدامة البيئة فى المدى الطويل، توسيع دائرة الخيارات المتاحة من المحاصيل وتوفير خدمات الإرشاد ومكافحة الآفات. أما الطاقات الفعلية الحالية للقطاع الخاص الصناعى، والتي تتركز كما هو الحال الأن فى المراكز الحضرية الرئيسية، فسوف تتوجه من تلقاء نفسها في الوقت المناسب لتدعم وتستفيد من التنمية فى القطاع الريفى وما حوله. وعندما تتزايد الإنتاجية مع مرور الزمن فإنه يمكن تسريح العمالة الفائضة دون حدوث نتائج عكسية على الإنتاج الكلى، وسوف تستوعب الصناعات الحضرية الأعداد المتزايدة من العمال فى الوظائف التي تتطلب مهارات أعلى نسبياً بالتالي أجوراً أفضل. إن القليل من المناطق الحضرية الأكثر نمواً سوف تنطور بعدئذ إلي مراكز خدمية، تعليمية, مالية, وصناعية قوية، حيث تقوم بتوفير الوظائف الحكومية التي تحتاج لمستويات عالية من المهارة. أما البنيات الأساسية (السكك الحديدية، الطرق، النقل النهرى، الطاقة، المياه والإتصالات...إلخ) سوف يتم حشدها لدعم إستراتيجية التنمية الشاملة وربط أجزاء البلاد ووضع الأساس لعملية السلام والوحدة.
المجال الثانى المساوى فى الأهمية في الإستراتيجية الشاملة، سيكون بإعطاء جرعة قوية من اللامركزية ونقل السلطة للولايات بغرض التمكين السياسى للمجتمعات المحلية فى كل أنحاء البلاد. ومن الضروري أن يتم تحويل السلطة السياسية وإمكانية الحصول على الموارد بعيداً عن المركز حتي يتلاشى مع مرور الزمن الإحساس بالتهميش ويتم بذلك إنفاذ عملية السلام, القضاء على خطر النزاعات الإقليمية إلي حد بعيد, وتقوية الإحساس بالإنتماء الوطني. بالإضافة لذلك، فإن اللامركزية تعتبر هامة للغاية لتقديم الخدمات الإجتماعية بفعالية وكفاءة من أجل الإسراع بالتنمية البشرية. إن نقطة البداية هي النظام الفيدرالى الحالى والموجود منذ منتصف التسعينيات. إن الدروس المستفادة من تجربة العقد الماضى للنظام الحالى ستشكل نقطة البداية لنموه وتطوره حتي يتمكن من تحويل السلطات وإلإلتزامات بصورة أكبر بعيداً عن المركز. ومن الواضح، أن مثل هذه التنمية ستأخذ فى الحسبان المعوقات البشرية والمؤسسية الموجودة والتى يمكن أن تحد من السرعة والمدى الذى يتم من خلاله التحويل والتمكين. ولكن ذلك يقتضى إعداد خارطة طريق واضحة المعالم بالإستناد على قدرات بشرية ومؤسسية قوية تقوم علي برامج محددة ومفصلة لبناء القدرات مع الدعم والإلتزام الكامل من جانب المانحين. وفي الوقت الذي يتم فيه تطوير هذه القدرات، يمكن تعميق عملية التحويل واللامركزية حتي تتمكن كل محلية من تطبيق النواحى التالية:
1/ التأمين علي الشخص وممتلكاته، والتى تستلزم تأمين الحصول على الأرض وبالتالى المساهمة فى تعزيز المساواة،
2/ حق المشاركة بفعالية فى حياة المجتمع لضمان أن الأولويات التنموية قد تم وضعها على المستوى المحلى بواسطة الجماهير المحلية (ديمقراطية المشاركة) وتحديد كيفية تحقيقها،
3/ تحديد مصادر الدخل (من النشاطات الزراعية أوغير الزراعية) والتى ستحدد أيضاً الحاجة إلى تطوير البنيات الأساسية المحلية كالطاقة والمياه والنقل لأسواق المدن, تمويل وشراء مدخلات الإنتاج الأخري ......إلخ، و
4/ إمكانية الحصول على التعليم الأساسى وحزمة الخدمات الصحية الأساسية. إن الموارد اللازمة لدعم مثل هذه اللامركزية ، مع مرور الزمن، ستأتى من خلال عملية تعميق الفدرالية المالية حيث يكون قد تم تحويل السلطة الضرائبية بصورة أكبر للمحليات (فى تحديد المعدلات الضريبية بالإضافة إلي تحصيلها، وبأخذ الدروس المستفادة من تجربة النظام الحالي في الحسبان، وتعزيز القدرات المؤسسية على المستويات المحلية)، وقسمة الموارد القومية ومن إمكانية الحصول على العون الخارجي.
ومن أجل نجاح وإستدامة هذين العنصرين لإستراتيجة التنمية، أى النمو عن طريق التنمية الريفية وتقديم الخدمات من خلال اللامركزية ، فإن خلق المؤسسات المناسبة, بناء القدرات والحكم والإدارة الرشيدة تعتبر من الأمور الحاسمة. وكما تم ذكره أعلاه، فإن المؤسسات الموجودة، وبصفة خاصة على مستوى الولايات والمحليات غير قادرة حالياً على القيام بالمهام الضخمة للنظام اللامركزى، على الرغم من أن المساعدات من المنظمات غير الحكومية قد تحد من بعض هذه المعوقات خلال المدى القصير. إن بناء القدرات والإصلاح المؤسسى يجب أن تكون المحور الرئيسي لإستراتيجية التنمية المقترحة كما يجب أن يتم إعداد برنامج محدد وموجه لبناء القدرات المؤسسية والبشرية. وهذا يعني, وبصفة خاصة, تعزيز إمكانيات المؤسسات التي تقوم بمهمة المراقبة والإشراف علي الإمور المالية عندما يتم التحويل التدريجي لسلطات إدارة الموارد بعيداً عن المركز . أما أنظمة المحاسبة والرقابة علي الموازنة فإنها تحتاج إلي تطوير وعدد كافي من الموارد البشرية المدربة للقيام بالوظائف التي كانت في السابق محتكرة بواسطة المركز. بالإضافة لذلك ، عندما تزيد عودة السودانيين المدربين والمهنيين العاملين بالخارج للوطن، فإن هياكل الحوافز التي وضعت لإغرائهم علي البقاء وإستثمار قوة عملهم ورؤوس اموالهم في أجزاء من البلاد بعيداً عن المراكز الحضرية الرئيسية, ستضيف بعداً اخراً يجد الترحيب لدعم إستراتيجية اللامركزية. ومن جانب اخر فإن الحكم والإدارة الرشيدة علي الرغم من اهمية وضعها في سياق التنمية الإقتصادية فإنها تتخذ بعداً إضافياًً للسودان في أنها تعتبر عنصراً هاماً لإستدامة عملية السلام. إن إنشاء المؤسسات الجديدة وإصلاح وتقوية المؤسسات القائمة يشكل جزءاً مكملاً للإستراتيجية الشاملة وفي هذا الصدد فإن المبادرات التالية تعتبر ذات أهمية خاصة.
- إن ديوان المراجع العام موجود منذ الأيام الأولي للعهد الإستعماري ولديه تاريخ وتقاليد غنية وراسخة من الإستقلالية . إن مجال إشرافه ورقابته قد توسع في الفترة الأخيرة ليغطي مجال مراجعة قضايا البيئة والأداء الفني الفعلي. ومن أجل تعزيز قدراته لإنجاز وظائفه التقليدية المتعلقة بالمراجعة المالية ومواكبة مسئولياته الجديدة, فإنه يجب تقوية الديوان بزيادة عدد الموظفين المؤهلين ومنحهم الرواتب والحوافز الكافية، كما يجب زيادة فرص التدريب (في مجال العمل والأنواع الأخرى من التدريب) وتوفير وترقية المعدات والوسائل والمساعدات.
- في مجال سياسة اللامركزية في صنع القرار وتقديم الخدمات فإن هناك حاجة الي تحويل الموارد بصورة أكبر وأكبر للولايات والمحليات. ولضمان الشفافية والعدالة فسوف يتم إنشاء لجنة لتخصيص الموارد المالية والتمويل والمتابعة وتضم أعضاء يمثلون الحكومات الولائية ( الشمالية والجنوبية) بالإضافة الي الحكومة الفدرالية.
- إن المشتريات الحكومية هي مسئولية إدارة المشتريات بوزارة المالية والإقتصاد الوطني. وسوف يتم مراجعة لوائح ونظم المشتريات لتصبح أكثر قوة وفعالية فيما يختص بمحاسبة كل الوحدات العامة وإلتزامها بالموجهات الجديدة الأكثر صرامة للمشتريات. إن الدور المنظم لهذه الإدارة يجب أن يتم تعزيزه وأن يتم إنشاء لجان استئناف. كذلك يجب نشر المعلومات الخاصة بقرارات المشتريات. بالإضافة إلى التدريب المستمر للعاملين بهذه الإدارة وتوفير العدد الكافي من الكوادر والمعدات.
- من أجل تعزيز القدرات التنافسية الكلية للإقتصاد, يجب إلغاء الإحتكارات العامة وسن قوانين منع الإحتكار. وإلي جانب تعديل وإنعاش برنامج التحرير، فإن هذه الإصلاحات سوف تعزز كثيراً دور ومساهمة القطاع الخاص.
- أن يتم إنشاء لجنة لتسوية الأراضي للنظر والتحكيم في المطالبة بالحقوق على الأراضي من أجل حماية مصالح المستضعفين وتفادي المخاطر الممكنة والتي يمكن أن تؤدي إلى تطور نزاعات الأراضي إلى نزاعات أهلية.
- وكجزء من عملية السلام فإن الدستور القومي المؤقت والذي سيتم التأكيد القوي فيه علي إستقلال القضاء سيتم إنفاذه بعد الوصول الي إتفاقية السلام. وسوف يتم إنشاء لجنة للخدمات القضائية تضم القضاة والمحامين وأعضاء البرلمان. كذلك سيتم إنشاء لجنة إنتخابية للنظر في الإنتخابات للبرلمان القومي. بالإضافة لذلك سيتم إنشاء لجنة لحقوق الإنسان ولجنة للخدمة العامة. وسوف تحدد اللجنة القومية لمراجعة الدستور التفويض الممنوح والتعيينات الخاصة باللجان أعلاه وسوف تقوم بوضع الآليات لضمان فعالياتها واستقلاليتها. ومن المؤمل أن تؤدي هذه الإصلاحات المقترحة إلى تعزيز الحكم والإدارة الرشيدة، الشفافية، المحاسبة والمشاركة العامة الواسعة.
هذا وقد تبنى السودان بعدين أساسيين لبناء استراتيجيته لإختزال الفقر وهما:
أولا: استراتيجية الحوار:
علي الرغم من أن السودان يحتوي علي مختلف مجموعات الدفع القوية ذات التأريخ الطويل مثل نقابات العمال, فإن تأثيرها كان محدوداً وفي حدود ضيقة من المواضيع التي تلامس بشكل وثيق مصالح عضويتها. إن قدرات مثل هذه المجموعات في المشاركة والمساهمة والتأثير علي مواضيع السياسات العامة لا يزال ضعيفا. وبالطبع فإن تجربة منظمات المجتمع المدني في عمليات وضع السياسات في السودان تبدو محدودة. ولكن لا يمكن القول بأن التجربة مع عملية المشاركة ليست موجودة. إن الحكومة وبالتعاون مع عدد من المنظمات العالمية قد إبتدرت العديد من عمليات المشاركة الناجحة علي المستوي المحلي أو مستوي المجتمع, وكمثال لذلك مشاريع تنمية المناطق المختارة والتي نجحت في ربط المجتمعات المحلية بتحسين سبل كسب عيشها والمشاركة في عملية التنمية المحلية. بالإضافة لذلك كانت هناك أيضاً مبادرات أصغر بواسطة المنظمات الطوعية المحلية والأجنبية والتي تمخضت عنها تجربة ضخمة في ترقية عملية المشاركة علي مستوي المجتمع في كل من المناطق الريفية والمراكز الحضرية. هذه التجارب والخبرات يمكن الإعتماد عليها في دعم عملية المشاركة لإعداد إستراتيجية الحد من الفقر والتي تهدف إلي بناء إتفاق وطني حول طبيعة, أسباب وعمق الفقر في البلاد بالإضافة إلي الأولويات والسياسات التي يجب تبنيها لمواجهة هذا الوضع.
بما أن الحكومة تدرك بأن هذا الإتفاق يمكن الوصول إليه فقط من خلال مشاركة واسعة وذات معني لكل الشركاء (بما في ذلك الفقراء والمعدمين) في إعداد الوثيقة الوطنية لإستراتيجية الحد من الفقر, فإن الأهداف الكلية لعملية المشاركة يجب الإشارة إليها بشكل واضح وهي:
- بناء إتفاق عام حول إستراتيجية الحد من الفقر بالإستناد علي فهم متفق عليه حول طبيعة, حجم, وأسباب الفقر في السودان.
- تسخير طاقات وخبرات وموارد كل الشركاء الرئيسيين علي المستوي القومي, الإقليمي, والمحلي للمساهمة في وضع الخطط الفعالة لتنفيذ ومتابعة إستراتيجية الحد من الفقر.
- خلق الوعي بين مجموعات الفقراء والمستضعفين والمجتمعات المحلية للإعتماد علي الذات والتعايش والعمل الجماعي الموجه نحو الحد من الفقر.
- بناء إلتزام وطني واسع نحو ملكية إستراتيجية الحد من الفقر.
بالنظر إلي عملية المشاركة والحوار لإعداد إتراتيجية الحد من الفقر في الوقت الحاضر علي ضؤ هذه الأهداف, فإنه يجب أن يتم توسيعها وتعميقها إذا كان المطلوب هو تحقبق إلتزام وإتفاق وطني. وفي الوقت الحاضر, فإن الإطار المؤسسي لعملية إعداد وثيقة إستراتيجية الحد من الفقر يشمل المجلس القومي الذي يرأسه سعادة وزير المالية ويضم بالإضافة إلي الوزارات ذات الصلة وشاغلي الوظائف الحكومية العليا, وتمثيل عادل لمنظمات المجتمع المدني, لجنة الإشراف للإشراف علي إعداد اٍستراتيجية الحد من الفقر والتي يرأسها وزير الدولة للمالية وتضم المدراء التنفيذيين للمنظمات الممثلة في المجلس والتمثيل الواسع لمنظمات المجتمع المدني بالإضافة إلي مدير عام وحدة الحد من الفقر وإدارة إستراتيجية الحد من الفقر بوزارة المالية والتي تتكون من فريق من الخبراء المسئولين من تنسيق, إعداد, تنفيذ ومتابعة إستراتيجية الحد من الفقر. ولكن, علي الرغم من أنه حتي لو تم تفعيل وإستخدام هذا الهيكل كما ينبغي, فإنه قد لا يكون كافياً إلي حد ما لمقابلة إحتياجات عملية المشاركة الفاعلة للإستراتيجية الكاملة للحد من الفقر. لذلك يجب توسيع التغطية لتشمل مجموعات أخري من أجل إستيعاب التنوع, حركة الرعاة الموسمية, والتغيرات في أنماط الإستيطان مثل التحركات بين الولايات, تطور المدن, والهجرة من الدول المجاورة. بالإضافة إلي ذلك فإنه يجب وضع الآليات لضمان مشاركة حقيقية للمرأة, منظمات المجتمع ومجموعات الفقراء والمستضعفين. كل هذه تشكل أجزاء مكملة لخطة المشاركة التفصيلية للسودان والتي ينبغي أن يتم وضعها , الموافقة عليها, ومراجعتها وتنقيحها بصورة ملائمة.
ثانيا: استراتيجية المشاركة:
بالنظر إلي نقص الخبرة النسبي لمشاركة منظمات المجتمع المدني في عمليات وضع السياسات العامة, فإنه ينصح بإلقيام بتحليل شامل للوضع وتقييم الإحتياجات المطلوبة لبناء قدرات منظمات المجتمع المدني. بناءاً علي نتائج هذا التقييم, يمكن وضع التدابير لتحسين البيئة الملائمة لتنمية وتطوير وربط منظمات المجتمع المدني بالسياسات العامة. كذلك يمكن وضع وتنفيذ برنامج لتنمية القدرات لتقوية منظمات المجتمع المدني بصورة عامة وتعزيز مقدراتها التنظيمية, الإدارية, الاعلامية, والشبكية. بالإضافة لذلك فإنه ينبغي تشجيع منظمات المجتمع المدني للعمل في إطار شبكة والإندماج مع زيادة التغطية مع منظمات المجتمع في كل أجزاء البلاد من أجل مشاركتهم الفاعلة في إعداد وتنفيذ ومتابعة إستراتيجية الحد من الفقر. من الضروري أيضاً إقامة منابر للحوار والشراكة بين المجتمع المدني, الحكومة, والقطاع الخاص من أجل بناء الفهم والثقة المتبادلة, وتوضيح أدوار ومسئوليات كل طرف ضمن عملية إستراتيجية الحد من الفقر.
لكن كبر الحجم وتنوع السكان في السودان قد يجعل التغطية القومية الكاملة صعبة بالنظر إلي التغير المستمر في أنماط الإستيطان وتحركات السكان. ومن أجل التعامل مع ذلك, فإنه ينصح بالقيام بتحليل شامل للشركاء لتحديد من هم الشركاء, كيف تأثروا أو يمكن أن يكون تأثيرهم ومساهمتهم في عملية إستراتيجية الحد من الفقر وكذلك الوسائل الفعالة والطرق لآشراك المجموعات المختلفة في هذه العملية. بناءاً علي نتائج هذا التقييم, سيتم تحديد المستوي العملي والملائم للمشاركة مثل إختيار المجموعات التي تمثل المجتمع المدني, المنظمات مثل القطاع الخاص, المحليات, الولايات...إلخ. بالإضافة لذلك يجب تشجيع التعاون الحكومي البيني والتخطيط بين القطاعات لتسهيل مهمة الأسلوب متعدد الأبعاد للحد من الفقر. هناك أيضاً حاجة لآشراك المرأة في عملية إستراتيجية الحد من الفقر.
إن المشاركة في إعداد إستراتيجية الحد من الفقر يمكن أن يتم تنظيمها من خلال خمسة خطوات:
1/ تحريك الشركاء الأساسيين في الحكومة, المجتمع المدني, القطاع الخاص, والمجتمع الدولي علي كافة المستويات لرفع مستوي وعيهم والحصول علي إلتزامهم للمساهمة في وضع وتنفيذ إستراتيجية الحد من الفقر.
2/ تجميع البيانات والمعلومات للوصول الي فهم وإتفاق واسع حول طبيعة, عمق, وتوزيع الفقر في السودان.
3/ وضع الأولويات للحصول علي مدخلات من كل الشركاء المرتبطين في تحديد أولويات الحد من الفقر وتدابير الشراكة الإجتماعية في تنفيذ ومتابعة ومراجعة إستراتيجية الحد من الفقر.
4/ الصياغة:- لتسهيل المدخلات من الشركاء المتعددين لصياغة السياسات, تقييم أثرهم علي الحد من الفقر ووضع مسودة أستراتيجية الحد من الفقر.
5/ المصادقة والموافقة:- الوصول لإتفاق وطني حول إستراتيجية الحد من الفقر قبل الموافقة علي الوثيقة القومية لإستراتيجية الحد من الفقر والتقييم المشترك من قبل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتوفير التمويل المستقبلي لها. يلي ذلك إعداد خطة تفصيلية للتنفيذ, نظام للمتابعة والتقييم وإطار مؤسسي للشراكة والمشاركة.
ان الترتيبات المؤسسية والتنسيقية للمشاركة يجب أن تبني علي وتتكامل مع الإطار المؤسسي الموجود لعملية إستراتيجية الحد من الفقر. سيتم تكوين فريق عمل رئيسي لتنسيق عملية المشاركة لضمان المشاركة الفاعلة وإنسياب المعلومات والإتصالات في الوقت المناسب خلال هذه العملية. كما سيتم إنشاء فرق عمل للمواضيع الرئيسية تتكون من ممثلي الحكومة, الجهات الأكاديمية والمنظمات الطوعية لوضع مسودة لمختلف مكونات إستراتيجية الحد من الفقر. كذلك سيتم إنشاء شبكة مساعدين علي المستوي القومي, الولائي والمحلي لتعمل بصورة مباشرة مع مجموعات الشركاء خلال عملية المشاركة. وسوف يتم تدريبهم وتوجيههم بواسطة الفريق الرئيسي وسيعملون بتعاون وثيق مع سلطات المحلية والولائية, منظمات المجتمع المدني وبعض مجموعات الشركاء في تنظيم ورش العمل المحلية والإقليمية, حملات لجمع المعلومات العامة, والتشاور. وسوف يعمل الفريق الرئيسي والمساعدين بالتعاون مع شبكات المجتمع المدني من أجل تقوية شبكات منظمات المجتمع المدني علي مستوي المحليات والولايات وربطها ما أمكن ذلك بالمستوي القومي لشبكات منظمات المجتمع المدني. وسوف يؤدي ذلك إلي تحسين إنسياب الإتصالات والمعلومات بين المركز والقواعد بصورة فعالة.



























الخاتمة

لقد واجهت استراتيجيات اختزال الفقر فى الدول الأفريقية العديد من الانتقادات؛ فمن ناحية أولى ورغم التأكيد على أن الاستراتيجية تعد ذاتية الصياغة، تضعها كل دولة وفقاً لأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، ووفقاً لرؤية فقرائها لأسباب فقرهم، والطرق المثلى لمواجهته، والقضاء عليه. إلا أن اشتراط موافقة المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) على الاستراتيجية قبل تنفيذها يثير الشكوك حول دور هذه المؤسسات، ومدى تدخلها في عملية صياغة، وتنفيذ الاستراتيجية، ومن ناحية ثانية أثبتت العديد من الدراسات إغفال أغلب الاستراتيجيات التي تقدمت بها الدول للعديد من القضايا التي تعد هامة لتحقيق التنمية المستدامة؛ فقد أغفلت دور المرأة، وإدارة البيئة، وتحليل الآثار الاجتماعية للإصلاح الاقتصادي. وتبدو أهمية التركيز علـى دور البيئة وحسن إدارة البيئة Environ ment Management لعلاقاتها القوية باختزال الفقر؛ حيث رأى العديد أن حالة الفقر التي تشهدها أفريقيا تتطلب الانشغال بمحاربة الفقر أولاً، ثم الانشغال في مرحلة لاحقة بقضية مثل: قضية (البيئة)، إلا أن الحديث مردود عليه؛ فالنمو الاقتصادي يعتمد على الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، كما تؤثر العوامل البيئية على صحة الأفراد، وتهدد الكوارث الطبيعية طريق التنمية التي تنتهجه الدول. ومن هنا لا تصبح قضية إدارة البيئة قضية (رفاهة) تشغل بال الأغنياء فقط في الدول الصناعية، بل والفقراء في الدول النامية. إلا أن هذا لا يعني الاهتمام بهدف حماية البيئة على حساب هدف اختزال الفقر؛ فتحويل منطقة ما إلى منطقة محمية طبيعية يجب ألا يكون على حساب أهمية هذه المنطقة للفقراء، ولدورها المحتمل في اختزال فقرهم، بل يخضع الأمر إلى تحليل للربح والخسارة، وللمنافع والأضرار(1).
على أية حال، يعد نجاح الاستراتيجية في تحقيق أهدافها مرهون بالقيام بالعديد من الإصلاحات السياسية المتزامنة معها؛ فقد تكون الاستراتيجية جيدة الصياغة، تتناول بنودها كافة أوجه وأبعاد الفقر الذي يعاني منه المواطنون، لكن قد لا يتم تنفيذ هذه البنود؛ فالمراجعة الدورية لتنفيذ السلطة التنفيذية لبنود الاستراتيجية تتطلب وجود قدر من الشفافية والمحاسبية، قد لا تتوافر في الدول النامية، كما تتطلب تفعيل دور المجتمع المدني، وتقوية دور السلطة التشريعية على حساب السلطة التنفيذية، وهو ما قد لا يتوافر أيضاً في كثير من الدول الأفريقية.
والجدية والنجاح في إدخال هذه الإصلاحات هي وحدها الكفيلة بتحديد ما إذ كان تطبيق الاستراتيجية سيأتي بالجديد الذي يكفل للدول الأفريقية الخروج من مأزقها، وتحقيق الأهداف المرجو تحقيقها في الألفية الجديدة، أما أنها تصبح تكراراً للتجارب السابقة نفسها المفروضة من الخارج، ولكن هذه المرة تحت مُسمّى جديد لا يثير رفض الشعوب ومعارضتها.








المراجع


(1) هالة جمال ثابت ، الفقر فى أفريقيا واستراتيجية اختزاله ، مجلة قراءات افريقية، العدد الثانى سبتمبر 2005

(2) تقرير التنمية البشرية للعام 2003م، «أهداف التنمية للألفية: تعاهد بين الأمم لإنهاء الفاقة البشرية»، نيويورك، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2003م، ص 378.

(3) تقرير التنمية البشرية للعام 2003.

(4) محمد سليمان الضبعان ، الفقر كمفهوم وظاهرة وسبل محاربته ، مجلة الشورى ، العدد 53.

(5) موسوعة الاقتصاد السودانى : التنمية فى السودان.

(6) لوال أ. دينق ، إقتصاد ما بعد الحرب فى السودان التحديات خلال الفترة الإنتقالية 2005– 2011م. ، ورقة مقدمة بمعهد ودرو ويسلون الدولي للدارسين ، واشنطن ، 24 سبتمبر 2004.

(7) برنامج الأمم المتحدة للإنماء بالتعاون مع مكتب العمل الدولى، الخرطوم ، دراسة " الفقر فى السودان : نحو القضاء على الفقر فى السودان وتحليل لقصور القدرة البشرية وأساس لاستراتيجية ، الخرطوم ، مايو 1998م.

(8) برنامج الامم المتحدة الانمائي بالسودان ، حلقة نقاش حول : "السياسات الاقتصادية الكلية لتخفيف حدة الفقر فى السودان"، جريدة الصحافة السودانية ، العدد رقم 4486، 21/1/2007م.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,644,686,713
- من أجل وحدة الوطنية و استقرار السياسي


المزيد.....




- رئيس المجلس الوطني يهنئ رئيس المجلس الشعبي الجزائري بمناسب ...
- مورينيو يجري بسفينته نحو مدافع برشلونة بيكيه
- السجن 4 سنوات لكويتي نشر تغريدات -مهينة- للقضاء
- كيري يدعو إيران إلى اتخاذ قرارات حاسمة بشأن ملفها النووي
- جزيرة أمريكية مهددة بالغرق خلال عقود
- مصر تؤكد على الحل السياسي في سورية خلال زيارة للبحرة
- قبيلة -الأنواك-.. تصارع الحكومة الأثيوبية على حق البقاء في أ ...
- وزارة الصحة السعودية تعلن عن ثلاث وفيات وثلاث إصابات بالكورو ...
- عمّان: خطة شاملة لمواجهة إغلاق الحرم القدسي
- اتفاقية تعاون جديدة بين جامعة التفاريتي و جامعتي مورثيا و قر ...


المزيد.....

- كتاب طرق الحصول على مقالات انجليزية حصرية 100% / اشرف خلف
- الدروس المستخلصة عربيا من مسار التحول الديمقراطي عالميا-مع ا ... / ابراهيم قلواز
- المراكز الإقليمية والفكر السياسي ( لدولة الخلافة الإسلامية ) / لطفي حاتم
-               في الدستورانية العربية الجديدة: أسئلة الهوية،ا ... / حسن طارق
- مأزق نهضة الشعوب العربية والإسلامية--السودان أنموذجاً / الشيخ محمد الشيخ
- معضلة العالم العربي / نبيل عودة
- إيبولا. وباء بوجه أنظمة صحية ضعيفة أصلا، دمرتها سياسات «التق ... / ميشيل دي براكونتال
- البورجوازية في التاريخ / فؤاد النمري
- مفهوم التنوير / ابراهيم طلبه سلكها
- تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية (1934 ... / جاسم الحلوائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزو محمد عبد القادر ناجي - الفقر فى أفريقيا: أبعاده والإستراتيجيات الموضوعة لإختزاله (السودان نموذجا)